البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه الحوالة والقيود المصرفية | السفتجة مفتاح من مفاتيح فهم الربا في الإسلام 

السفتجة مفتاح من مفاتيح فهم الربا في الإسلام

                                                                   (الجديد في فقه السفتجة).

 رفيق يونس المصري

"مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة"

مقدمة

قد يحدث أحيانًا أنك ترفع حجرًا، فتقع على كنز ثمين، والسفتجة في الفقه الإسلامي واحدة من الذخائر التي قلما يُنتبه إليها، وإلى مدى ما تميط اللثام عنه من أفكار ومبادئ ولطائف فقهية، تعين على فهم بعض ما اختُلف فيه واشتُبه، ولا تخفى أهميتها على مستوى التعامل بين الأفراد، أو بين المصارف وغيرها، كما سيتبين من خلال البحث الآتي:

معنى السفتجة

يمكن تعريف السفتجة بأن أحدهم يُقرض آخر مالاً في مكان، ليوفيه المقترضُ (أو نائبُه) إلى المقرض نفسه (أو نائبِه) في مكان آخر. وهذا يعني باختصار إن المقترض يسدد القرض في غير البلدة التي اقترض فيها، وبعبارة أخرى فإن مكان الوفاء يختلف عن مكان القرض.

 السفتجة نوعان: سفتجة دين وسفتجة قرض

وقد تنشأ السفتجة عن دين، كما في البيع المؤجل (النسيئة أو السلم) أو الإجارة (وهي بيع المنافع)، وقد تنشأ عن قرض، وهو الأصل، كما في التعريف. ولما كانت الزيادة في البيع جائزة في مقابل الأجل عند جمهور الفقهاء، فإن السفتجة الدَّيْنية جائزة كذلك بلا خلاف، وإن كان الوفاء في البلد الآخر مشروطًا من البائع، وكانت فيه مؤنة (تكلفة) على المشتري.

أما السفتجة القرضية: (الناشئة عن قرض)، فلا خلاف أنها جائزة إن كان الوفاء في البلد الآخر غير مشروط، بل كان على سبيل المعروف، فهذا يكون من باب حسن القضاء، وأشبه بالحوالة التي أمرنا بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  إذ قال: (مَطلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدُكم على مليء فليتبع) رواه الجماعة. وفي لفظ لأحمد وابن أبي شيبة (ومن أُحيل على مليء فليحتل) والمطل: التأخر في وفاء الدين بغير عذر. والغني هو القادر على الدفع، فعليه دفع القرض حالما يستطيع، لأن القرض عند جمهور الفقهاء حالّ، أي يستحق الدفع بمجرد طلب المقرض أو ميسرة المقترض.

أما المدين في الديون المؤجلة، كالبيوع، فعليه الدفع في الأجل ( = الاستحقاق) متى كان قادرًا، وإلا اعتبر مماطلاً ظالمًا. وقوله: "فليحتل" أي: فليقبل حوالة المدين، إرفاقًا به، وتيسيرًا للوفاء.

أما إذا كان الوفاء في السفتجة القرضية مشروطًا في البلد الآخر، فقد اختلف الفقهاء في جوازها. فمنعها الشافعية والظاهرية وأباحها الإمامية وبعض الشافعية، كما أباحها المالكية إذا دعت الضرورة، وكانت منفعتها مما يُتسامح به عادة ولا يُعتدُّ، وأباحها كذلك الحنابلة([1]). وبحثي هنا يدور على هذا النوع من السفتجة موضع النزاع، لنرى هل هي جائزة بحق، وما ضابط الجواز فيها؟

مقصود السفتجة (القرض والسفتجة)

وهكذا فالسفتجة (القَرْضية) قرض كغيره من القروض، غايته الإرفاق بالمقترض، أي مقصوده الأصلي نفع المقترض ومواساته، غير أن فيه منفعة إضافية (في السفتجة) تعتبر هي نفسها من جهة إرفاقًا آخر بالمقترض، حيث قبل المقرض طلبه بالوفاء في البلد الآخر، ومن جهة أخرى نفعًا للمقرض من حيث توفير كراءً (أجرة) نقل المال من بلد إلى بلد، والحصول على أمن الطريق، لأن المقترض ضامن لوفاء القرض في البلد الآخر. فلو أراد المقرض نقل المال مع شخص إلى بلد آخر لكان عليه أن يدفع كراء النقل، وأن يتحمل أخطار الطريق، لأن نقل المال يتم أمانةً لا ضمانةً، فلو هلك بدون تعدٍ من الناقل لهلك عليه.

ومن المعلوم أن ضمان المال المُحوَّل من بلد إلى بلد آخر أمر مهم في نظر المقرض، وتزداد أهميته كلما زاد المبلغ، لأن حجم المخاطرة يزداد فإنه يتعرض لأخطار الطريق، كالضياع والتلف والسرقة، وما إلى ذلك.

أما كراء الحمل (أو النقل) فهو أمر يسير في حالة المال الذي تكبر قيمتُه ويسهل حملُه، كنقود الذهب والفضة، أو النقود الورقية. أما إذا كان القرض سلعةً مثلية أخرى، أو أي شيء آخر مما يجوز إقراضه، كالقمح والشعير والتمر والملح، والحيوان (على بعض الآراء والنصوص) فإن الكراء يصبح ذا بال، كلما ثقلت السلعةُ وزادت المسافة.

ومن هذا يتبين بوضوح أن المنفعة التي يمكن أن يحققها المقرض من السفتجة تتمثل في منفعتين:

1- كراء الحمل، وهذا معنى ما ورد في بعض الآثار في استنكار السفتجة: فأين كراء الحمل؟ أو: أين الحمل؟([2])

2- ضمان المال، وهذا معنى قول عمر بن الخطاب مستنكرًا أو كارهًا: كيف بالضمان؟ فكيف لك بالضمان فيما بين ذلك؟ يقصد فيما بين بلد القرض وبلد الوفاء، حيث يكون المال مضمونًا على المقترض.([3])

حالات السفتجة

يمكن أن نتصور في السفتجة الحالات التالية:

1- لا يشترط في السفتجة أن تكون قرضًا غايته التضمينُ، تضمينُ المقرض للمقترض مال القرض، أي من أجل سقوط خطر الطريق، بل ربما تكون قرضًا غايته إرفاق بعد إرفاق، حتى أن المقرض ربما يضطر إلى إعادة مال الوفاء إلى بلد القرض، فيتحمل بذلك الكراء والضمان. وهذا معنى قول بعض الفقهاء في السفتجة: "ليس فيها أخذ زيادة، ولا جرُّ نفع، بل قد تكون أضر". ويبدو أن أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية لم يفطنوا إلى هذا المعنى (انظر الحوالة ص 211 الحاشية 5) ففي هذه الحالة من حالات السفتجة نجد أن المنفعة متمحِّضة للمقترض.

وهذه الحالة جائزة بلا خلاف، بل مستحبة لأن منفعة القرض الأصلية، ومنفعة السفتجة الإضافية تصُبان في اتجاه واحد: منفعة المقترض. وهذا تعزيزٌ لمقصود عقد القرض. وكأن في المعاملة ههنا عقدين اجتمعا معًا: عقد القرض وعقد الهبة. وفي كليهما معنى الصدقة على المقترض والإرفاق به. وهذا الاجتماع جائز لأن العقدين غير متنافرين، وليس في ذلك ذريعة إلى حرام.

2- وقد تكون السفتجة إقراضًا غاية المقرض منه تضمين المقترض، فيدفع المال إليه قرضًا، لا أمانة، ليستفيد به سقوط الأجر وسقوط خطر الطريق، في نقل المال من بلد إلى آخر، ففي هذه الحالة منفعة السفتجة متمحضة للمقرض، وقلت: السفتجة لا القرض، لأنني أعني المنفعة الإضافية، أما منفعة القرض الأصلية فهي للمقترض. وهذه الحالة لا تجوز لأن منفعة القرض للمقترض قوبلت بمنفعة السفتجة للمقرض، فكانت بذلك من باب الربا المحرم.

3- وقد تكون السفتجة لمنفعة الطرفين، منفعة للمقترض فوق منفعة القرض الأصلية، إذ يسدد القرض في البلد الآخر بناء على رغبته في وفاء القرض من ماله الموجود في هذا البلد، وهذه المنفعة للمقترض صادفت منفعة للمقرض، تمثلت في نقل المال من بلد إلى آخر، مجانًا ومضمونًا، فهذه الحالة هي موضع النزاع بين الفقهاء، وسأكشف لك بعد قليل إن جوازها أظهر. والله أعلم.

السفتجة والحوالة

الحوالة تقع عندما يطالب أحدهم مدينه، فيحيله هذا على مدين له مليء أي قادر على الدفع، غير جاحد للدين. وقد تقدم الحديث الشريف بأمر الدائن بقبولها، فالمحيل هو المدين. (هذا عند الجمهور أما عند الحنفية فلا يشترط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل)، والمحال هو الدائن، والمحال عليه هو مدين المدين، والمحال به هو الدين المطلوب.

ومن المناسب هنا أن نبين بعض الفروق بين الحوالة والسفتجة:

1- الحوالة فيها نقل الدين من ذمة إلى ذمة، من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، مع ما يترتب على ذلك من زوال ضمانات الدين المحال به في المحل الأول، وعدم استفادة المحال من ضمانات الدين في المحل الثاني، ما لم يشترط ضمانات جديدة. أما السفتجة فهي قرض يسدد في بلد آخر. ففي حين أن المقصود بالحوالة هو الإيفاء (إيفاء المحال عليه) والاستيفاء (استيفاء المحال)، نجد أن المقصود بالسفتجة هو القرض، ونقله إلى بلد آخر. فإذا وقعت الحوالة بين دينين كانت مُقَاصَّة، يعني أن المحال عليه يوفي ما بذمته للمحيل، من طريق توفية ما بذمة المحيل للمحال.

وبعبارة أخرى، فإن الاعتبار في الحوالة للشخص الآخر، وفي السفتجة للبلد الأخر، فإذا وفى القرض إلى شخص آخر فهي حوالة، وإذا وفاه في بلد آخر فهي سفتجة، وإذا وفاه إلى شخص آخر في بلد آخر فهي حوالة وسفتجة.

ومن هنا أرى وجهًا قويًا لجمهور الفقهاء الذين يُدخلون السفتجة في باب القرض، لا في باب الحوالة.

2- الحوالة عقد إرفاق محض، لا يجوز فيها للمحال المقرض أن يتقاضى أجرًا عليها من المحيل المقترض، وإلا كان ذلك ذريعة إلى الربا. لكني أكره له أن يحيله وهو قادر على الوفاء، حيث لا عذر له في تسبيب المتاعب له، إلا إذا تطوع المحال صراحة، لكونه أقدر من المحيل على استخلاص حقه من المحال عليه. وأستحب له أن يحتال ( = يقبل الحوالة) إذا كانت على من هو أفضل من المدين المحيل، لما في ذلك من مساعدة المدين المحيل، وتيسير الوفاء، واجتناب النزاع بينهما (ولا يهم إن وقعت الحوالة عند استحقاق الدين أو قبله).

أما السفتجة فيمكن أن تكون المنفعة الإضافية فيها إرفاقًا محضًا بالمقترض، كما يمكن أيضًا أن تكون مشتركة بين المقرض والمقترض. ولا تجوز إن كانت المنفعة خاصة بالمقرض فقط، حيث تترتب مؤنة على المقترض لتحقيق منفعة المقرض، كما بينا.

3- الحوالة عند الفقهاء قد تكون حوالة دين أو حوالة قرض. أما السفتجة فهي عندهم سفتجة قرض فقط، كما مرّ في التعريف. وقد عدَّيناها إلى الدَين مجازًا لتقريبها من السفتجة القانونية تقريبًا لا يعتريه حرام، ولأن الدين شبيه القرض، إلا أن الأول مؤجل، والثاني حالّ (عند الجمهور)، وإن أجاز بعض الفقهاء تأجيله.

4- في الحوالة معنى التوثق، لأن المحال عليه يكون في الغالب أملاً من المحيل، وذا سمة ائتمانية أفضل، ولأن براءة ذمة المحيل متوقفة على سلامة الدين من التَّوىَ (= الهلاك والضياع نتيجة عجز المحال عن الوصول إلى حقه من طريق المحال عليه).

والتوثق غير موجود بهذا المعنى في السفتجة.

5- في الحوالة ثلاثة أطراف: مُحيل (هو المدين) ومُحال (هو الدائن) ومحال عليه (هو الذي يوفي الدين) أما السفتجة فهي علاقة ثنائية بين المقرض والمقترض، أو من ينوب عنهما، والنائب لا يعتبر شخصًا ثالثًا.

وقد تجتمع السفتجة والحوالة، عندما يقوم مدين المقترض (لا وكيله) بالوفاء في البلد الآخر.

السفتجة بين الفقه والقانون

السفتجة في الاصطلاح القانوني (وقد تدعى كمبيالة، أو بوليصة، أو سند سحب، بالفرنسية (Traite) أو (Lettre de Change) قد يكون بلد وفائها هو بلد سحبها، وتسمى بالانجليزية عندئذ (Draft) وقد يختلف البلدان، فيكون بلد الوفاء غير بلد السحب، فتسمى عندئذ (Bill of Exchange) كما أن المستفيد قد يكون هو الدائن نفسه، وقد يكون شخصًا ثالثًا.

والسفتجة القانونية تكاد تتطابق من حيث الأصل مع السفتجة الفقهية، ولا سيما بالصورة التي ذكرها ابن عابدين في حاشيته 4/295، حيث يمكن أن تكون بين موضع وآخر في البلد الواحد، ولا يشترط أن تكون بين بلدين مختلفين، اللهم إلا في حالة واحدة: عندما يكون مكان الوفاء نفس مكان القرض، ويكون المستفيدُ هو الدائن نفسه، وهذا وارد في القوانين والأنظمة الوضعية (انظر على سبيل المثال المادتين 3 و 4 من نظام الأوراق التجارية السعودي). فنكون هنا أمام قرض عادي مثبَّت بهذه الوثيقة، ولا يثار فيه موضوع خطر الطريق البتة، وهو العنصر الأساسي موضع النزاع في السفتجة الفقهية.

بعض النصوص الفقهية

1- جاء في المغني لابن قدامة:

نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يُجز، لأن معناه اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها، لكونها مصلحة لهما جميعًا.

وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسُئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسًا. وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه سُئل عن مثل هذا فلم ير به بأسًا. وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين([4]) والنخعي. رواه كله سعيد.

وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى، ليربح خطر الطريق، والصحيح جوازه، لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحدٍ منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها، ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه، ولا في معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة (المغني 4/354).

2- وجاء في فتاوى ابن تيمية:

"سئل عما إذا أقرض رجلُ رجلاً دراهم، ليستوفيها منه في بلد آخر فهل يجوز ذلك أم لا؟

 فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرضُ غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له "سفتجة" أي ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء.

 وقيل: نهي عنه، لأنه قرض جَرَّ منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأن المقرض (في الأصل: المقترض، وهو خطأ) رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد. وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما يَنفعهم ويُصلحهم، وإنما ينهى عما يضَّرهم([5])

3- ولابن القيم نص مشابه جدًا لما ورد في رسالة القياس لشيخه. قال: "وإن كان المقرض قد ينتفع أيضًا بالقرض، كما في مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تُكره، لأن المنفعة لا تخصُّ المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/391).

وبدهيُّ أنه يعني بذلك القرض المشروط وفاؤه في بلد آخر إلى المقرض نفسه أو إلى غيره، فلو لم يكن مشروطًا لما كرهه أحد، لأنه يكون من باب حسن القضاء، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقرض، ومن باب الإرفاق، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقترض.

استدلال جديد على جواز السفتجة

ومن جملة ما يمكن أن يستدلَّ به على إباحة السفتجة، ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي:

عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق. فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرَّحب بهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلتُ. ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال الله أريدُ أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربحُ لكما، فقالا: ودِدنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأُربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما. أدِّيا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا. لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدِّياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير  المؤمنين لو جعلته قراضًا! فقال عمر: قد جعلته قِراضًا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحِه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربحِ المال([6]).

ويلاحظ هنا أن أبا موسى الأشعري تراضى مع ابني عمر على السفتجة، وأن عمر بن الخطاب نازع في الموضوع لشُبهتين خارجتين عن مسألة السفتجة، وهما أن المال مالٌ عام، وأن المقترض ابنا أمير المؤمنين.

ولا أعلم أحدًا سبقني إلى الاستدلال بهذا الأثر في باب السفتجة. وإني أقول هذا لكي يتأمل معي العلماء فيه، لا أن يسلموا به تسليمهم بالقديم، وإن كنت لا أرضى بهذا التسليم إلا عن اقتناع بالحجة والدليل.

والمعلوم أن الفقهاء كانوا يُوردون هذا الأثر في باب القراض (= المضاربة). ولعلَّ السبب في عدم الالتفات إليه كثيرًا هو أنه أشكل فهمُه على كل من نظر فيه نظر تأمل.

قال الطحاوي في "اختلاف العلماء": يحتمل أن يكون عمر شاطرهُما فيه، كما شاطر عُماله أموالهم (ر: أوجز المسالك 11/405، ونَيل الأوطار 5/300) ولعل مآل هذا القولِ قريبٌ من قول ابن تيمية الذي سيأتي، وانظر فتاواه 30/327.

وقال البيهقي: تأول الترمذيُّ هذه القصة بأنه سألهما لبره الواجب عليهما أن يجعلاه كله للمسلمين، فلم يُجيباه (عبد الله بالسكوت، وعبيد الله بالكلام). فلما طلب النصف أجاباه عن طيبِ أنفسهما. وبمثل ذلك قال الدهلوي في إزالة الخفاء عن المزني (انظر أوجز المسالك 11/404).

وذهب ابن تيمية إلى أنهما اتجرا فيه بغير استحقاق (التجارة بمال الغير أو بالوديعة. انظر فتاوى ابن تيمية 30/130) "اتجر في مال يظنُّه لنفسه، فبان أنه لغيره" الفتاوى 30/129، فجعله مضاربة (الفتاوى 30/87). قال في الفتاوى 29/102: "طلب عمر جميع الربح، لأنه رأى ذلك كالغصْب، حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من المسلمين، والمال (أي العام) مشترك، وأحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر، فهو كالغاصب في نصيب الشريك". اهـ وانظر الفتاوى 30/323 (باب الغصب). على أن ما يُضعف قول ابن تيمية عندي إذا ما أخذت به هو أنني أميل إلى أن نماء الحرامِ حرامٌ، لا أن نصفه حرام فقط، وهذا أقطع للحرام وأحسمُ لدابره، والله أعلم (قارن بالفتاوى 30/139).

ولعل أقربهم إلى الصواب البيهقي والترمذي. ذلك أن أبا موسى الأشعري إنما أراد، والله أعلم، أن ينقل المال العام (مال الفيء، فتاوى ابن تيمية 30/323) من البصرة إلى المدينة، فلم ير عندئذ أمامه أفضل من ولدي عمر بن الخطاب، لا لأنهما ولدا أمير المؤمنين كما خشي عمر الإمام الورع، بل لصفات ذاتية فيهما، ولاسيما الصدق والأمانة والثقة. وقد رأى أبو موسى الصحابي الجليل أن نقل المال العام أمانة قد يترتب عليه تضييع للمال العام، فما المانع أن ينقله قرضًا مضمونًا (فكان على سبيل القرض الذي إذا ربح فيه المقترض كان الربح له، وإذا خسر فعليه، لا على سبيل الابضاع، كما توهم البعض حيث يكون الربح كله لرب المال، والخسارة عليه، ولا على سبيل القراض حيث الربح مشترك والخسارة على رب المال)،

ولاسيما إذا رضي بذلك ابنا عمر. وقد رضيا بذلك على سبيل المنفعة للطرفين، فالمال العام يكون محفوظًا مضمونًا، وهما ينتفعان به إذا تحقق لهما ربح من التجارة به، بحيث يسددان القرض في المدينة المنورة. وفيه دليل على جواز الإقراض للتجارة، وإن كان الإقراض في الأصل للإرفاق، لكن قد تكون رغبة المقرض مجرد المحافظة على المال بتضمين المقترض، ولاسيما في بعض الأحوال، مثل أن لا يكون الموظف العام (أو مدير المؤسسة العامة) مأذونًا في المتاجرة بالمال العام. وعلى هذا فإن المعاملة عُقِدت قرضًا، فإذا خسرا ضمنا المال، وإذا ربحا كان الربحُ لهما.

ولعل عمر، مع ذلك، خطر له أن أبا موسى ربما فعل ذلك تقربًا إلى أمير المؤمنين ومحاباةً لولديه، فطلب المال وربحه كله، لا على أن الربح حق للدولة، بل ترغيبًا لولديه بفعل ذلك، ولكنهما لم يقبلا إلا بنصف الربح، وإن كان الربح كله حقًا لهما. وقد ذكر ابن تيمية (الفتاوى 30/323) أن الربح كان كبيرًا، إذ بلغ المال 800 ألف درهم بعد أن كان 200 ألف درهم.

 وعليه أرى أن هذا الأثر أقربُ لأن يستشهد به في باب السفتجة، ذلك أن العقد بعد أن تم قرضًا لا يجوز، بعد حصول المقترض على الربح، أن يتحول قراضًا. وهذا لا يمنع الاستشهاد به أيضًا في باب القراض، لأن فيه ما يدل على جواز القراض، وإن كان الغرض من ذكر القراض فيه لا يتعدى ما هو من مستلزماته، وهو مشاطرة الربح([7]).

هل السفتجة قرض يجر منفعة ربوية محرمة؟

لا ريب أن عددًا من الفقهاء المعتبرين قد أجازوا السفتجة، بعباراتٍ صرحت أن فيها "مصلحة لهما، من غير ضرر بواحد منهما" (المغني 4/354) و "كلاهما منتفع بهذا الاقتراض" (فتاوى ابن تيمية 29/530) وأن "المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/391).

كما ورد في عبارات الفقهاء أنفسهم أن "الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضَّرة فيها، بل بمشروعيتها" (المغني 4/354) وأن "الشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم" (فتاوى ابن تيمية 29/530).

فأمام جواز السفتجة وأمام هذه العبارات التي علل بها الفقهاء هذا الجواز، يخشى أن يقرأ بعض المعاصرين ممن لا مراس لهم في فهم نصوص الفقهاء، وفهم مرادهم، فينطلق بالسفتجة وأحكامها، مستدلاً بها على جواز القرض الذي يجرُّ للمقرض منفعةً مشروطة، وعلى جواز أن تتحول بعض القروض من قروض إحسان وإرفاق إلى قروض منافع ومصالح، فيحرم الفائدة في الأولى دون الثانية. وبهذا تكون حجة جديدة لمن أراد أن يحرم الربا في عصرنا هذا، إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الضروري، أو ممنوحة من الأغنياء القادرين إلى الفقراء  المضطرين المعوزين، وأن يبيح الربا إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الحاجي والترفي، أو ممنوحة من مقرضين إلى من هم أغنى منهم.

سنبين فيما يلي أن السفتجة أولاً لا تجر منفعة ربوية محرمة، ثم نبين فساد الاحتجاج بها لإحلال الربا.

أولاً: السفتجة لا تجر منفعة ربوية محرمة

المعلوم أن القرض هو أن تعطيه شيئًا ليرد إليك مثله في بلدك، وكل زيادة مشروطة في الكمّ أو في النوع تعتبر ربا محرمًا، وقد يلاحظ أن السفتجة فيها منفعة للمقرض، فإما أن تكون ربوية فلا تجوز، أو أن لا تكون ربوية فتجوز، ويجوز معها بعض القروض الأخرى المشابهة.

نجيب عن هذا فيما يلي:

سبق أن بينا أنه ليس كلُّ ما يطلق عليه سفتجة يكون جائزًا. إنما أجاز الفقهاء السفتجة بنظري في الحالات التالية:

* إذا كان الوفاء في البلد الآخر لمصلحة المقترض وبناء على طلبه، ففي هذا منفعة إضافية للمقترض: إرفاق بعد إرفاق، وهذا مستحب، لأن وضع المقترض يستدعي الإرفاق، ولأن مقصد السفتجة هنا لا يتنافى مع مقصد القرض، بل هما في اتجاه واحد.

* إذا كان الوفاء في البلد الآخر فيه منفعة لكل من المقرض والمقترض. المقرض يريد نقل المال (بمبلغ مماثل لمبلغ القرض أو أكثر) إلى البلد الآخر، والمقترض لديه مال في هذا البلد الآخر، يستطيع به أن يوفي القرض. وههنا احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون المقترض قد استخدم القرض في بلد المقرض، سواء كان نقودًا أو طعامًا أو غير ذلك، فلم ينقل معه مبلغ القرض من بلد إلى بلد. ولو لم يستجب المقرض إلى طلبه بوفاء القرض في البلد الآخر لكان عليه أن ينقل مال الوفاء من هذا البلد الآخر حيث يكون ماله، إلى بلد المقرض، فيتكبد في ذلك أجرة النقل وخطر الطريق، وكذلك المقرض يستفيد من توفير أجرة النقل وتجنب خطر الطريق. فهنا يلاحظ أن المنفعة التي يحققها كل منهما واحدة، وهي عين المنفعة التي يحققها الآخر، أو أن مقصود أحدهما هو عينُ مقصود الآخر، ولولا الاتفاق على السفتجة لتكبد كل منهما الأجرة والخطر عن المسافة نفسها.

وهذا ما يشبه المقاصَّة (أو التقاص) بالفرنسية (Compenstion) وبالانجليزية (Clearing) المعروفة في المصارف. حيث توفر هذه المصارف عمليات تحويل النقود المتكررة. ويلاحظ أيضًا في هذه الحالة أن كلاً منهما حقق مطلوبة، ولم يتحمل أي منهما أي مؤنه. والتحقيق هنا أن هذه السفتجة يجب أن تكون جائزة عند كل الفقهاء. ومن ظن أنها حرام فقد تعجل وغلط، لأن الشريعة لا يعقل أن تطلب من الناس لتحقيق مقاصدها ومقاصدهم أن لا يصلوا إلى ذلك إلا بالمؤن والكلف والشكليات والتطويلات والحيل... بل إن هذه السفتجة ليس جائزة فحسب، بل هي مستحبة، كي لا أقول واجبة. لما فيها من حفظ المال وعدم تضييعه (فقد نهى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عن إضاعة المال كما في الصحيحين وغيرهما) بلا سبب إلا الجهل والإسراف والبعد عن التعاون وبذل المال للوسطاء الطفيليين، فكل المقاصد تتحقق هنا. وبلا كلفة. فلماذا لا تجوز؟

 الاحتمال الثاني: أن يأخذ المقترض المبلغ، من نقود أو طعام أو غيره، ويحمله معه إلى البلد الآخر، ثم يوفي القرض فيه بعد فترة. وهذا يعني أن المقترض لم يُنفق القرض في بلد المقرض، بل حمله كله أو بعضه إلى البلد الآخر، وهذا ما يرتب عليه مؤنة النقل وضمان الطريق. فهنا يلاحظ أن المقرض في الأصل يستطيع التمسك بوفاء القرض في بلده، أو مطالبة المقترض بتحمل ما أنفقه المقرض بالمعروف لإعادة المال المسدد من البلد الآخر إلى البلد الأول، فلما رضي بالوفاء في البلد الآخر، وكانت له مصلحة في ذلك، فإن هذه المؤن التي يتكلفها المقترض لا تؤثر على جواز السفتجة، لأن موضع النظر فيها هو نقل مال الوفاء لا نقل مال القرض. ذلك أن العبرة بأن المقترض يقترض القرض في بلد المقرض، وعليه أن يفيه أصلاً في البلد نفسه، فإذا أراد حمله إلى بلد آخر، ولم ير المقرض أي مانع،

بل ربما رأى في ذلك مصلحة له، فتتقابل بذلك المصلحتان أو المنفعتان: منفعة المقرض في الوفاء في البلد الآخر، ومنفعة المقترض في الوفاء في البلد الآخر، ونقل المبلغ أمر داخلي شخصي يخص المقترض نفسه، ولا علاقة له بالعلاقة الثنائية بينهما. فإذا كان عين المنفعة لأحدهما منفعة للآخر، تقابلت المنفعتان دون أن تؤثرا على أصل القرض الذي بقي بلا أية فائدة ربوية.

وهذا مثل المقترض يهدى المقرض شيئًا، فيقابله المقرض بهدية مماثلة، أو يرد إليه هديته (انظر فتاوى ابن تيمية 30/106). وبهذا يكون ما إضافته السفتجة على القرض هو معاوضة حسابية دقيقة لا ربح فيها لأحد الطرفين، ولو كان فيها ربح للمقرض لسلمنا أنه ربا، لأنه عندئذ يكون جمعًا بين بيع وسلف، وهو منهي عنه في الحديث الحسن الصحيح (انظر أصحاب السنن، والطبراني في الكبير، وأحمد في مسنده)

فهاهنا ينظر إلى المنفعة الإضافية للسفتجة، فإنها منفعة واحدة لكل من الطرفين، ولا عبرة بالمؤن التي يتحملها المقترض، لأنها ناشئة من رغبته في استخدام القرض في بلد آخر، فهذه مؤنه لا علاقة للمقرض بها، فقد يقرض أحدنا القرض، فيحمله المقترض إلى أرض أخرى أو ينفقه في أرضه، هذا شيء يتعلق به، والقرض حكمه الضمان إلى الوفاء سواء استخدم في بلد أو آخر، فالعبرة في الضمان للزمان لا للمكان، وسواء على المقرض أن ضمن وفاء المال في هذا البلد أو ذاك، المهم في ذلك هو منفعته من الوفاء: هل في هذا البلد أو ذاك. وربما فيه بعض المضرة على المقرض، من جراء انتقال المقترض والقرض بعيدًا عن عيون المقرض، مما يزيد في أخطار عدم السداد التي يتعرض إليها المقرض.

هذا التفصيل مكمل لما سبق أن ذكرناه تحت عنوان حالات السفتجة. وارجع هنالك إلى السفتجة متى تصبح محرمة.

ثم إنه قد يخطر على البال أن المقرض في القرض العاري عن السفتجة تكون له منفعة بتضمين المال للمقترض (قارن بالمحلى لابن حزم 8/87). غير أن هذه المنفعة ليست ربوية، لأنها ناشئة عن طبيعة القرض نفسه، كما أن ضمان المقترض ربما يكون غير قوي، ولاسيما إذا كان غير مليء أو غير موثوق (مماطل، أو جاحد) ولم يقترن القرضُ برهن أو كفالة، فبذلك تكون هذه المنفعة مهددة، واحتمالية، وقليلة الشأن، أما منفعة المقترض بالقرض فهي واضحة ومحققة، لأنه ينتفع به في أغراض الاستهلاك أو الاستثمار، وما اقترض إلا من أجل ذلك، وبهذا يكون رصيد المنفعة في القرض لصالح المقترض، ومن أجل ذلك كان ثواب الله للمقرضين.

وبهذا يتبين لك أن مجرد المنفعة، أية منفعة، لا يمكن المسارعة في الحكم عليها بأنها ربوية. هذا مع الانتباه إلى أنه ليس كل قرض مستحبًا، يثاب عليه صاحبه، فهناك قروض واجبة ومستحبة لا شك في نفعها وثوابها، لكن قد يصبح القرض مكروهًا إذا علم أنه سيستخدمه في إسراف، وحرامًا إذا علم أنه سيستخدمه في حرام: شرب خمر، أو لعب ميسر.. الخ.

ويبدو أن القرض لما كان ضمانه على المقترض، فليس من المقبول أن يدفع كذلك أجرًا للمقرض، لأن الأجر والضمان لا يجتمعان (على جهة واحدة) ولو أراد الأجر لكان عليه أن يضمن هو لا المقترض، وبذلك يتحول إلى القراض.

ثانيًا: لا تصلح السفتجة حجة لمن يبغي إباحة الربا في قروض التجارة والاستثمار والاستهلاك غير الضروري

من المعلوم أن عددًا من رجال الفقه أو الاقتصاد أو القانون المعاصرين حاولوا التفرقة بين نوعين من القروض: قروض الاستهلاك الممنوحة من الأغنياء إلى الفقراء والمضطرين، وقروض التجارة والاستثمار والاستهلاك غير الضروري، والتي قد تكون ممنوحة من أشخاص إلى من هم أغنى منهم، كالقروض إلى الشركات والتجار والدولة، فقالوا بأن الربا هو الزيادة في القروض الأولى، لأن المقترض فقير، ولا يمكن استغلال حاجته بفرض معدل فائدة عليه، بل الموقف يقتضي المساعدة والإحسان. أما قروض النوع الثاني فيباح فيها الفائدة، لأن وضع المقترض لا يمكن المقرض من استغلاله بفرض الفائدة والمتاجرة بحاجته.

وقد يخطر في بال بعض القراء هنا، ولاسيما في ضوء بعض العبارات الفقهية، إن ههنا اعترافًا لفقهاء كبار، بإمكان أن تكون القروض قروض منافع، لا مجرد قروض إحسان فقط!

لكن هذا الخاطر لا يستقر إذا ما عرفنا الأمرين التاليين:

1- بينا أن السفتجة قرض اقترن بمنفعة إضافية واحدة لكلا الطرفين، بمعنى أن المنفعة نفسها هي منفعة لكل من الطرفين. وهذه المنفعة ليست من قبيل المعاوضة البيعية التي يحقق فيها البائع ربحًا، بل هي معاوضة من نوع خاص، لا ربح فيها لطرف على آخر إطلاقًا، فهي بذلك تنسجم مع طبيعة القرض. فالقرض تبادل متماثلين، بخلاف البيع فإنه تبادل مختلفين،

والمنفعة الإضافية التي تحققها السفتجة لكلا الطرفين هي أيضًا عبارة عن تبادل متماثلين، منفعتين متماثلتين، بل المنفعة ذاتها لأحدهما هي منفعة للآخر، وليس هناك أعدل وأدق من هذه المعاوضة الحسابية الدقيقة التي لا يكون فيها أدنى ذريعة إلى المراباة، ولو كانت هذه الإضافة التي تضيفها السفتجة إلى القرض من قبيل المبايعة (= البيع) لما جازت، لورود النهي عن بيع وسلف، لأنه قد يتذرع بربح البيع للوصول إلى منفعة السلف.

أما منفعة السفتجة ههنا فالذرائع فيها مسدودة على وجه الدقة والإحكام. ومن هنا قال بعضهم: إنما سميت سفتجة لأحكام أمرها، فاللفظ فارسي معرب، أصله سفته، وهو الشيء المحكم (قارن حاشية ابن عابدين 4/295).

2- إن الذين ميزوا بين قروض الاستهلاك وقروض الإنتاج لا يستقيم لهم هذا التمييز في ضوء السفتجة. ذلك أن السفتجة جائزة حتى ولو كان القرض ممنوحًا للاستهلاك، فلو احتجوا بالسفتجة لوقعوا في التناقض، لأن منفعة السفتجة جائزة في كل القروض، وهم أرادوا أن يجعلوا المنفعة في قروض الاستهلاك ربوية، وفي قروض الإنتاج غير ربوية، أي غير محرمة.

3- لم ينقل إلينا في كتب الفقه. ولا غيرها أن قروضًا بفائدة استخدمت في أغراض الإنتاج على سبيل الجواز الشرعي، مع أن الحاجة الداعية إليها في عصرنا، داعية إليها في كل عصر. فلو كانت هنا فسحة أمام المرابين في قروض الإنتاج لعلمنا بها، مثلما علمنا بتطبيق القراض، ولكان من الممكن تطبيق كل من القرض والقراض في مجال التمويل الإنتاجي..

ولو وجد الفقهاء والعلماء من عصر الرسول ]  صلى الله عليه وسلم  [ حتى عصرنا هذا منفذًا شرعيًا لأباحوها، فإن إصرارهم على مَنْعِهَا دليل على عدم وجود أي دليل شرعي بالإباحة تستريح إليه نفوس العلماء المؤمنين. بل إن في أسباب نزول بعض آيات الربا ما يفيد أن عرب الجاهلية كانوا يقرضون قروضًا مؤجلة بزيادة مشروطة (انظر أحكام القرآن للجصاص 1/456 و 469، وتفسير الرازي 7/85 و 90).

والمعلوم أن القرض حالُّ عند جمهور الفقهاء (أجاز مالك والليث تأجيله)، أما البيع فيمكن أن يكون مؤجلاً، وإذا كان مؤجلاً وجب أن يكون الأجل معلومًا، وقد أرادوا بتأجيل القرض أن يزيدوا في بدل الوفاء لقاء الأجل، كما يحصل في البيع من الزيادة لقاء الأجل. ولكنهم منعوا من ذلك. ألا تذكر قوله تعالى في البقرة 275 "قالوا: إنما البيع مثل الربا"، فعاجلهم تعالى بالرد عليهم مباشرة بأنه سبحانه أحلَّ البيع وحرم الربا.

محاولة تصحيح بعض عبارات الفقهاء:

كل ما قرأته عند الفقهاء من عبارات في السفتجة سواء من حرمها منهم، أو أجازها، فيها إجمال، ولا يسهل فهمها، أو فيها بعض الاضطراب أو التناقض، ولا أظن أن سبب ذلك إلا السرعة في التعبير، والاستغناء بالحدس الصادق السليم عن كل عبارة دقيقة منمقة، ولكن هذه اللغة إن صلحت للمتمرسين بقراءة الفقه، فإنها لا تصلح للقراء الذين يريدون اليوم لغة العلم الدقيق البعيدة عن احتمالات التأويل.

فعلى سبيل المثال، قال ابن تيمية في الفتاوى 29/534، وهو نص لم نورده سابقًا:

"السفتجة هو أن يقرضه ببلد ليستوفى في بلد آخر، فيربح المقرض خطر الطريق، ومؤونة الحمل، ويربح المقترض منفعة الاقتراض".

وصواب العبارة، في ضوء ما تقدم من شروح وتوضيحات، أن يقول: "ويربح المقترض منفعة الوفاء في البلد الآخر". ذلك أن كلاً من الطرفين ينتفع من الوفاء في البلد الآخر، وهو ما تُضيفه السفتجة على القرض. وكلاهما يوفر مؤونة الحمل وأمن الطريق على الغالب، كما قدمنا. لذلك فحديثه عن منفعة الاقتراض فيه خلل، لأن هذه المنفعة يوفرها القرض لا السفتجة، ويقابلها ثواب الله للمقرض. وما تضيفه السفتجة هو من قبيل تبادل المنفعة. على أن عبارة ابن تيمية في الفتاوى نفسها في موضع آخر 29/530، و355، إنما هي في غاية الدقة والإيجاز. وما نقدي له ههنا إلا بفضل ما علمنيه هو نفسه، ذلك الإمام الكبير، الذي لم نر مثله بعده (ابن القيم على فضله يبقى تلميذه وناقل علمه)،

ولا ينكر فضلُه على كلِّ من أتى بعده حتى عصرنا هذا، سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا، وسواء كانوا من أنصاره أو من خصومه، وإني لأنتفع بعلمه ما لا أنتفع بعلم غيره، وذلك لأنه إمام كبير في الفقه والحديث معًا، وفقهه مقارن، وكتبه مطبوعة وجيدة وهو أقرب فقيه إلى عصرنا يعتد بفقهه وتقواه. واثبات ذلك يخرج عن موضوعنا هنا، وله مقال آخر بإذن الله. ولا يغض هذا من فضل الأئمة الكبار الذين سبقوه رضي الله عنهم أجمعين.

واني لأدعو أولئك المتخاصمين في الفقهاء يفضلون هذا، ويكفرون ذاك، لأن يعرفوا إذا أحبُّوا لم أحبُّوا، وإذا كرهوا لم كرهوا، ولأن ينتفعوا من كل إمام بما عنده من علم، فالأمر تذوق ومعاناة، لا محاكاة وتقليد، وطلب حق، لا هوى ولا شهوة...

من دروس السفتجة:

من المناسب دائمًا أن نحدد حدًا للربا، فلا يدخل فيه ما ليس بربا، ولا يخرج منه ما هو ربا. ومن الربا ما أشكل فهمه على كثير من العلماء، باعتراف الكبار منهم، كابن كثير، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم. ويضيق المقام هنا عن الإتيان بالشواهد، التي ذكرناها في موضع آخر.

فممّا قدمناه في السفتجة يتبين أن هنالك معاملات يظنُّ أنها ربوية وليست كذلك، منها السفتجة، ومنها زيادة البدل المؤجل في البيع (النسيئة، والسلَم)، ومنها الاتفاق بين المقرض والمقترض على وفاء القرض بالنقصان (شرط النقصان في وفاء القرض)([8]) ومنها حسمُ تعجيل وفاء الثمن المؤجل، ومنها كراء المصوغ (فتاوى ابن تيمية 30/194)، ومنها بيع الحلية المصوغة صياغة مباحةً بأكثر من وزنها في مقابل الصنعة (إعلام الموقعين لابن القيم 2/142)، وإن كان في قلبي منها شيء لمصادمتها حديثًا صريحًا في الموضوع.

وبالمقابل هنالك حالات قد يظنُّ أنها غير ربوية، وهي ربوية، كأن لا يقرض المقرض إلا لمن هو معروف بحسن القضاء في العادة، فهنا يقوم العرف مقام الشرط أو التواطؤ أو الاتفاق (= التعاقد).

ويدخل في هذه الحالات أيضًا الحيل الربوية، كالعِينة، والتورُّق (انظر فيهما فتاوى ابن تيمية الجزء 29)، ويجوز التورق إن كان غرض المقترض فيه التعفف عن طلب القرض. ولا يجوز إن كان على سبيل الاتفاق والتواطؤ والتحايل. وبيع الوفاء، وبيع الاستغلال (انظر فيهما مجلة الأحكام العدلية المادة 118، 119)، وهما يدخلان معًا في بيع الأمانة (انظر فتاوى ابن تيمية ج (29) في مواضع متفرقة) وكبيع المعاملة (انظر حاشية ابن عابدين 4/175)،

كما يدخل في الحيل الربوية تحديد ربح لربِّ المال في القراض بمبلغ معلوم، حتى ولو لم يؤخذ إلا إذا زاد ربح القراض على هذا المبلغ المعلوم، كما يدخل فيها ما شاع في وقتنا هذا من قيام مصرف بشراء سلعة لآخر محتاج إلى المال لشرائها، فيشتريها المصرف نقدًا ويبيعها له بالأجل بزيادة، تحت أية تسمية تمت هذه المعاملة، وأيًا كان المتعامل بها، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم.

ما أفقه رجلاً مثل ابن تيمية، لا يحرِّم السفتجة ولا غيرها إلا بالدليل القوي الواضح، ويُطمئن الناس إلى أن ما يفعلونه كالسفتجة وأمثالها ليس حرامًا، فلا يجعلهم عصاة مذنبين، ولا يدعهم يلجؤون إلى الحيل، فالدين عنده صراط مستقيم، لا مخادعة فيه ولا تحايل. اللهم فقِّهنا في الدين، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، وأعذنا من الحيل والمتحايلين.

النتيجـة:

وهكذا فإن الاتفاق على وفاء القرض في بلد آخر قد يكون فيه مصلحة لأحدهما دون الآخر، فإن كانت المصلحة للمقترض كان مستحبًا، وإن كانت المصلحة للمقرض لم يُجز لأنه ربا، وقد يكون فيه مصلحة لكليهما معًا، فهو جائز، حيث لا مؤنه على المقرض ولا على المقترض.

وفي ضوء ما تقدم، فإن الحوالات المصرفية والبريدية المأجورة اليوم، يمكن النظر إليها على أنها قروض تسدد في بلد آخر، أو في مكان آخر، بشرط النقصان المعادل للأجر اللازم لتغطية نفقات المصرف أو المكتب البريدي.

ولعل من المناسب أخيرًا أن أشير إلى أن السفتجة عندما تطلق، ويحكم عليها بأنها جائزة، فإنما يراد بها ذات المنفعة المشتركة، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، أي ليست هناك مؤنة إضافية، من ضمان أو كراء، على المقترض. والدليل على أن هذا هو المراد هو عبارات الفقهاء أنفسهم، وقد تقدم بعضها.

أما ذات النفع المتمحض للمقترض فَبَدَهِيَّة الجواز، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، ولا مصلحة للمقرض فيه هناك.

وأما ذات النفع المتمحض للمقرض فبدهية الحرمة، حيث يتكبد المقترض نقل مال الوفاء من بلد القرض، لمصلحة المقرض فقط، مع ما في ذلك من تحمل أخطار النقل وأجوره.

هذا والعبرة في السفتجة لنقل مال الوفاء، ولا ينظر إلى نقل مال القرض إذا فعله المقترض.

ومن المفيد أن أشير كذلك إلى أن المنفعتين اللتين تُقدمهما السفتجة (وهما توفير أمن الطريق وكرائه) لا يتصور فيها انفكاك إحداهما عن الأخرى، كما وَهِمَ بعضُ الفقهاء، فلا يمكن تجويز الأمن دون الكراء، فهذا فضلاً عما فيه من خطأ، لأن كلاً منهما يعتبر منفعة مالية لا يمكن إنكارها، وتتفاوت فيهما حسب نوع مال القرض (نقد، طعام.. الخ) كما بينا أعلاه، فإنه غير متصور الوقوع في أية حالة من حالات السفتجة. فإما أن لا ينقل مال الوفاء، ويتوفر بذلك الأمن والكراء معًا لكل من الطرفين، أو لأحدهما، وإما أن ينقل، فيتكبد الخطر والكراء معًا أحدُهما أو كلاهما.

لا بد أن يلحظ القارئ العارف ما أضفناه في خلال هذا البحث إلى تراثنا الفقهي في السفتجة، من توضيح غامض، أو بسطِ مختصر، أو تفصيل مجمل، أو تصحيح خطأ، أو استخدام دليل في موضع آخر، أو ترجيح دليل على دليل، وعرض السفتجة في صورة أرجو أن يقبلها باقي الفقهاء الذين رفضوها. وهذا في مقاصد التأليف معتبر إن شاء الله.

فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فعذري أني ما تعمدتُ إلا الحق والصواب، وعسى أن أصل إليهما بالمحاولات الصادقة، ومن بالغ في خوف الخطأ أخطأ، ولم يجتهد، ولم يصل إلى صواب.

وإني لأسأل الله لي ولسائر الباحثين والعلماء والمفتين أن يجعل مُتعتنا في ابتغاء الحق أقوى من كل متعة أخرى، كإرضاء ذي سلطان أو مال أو جاه أو شيخ أو عالم أو قريب أو صديق أو متحزب أو متعصب، أسأل الله أن يثبتنا على هذا: مدح المادحون أو قدح القادحون.. أو حسد الحاسدون.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.



المراجع

- ابن الأثير: جامع الأصول.

- ابن تيمية: الفتاوى.

- ابن تيمية: القياس.

- ابن حنبل: المسند.

- ابن حزم: المحلى.

- ابن عابدين: الحاشية.

- ابن عاشور: كشف المغطى شرح الموطأ.

- ابن قدامة: المغني.

- ابن القيم: أعلام الموقعين.

- الباجي: المنتقى شرح الموطأ.

- البغوي: شرح السنة.

- البيهقي: السنن.

- الجصاص: أحكام القرآن.

- الدار قطني: السنن.

- الرازي: التفسير الكبير.

- الزرقاني: شرح الموطأ.

- زيدان (عبد الكريم): الكفالة والحوالة في الفقه المقارن.

- السيوطي: شرح الموطأ.

- الشافعي: الأم.

- الشوكاني: نيل الأوطار.

- عبد الرازق: المصنف.

- الكاند هلوي: أوجز المسالك في شرح موطأ مالك.

- مالك: الموطأ.

- مجلة الأحكام العدلية.

- مجلة حضارة الإسلام السورية العدد 8-9 لسنة 1398هـ.

- المزني: المختصر بهامش الأم.

- الموسوعة الفقهية الكويتية: الحوالة.

- نظام الأوراق التجارية السعودي.

- الهندي: كنز العمال.

- يحيى (عبد الودود): حوالة الدين، دراسة مقارنة في الشريعة الإسلامية والقانونين الألماني والمصري.

 

 

 

 

(1) انظر "الحوالة"، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية.

(2) انظر موطأ مالك 2/681، ومصنف عبد الرزاق 8/141، وكنز العمال 4/188.

(3) انظر مصنف عبد الرزاق 8/141، وسنن البيهقي 5/352.

(4) لعلها روايتان عنه، ففي المحلى لابن حزم 8/78 أنه أجازها معروفًا وكرهها شرطًا، وهذا لا خلاف عليه، لأنه من حسن القضاء، ما لم يكن عن شرطٍ أو عادة أو تواطؤ، انظر موطأ مالك 2/681.

(5) فتاوى ابن تيمية 29/530. وانظر 29/455، وانظر القياس له، ص 17. (ويبدو أن جامع الفتاوى قد أدخل فيها رسائل ابن تيمية، ومنها القياس إلا الكتب الكبيرة له).

(6) نقلاً عن الموطأ، كتاب القراض. وانظر مختصر القراض للمزني في كتاب الأم للشافعي 3/60 الحاشية). والدار قطني 2/3150، وقال عنه الحافظ في التلخيص. إسناده صحيح. وانظر أيضًا جامع الأصول لابن الأثير 10/93، وشرح السنة للبغوي 8/259-260، ونيل الأوطار للشوكاني 5/300).

(7) قارن بالمنتقى شرح الموطأ 5/150-151، وعنه نقل الزرقاني 3/345-346 ولم يشرح السيوطي شيئًا 2/173، وانظر كشف المغطى لابن عاشور، ص 284. وأوجز المسالك للكاندهلوي 11/401-405.

(8) فوفاء القرض بِمِثْلِهِ عَدْلٌ وقضاء، وبالنقصان إحسانٌ وإبراء، وبالزيادة ظُلْمٌ ورباء. قَارِنْ حاشية ابن عابدين 4/312.

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com