الإفتاء في النوازل.. ضوابط وآداب
د.رجب أبو مليح**
** دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله
الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر؛ فالمفتي قائم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو خليفته ووارثه (العلماء ورثة الأنبياء)، وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون، وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة.. قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه -كما قال الشاطبي- شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق.
أما الإفتاء في قضايا النوازل فإنه أعظم خطرا، وأشد أثرا؛ فالمفتي يسير في طريق غير معبَّد، وواقع يشتبك فيه السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع الفقهي والشرعي، ولا بد من التريث؛ حيث إن العجلة مدمرة هنا، خاصة إن كان الأمر يتعلق بفتاوى الأمة لا بفتاوى الأفراد؛ فبهذه الفتوى تُحل دماء أو تُحرم، وتُستباح حرمات أو تصان؛ فعلى المفتي التأني والتدبر والتشاور للوقوف على الأمر بكافة جوانبه، ومعرفة مآلات الفتوى، وكثيرا ما نردد أن قضايا كثيرة من قضايا الأمة لا يصلح لها الفرد مهما كان علمه غزيرا وعقله رشيدا وبصره حديدا؛ بل لا بد من أن يجتمع عليها عدد من العلماء من تخصصات متعددة ينضجونها بالنقاش والحوار، ثم يأتي الفقيه أو مجموعة من الفقهاء بعد أن يعوا الواقع ويعلموه من كل جوانبه ليصدروا فتواهم في هذه المسألة.
وفيما يلي بعض الضوابط والآداب التي نراها ضرورية للإفتاء في قضايا النوازل بصورة خاصة:
أولا- التأكد من وقوع النازلة:
بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة أصبح التواصل بين المفتي والمستفتي أمرا ميسورا؛ فيستطيع المستفتي أن يسأل من شاء عن أي شيء شاء في أي وقت شاء، ويستطيع أن يختار من يستفتيه مهما بعدت المسافات، وهذا وإن كان ميزة في كثير من الحالات، فإنه يعتريه بعض المثالب والعيوب؛ فكثير من الناس يشغل باله بمسائل مستحيلة الحدوث أو قليلة الجدوى أو يطلق لخياله العنان لأشياء بعيدة عن الواقع، ثم يسأل عنها أهل الفتوى؛ حيث إن الأمر لا يكلفه كثيرا ولا قليلا.
ومثال ذلك ما حدث منذ عدة سنوات أن نشرت إحدى المجلات خبرا مفاده أن رجلا من الخليج حمل نيابة عن زوجه التي أخبرها الأطباء باستحالة حملها؛ نظرا لمرض خِلقي أثر على الرحم، ومن فرط حب هذا الرجل قَبِل أن يحمل عن امرأته، فأتى الأطباء بييضة من المرأة وتم زرعها في جدار المعدة عند زوجها، وقد نما الجنين والرجل على وشك الولادة!!.
ثم هرع الناس يسألون: هل هذا جائز شرعا أم لا؟؟ وما الآثار والأحكام التي تترتب على هذا؟؟
وكنا نظن أن أهل الذكر من الأطباء سيغنوننا عن الخوض في هذا الهراء لكنهم للأسف أفتى بعضهم بأن هذا ممكن عقلا وإن لم يروه بأعينهم، وأن التقدم العلمي ربما يكون قد وصل لشيء من هذا، وأخذوا يعددون الأمراض والتشوهات التي تلحق بهذا الرجل الذي سيتحول إلى مسخ فلا هو بالرجل ولا بالمرأة!!.
وكان لا بد بعد أن أفتي أهل الذكر بأن هذا ليس مستحيلا أن يقول الفقهاء كلمة الشرع في هذا الأمر، وكان الكلام فيها مقتضبا مختصرا بناء على ما أفتى به الأطباء المتخصصون من الضرر الذي سيقع على الرجل من جراء هذا الحمل الكاذب؛ فإنه لا ضرر ولا ضرار، ولا يجوز للرجل أن يحمل نيابة عن زوجه، وله في الزواج من أخرى عوض عن هذا العبث.
وبعد أكثر من شهر خرجت هذه المجلة المستهترة لتقول: "إن الشهر الماضي كان شهر إبريل، وهذه كذبة إبريل؛ فلا حمل الرجل ولا ولد"!!.
فعلى المفتي أن يتريث ويسأل: هل وقع هذا أم لم يقع؟ وإن كان لم يقع فهل من الممكن حدوثه حتى يكون التفكير فيه من باب استشراف المستقبل، أم أن الأمر ما زال في طور الخيال العلمي؟.
ويؤيد ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال عمَّا لم يقع، وامتناعهم عن الإفتاء فيها، وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه؛ فقد روي أن رجلا جاء إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- فسأله عن شيء؛ فقال له ابن عمر رضي الله عنهما: "لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يلعن من سأل عما لم يكن". وكان زيد بن ثابت -رضي الله عنه- إذا سأله إنسان عن شيء قال: "آلله ! أكان هذا؟ فإن قال: نعم نظر، وإلا لم يتكلم"... وهناك الكثير من الأمثلة من عصر الصحابة التي تدل على تشددهم في هذا الأمر.
فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكد من وقوع النازلة، ولا ينظر في المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول، ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقع منصوصا عليها، أو كان حصولها متوقعا عقلا فتستحب الإجابة عنها والبحث فيها من أجل البيان والتوضيح ومعرفة حكمها إذا نزلت.
ثانيا- أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها:
للمجتهد أن يعرف ما يسوغ النظر فيه من المسائل وما لا يسوغ؛ وذلك لأن المجتهد قد يترك الاجتهاد في بعض المسائل التي لا يسوغ فيها النظر؛ لأن حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل لعدم الفائدة والنفع من ورائها؛ فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهد الناظر ألا يشغل نفسه وغيره من أهل العلم إلا بما ينفع الناس ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم.
أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدال أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه أو الخوض فيما لا يحسنه أهل العلم والنظر، أو نحو ذلك.. فهذه مما ينبغي للناظر أن لا يلقي لها بالا؛ لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وقد تفرق ولا تجمع.
وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه "نهى عن الغلوطات".
وجاء عن معاوية رضي الله عنه أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: "أما تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن عضل المسائل".
قال الخطابي -رحمه الله- في هذا المعنى: "إنه نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا ويسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسئول به.
فشداد المسائل وصعابها مما لا نفع فيه ولا فائدة إلا إعنات المسئول لا شك أنه مذموم شرعا، ينبغي أن يحذر الفقيه أو الناظر من الانسياق الملهي خلف هذه المسائل، والانشغال بها عما هو أهم وأعظم، كذلك ينبغي للناظر أن لا يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النص إذ القاعدة فيها: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص).
والمقصود بهذه القاعدة -على وجه الإجمال- ما قاله الإمام الزركشي -رحمه الله- من أن "المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي".
ويمكن من خلال النقاط التالية إبراز ما يسوغ للمجتهد أن ينظر فيه من النوازل بإجمالٍ:
1-أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصوصٍ عليها بنصٍ قاطعٍ أو مجمع عليها.
2- أن يكون النص الوارد في هذه المسألة -إن ورد فيها نصٌ- محتملا قابلا للتأويل.
3- أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحدٍ منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر.
4- أن لا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة.
5- أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع، أو مما يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة ( 1) .
ثالثا- فهم النازلة فهما دقيقا:
إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها؛ حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل، ولم يرد فيها عن السلف قول؛ بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يوما من الدهر.
من هذا المنطلق كان لا بد للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهما دقيقا، وتصورها تصورا صحيحا قبل البدء في بحث حكمها، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكم أُتِي الباحث أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه!! فالناس في واقعهم يعيشون أمرا، والباحث يتصور أمرا آخر ويحكم عليه.
فلا بد حينئذ من تفهم المسألة من جميع جوانبها، والتعرف إلى جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها وغير ذلك مما له تأثير في الحكم فيها.
ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- ما يؤكد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث جاء فيه: "أما بعد.. فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة؛ فافهم إذا أُدليَ إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بالحق لا نفاذ له... ثم الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق".
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- معلقا وشارحا هذا الكتاب: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله" ( 2).
وكثير من المسائل المعاصرة التي وقع فيها الخطأ كان نتيجة إغفال هذا الضابط؛ فقد أفتى بعض الفقهاء على جواز الاقتراض من البنوك بالفائدة المحددة سلفا؛ لأن هذا العقد عقد وكالة، وشتان شتان بين عقد الوكالة، وهذا العقد الذي ينص القانون أنه قرض، ولا صلة له بعقد الوكالة من قريب أو بعيد.
وأفتى بعضهم بجواز التأمين بكافة صوره وأشكاله؛ نظرا لما حسبه أنه من عقود التبرعات وهو ليس كذلك؛ بل من عقود المعاوضات التي لا يغتفر فيها الغرر ولا الجهالة ولو كانت يسيرة.
وليس المجال مجال حصر لتلك الفتاوى التي بنيت على أساس غير صحيح لتكييف الحادثة وفهمها فهما صحيحا.
رابعا- التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص:
مما ينبغي أيضا للناظر أن يراعيه هنا زيادة التثبت والتحري للمسألة، وعدم الاستعجال في الحكم عليها، والتأني في نظره لها؛ فقد يطرأ ما يغير واقع المسألة أو يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها، فإذا أفتى أو حكم من خلال نظرٍ قاصرٍ أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ؛ فقد يخطئ الصواب، ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير.
وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يؤيد التثبت والتحري في الفتيا والاجتهاد؛ ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أفتى بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه" (3). وقال أيضا -عليه الصلاة والسلام-: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" ( 4).
وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يُسأَل عن المسألة فيتفكر فيها شهرا، ثم يقول: "اللهم إن كان صوابا فمن عندك، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود".
فعلى المفتي في قضايا النوازل أن يسأل ويستشير أهل الاختصاص، خاصة في تلك المسائل المعقدة المتشابكة، وقد حدثت تطورات في المعاملات المالية المعاصرة توجب على المفتي أن يسأل المتخصصين في علم الاقتصاد والقانون وغير ذلك حتى يقف على حقيقة المسألة، ويتمكن من تكييفها ليُلحقها بأحد العقود، أو يرى أنها عقد مستحدث لا يمكن إلحاقه بأي عقد سالف، وعليه فلا بد أن يكون منضبطا بأحكام المعاملات العامة؛ فنحن نسمع عن عقود المرابحة للآمر بالشراء والمضاربة المشتركة والإجارة أو المشاركة المنتهية بالتمليك وسوق الأوراق المالية، والتسوق الشبكي أو الهرمي، والمسابقات الهاتفية أو التليفزيونية، وبطاقات الائتمان وغيرها، وهذا يتطلب معرفة بالواقع ومراجعة أهل الاختصاص.
خامسا- مراعاة مقاصد الشريعة:
المراد بالمقاصد الشرعية هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة؛ فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها.
وقد يراد بالمقاصد أيضا: الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد (5).
فهذه الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين.. معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس؛ فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع.
ولذلك كان الناظر في النوازل في أمسّ الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لا بد أن يستعين بمقصد الشرع، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها.
يقول الإمام البيضاوي -رحمه الله-: "إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد".
ويؤكد على ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله- وهو من المعتنين بذلك بقوله: "القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة".
فينبغي عندئذٍ أن يراعي الناظر في النوازل تحقيق المصالح في حكمه وفتواه حتى لا يخرج عن كليات الشريعة ومقاصدها العليا.
ومن مظاهر مراعاة المفتي لفقه المقاصد ما يلي:
أ - تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر:
وقد ذكر الأصوليون عدَة ضوابط من أجل تحقق المصلحة المعتبرة والعمل بها عند النظر والاجتهاد، وهي بإيجاز:
1- اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة.
2- أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة.
3- أن تكون المصلحة قطعية أو يغلب على الظن وجودها.
4- أن تكون المصلحة كلية.
5- ألا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها.
ب - اعتبار قاعدة رفع الحرج:
يقصد بالحرج: كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا و مآلا؛ فيكون المراد برفع الحرج: "التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية".
وقد دلت الأدلة على رفع الحرج من الكتاب والسنة حتى صار أصلا مقطوعا به في الشريعة.
وهناك شروط لا بد للناظر من تحقيقها عند اعتباره لقاعدة رفع الحرج فيما يعرض له من نوازل وواقعات، وهي:
1 - أن يكون الحرج حقيقيا، وهو ما له سبب معين واقع؛ كالمرض والسفر، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن المعتاد، ومن ثمَّ فلا اعتبار بالحرج التوهمي وهو الذي لم يوجد السبب المرخص لأجله؛ إذ لا يصح أن يبني حكما على سبب لم يوجد بعد، كما أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات.
2- أن لا يعارض نصا؛ فالمشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما في حال مخالفته النص فلا يعتد بهما.
3 - أن يكون الحرج عاما، قال ابن العربي -رحمه الله-: "إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصا لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره، وذلك يعرض في مسائل الخلاف".
ج - النظر إلى المآلات:
اعتبار المآل أصل ثابت في الشريعة دلت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام، كما في قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ} ( 6) .
وقوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (7).
وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أشير إليه بقتل من ظهر نفاقه قوله: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" (8).
وقوله: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" (9).
يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في أهمية اعتباره عند النظر والاجتهاد: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ فقد يكون مشروعا لمصلحة قد تُستجلب أو لمفسدة قد تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها؛ فيكون هذا مانعا من انطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد؛ فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة" (10).
وكم جنت الفتاوى المتسرعة على الأمة الإسلامية من ويلات في الداخل والخارج؛ فقد أفتى بعض الشباب المتسرع في الثلث الأخير من القرن الماضي باستحلال دماء كثير ممن يخالفهم الرأي؛ فسفكوا دماء كثيرة، وأعطوا الفرصة للطغاة بالتسلط عليهم وعلى ذويهم؛ بل راح ضحية هذه الفتاوى عشرات الآلاف من الشباب الطاهر النقي بحق وبغير حق، وخسرت الأمة هذه الطاقات التي لو وجهت وجهة صحيحة لأثمرت وأفادت نفسها وأمتها.
وأفتى بعض العلماء بجواز الصلح مع إسرائيل قياسا على صلح الحديبية، أو أخذا من ظاهر النصوص التي تدعو إلى السلم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في بنود هذا الصلح وأثره على الأمة العربية والإسلامية؛ فكان ما كان، وعشنا نجني المر والعلقم من جراء هذه الفتاوى المتسرعة التي لا تراعي المقاصد ولا تنظر في المآلات.
إن الإفتاء في النوازل عملية مركبة تحتاج إلى جهد كبير من المفتي بل من مجموع المفتين؛ حتى تأخذ الفتوى حقها من التأصيل والتفصيل من مراعاة الزمان والمكان والحال، من فهم للوقع واستشراف للمآل.
اقرأ أيضا:
الإفتاء المباشر.. مقومات ومآلات
المفتي والفضائيات بين التحريم و"المصلحة"
مزالق الفتيا الفضائية
1- التقرير والتحبير في شرح التحرير: 3/ 342 ، الفصول في الأصول للجصاص: 4/ 38 - 39، المستصفى: 345- 346، درر الحكام شرح مجلة الأحكام: 1/ 30 - 31.
2- إعلام الموقعين: 1/ 69 - 70.
3- رواه الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في السنن.
4- أخرجه الدارمي في سننه.
5- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تأليف د.أحمد الريسوني: 7 ، مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي واشنطن، الطبعة الثانية 1412هـ، ومقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها د.علال الفاسي: 7.
6- البقرة 188
7- الأنعام 108
8- أخرجه البخاري في صحيحه.
9- أخرجه البخاري في صحيحه.
10- البحر المحيط: 7/ 156، وأحكام القرآن لابن العربي: 3/ 310، و الموافقات: 4/ 160، 161.
** دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله
المركز العالمي للوسطية