|
الأحكام المتعلقة بالمفتي
تأليف
دكتور/ عبد الحي عزب عبد العال
أستاذ أصول الفقه
كلية الشريعة والقانون
القاهرة
المطلب الأول: حكام إفتاء المفتي المتفقة في نوع معين من العلم.
المطلب الثاني: حكم من أفتى الناس وليس أهلاً للفتوى.
المطلب الثالث: إفتاء المفتي في شيء لم يقع.
المطلب الرابع: حكم أخذ المفتي هدية أو أجرة، أو رزقًا.
المطلب الخامس: إفتاء المفتي في واقعة سبق له الإفتاء فيها وفي واقعة مماثلة.
المطلب السادس: إفتاء المفتي بمذهب آخر غير مذهبه.
المطلب السابع: موقف المفتي عند تعدد الأقوال والوجوه.
المطلب الثامن: إفتاء المفتي أباه أو ابنه أو من لا تقبل له شهادته.
المطلب التاسع: حكم إعراض المفتي عن الإجابة.
المطلب العاشر: حكم الإفتاء من الفاسق ومستور الحال.
المطلب الحادي عشر: الفتوى من المفضول مع وجود الأفضل.
المطلب الأول
حكم فتوى المفتي المتفقه
في نوع معين من العلم
إذا حصلت أهلية الاجتهاد لشخص في نوع معين أو باب معين من العلم، بحيث حصلت له المعرفة في بعض الأبواب الشرعية دون البعض الآخر، فهل له الإفتاء في النوع الذي حصلت له المعرفة به دون البعض الآخر؟
هذا المطلب بحثه العلماء في موضوع تجزئة الاجتهاد، فالمفتي الذي تخصص في نوع معين من المعرفة بحيث حصل له الإلمام التام بها ويمكنه استنباط ما يتعلق بها من أحكام شرعية، كمن حصلت له المعرفة في باب البيوع أو الأنكحة، أو الأقضية، أو الفرائض، أو غيرها هل له الإفتاء اختلف العلماء في هذا على أقوال:
القول الأول: وعليه الجمهور أنه يجوز له الإفتاء فيما تخصص فيه من معرفة، وقد صحح هذا الإمام ابن القيم، فقال: «فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به»([1]) وقد قال بهذا من أجاز تجزئة الاجتهاد، كالغزالي، والآمدي، والفخر الرازي وغيرهم، ونسبه الفتوحي وغيره إلى الكثير([2]).
وقد استند هؤلاء إلى أن: الإلمام بجميع فروع العلم ربما لا يتيسر لكثير من الناس، فإذا منع الإفتاء لمثل هذا تعثر على الناس الوصول والعثور على من يفتيهم في أمور دينهم، وكم من مجتهد أفتى ولم يتحقق له المعرفة بجميع الجزئيات، وما دام هذا المفتي قد تخصص في نوع معين من المعرفة وعرف الحق وحصل له الحكم في الباب الذي تخصص فيه فما المانع الذي يمنعه من الإفتاء في هذا الحكم.
القول الثاني: إنه لا يجوز له الإفتاء، حيث ذهب إلى هذا القول من منع تجزؤ الاجتهاد؛ لأن أبواب الشرع وأحكامه يتعلق بعضها ببعض، فالجهل ببعضها يكون مظنة للتقصير وعدم الإلمام بالباب الذي لديه معرفة به، فيمنع الإفتاء لمظنة التقصير وعدم الإحاطة بالمسألة([3]).
وقد اعترض على هذا: بأن ما يقولونه من احتمال عدم الإلمام بالباب الذي تفقه فيه لتعلق الأبواب والأحكام بعضها ببعض واتصالها ببعضها هذا كلام غير مسلم؛ لأنه مبني على مجرد الاحتمال وهو لا يجوز، كما أن المفتي المتبحر في نوع معين من العلم هو على إحاطة ودراية بالحكم الذي يتعرض للإفتاء فيه فلا مانع يمنعه من الإفتاء فيه ما دام قد حصلت له معرفته، حيث إننا نفترض في المفتي الذي حصل له الإلمام بالباب المعرفة الشاملة به.
القول الثالث: إن المفتي الملم بالباب يجوز له الإفتاء فيه كالمجتهد الذي حصل له المعرفة بباب من أبواب العلم، أما المفتي الذي حصل له المعرفة بمسألة فقط فلا يجوز الإفتاء فيها كالمجتهد في هذا أيضًا؛ لأن المعرفة والاجتهاد والافتاء في الباب أمر مستساغ بخلاف المسألة([4]).
القول الرابع: يجوز الإفتاء في الفرائض لمن تتجر فيها فقط دون غيرها؛ لأن باب الفرائض له صفة خاصة لما له من استقلالية عن غيره من الأبواب، وقد أخذ بهذا القول ابن الصباغ وغيره([5]).
وأرى: إنه لا مانع من الإفتاء لمن تبحر في نوع معين من العلوم، أو في باب معين من الأبواب سواء في الفرائض وغيرها، حيث إن هذا هو ما يشهد له الواقع وإلا لتعسر على الناس المعرفة بأمور دينهم ودنياهم حيث إن وجود المجتهد أو المفتي الملم بجميع أنواع المعرفة أمر نادر.
وقد قال الإمام ابن القيم: «فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في المعرفة بمسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما»؟
قيل: نعم يجوز في أصح القولين، وهما وجهات لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله ورسوله، وجزى الله من أعان الإسلام([6]) ولو بشطر كلمة خيرًا، ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض.
والله أعلم
المطلب الثاني
حكم من ليس أهلا للفتوى
لقد ضبط العلماء أمر الإفتاء لما له من خطورة بالغة فاشترطوا شروطًا فيمن يتعرض للإفتاء بمقتضاها يكون أهلاً للإفتاء، كما وضعوا له صفاتًا تضمن وضع المفتي في المنزلة التي تليق به، ويبينوا ما عليه من التزامات وما يتحلى به من آداب كل هذا يمثل ضوابطًا وأسسًا تضفي على الإفتاء بهاء ومنزلة وتحيطه حصانة تمنع من التهوين بشأنه، ولذا فإن من يتعرض للإفتاء لابد أن يكون أهلاً لهذا المنزلة وإلا كان بمنزلة من دخل في مكان غريب عليه،
واستحق أن يكون بمثابة من يدل الركب وهو على غير علم بالطريق، أو بمنزلة من يرشد إلى القبلة وليس له علم بها، أو بمنزلة من لا معرفة له بالطب وبقوم بمداواة الناس، وهذا هو ما وصفه به أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله، كما نقله ابن القيم، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، فإذا كان هؤلاء يقدمون ضررًا للناس في دنياهم فهذا يقدم ضررًا للناس في دينهم ودنياهم فكان أسوأ حالاً منهم.
فيتعين على ولي الأمر أو من يقوم مقامه منع هؤلاء من الإقدام على ما لا يحسنون صنعه، وكذلك منعه مثل هذا النوع من المفتيين من الإفتاء.
والمفتي الذي لا ليس أهلاً للإفتاء ويتعرض للإفتاء هو آثم ومستحق للعقاب في الدنيا والآخرة، والذنب يقع عليه وعلى من ولاه.
وقد نقل الإمام ابن القيم فقال: «فكان مالك - رحمه الله - يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له بل أن يجيب فيها أن يعرض نفيه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصة في الآخرة ثم يجيب فيها».
وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله عز وجل: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً)([7])، فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأله عنه يوم القيامة([8]).
وقال نقلاً عن مالك أيضًا: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وقال لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت: ربيعة، ويحيى بن سعيد، فأمرني بذلك، ولو نهياني انتهيت، قال: وإذا كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحد منهم عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما أخذوه من السداد والطهارة، فكيف بنا الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا؟.
وكان - رحمه الله - إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار([9]) ونقل ابن القيم أيضًا عن الإمام أحمد فقال:
«وقال الإمام أحمد: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تلجئ الضرورة».
ونقل عن الشعبي فقال: «لا أدري، فقيل له ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت ففيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحِ حين قالوا: (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)([10])».
ونقل حكمة عن بعض أهل العلم فقال: «تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري».
ونقل أيضًا فقال: «وقال ابن أبي ليلى: «أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا إلى هذا حتى ترجع إلى، وما منهم من أحد يحدث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه»([11]).
وغير هذا الكثير مما امتلأت به الكتب من آثار عظيمة عن السابقين لعلنا نقتفي آثرهم ونتخلق بخلقهم نقلت البعض منها لما لها من أثر طيب في نفس من أسلم أمره لله وأخلص لخالقه في فتواه.
فالإمام مالك - رحمه الله - يتندر بما كان عليه الصحابة ويقول: «فكيف بنا وقد غطت الذنوب والخطايا قلوبنا»؟
وهو الذي ذاع صيته في التقوى والورع والعلم والفضيلة وحفظ السنة، فأين نحن من هؤلاء ليس لنا إلا أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فنحن في زمن اشتد فيه البلاء وكثرت فيه الفتن وملأ الغرور والكبر قلوب الكثير من دعاة العلم وأنصاف المتعلمين، وأصبح يتجرأ على الدين الكثير ممن لا يفقهون منه إلا القدر اليسير، وهان أمر الفتوى على الكثير من الناس، ودخل في ميدانه من كان أهلاً ومن ليس أهلاً له فاختلط الحابل بالنابل، مما جعل الأثر وخيم والظلم للنفس عميم، وهذا ما نبأنا به الصادق الأمين، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسألوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» ([12]).
صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن أفتى بغير علم ضل وأضل ولو علم سوء عاقبته ما قدم على هذا وما تجرأ عليه.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظنا من هذا ولكن إن شاء الله الأمل موجود بفضل الله وبوجود هذه الفئة من أساتذتنا الأجلاء حفظهم الله ونفعنا بعلمهم آمين.
المطلب الثالث
إفتاء المفتي في شيء لم يقع
المستفتي فيه: إما أن يكون أمرًا كان موجودًا من قبل، وأفتى فيه المجتهدون، وإما أن يكون أمرًا جديدًا لم يقع من قبل.
فإن كان أمرًا قديمًا قد أفتى فيه المجتهدون من قبل فننظر إن كان الحكم فيه محل إجماع من المجتهدين فإنه لا يسوغ للمجتهد ولا غيره مخالفته، بل يجب الإفتاء بما ورد الإجماع به وإن كان الحكم محل خلاف بين المجتهدين بحيث ورد فيه قولان أو أكثر فهذا محل خلاف.
فيرى الجمهور: العمل بما ورد في المسألة من أقوال، فيأخذ بأحدها وإن كان فيه قولان أخذ بأحدهما، ولا يجوز إحداث قول آخر فيها والإلزام خلو العصور السابقة من قائل بالحق وهو لا يجوز.
مثال هذا: مسألة الأخ مع الجد، فقد اختلف فيه الصحابة - رضوان الله عليهم - فأفتى زيد بتوريث الأخ مع الجد، وأفتى أبو بكر بجعل المال كله للجد.
وفي عهد ابن حزم أفتى بأن المال كله للأخ.
وذهب البعض الآخر من العلماء - منهم الآمدي، والرازي, وابن الحاجب وغيرهم - إلى القول بالتفصيل، فقالوا: «إن كان إحداث قول آخر في المسألة رافعًا للإجماع, فإنه لا يجوز, وإلا فلا»([13]).
أما إذا كانت المسألة المستفتى فيها أمرًا جديدًا لم يقع من قبل, فهل يجوز الاجتهاد في هذا الأمر والإفتاء فيه؟.
اختلف العلماء في هذا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يجوز؛ لما ورد من قوله - صلى الله عليه وسلم-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) ([14]) فقد أجاز - صلى الله عليه وسلم- الاجتهاد وعمل به، كما عمل بالاجتهاد الصحابة والسلف الصالح، فجاز الاجتهاد في كل ما لم يقع من قبل.
القول الثاني: يجب على المجتهد أن يقف حيال هذه المسألة ولا يجوز له الإفتاء فيها، فقد نقل عن الإمام أحمد قوله لبعض أصحابه: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)([15]).
كما أن السلف الصالح كانوا يتدافعون المسائل, وكل واحد منهم ودَّ لو أن أخاه كفاه إياها، مع أنهم كانوا أهل اجتهاد.
القول الثالث: التفصيل وهو ما رآه الإمام ابن القيم فقال: (والحق التفصيل, فإن كان في المسألة نص من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو آثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص ولا آثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لم تفع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد, وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب فيها بما يعلم، لاسيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو أولى, والله أعلم)([16]).
وأرى أنه لا مانع من الاجتهاد في كل ما يستجد ويقع، فإذا وقعت واقعة, أو حدثت حادثة هبَّ المجتهدون في كل عصر لبيان حكم الشرع فيها, واستنباط ما يلزمها من حكم شرعي، حيث إن الحوادث متجددة, والوقائع لا تتناهى, والشريعة صالحة لكل زمان ومكان بالذكر والدراسة, والاجتهاد والنظر والاستنباط, فالحاجة تدعو إلى هذا، وعدم الإفتاء فيما يستجد يعطل مصالح الناس فيما هو واقع من الوقائع، فمسائل الفروع لابد من الاجتهاد فيها سواء وقعت قبل ذلك أو لم تقع، ما دامت المسألة من المسائل الاجتهادية, فلا مانع من الاجتهاد فيها.
وأما المسائل التي هي مظنة الوقوع, أو التي وقوعها نادر، أو مستبعد, فالنظر فيها يكون حسب حال المستفتي, فإن كان المستفتي يقصد الوقوف على الحقيقة فلا مانع من الاجتهاد فيها؛ لإيقاف المستفتي على الحقيقة, وكذلك إذا أراد السائل التفقه أو التعلم.
أما إذا كان السائل يقصد العناد والجدال الذي لا يفيد, فمن المستحب الإعراض عن هذا السائل, وعدم مجاراته, وترك الاجتهاد فيما يعرضه من مسائل؛ غلقًا لباب العناد والجدال المنهي عنه, والله أعلم.
المطلب الرابع
حكم اخذ المفتي
هديةً أو أجرةً أو رزقًا على الفتوى
أولاً: بالنسبة للهدية
فإن الإسلام لم يحرم الهدية لذاتها, وإنما حرَّم الإسلام الهدية إذا أحدثت أثرًا يعود بالضرر على الفرد والمجتمع، كأن يكون القصد منها إفساد الذمم, أو ضياع حقوق الغير.
ومن هنا نظر العلماء إلى الهدية للمفتي من جانبين:
الجانب الأول: كون الهدية للمفتي أو لغيره بدون سبب, أو بدون قصد سيء، كمن كانت عادته الإهداء لشخص المفتي, أو صاحب الجاه والسلطان، أو من يقدم الهدية تقديرًا لعلمه وحبًّا له ولأخلاقه، أو كمن يقدم الهدية للمفتي دون العلم أنه يشغل منصب الإفتاء، أو من يقدم الهدية دون مصلحة له عند المفتي، فمثل هذه الحالات لا حرج على المفتي في قبول الهدية, خاصة إذا كانت فتوى المفتي غير ملزمة.
الجانب الثاني: كون الهدية رجاء العون على الخصم, أو قصد حصول كسب من وراء الهدية، أو الإهداء لاستحلال شيء حرَّمه الشارع أو غيره هذا من الأمور المحرمة, أو الأمور التي فيها شبهة، ففي هذه الحالة تكون الهدية محرمة, ويحرم على المفتي قبولها، وعلى من يقدم على هذا الكف عن مثل هذا العمل المشين؛ لأن هذا يعد رشوة أو يكون في حكم الرشوة، وعلى هذا فإن فتوى المفتي في هذه الحالة عند قبول الهدية لا يعمل بها.
ولهذا قال الإمام ابن القيم: «وأما الهداية ففيها تفصيل: فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه, أو من لا يعرف أنه مفتٍ فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافئ عليها, وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غير مما لا يهدي له لم يجز قبول هديته، وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنه في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس، كره قبول الهدية؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء»([17]).
وفي «مواهب الجليل»([18]): «قال ابن فرحون: ما أهدي إلى الفقيه من غير حاجة فجائز له القبول، وما أهدي إليه رجاء العون على خصمه, أو في مسألة تعرض عند رجاء قضاء حاجته على خلاف المعمول به, فلا يحل قبولها وهي رشوة يأخذها.
وكذلك إذا تنازع عنده خصمان, فأهديا إليه جميعًا أو أحدهما يرجو كل واحد منهما أن يعينه في حجته, أو عند حاكم إذا كان مما يسمع منه, ويوقف عنده, فلا يحل له الأخذ منهما ولا من أحدهما».
وفي «كشاف القناع»: «وله قبول هدية، والمراد لا يفتيه بما يريده مما لا يفتي به غيره، وإلا - أي إن أخذها ليفتيه بما يريده مما لا يفتي به غيره - حرِّمت عليه الهدية»([19]) وفي «حاشية رد المحتار»: «يجوز للإمام والمفتي والواعظ قبول الهدية؛ لأنه إنما يهدي إلى العالم لعلمه»([20]) ولعله قصد الإهداء الذي لا يترتب عليه إفساد الذمم.
ثانيًا: بالنسبة لأخذ الأجرة على الإفتاء:
فإنه لا يجوز للمفتي أخذ الأجرة على الفتوى؛ لأن المفتي يقوم بوظيفة سامية هي وظيفة التبليغ عن الله ورسوله, وهذا أمر ينبغي عدم دفع الأجرة عليه, حيث إن هذا العمل منزَّهٌ عن المعاوضة، فليس من المستساغ - مثل أن يلجأ شخص للمفتي يسأله عن أحكام الوضوء, أو الصلاة, أو أمر يتعلق بالحلال والحرام, فيقول له المفتي: «لن أفتيك به حتى تدفع أجرة على ما أفتيك به» فهذا يتنافى مع وظيفة التبليغ، وإذا أخذ عوضًا لزمه ردَّه لتنافيه مع ما تستوجبه المروءة.
إلا أن البعض من العلماء أفتى بأنه إذا طلب الفتوى مكتوبة بخط المفتى جاز للمفتي أن يطلب أجرة على ذلك، حيث لا يلزمه الكتابة، فالأجرة في هذه الحالة تكون على الكتابة, وليست على الفتوى.
وصحح ابن القيم خلاف هذا، حيث قال: «والصحيح خلاف ذلك، وإنه يلزمه الجواب مجانًا لله بلفظه وخطه, ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر»([21]).
أما الخطيب البغدادي فقال: «لا يسوغ للمفتي أن يأخذ الأجرة من أعيان من يفتيه، فالحاكم الذي لا يجوز له أن يأخذ الرزق من أعيان من يحكم له وعليه، وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في بيت مال المسلمين، فإن لم يكن هناك بيت مال, أو لم يفرض الإمام للمفتي شيئًا, وامتنع أهله على أن يجعلوا له من أموالهم رزقًا؛ ليفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك»([22]).
ثالثًا: بالنسبة لأخذ الرزق:
فإنه لا مانع من جعل رزقًا من بيت المال للمفتي إن كان محتاجًا لذلك, فإذا كان يحرم على المفتي أخذ أجرة على الفتوى, فإنه لابد من جواز أخذ الرزق حتى يمكنه الاستعانة منه على متطلبات حياته، وكل هذا يكون من بيت مال المسلمين، وهو أمر على ولي الأمر أن يتنبه إليه، حتى يمكن للمفتي التفرغ للفتوى, وإذا لم ينتبه ولي الأمر لذلك طلبه المفتي للاستعانة به على معيشته ومعيشة أولاده، حتى لا يضطره الأمر إلى أخذ أجرة على الفتوى، فيستشاع في الأوساط أن علوم الشريعة تؤخذ بمقابل كالسلعة التي تباع وتشتري، وهو ما يجب أن تتنزَّه عنه علوم الشريعة.
وكذلك الأمر بالنسبة للقاضي, وكل من يقوم بأمر من أمور المسلمين, والأجرة إنما هي على العمل, وليست على القضاء أو الفتوى، وهذا أمر فعله الخلفاء والولاة والأئمة قبل ذلك، فهذا هو الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه- يكتب إلى والي حمص ويقول له:
«انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه, وحبسوا في المسجد عن طلب الدنيا فأعطِ كل رجل منهم مائة دينار يستعينوا بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا, فإن خير الخير أعجله, والسلام عليك»([23]).
أما إذا كان المفتي غنيًّا عن أن يرزق من بيت المال أو من غيره, ففي هذا وجهان حيث إن الأمر متردد بين عامل الزكاة, وعامل اليتيم:
فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: «النفع فيه عام فله الأخذ».
ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ.
«وحكم القاضي في هذا أو كل من يقوم بأمر من أمور المسلمين حكم المفتي»([24]) هكذا قال ابن القيم.
وأرى أنه لا مانع من أخذ الرزق سواء للغني أو المحتاج, حيث إن أخذ الرزق يجب أن يفسر على أنه مقابل حبس نفسه لهذا العمل، وليس مقابل الفتوى، فإذا كان عامل الزكاة يأخذ الرزق, فإنه يأخذه مقابل العمل دون النظر إلى الاحتياج وعدمه, فكذلك المفتي يجب أن ينظر إليه على أنه يقوم بعمل, ويحبس نفسه لخدمته, والنهوض به فيستحق الرزق مقابل هذا، مع الأجر والثواب عند الله على الإخلاص في العمل.
أما عامل اليتيم أو القيم على مال اليتيم, فإن الحكمة في عدم الأخذ هي تنمية مال اليتيم, ورعايته لوجه الله سبحانه وتعالى ( وَمَن كَانَ غَنِياًّ فَلْيَسْتَعْفِفْ)([25]) ويحتسب الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى (وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)([26]) حيث لا وسيلة لديه للارتزاق, وهو حابس نفسه على القيام برعاية اليتيم, أو رعاية أمواله إلا أن يرتزق من مال اليتيم, فاستحق الرزق للتفرغ لهذا.
أما المفتي فلابد أن يجعل له ولي الأمر, أو من يقوم مقامه راتبًا على عمله تشجيعًا للقيام بهذا العمل, والتفرغ التام له، وهذا هو واقع الأمر.
والله أعلم
المطلب الخامس
إفتاء المفتي في واقعة سبق
الإفتاء فيها أو واقعة مماثلة
إذا أفتى المفتي في الواقعة، ثم وقعت هذه الواقعة مرة أخرى, أو وقعت واقعة أخرى تماثل تلك الواقعة, فهل يجب على المفتي تكرير النظر في هذه الواقعة, وتجديد الاجتهاد فيها, أم يكتفي بما سبق من اجتهاد, ويفتي في هذه الواقعة بناء على ما سبق من اجتهاد؟.
الحكم هنا يختلف عمّا إذا كان المفتي ذاكرًا لما سبق من حكم, وذاكرًا لما استند إليه من دليل في ذلك الحكم، وعمّا إذا لم يكن ذاكرًا لما سبق، فإن كان ذاكرًا للواقعة السابقة عالمًا بما أفتاه فيها, ذاكرًا لما استند إليه من دليل, وكانت الواقعة المستحدثة متماثلة تمامًا مع الواقعة السابقة بحيث لا يوجد فيها ما يوجب تجدد الاجتهاد وتكرير النظر، فإنه يجوز للمفتي أن يفتي في الواقعة المتماثلة بما سبق له الإفتاء في الواقعة القديمة دون حاجة إلى نظر واجتهاد؛ لأن النظر أو الاجتهاد في هذه الحالة يكون من باب تحصيل الحاصل, وهو لا يجوز.
أما إذا كان المفتي ذاكرًا للواقعة القديمة وحكمها فقط, ولكنه غير ذاكر لما استند إليه من دليل, ففي هذه الحالة اختلف العلماء.
فذهب البعض إلى أنه يلزم تكرير النظر, وإعادة الاجتهاد فيها، وهو ما جزم به القاضي الباقلاني؛ لاحتمال تغير اجتهاده, وظهور ما كان خافيًا, فبإعادة النظر يمكن له أن يطلع على ما لم يكن قد اطلع عليه قبل ذلك.
وهذا التمسك يلزم منه كثرة الاحتمالات؛ لأن الاحتمال قائم في كل وقت, وإذا أخذنا بهذا لزم منه عدم انتهاء الأمر إلى حد معين وهو لا يجوز، فلزم الانتهاء إلى حد معين من الاجتهاد, وسد باب الاحتمال.
وذهب البعض الآخر([27]) إلى أنه لا يلزمه تكرير النظر, وإعادة الاجتهاد، وهذا هو المختار عند ابن الحاجب وغيره؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وما دام لم يوجد ما يوجب الاجتهاد، حيث لم يظهر ما يغير الاجتهاد الأول, فما الحاجة إذا إلى إعادة النظر؟!.
الواقع أنه لا حاجة, فيجب الاقتصار على الاجتهاد الأول([28]) ما دام لم يظهر ما يدعو إلى الاجتهاد.
وأرى أنه إذا تكررت الواقعة بعينها، أو تشابهت الواقعة الجديدة مع الواقعة السابقة في جميع الأسس التي تقوم عليها، وكان المفتي ذاكرًا لكل ما قاله في الواقعة القديمة، بحيث كان لديه الإدراك الشامل لكل ما تشتمل عليه من أمور جوهرية وشكلية، عالمًا بكل تفاصيل المسألة، ذاكرًا لما قاله فيها من حكم، ذاكرًا لكل ما أسس عليه الحكم، فإنه لا داعي إلى الاجتهاد في الواقعة الجديدة, وإعادة النظر فيها مرة ثانية؛ لأن هذا يكون من قبيل التحصيل للحاصل, وهو ممنوع عند الأصوليين, وهذا هو الأصح عند ابن الصلاح وغيره، حيث قال:
«والأصح أنه لا يفتي حتى يجدد النظر، وبلغنا عن أبي الحسين بن القطان([29]) - أحد أئمة المذاهب - أنه كان لا يفتي في شيء من المسائل حتى يلاحظ الدليل، وهكذا ينبغي لمن هو دونه، ومن لم تكن فتواه حكاية عن غيره لم يكن له بد من استحضار الدليل فيها, والله تعالى أعلم»([30]).
المطلب السادس
إفتاء المفتي بمذهب غير مذهبه
المفتي المتمذهب بمذهب معين إذا أفتى بما عليه مذهبه جاز, وهو المطلوب حيث إنه التزم بما عليه مذهبه قولاً وعملاً وإفتاء، ولكن هل يجوز له أن يفتي بمذهب آخر خلاف مذهبه المنتسب إليه؟.
الواقع أن الأمر لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط كأن يقال له - مثلاً-: «ما مذهب الشافعي في كذا وكذا؟»
الثانية: أن يسأل عن حكم الله الذي أداه إليه اجتهاده.
فإن كان السؤال عن مذهب ذلك الإمام فليس للمفتي الإخبار بغيره، إلا إذا كان الإخبار بشيء من الغير على وجه الإضافة فقط.
وإن كان السؤال عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين فهذا يجب على المفتي الإفتاء بما هو راجح عنده، وبما هو أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- سواء من مذهب إمامه أو من مذهب غيره.
وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم: «فإن الله سائلهما - أي المفتي والحاكم - عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- فيقال له في قبره: (ما كنت تقول في الرجل الذي بعث؟)
قال تعالى: ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)([31])، ولا يسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يسأل عن من اتبعه وأتم به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ ويعد للجواب صوابًا([32]).
ونقل الإمام ابن القيم عن بعض الصالحين حكمه فقال: «أشار علي بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه وسؤاله الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير أنت علي؟
قال: فقلت له: اجعل المذاهب ثلاثة أقسام:
قسم الحق فيه ظاهر بيَّنٌ، موافق للكتاب والسنة فاقضي به وأفت به طيب النفس، منشرح الصدر.
وقسم مرجوح ومخالفه معه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عنك.
وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تدفعه عنك، فقال: جزاك الله خيرًا».
وقال: «وقالت طائفة أخرى: من وجد حديثًا يخالف مذهبه، فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقًا أو في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة؛ فالعمل بذلك الحديث أولى.
وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابًا شافيًا فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا؟
فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم». نقله عن ابن الصلاح.
فهذا كلام قيم من الإمام ابن القيم؛ إذ يجب على المفتي أن يستفتي قلبه ويفعل ما يرضى ربه، سواء كان قول لإمامة أو قول غيره فما دام لدى المفتي قدرة على الاجتهاد والترجيح فعليه أن يبحث ويأخذ بما هو أرجح وبما هو أوفق، والله تبارك وتعالى أعلم.
المطلب السابع
موقف المفتي في حالة
تعدد الأقوال والوجوه
قد يعرض على المفتي المنتسب إلى مذهب إمام معين قولان أو أكثر فهل يجوز للمفتي أن يفتي بأيهما شاء؟
ذهب العلماء إلى أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بما شاء من القولين، وإنما عليه أن يبحث أولاً عن تاريخ القولين، فإن علم المتأخر منهما فعليه أن يأخذ بالمتأخر؛ لأنه يكون ناسخًا للمتقدم كما في حالة القول القديم والقول الجديد للشافعي في المذهب.
وإن كان الإمام قد ذكر القولين معًا فيجب العمل بما رجحه الإمام بدليله، وإن كان الإمام قد ذكرهما دون أن يرجح أحدهما على الآخر فعلى المفتي البحث عن الأرجح والأصح منهما، متعرفًا ذلك من أصول مذهب الإمام بحيث لا يتجاوز في الترجيح قواعد المذهب إلى غيرها، وهذا إذا كان المفتي من أهل الاجتهاد ومن أهل الترجيح في المذهب وإن لم يكن أهلاً لذلك، نقله عن بعض أهل التخريج من أئمة المذهب، وإن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه التوقف.
هذا هو ما اختاره النووي وابن القيم وغيرهما.
قال الإمام النووي - رحمه الله-: «كل مسألة فيها قولان للشافعي- رحمه الله- قديم وجديد، فالجديد هو الأصح وعليه العمل؛ لأن القديم مرجوح عنه، وهذا في الغالب الأعم، فقد استثنى جماعة من الأصحاب كثيرًا من المسائل وقالوا: «يفتي فيها بالقديم» منها:
- - مسألة التثويب في أذان الصبح، القديم استحبابه.
- - ومنها مسألة لمس المحارم، والقديم لا ينقض.
- - ومنها مسألة تعجيل العشاء، القديم أنه أفضل، إلى غير ذلك من المسائل هذا وإن لم يعلم المفتي المتأخر من القولين عمل بالذي رجحه الشافعي، وإن لم يكن الإمام الشافعي قد رجح أحد القولين على الآخر، فإنه حينئذٍ يلزم المفتي البحث عن أرجحهما.
فإن كان أهلاً للترجيح استقل به متعرفًا ذلك من نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده.
وإن لم يكن أهلاً للترجيح نقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة، وإن لم يجد في ذلك ترجيحًا للشافعي أو للأصحاب توقف»([33]).
وذهب القاضي أبو يعلى: «إلى أنه يجوز للمفتي عند اعتدال القولين أن يفتي بأسهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء».
وذهب البعض: «إلى أنه عند اعتدال القولين يجوز للمفتي أن يخير المستفتي، فيقول له: «أنت مخير بينهما» لأنه إنما يفتي بما يراه والذي يراه وهو التخيير.
وذهب البعض الآخر: إلى أنه يفتيه بالأحوط من القولين.
أما الإمام ابن القيم فقد سرد هذه الأقوال، وقال: «قلت: والأظهر أنه يتوقف ولا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما؛ لأن أحدهما الخطأ والصواب، وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض ـمران خطأ وصواب ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يقدم على أحدهما، ولا يخيره.
وكما لو استشاره في أمر، فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولا يخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان: مهلكة، وموصلة، ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الإقدار ولا التخيير، فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف، والله أعلم»([34]).
وإذا كان القولان لإمامين فللمفتي الإفتاء- كذلك- بما رجح عنده من القولين، وهو اولى؛ لأن أتباع الأئمة يفتون بما رجح عنه الأئمة من أقوال.
فأتباع الأئمة يفتون كثيرًا بأقوال كثيرة رجع عنها أئمتهم، وهذا موجود في سائر الطوائف، نقله ابن القيم([35]) وغيره.
فالحنفية يفتون: بلزوم المنذورات التي مخرجها مخرج اليمين، كالحج، والصوم، والصدقة، وقد حكوا عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير.
والحنابلة يفتي الكثير منهم بوقوع طلاق السطران، وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع.
والشافعية يفتون: بالقول القديم في مسألة التثويب، وامتداد وقت المغرب، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين، وغير ذلك من المسائل التي صرح الإمام الشافعي بالرجوع فيها ولم تبق قولاً له، فإذا أفتى به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده جاز ولم يخرجه هذا عن التمذهب بمذهبه، فكذلك يمكن أن يفتي بالأرجح من القولين لإمامين من الأئمة الأربعة أو غيرهم إذا ترجح لديه أحد القولين أو أحد الأقوال والله أعلم.
وأما الوجهان، فقد يكونان لشخصين، وقد يكونان لشخص واحد.
فإن كان لشخصين فيقال فيهما ما قلناه في الأقوال، وإن كان لشخص واحد فإنه يراعي فيها ما قيل في القولين للشخص الواحد أيضًا.
وعلى أي اعتبار فإنه لا يجوز للمفتي أن يفتي أو يعمل بما شاء من غير نظر ومن غير بحث وترجيح، وإلا فإنه يكون قد خرق ما عليه الجمهور ويكون قد خرج عن الواقع، ويكون عمله من قبيل العمل بالتشهي والهوى وهو حرم.
وهذا هو ما نبه عليه ابن الصلاح، فقال: «واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقًا لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به فقد جهل، وخرق الإجماع» ([36]).
المطلب الثامن
إفتاء المفتي أباه أو ابنه
أو من لا تقبل له شهادته
بينا فيما سبق أن المفتي مبلغ عن الله ورسوله ومخبر عنهما، ولهذا فإن الإفتاء يجري مجرى الرواية، ومن هنا اختلف الإفتاء عن القضاء والحكم، فالحكم أو القاضي متهم في الحكم لابنه أو لأبيه أو لكل من هم في درجة لا تجوز شهادته لهم، وكذلك الشاهد متهم، ومن هنا استبعد القاضي والحاكم والشاهد للاتهام ومظنة الجور وعدم الإنصاف، فصونًا لهذا المقام استبعد القاضي والحاكم من القضاء أو الحكم لكل من ابنه أو أبيه أو لكل من لا تجوز له شهادته صونًا لهذا المقام من الاتهام.
ولهذا فإن الراوي يدخل في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل المفتي في حكم الفتوى التي يفتي بها، ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه، فيفتي أباه - مثلاً- أو ابنه أو صديقه بشيء ويفتي غيره بشيء آخر، فهذا يقدح في عدالته.
وإذا كان يجوز للمفتي أن يفتي نفسه فمن باب أولى يجوز له أن يفتي أباه أو ابنه، فيجوز للمفتي أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره؛ لأن المفتي داخل الحكم.
فمثلاً: الرسول - صلى الله عليه وسلم- مبلغ للأحكام عن رب العزة سبحانه وتعالى، ولكنه داخل في التكليف بما يبلغه من أحكام، فكذلك كل من يقوم بمقام التبليغ والإخبار مشمول بما يبلغه لغيره.
وإذا كانت هناك رخص شرعية يعمل بها المفتي فإنه لا يجوز له أن يفتي نفسه وأقاربه بها ويفتي الغير بالمنع، فهي محاباة يعلمها الله ويأباها قلب المؤمن الذي قال فيه الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون»([37]).
المطلب التاسع
حكم إعراض المفتي عن الجواب
إذا كانت الفتوى من الأمور الهامة في الشريعة الإسلامية لما لها من مقام التبليغ والإخبار عن الله ورسوله فإنه يجب على المفتي إذا عرضت عليه الفتوى الاهتمام بأمر السائل وإحاطته بما هو حق، وما هو أنفع له في دينه ودنياه، لما في ذلك من إرضاء لله ورسوله حيث إن تبليغ الشرع واجب وكتمانه حرام، «فمن كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»،
ومثل العلم الذي يكتم علمًا علمه الله له كمثل الشجرة التي لا ورق لها ولا ثمر، فلا بها ظل ينفع ولا ثمر يفيد، فكانت كعدمها، والعامل بعلمه الذي يحرص على أن يبلغه للناس محبوب عند الناس محبوب عند الله، أما العالم غير النافع بعلمه مكروه عند الله، مبغوض من الناس، فندعو الله أن يجعلنا جميعًا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ولكن هناك أمور ينبغي للمفتي عدم التصدر للجواب أو الإفتاء فيها، أو هي من الأمور التي يجوز له الإعراض عن الجواب فيها، لما في ذلك من المصلحة التي تعود بالنفع على السائل وربما على المجتمع، فيعرض عن إجابة المستفتي إذا رأى أنه أنفع وأفضل، فيعرض عن الجواب بالكلية، وقد يرى أن الإعراض عن الجواب الذي سأله السائل أنفع ويفتيه بجواب آخر فيجوز.
ولكن يجوز للمفتي الإعراض عن جواب السائل في الحالات الآتية:
1- إذا رأى أن المستفتي لا يقصد من سؤاله الانتفاع والحرص على معرفة أمور دينه وخوفه من الجليل، وإنما يقصد من سؤاله التشكيك والعناد والكيد لدين الله وهؤلاء منهم الكافر والمنافق، ومنهم المسلم الذي لا يعرف عن دينه إلا القليل النادر ولا يخضع ليتعلم العلم من أهل العلم، وإنما يجادل وينافق ويتكبر ولا يعطي التعلم حقه، وهو ما نراه كثيرًا في هذا الزمن، فنجد البغاة الذين بغوا وخرجوا عن صفوف أهل السنة والجماعة أتوا بالشبه والفتن المدفوعة الأجر وغير المدفوعة الأجر للنيل من دين الله.
وهم بهذا ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ)([38])
فيا له من حقد دفين في قلوبهم وغل في أعماقهم يحسبهم الجاهل من المسلمين وما هم بمسلمين.
فها نحن نسمع في هذه الأيام من ينتسب للإسلام وينادي بهدم ثوابت إسلامية جاء بها القرآن الكريم، وبلغها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم- فمثلاً نسمع من ينادي بإلغاء العدة عملاً بالأجهزة المبتكرة التي تكشف براءة الرحم بسهولة، ونسوا وتناسوا أن الشرع الحكيم جاء بحكم معنوية أخرى خلاف ما يظنونه من هذه الحكمة المادية فقط.
فقد قصد الشارع من العدة إلى جانب التيقن من براءة الرحم، إعطاء فترة من خلالها تستريح المرأة من هموم الزواج الأول إذا كانت مطلقة، أو من هموم الحزن على الزوج المتوفى، فتأخذ الفترة الكافية للراحة حتى إذا أقدمت على الزواج أقدمت عليه دون استعجال فتقدم عليه بفرح وسرور، فتتجنب جلب الهموم للزوج الثاني إلى جانب الفترة الكافية للتفكير في دخول تجربة الزواج الثاني وهي حكم معنوية والله أعلم.
ونجد كذلك من ينادي بإلغاء القوامة وغير هذا الكثير من إخوان الشياطين الذين تربوا على مائدة العلمانية حفظنا الله وحفظ الإسلام منهم آمين، ففي هذه الحالة يمكن للمفتي الجواب بغرض الدفاع عن الدين، ويمكنه الإعراض عن الجواب إذا رأى إن الإعراض أنفع، كغلق باب الفتنة وهدم الشبهة في مهدها.
2- إذا رأى أن المسألة التي يسأل فيها السائل فوق مستوى فهمه وتفكيره ولا ينفعه الجواب فيها، بل إن الجواب فيها ربما يؤدي إلى تشوش في فكره، كالعاصي الذي يسأل في مسألة كلامية لا يفيده الخلاف فيها ولا يمثل إضافة له في المعارضة، ففي هذه الحالة يجوز للمفتي الإعراض عن الجواب وتوجيه السائل لما يفيد. ولهذا يقول القرافي:
«ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات ودقائق أصول الديانات، ومتشابه الآيات، والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما يصلح له، فلا يجيبه أصلاً، ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: (اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا يخفى فيما عساه يهلكك لعدم استعدادك له)»([39]).
3- إذا ظن المفتي أن السائل يسأل عن محظور، وأن نفسه تريده فعلى المفتي إما أن يعرض عن الجواب فقط، وإما أن يعرض عن الجواب ويرشد السائل لما هو مفيد له في دينه ودنياه وعاقبة أمره، وأن يبين له مساوئ هذا الأمر المحظور وسوء عاقبته وأن يرشده لما هو عوض عنه، بغية أن ينصرف السائل عن هذا المحظور ويكرهه فيه.
وهذا هو ما فعله الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم- مع بلال - رضي الله عنه - حين أراد بلال أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من التمر الرديء، فنهاه الرسول - صلى الله عليه وسلم- وبين له الطريق المباح.
والقصة كما أخرجها البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- بتمر برني، فقال له - صلى الله عليه وسلم-: «من أين هذا»؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع، لنطعم النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: «أوه أوه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره»([40])).
فقد بين لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم- المنهج الصواب في نصح السائل وإرشاده إلى الطريق السليم، فقد بين لبلال أن هذا الفعل محرم وأرشده إلى البديل عنه وهو الطريق الحلال.
وغير هذا الكثير من الدروس المستفادة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- فليكن لنا في رسول الله أسوة حسنة ونقتدي به ونهتدي بهديه ونسير على ما بينه لنا من منهج قويم في نصح السائل وإرشاده إلى الحق والصواب، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه علماء الأمة، فليعالجوا الأمور بمنهجية حقة من خلال ما تعلموه من حكم وعظات من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- فلتكن الدعوة بالحسنى والحكمة والموعظة الحسنة، وليكن الجدال مفيدًا، والنقاش مثمرًا، فتكون النتيجة طيبة إن شاء الله.
4- إذا أحس المفتي أن السائل بدهائه يريد الوصول إلى شيء ليس من حقه نتيجة ما يتميز له من قوة الحجة وسلامة البرهان؛ فيظفر من خلال فتوى المفتي بما يريده ظنًًّا منه أن الفتوى تحل له ما يريد، ويكون في سلامة أمام الله، ففي هذه الحالة يجوز للمفتي الإعراض عن الجواب غلقًا لباب أكل أموال الناس بالباطل واستحلال الحرام.
وحتى لو أفتى المفتي بشيء من ذلك فإن فتواه لا تحل أكل أموال الناس بالباطل حيث إن فتوى المفتي لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً، فعلى المفتي إذا كانت هناك خصومة ويفتي في مسألة تتعلق بها أن يتفطن لحال الخصوم ومسببات الأمور، حتى لا ينخدع ببلاغة البعض وقدرته في توجيه المسألة، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
حيث كان يجتهد في النظر في حال الخصوم، فإذا عرف الحق حكم به، وترك العهدة على صاحبها منبهًا إياه بخطورة الكذب، وأنه من كتم حقًا كانت مسئوليته عند ربه سبحانه وتعالى، فكان - صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، أقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من النار» ([41]).
فإذا كان الباطل قطعة من النار فهل يقدم عليها العاقل؟
فليعلم السائل والمفتي على السواء أن الحق لا يغيره لحن المتخاصمين أو تساويهما، والله سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)([42]).
5- يمكن للمفتي كذلك الإعراض عن الجواب في حالة عدم علمه بالجواب الصحيح في المسألة وينبه السائل على ذلك، فيمكنه أن يقول له: «لا أدري» حتى لا يتحمل مسئولية الإفتاء بغير علم، وهو ذنب عظيم، وإثم كبير نهى عنه المولى تبارك وتعالى، حيث قال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)([43]) فالذنب عظيم والمسئولية جسيمة أمام الخالق سبحانه وتعالى، وكل من يعمل شيئًا كبيرًا أو صغيرًا مسئوليته في رقبته، قال تعالى: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا* اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)([44]).
فلا يعيب العالم أن يكون لا يدري ويقول: «لا أدري»، فقد قال هذا الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من قبل، فهذا هو عبد الله ابن الإمام احمد يروي عن أبيه فيقول: (سمعت أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل المغرب مالك بن أنس عن مسألة، فقال: «لا أدري»، فقال: يا أبا عبد الله تقول لا أدري؟ قال: نعم فبلغ من ورائك أني لا أدري)([45]).
وروي عن مالك أيضًا أنه سئل عن خمسين مسألة فلم يجب إلا عن واحدة فيها.
وسئل مالك أيضًا في ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين منها: «لا أدري».
وربما سئل عن مائة مسألة فيجب في خمس أو عشر منها، ويقول في الباقي: «لا أدري»([46]).
فعلى الإنسان أن يقارن بين ما يلحقه من عيب في الدنيا، وبين عظم الذنب يوم القيامة ويختار إرضاء ربه خير له من الدنيا وما فيها والله أعلم.
6- إذا كانت المسألة من المسائل المفترضة ولم تقع واقعة بشأنها بعد فيجوز للمفتي -حفاظًا على وقته وتفريغًا للجسام من المسائل ولما هو واقع- الإعراض عن الجواب فيها.
7- إذا شعر لمفتي أن المستفتي يريد التشديد عليه وإتعابه بكثرة الأسئلة فللمفتي الإعراض عن الجواب في هذه الحالة، وذلك مثل قصة بقرة بني إسرائيل، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: «لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم، لكن شددوا فشدد الله عليهم حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون».
وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن أشياء كرهًا، فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال: «سلوني»، فقام رجل فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: «أبوك حذيفة» ثم قام آخر فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «أبوك سالم مولى شيبة» فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من الغضب، قال: «إنا نتوب إلى الله عز وجل»([47]).
هذا والله تبارك وتعالى أعلم
المطلب العاشر
إفتاء الفاسق ومستور الحال
أولاً: بالنسبة للفاسق:
فقد ذهب أكثر العلماء إلى عدم صحة الفتوى من الفاسق وخاصة إذا كانت الفتوى لغيره أما الفتوى له فيجوز.
فالفاسق لا تقبل فتواه، لا تقبل شهادته، لا تجوز ولايته.
ولكن إذا عم الفسق وانتشر البلاء وأصبح وجود المفتي العدل شيء نادر؛ ففي هذه الحالة نكون في حالة ضرورة ويكون تولية الفاسق مما عمت به البلوى، حيث غلب الفسوق على أهل الزمان وانتشر في أهل المكان، فلو منعنا إمامة الفاسق، وولايته، وشهادته وفتياه تعطلت الأحكام ووقع الناس في ضيق وحرج، ففي هذه الحالة مراعاة لحاجة الناس لابد من تولية الأصلح فالأصلح وهو أضعف مراتب الإنكار.
ولهذا اختار الكثير من المتأخرون عدم قبول فتوى الفاسق؛ لكون الفتوى من أمور الدين، ولا يصح اعتبار قول الفاسق فيما يتعلق بأمور الدين؛ لذا اشترطوا في المفتي العلم والعدالة.
لكن البعض رأي قبول قول الفاسق في الفتوى، ومن هنا قال ابن الهمام: في رأي له: «إنه يصلح للفتيا؛ لكونه مجتهدًا»([48]).
وأرى أن الفتوى من الجاهل لا تقبل لعدم علمه وإفتاؤه يوقع الناس في محظور وكذلك من الفاسق لا تقبل لكونه متهم في ديانته والله أعلم.
ثانيًا: بالنسبة لمستور الحال.
فمستور الحال: هو الذي ظاهره العدالة ولكن لم تختبر عدالته، فباطنه يعلمه الله تبارك وتعالى، ولذا فإن العلماء اختلفوا فيما إذا كان يجوز أخذ الفتوى عنه أم لا على مذهبين:
الأول: إنه يجوز أخذ الفتوى عنه؛ لأن العدالة الباطنة في المفتى يتعذر معرفتها، خلاف القضاة، ومن هنا يكتفى فيه بالعدالة الظاهرة فقط.
الثاني: ذهب أصحاب هذا القول إلى منع قبول فتوى مستور الحال، حكمه في هذا حكم الشاهد.
ومن هنا قال ابن قدامة: «كل من وجب عليه قبول قول غيره، وجب عليه معرفة حالة، فيجب على الأمة معرفة حال الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالنظر إلى معجزاته، ولا يصدق كل مجهول يدعي أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ويجيب على الحاكم معرفة الشاهد، وعلى العالم بالخبر معرفة رواته.
وفي الجملة كيف يقلد من يجوز أن يكون أجهل من السائل، أما العادة من العامة فليست دليلاً، وإن سلمنا ذلك مع الجهل بعدالته فلأن الظاهر من حال العالم العدالة، ولا سيما إذا اشتهر بالفتيا، ولا يمكن أن يقال: ظاهر الخلق نيل درجة الاجتهاد لغلبة الجهل، وكون الناس عوامًا إلا الأفراد، ولا يمكن أن يقال: العلماء فسقة إلى الآحاد فافترقا»([49]).
أما من لا يعرف جهله فقد قال العلماء: لا يجوز الفتوى عنه، ولا يجوز له الإفتاء، ومن هنا حين قال بعض العلماء: يجوز فقد رد عليه الإمام الغزالي بالفساد، فقال: «هذا فاسد، لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله، فيجب على الأمة معرفة أحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالنظر في معجزاته إلخ»([50]).
وقال الآمدي: «اختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة، والحق امتناعه، وذلك لأنه لا يأمن أن يكون حال المسئول كحال المسائل في العامية المانعة من قبول القول، ولا يخفي أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم والاجتهاد، نظرًا إلى أن الأصل عدم ذلك، وإلى أن الغائب إنما هو العوام.. وإن اندرج من جهلنا حاله تحت الأغلب فيكون أغلب على الظن.
ولهذا امتنع قبول قول مدعى الرسالة، وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه»([51]).
وأرى أنه يجوز قبول الإفتاء من مستور الحال، حيث يتعذر على المستفتي معرفة العدالة الباطنة، فيكتفي بما يدل عليها وهي العدالة الظاهرة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن المستفتي يلزمه فقط السؤال عن علمه وصلاحه بين الناس أما الأمور الباطنة فليس مكلفًا بمعرفتها؛ لذا ارتأى البعض أن الكشف عن العدالة أمر صعب للغاية فيعفي السائل من السؤال عن العدالة ويكتفي فقط بالسؤال عن علمه.
ولهذا قال الشوكاني: «يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى، بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الراجح إليه، ولا يستفتي من هو مجهول الحال، كما صرح به الغزالي والآمدي، وابن الحاجب، وحكى في «المحصول» الاتفاق على المنع.
وشروط القاضي: إخبار من يوجب خبره العلم بكونه عالمًا في الجملة ولا يكفي خبر الواحد والاثنين وخالفه غيره في ذلك، فاكتفوا بخبر عدلين»([52]).
وعلى هذا فإنه يجوز استفتاء مستور الحال، لكن لا يجوز استفتاء مجهول الحال. والله أعلم.
المطلب الحادي عشر
إفتاء المفضول مع وجود الأفضل
هل يجوز قبول الفتوى من المفتي المفضول مع وجود المفتي الأفضل منه؟
هذه المسألة من الأحكام المشتركة بين المفتي والمستفتي، حيث إن المفتي يجيب والمستفتي يسأل.
والمستفتي إنما يسأل من هو أهلاً للإفتاء، وعلى هذا فإذا وجد في البلد علماء كثيرون فهل يجب على المستفتي التحري والبحث عن الأفضل من حيث العلم والورع أم يمكنه سؤال أحد العلماء ما دام الكل من أهل الاجتهاد والفتوى، وهل يجب على المفتي الكف عن الفتوى في حالة وجود من هو أفضل منه في العلم والورع؟
في الواقع أثيرت هذه المسألة بين أهل العلم والأصول فأدلى كل منهم بدلوه مما فتح باب الخلاف فيها.
فذهب البعض إلى القول بلزوم البحث عن الأورع والأعلم ومن هو أفضل، ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل، وابن سريج، والقفال من أصحاب الشافعي، وجماعة من الفقهاء والأصوليين، واستند هؤلاء إلى أن منزلة المفتيين بالنسبة للعامي مثل منزلة الأدلة المتعارضة في حق المجتهد، فإذا كان يجب على المجتهد عدم التسليم لما ظهر لديه من استدلال لأول وهلة، بل عليه البحث والمناظرة والاجتهاد للوصول إلى الأرجح، فكذلك يجب على العامي السؤال والتحري وعدم التسليم لأول لحظة وأخذ الفتوى من أي من العلماء.
وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أنه لا يجب على العامي السؤال والترجيح والبحث عن الأفضل، فما دام قد علم أن الكل من أهل الاجتهاد استسلم لأي منهم وسأله عن مسألته فيتخير بين العلماء ويأخذ ممن يشاء، وقد ذهب إلى هذا: القاضي أبو بكر البقلاني وجماعة من الأصوليين.
واستند هؤلاء إلى:
- أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كان فيهم الفاضل، والأفضل، وكان فيهم الورع والأورع، والعالم والأعلم، ولم يرد عن الصحابة - رضوان الله عليهم- أنهم كلفوا أحدًا من العوام السؤال عن الأعلم والأروع، ولم يرد عنهم أنهم أنكروا على أحد من العوام سؤال المفضول واتباعه مع وجود الأفضل، وإذا كان الأمر كذلك مع الصحابة فإنه يكون كذلك عندنا من باب أولى اقتداء بهم([53]).
- لقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم- قوله: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»([54]).
ومن هنا كانت الأفضلية في جميع الصحابة فيجوز الأخذ عنهم دون حرج.
وبناء على ما سبق من خلاف فإنه يتفرع على القول الأول الآتي:
- في حالة الاجتهاد من العامي في أعيان المفتيين، وتبين له أن أحدهم أفضل في الدين مع التساوي في العلم، أخذ بقول الأدين، حيث الأفضلية في الدين تقدم.
- إذا اجتهد في أعيان المفتيين، وتبين له أن الكل متساوي في الدين ولكن أحدهم أفضل في العلم، فعليه الأخذ بقول الأعلم، حيث إن العالم امتاز أفضليته في العلم.
- إذا اجتهد في اثنين من المفتيين وتبين له أن أحدهما أعلم، والآخر أدين، فقيل: «يأخذ بقول الأعلم» وقيل: «يأخذ بقول الأدين»([55]).
وأرى أن الأخذ بقول الأدين أولى، ما دام العلم وآلة الاجتهاد قد وجدا فيفضل الأدين لورعه وتقواه، وهل ما نحن فيه من مصائب إلا لوجود من تميز في العلم فقط، حيث وجدت فئة من تميز في العلم فقط، حيث وجدت فئة من العلماء في هذا الزمن تميزت بالعلم مع قلة الدين والورع والتقوى، فاشتهروا بالعلم وأخذ الناس عنهم وفضلوهم على غيرهم، فأخذوا يتساهلون في أمور الدين ويفتون بالمرجوح مع وجود الأرجح، أو يرجحون ما لا يمكن ترجيحه، وما تقبله المصلحة الخاصة، وما يقبله النفوذ والسلطان، وما يقبله الجاه والمكسب المادي؛ فأدخلوا على الناس البلاء والهموم والله تبارك وتعالى هو المنجي وهو الأعلم.
الخــاتمـة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
وبعد: فإن العمل في ميدان عمل محفوف بالمخاطر، فالمسئولية فيه عظيمة، حيث إن المفتي مخبر عن الله ورسوله، مبلغ أحكام الشرع الحكيم، وهذا هو ما يضطلع به المفتون، وأهم أمانة يتحملها المجتهدون؛ لذا فإنه يجب أن لا يتقدم لهذا العمل ويقدم عليه إلا من كان أهلاً حقًا للاجتهاد والإفتاء، ولديه من قوة الإيمان والدين ما يجعله قادرًا على التصدي للحاقدين ورد كيد المعاندين وشبه أعداء الدين، وإذا كانت هذه مسئولية من يقوم بهذا العمل فإن من يوليه أو ينصبه لهذا العمل مسئوليته عن تنصيبه جسيمة أمام الرعية، عظيمة أمام الخالق سبحانه وتعالى.
فالإمام مسئول عمن ولاه من الحكام والمفتيين أمام الناس وأمام الله سبحانه وتعالى؛ لأنه راع ومسئول عن رعيته، بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته» ([56]).
فعلى الإمام ألا ينصب لهذا العمل إلا من كان أهلاً له - كما سبق في شروط المفتي وآدابه وصفاته- وإلا كان عاصيًا بتوليه من علم أنه ليس أهلاً لهذا العمل.
فخطورة هذا العمل تحتم الحيطة والحذر في اختيار من يصلح له، وإلا فإن البلوى والفساد هي نتيجة تنصيب الفاجر الماجن، محلل الحرام, ومحرم الحلال.
ومن تصدى للقيام بهذا العمل مع قدرته وأهليته له, فهو آثمٌ وعاصٍ, وكما قال الإمام ابن القيم: «هو بمنزلة من يدل الركب, وليس له علم بالطرق... وبمنزلة من لا معرفة له بالطب, وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم»([57]).
وقد قال الخطيب البغدادي في هذا المعنى: «ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتيين، فمن كان يصلح للفتوى أقرَّه عليه، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بألايتعرض لها - يعني نصحه بعدم التعرض لها- وأوعده بالعقوبة إن لم ينتهِ عنها، وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قومًا يعينوهم ويأمرون بألا يستفتى غيرهم... والطريق للإمام إلى معرفة حال من يريد نصبه للفتوى أن يسأل عنه أهل العلم في وقته، المشهورين من فقهاء عصره، ويقول على ما يخبرونه من أمره»([58]).
فهذا المنصب الخطير يستدعي من الإمام تولية الأمثل فالأمثل، وعلى الإمام أن يضرب له من الرزق ما يعينه على أمور حياته وحاجاته, حتى يتفرغ من يقوم بهذا العمل له، وحتى يضمن حيدته, وعدم أخذه أجرة أو مقابل على الفتوى والتدريس, فلا يتطرق إليه شبهة أو اتهام, والله تبارك وتعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه
وكل من اهتدى بهديه وسلك طريقه
إلى يوم الدين
دكتور/ عبد الحي عزب عبد العال
أستاذ أصول الفقه
كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر
بالقاهرة
([1]) أعلام الموقعين (4/275).
([2]) انظر شرح الكوكب المنير (4/473)، والمستصفى (2/253) وتيسير التحرير (4/182)، وإرشاد الفحول (255).
([3]) انظر إرشاد الفحول (255)، وتيسير التحرير (4/182).
([4]) انظر إرشاد الفحول (255).
([5]) مقدمة المجموع (1/71).
([6]) أعلام الموقعين (4/276).
([7]) الآية رقم 5 من سورة المزمل.
([8]) أعلام الموقعين (4/277).
([9]) أعلام الموقعين (4/277- 278).
([10]) سورة البقرة الآية 32.
([11]) أعلام الموقعين (4/277، 278، 279).
([12]) أخرجه الإمام مسلم من طريق عمرو بن العاص - كتاب العلم - باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، صحيح مسلم بشرح النووي (16/223، 224).
([13]) انظر نهاية السؤل (2/393)، وشرح العضد (2/39) وروضة الناظر (2/277)، ومنتهى السؤل للآمدي (63).
([14]) الحديث أخرجه البخاري من طريق عمرو بن العاص, انظره في فتح الباري كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (3/318).
([15]) انظر أعلام الموقعين (4/82).
([16]) أعلام الموقعين (4/282).
([17]) أعلام الموقعين (4/294).
([18]) مواهب الجليل (6/121).
([19]) كشاف القناع (6/301).
([20]) حاشية رد المحتار (5/272).
([21]) أعلام الموقعين (4/294).
([22]) انظر الفقيه والمتفقه (1/164)، والمفتي (9/77)، والأحكام السلطانية (78).
([23]) الفقيه والمتفقه (1/164).
([24]) انظر أعلام الموقعين (4/294).
([25]) سورة النساء من الآية: 6.
([26]) سورة النساء من الآية: 6.
([27]) انظر تيسير التحرير (4/31) وشرح العضد (2/307).
([28]) انظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/307).
([29]) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان, أو الحسين القطان، ففيه شافعي من أهل بغداد انظر شذرات الذهب (3/28).
([30]) الفتوى واختلاف الوجهين لابن الصلاح (50) «محقق».
([31]) الآية 65 من سورة القصص.
([32]) انظر أعلام الموقعين (4/300).
([33]) انظر المجموع للنووي (1/66).
([34]) انظر أعلام الموقعين (4/202) وانظر الفتوى واختلاف القولين لابن الصلاح (55) «محقق».
([35]) المرجع السابق (4/203).
([36]) انظر الفتوى واختلاف الوجهين لابن الصلاح (57) «محقق».
([37]) الحديث أخرجه البخاري انظره في الجامع الصغير (1/224) وانظر أعلام الموقعين (4/68).
([38]) سورة الصف آية 8.
([39]) انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (282/283).
([40]) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة، باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، المجلد الأول ج3 ص: 133 طبعة الشعب.
([41]) انظر الحديث في فتح الباري (5/77) حيث أخرجه البخاري عن أم سلمة في كتاب المظالم, باب أثم من خاصم باطل, وهو يعلمه وفي كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين (5/212) كما أخرجه في مواضع أخرى منها: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (3/139) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأفضلية، باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن، مسلم بشرح النووي (12/74).
([42]) الآية 19 من سورة غافر.
([43]) الآية 36 من سورة الإسراء.
([44]) الآية 13- 14 من سورة الإسراء.
([45]) الفقيه والمتفقه (18/172) والديباج المذهب لابن فرحون (22).
([46]) انظر الإحكام في أصول الأحكام (4/143) للآمدي، وإرشاد الفحول (255)، والبرهان (2/873).
([47]) انظر صحيح البخاري (4/259) وأخرجه - أيضًا- أو داود في سننه، باب فرض الحج (2/244)، وانظر أعلام الموقعين (4/158)، وأصول الفقه للشيخ طه عبد الله الدسوقي (311)، وانظر الفتوى في الإسلام (160).
([48]) انظر شرح الدر المختار (2/311)، البحر الرائق (6/226)، أعلام الموقعين (4/220)، المجموع (1/70).
([49]) انظر روضة الناظر (3/1022) «محقق».
([50]) المستصفي (2/39).
([51]) الإحكام للآمدي (3/233).
([52]) انظر إرشاد الفحول (271).
([53]) انظر الإحكام للآمدي (3/255) وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير (4/257)، وأعلام الموقعين (4/255).
([54]) الحديث أخرجه ابن عبد البر من طريق جابر وذكر أن هذا الحديث فيه ضعف؛ لذا أخرجه ابن عبد البر من عدة طرق إلا أنه ضعَّفها، إلا أنه جاري العمل به في استدلالات أهل الأصول، ولعل هذا ترجيحًا لفضل صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدم القدح في عدالتهم وعلمهم. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/91- 92) طبع المنيرية.
([55]) انظر أعلام الموقعين (4/255) وانظر مختصر ابن الحاجب (484) وكشاف القناع (6/246) وحاشية البنان (247) واللمع (69)، وتنقيح الفصول (197).
([56]) هذا جزء من حديثه أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (1/110) طبع العثمانية, وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة, باب فضيلة الأمير العادل (12/213) مسلم بشرح النووي.
([57]) أعلام الموقعين (4/217).
([58]) انظر: الفقيه والمتفقه للبغدادي (2/154)، وانظر المجموع (1/43).
|