علماء يطالبون مجمع الفقه بالرجوع عن فتوى التورق
اتفقوا على أصله واختلفوا في تطبيقه 
انقسم عدد من علماء الهيئات الشرعية حول قرار مجمع الفقه الإسلامي بتحريم التورق المنظم والعكسي بين مؤكد لصحة القرار، وأغلبية طالبت المجمع بإعادة النظر فيما صدر عنه، حيث إنه كان حكماً مجملاً غير مفصل وصدر على عجل.
وأكد عاملون في القطاع في تصريحات لـ''الوطن'' أن التورق (المنظم والعكسي) جائز متى روعيت فيه الضوابط الشرعية، لافتين إلى أن الهيئات لا تجيز المعاملات التي تقع فيها مخالفات شرعية، فيما اتفقوا في أن ما صدر عن المجمع فتوى غير ملزمة وأن للهيئات العمل بما تراه مناسباً.

وكان مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أصدر، في دورته 19 أبريل الماضي قراراً جاء فيه (لا يجوز التورقان، المنظم والعكسي، وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمتورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا).
وجاء في نفس القرار (179 (5/19)) الحكم بجواز التورق (الشخصي) الذي يقوم على شراء شخص (المستورق) سلعة بثمن مؤجل من أجل أن يبيعها نقداً بثمن أقل غالباً إلى غير من اشتُريت منه بقصد الحصول على النقد.
وفسّر المجمع التورق المنظم الغير الجائز بـ''شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمن مؤجل يتولى البائع (المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً والعكسي بأنه التورق المنظم نفسه مع كون المستورق هو المؤسسة والممول''.
وأوصى المجمع في ختام بيانه بـ(التأكيد على المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية باستخدام صيغ الاستثمار والتمويل المشروعة في جميع أعمالها، وتجنب الصيغ المحرمة والمشبوهة التزاماً بالضوابط الشرعية بما يحقق مقاصد الشريعة الغراء، ويجلي فضيلة الاقتصاد الإسلامي للعالم الذي يعاني من التقلبات والكوارث الاقتصادية المرة تلو الأخرى، وتشجيع القرض الحسن لتجنيب المحتاجين اللجوء للتورق، وإنشاء المؤسسات المالية الإسلامية صناديق للقرض الحسن).
فتوى غير ملزمة
ويرى أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة د. محمد القري أن التورق المنظم جائز إذا أجري بطريقة صحيحة بوجود بيوع تامة بقبول وإيجاب على سلعة مملوكة للبائع، مؤكداً أن هذه الصورة لن يقول أحد بحرمتها وأنه متى وجد مخالفة شرعية لن يقول أحد بجوازها أيضاً.
ويرى القري أن ما صدر عن المجمع هي فتوى غير ملزمة لكونها إخبار بالحكم الشرعي وليست إنشاء لحكم.
وبحسب القري فإن وجود مخالفات في معاملة ما لا يعني إلغاءها بالكلية وإنما وضع ضوابط للتنظيم وتشديد الرقابة من قبل الجهات المعنية، لافتاً إلى أن المجمع لم يعط معاملة التورق حقها من النقاش قبل إصدار الحكم.
ا
لتورق لا يوصف بالفساد
ويرى رئيس قسم العقائد والأديان في كلية الشريعة بجامعة دمشق د. محمد سعيد البوطي أن معاملة التورق هي غاية لا ينبغي وصفها بالصحة أو الفساد فمتى كان السبيل إلى التورق عقود شرعية توافرت فيها الشرائط والأركان فهي جائزة.
وتساءل البوطي هل يمكن للعمليات الاقتصادية أن تحقق منفعة إلا عن طريق عملية التورق؟، لافتاً إلى أن الاقتصاد اليوم يقوم على جمع القيمة ثم تعود إلى المنفعة وهي عملية التورق.
القرار بحاجة لتفصيل
ويفسر رئيس الهيئة الشرعية الموحدة لمجموعة البركة المصرفية د. عبدالستار أبوغدة، التورق بأنه عقدين إحداهما لشراء سلعة بالأجل وآخر لبيع هذه السلعة لطرف ثان.
وتهدف معاملة التورق لشراء سلعة وبيعها لطرف آخر غير بائعها الأول للحصول على النقد.
ويرى أبوغدة أن التورق مشروع ولا شيء به متى روعيت الضوابط، ومنها ألا يطغى التورق على صيغ الاستثمار الأساسية في المصارف، معتبراً أنه إحدى وسائل إطفاء الديون التي غالباً ما يلجأ لها المستهلك لسداد الديون الربوية.
وأشار إلى أنه لابد من توافر شرط إمكانية القبض في عملية السلم، وأن يوكل العميل طرفاً ثالثاً يتولى عملية بيع السلعة.
واعتبر أبوغدة قرار المجمع الففهي ''عاماً بحاجة إلى تفصيل'' لافتاً إلى أن وجود تجاوزات كأن يكون البنك هو البائع والوكيل أمر غير مقبول لدى الهيئات الشرعية في البنوك.
التورق كارثة
ويخالف نائب رئيس بنك السلام في الجزائر الدكتور عز الدين بن زغيبة، سابقيه حيث يرى أن قرار المجمع بتحريم التورق جاء نتيجة تحول هذه المعاملة في بعض المصارف إلى كارثة.
ولفت إلى أن التحريم جاء من باب سد الذرائع، معتبراً أن رجوع المجمع عن فتواه السابقة التي أجازه فيها أمر صائب. ويرى بن زغيبة أن الصيرفة الإسلامية لديها منتجات أخرى مثل المضاربة العكسية تحل محل التورق.
أجيز للحاجة
إلى ذلك يرى رئيس إدارة الرقابة الشرعية في البنك الوطني للتنمية (مصر) د. محمد البلتاجي فيرى أن المجمع لم يمنع التورق الشخصي وأن التورق العكسي هو الممنوع.
ولفت إلى أن هذا النوع أجازته بعض هيئات الرقابة الشرعية في مرحلة معينة من تاريخ الصناعة الإسلامية وانتهت الحاجة لها على حد قوله.
وتقوم فكرة التورق العكسي على أن العميل لديه أموال يريد استثمارها يذهب لبنك ليبيع البنك له البضاعة ثم يشتريها منه بقيمة مضافة.
المعاملة الصورية لا تجوز
أما رئيس قسم الدراسات الأساسية بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات د. محمد سلطان العلماء، فيرى أن التورق المنظم جائز بتوافر القيود والضوابط التي منها أن تكون السلعة حقيقية وأن يمكن قبضها، فيما أن التورق الصوري الذي يجري على سلع تباع عشرات المرات في اليوم غير جائز.
واعتبر العلماء، فتوى المجمع الفقهي ترجيح لرأي المانعين مرجعاً هذه الفتوى إلى حالة الانفلات في هذا النوع من المعاملات التي حدثت لبعض البنوك
وأكد أن ما أصدره المجمع لا يعدو عن كونه فتوى لا إلزامية فيها وأن المجال أمام الهيئات لا يزال مفتوحاً لتقرير ما تراه مناسباً لمصلحة البنوك.
مخالفات في المصارف
أما عضو هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الشيخ عصام إسحاق، فرغم تأكيده وجود تجاوزات في بعض البنوك إلا أنه يرى أن الأصل أن البنوك تلتزم بالضوابط الشرعية، مؤكداً بذات الوقت جواز التورق في حال وجود الضوابط التي تشترطها الهيئات الشرعية.
ودعا إسحاق لإعادة النظر في فتوى المجمع المحرمة التي رأت أنها معاملة صورية، متسائلاً..ما وجه الصورية في معاملة بها بيع وشراء تمتلك الجهات التي تقوم بها ما يثبت ذلك؟. وقال إن ما يجري في البنوك يخضع لرقابة من هيئات شرعية تضم علماء.
أجيز من المذاهب الأربعة
واعتبر أستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الشيخ عبدالله المطلق أن التورق معاملة مالية أجازتها المذاهب الأربعة فيما أن منع بعض العلماء لها مخافة الوقع في الربا غير مسلم لكون هذه المعاملة حيلة شرعية للفرار من الربا.
ويفرق المطلق بين المعاملة الربوية والتورق، كون الأولى بها عقد واحد والتورق فيه أكثر من عقد حيث يضم أكثر من عقد بيع وشراء صحيح، بين أكثر من طرف، لافتاً إلى أن هذه المعاملة فيها حركة مالية وبضاعة تباع وتشترى مستوفية الشروط والضوابط.
وانتقد المطلق فتوى المجمع بكون التورق المنظم معاملة صورية، لافتاً إلى أنه بدأت تطبيق التورق في السلع المحلية بعملية بيع وشراء حقيقية داعياً إلى أن يعيد المجمع النظر في فتواه، نظراً لكونها لا محل لها، لأن المعاملة مختلفة عما أصدره المجمع. كما وأكد جواز التورق المنظم متى توافرت فيه الضوابط الشرعية.
قــــــرار مجمــــــع الفقــــــه بتحريــــــم التــــــورق
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي والمنعقد في دورته التاسعة عشرة في الشارقة الإماراتية من 1 إلى 5 جمادي الأولى 1430هـ ، الموافق 30 - 26 أبريل ,2009 بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع التورق: حقيقته، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)،
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبعد الاطلاع على قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بهذا الخصوص، قرر ما يلي :
أولاً : أنواع التورق وأحكامها:
(1) التورق في اصطلاح الفقهاء : هو شراء شخص (المستورق) سلعة بثمن مؤجل من أجل أن يبيعها نقداً بثمن أقل غالباً إلى غير من اشتريت منه بقصد الحصول على النقد. وهذا التورق جائز شرعاً، شرط أن يكون مستوفياً لشروط البيع المقررة شرعاً.
(2) التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمن مؤجل يتولى البائع (الممول) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً.
(3)
التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هو المؤسسة والممول هو العميل.
ثانياً: لا يجوز التورقان ( المنظم والعكسي) وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا.
ويوصي بما يلي: