|
المصرفية الإسلامية.. الأخلاق مكملة للمشروعية
النقد أحد عوامل نجاح المصرفية الإسلامية، وهو نقد تؤيده الأدلة وتعضده القيم والأخلاق. وإن أزمة الخلاف الفقهي القديم والمتجدد والمستمر أيضا ستجد في تعزيز الأخلاق سفينة للنجاة وحصنا من النقد العكسي الذي سيعاد توجيهه للمصرفية الإسلامية بعد أن عجزت عن دحضه المصرفية التقليدية.
ليس هناك أي خلاف حول ضرورة التقيد بضوابط الشريعة الإسلامية في جميع صور التمويل الإسلامي، ومع أن هناك تباينا في الآراء تحتمله النصوص وتتقبله الأذهان وتحترمه قواعد النقاش العلمي، إلا أنه يؤثر في الصورة الشاملة للمصرفية الإسلامية، رغم أنه يتناول فقط التفاصيل الدقيقة التي ينبني عليها الحكم الشرعي.
ولم يتم تخطي هذه المسألة البالغة الحساسية بالنسبة للعملاء مع تلك المدة الزمنية التي صاحبت ذلك التباين في الآراء، فلم يتم توحيد هيئات الرقابة الشرعية ولم يتم اعتماد رأي الأغلبية في الترجيح، كما أنه لم يتوقف سيل التصريحات حول قضايا مثل المصداقية والشفافية في واقع التمويل المصرفي الإسلامي ودقة ضوابطه لتفادي الشبهات والشوائب وتحقيق النقاء الكامل المطلوب شرعا.
إن فقه المعاملات الإسلامي ذو مرونة عالية ويسمح بطبيعته بوجود آراء متعددة في المسألة الواحدة؛ لذا توجد الخلافات الفقهية لأن هذه المسائل تحتمل ذلك وربما لن يستطيع أحد أن يكتب نهاية لتباين الآراء أو يضع حدا فاصلا يقضي على التعددية المنطقية لأنها جزء موضوعي لم يفرضه أحد أو يوجد بوجوده؛
ومن هنا فإن المطلوب الانتقال إلى مرحلة أخرى هي مكملة للمشروعية، ألا وهي أخلاقيات الممارسة المصرفية التي لها أهمية قصوى، حيث إنها تضفي الكثير من القيمة على العمل المصرفي، كما أنها تعزز المشروعية وخصوصا أن التفاصيل الدقيقة للضوابط تسمح بالخلاف وهنا فإن الأخلاق تبدو ضرورية وفيها سيجد العملاء ما يخفف من تساؤلاتهم حول المشروعية لأنها في الواقع جزء لا يتجزأ من المشروعية، ولكن لم تأخذ أهميتها ربما للانشغال بما هو أهم منها.
وفي الواقع ليس هناك من ينكر أن للتجارة ومنها العمل المصرفي أخلاقيات تتجاوز العرف وتجد مصدرها في تعاليم الدين الحنيف، فالأحاديث النبوية الشريفة والآثار منها ما يفوق الحصر وتتضمن التأكيد على تجنب الغبن في الأسعار والجشع في الأرباح والمغالاة في الشروط والأخذ بالضمانات التي تجعل طرفا تحت رحمة الآخر دون أن يكون له حول أو طول سوى الاستسلام والانقياد له،
حتى تكاد تنعدم تماما صورة المشاركة أو المضاربة أو التساوي في المواقف مع أن الآخذ وهو المصرف بأمس الحاجة إلى مال المعطي وهو العميل الذي يدفع ماله لمن يثق به، وهو لن يجد أفضل من المصرف محلا لثقته.
ولعل أكثر ما يحرك الأذهان للتساؤل هو تلك المعدلات المرتفعة جدا في أرباح المصارف الإسلامية عن مثيلاتها من البنوك التقليدية، ومنها بلا شك البنوك في العالم الرأسمالي الغربي، حيث تكمن المعاملات الربوية، فالفارق كبير جدا،
بل إن تلك الصورة المفحشة في المغالاة الربوية وهي الربا المضاعف أو التراكمي نجدها تطبق ولكن في تعاملات إسلامية بحتة لا غبار على مشروعيتها، إنما أين أخلاق المعاملات الإسلامية النابعة من التوجيهات القرآنية والنبوية؟
هذا هو السؤال الذي يبحث له العملاء عن جواب شرعي ومعزز بالأدلة الفقهية؛ لأنها مكملة للصورة الجميلة التي ندعو إليها، بل نتمناها دائما.
لقد كان النقد أحد عوامل نجاح المصرفية الإسلامية، بل إن فكرة العمل المصرفي الإسلامي ولدت بكاملها من ذلك النقد الطويل للعمل المصرفي التقليدي وهو نقد تؤيده الأدلة وتعضده القيم والأخلاق.
وإن أزمة الخلاف الفقهي القديم والمتجدد والمستمر أيضا ستجد في تعزيز الأخلاق سفينة للنجاة وحصنا من النقد العكسي الذي سيعاد توجيهه للمصرفية الإسلامية بعد أن عجزت عن دحضه المصرفية التقليدية وانهارت أمامه تماما؛ لأنه نقد يجد له أساسا قويا في مصادر التشريع على اختلاف الديانات السماوية،
ومن يستطيع أن ينكر أن فقهاء الإسلام أكدوا أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ فالجوهر هو في تلك الحقيقة التي يطلبها الجميع وفي مقدمتهم من تبنوا المصرفية الإسلامية وسخروا لها جهدهم ووقتهم، فهم الأقرب للواقع والأحوج إلى الدلالة على الطريق الموصل للغاية النبيلة،
وعندما يتم تحديد الهدف وهو البحث عن أخلاقيات المصرفية الإسلامية وتفعيلها فإن الكثير سيتم إنجازه لمصلحة من يهمهم الأمر برمته.
مجلة المصرفية الإسلامية
|