|
لقاء وحوار الملتقى الفقهي مع الدكتور عبد الرحمن السند
عدم جواز إفشاء الأسرار المصرفية والطبية حوار: فضل الله ممتاز
الدكتور عبد الرحمن السند في حوار مع الملتقى الفقهي:
لا يجوز إفشاء الأسرار المصرفية والطبية وهناك استثناءات
فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند رئيس قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء، وعميد عمادة التعليم عن بعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، وأحد فقهاء المعاملات المالية ومن المهتمين بقضايا فقهية معاصرة، ومن ذوي الثقافة الفقهية الموسوعية، كما له أنشطة فقهية ودعوية، وهو معروف بجهوده وإسهاماته العلمية والأكاديمية في أوساط الفقهاء وطلبة العلم وله حضور فاعل في الندوات والأندية الفقهية..
ومن هذا المنطلق يحرص الملتقى الفقهي في شبكة رسالة الإسلام على استضافة الفقهاء الكبار المعروفين بتميزهم واجتهاداتهم الفقهية في فقه النوازل - من أمثال فضيلته - وإجراء الحوار معهم للاستفادة من مواقفهم وتجاربهم ومسالكهم الاجتهادية في ميادين الفقه والإفتاء والدعوة وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
وفي هذه الحلقة يلقي فضيلته الضوء على عدد من المسائل الفقهية المهمة التي يكثر السؤال عنها في واقعنا المعاصر، خصوصاً في أوساط المتعاملين في الأسواق المالية، والشركات، والمصارف، والبنوك.. فإلى نص الحوار:
الملتقى الفقهي: كما تعلمون أن ضرورة التعاملات التجارية وما يترتب عليها من عمليات مصرفية هي التي دعَت العميل إلى كشف أسراره المالية للمصرف والبنك على سبيل الأمانة التي لا يريد إظهارها لغير المصرف، فما واجب البنوك تجاه أسرار عملائها؟
الدكتور عبد الرحمن السند: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين..
لقد أقرت الشريعة الإسلامية حرمة مال المسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "كل المسلم على المسلم حرام" فلا يجوز لأحد أن يعتدي على أموال الآخرين بأي صورة من صور الاعتداء، ولذا أمرت الشريعة الإسلامية بحفظ المال والمحافظة عليه، وكان من شروط إقامة حد السرقة أن يكون المال محرزاً أي في حرزه، وإحراز الأموال إخفاؤها وحفظها في المكان الآمن حتى لا تتعرض للسرقة والنهب.
ونظراً لأهمية الحرز وصعوبة حفظ الأموال في الوقت الحاضر ظهرت المؤسسات والمصارف والبنوك المالية لحفظ الأموال والمحافظة عليها، ولذلك يقوم الناس اليوم بإيداع أموالهم لدى البنوك بقصد حفظها، ومن مقتضيات حفظ المال حفظ الأسرار المتعلقة بها.
والسرية المصرفية ترتكز على المسؤولية الملقاة على المصارف بأجهزتها وموظفيها، وأيضاً من لهم علاقة معها فيلزم التكتم على الأعمال الاقتصادية والشخصية المتعلقة بزبائنهم وبالأشخاص الآخرين الذين تكون معلوماتهم آلت إلى علمهم أثناء ممارستهم لمهنتهم، ولا تعتبر جميع الوقائع التي تصل إلى علم البنك لعميله سراً يتعين كتمانه، بل لا بد من أن تكون مرتبطة بعلاقات الأعمال بين البنك وعميله.
ولذا يجب لاعتبار الواقعة سراً أن يكون مصدر علم البنك بها نابعاً من طبيعة المهنة، وناشئاً من روابط الأعمال التي تربط البنك بالعميل.
ولا تعتبر سراً الوقائع التي يمكن أن يحصل عليها البنك خارج دائرة روابط الأعمال التي تربطه بعميله.
ولذا فإن سرية الحسابات في المصارف التجارية من أهم سمات أعمالها، وتعتبر من الالتزامات الجوهرية التي يلتزم بها جميع العاملين بالمصارف، سواء وفقاً لما استقر عليه العرف المصرفي، أو ما نصت عليه نظم العاملين بالمصارف.
فالأصل في العمل المصرفي السرية، وهو مبدأ اتفقت عليه كل الأنظمة، وبناء عليه فإن البنك ملزم بحفظ أسرار عملائه والمعلومات المرتبطة بنشاطه، والعملاء بحكم مهنتهم يجب عليهم المحافظة على هذه الأسرار وعدم إفشائها.
الملتقى الفقهي: فضيلة الشيخ وما التأصيل الشرعي للنهي عن إفشاء هذه الأسرار؟
الدكتور عبد الرحمن السند: لقد نهى الإسلام عن إفشاء الأسرار، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة"، والأمانة لا يجوز إضاعتها بإفشائها وإشاعتها، قال الله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله الرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون{ (الأنفال: 27)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحد أن يفشي على صاحبه ما يكره".
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما اختصني عمر بن الخطاب قال أبي: (هذا الرجل قد اختصك دون من ترى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجربن عليك كذباً، ولا تعب عنده أحداً، ولا تفشين له سراً)، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الأدب المفرد للبخاري: "المستشار مؤتمن".
فهذه الأحاديث وغيرها تحرم إفشاء الأسرار وتأمر بحفظها لما يترتب على إفشائها من الضرر والأذى لأصحاب الأسرار.
وفي حفظ السر وصيانته وعدم إفشائه يقول أنس ابن مالك رضي الله عنه: "خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً حتى إذا رأيت أني قد فرغت من خدمته قلت يقيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت من عنده فإذا غلمة يلعبون فقمت أنظر إلى لعبهم فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فانتبه إليهم فسلم عليهم ثم دعاني فبعثني في حاجة أتيته، وأبطأت على أمي فقالت: ما حبسك قلت: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة قالت ما هي؟ قلت إنه سر النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت احفظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرَّه، فما حدثت بتلك الحاجة أحداً من الخلق".
الملتقى الفقهي: بما أنكم قد بينتم حكم الشريعة في إفشاء الأسرار المصرفية بمختلف جوانبها، وهناك نوع آخر من الأسرار ألا وهو أسرار المرضى في المستشفيات، فما حكم إفشاء سر المريض الذي قد يكون متضرراً من إفشاء سره؟
الدكتور عبد الرحمن السند: يعد حفظ السر الطبي - يقصد به السر الذي يتعلق بمرض شخص معين، والذي يطلع عليه من يعملون في الحقل الطبي- من الأخلاقيات الأساسية في مهنة الطب، وهو أمانة، أوجبت الشريعة الإسلامية على كل من اطلع عليه أو وصل إليه أن يحفظه، ونهته عن الخيانة.
الملتقى الفقهي: ولكن هناك استثناءات في إفشاء بعض الأسرار المتعلقة بالمرضى، فما هذه الاستثناءات في رأي فضيلتكم؟
الدكتور عبد الرحمن السند: نعم هناك استثناءات وحالات معينة يمكن فيها السماح بإفشاء سر المريض ومن ذلك:
إذا أمرت المحكمة بإفشاء السر لتحقيق سير العدالة في قضية معينة كأن تطلب من الطبيب أو غيره ممن يعملون في المجال الطبي إعداد تقرير مفصل عن حالة المريض أو مصاب عهد إليه به ولو كانت المعلومات التي يتضمنها التقرير سراً بالنسبة لصاحبها أو مثل أن يكون الإفشاء بقصد منع حدوث جريمة معينة، أو كان الإفشاء بقصد الإخبار عن الأوبئة والأمراض المتفشية وذلك للتوقي والعلاج.. والناظر في الحالات المستثناة من وجوب كتمان السر يدرك أنه إفشاء تقتضيه المصلحة العامة أو الضرورة أو الحاجة، وقواعد الشريعة لا تمنع من إفشاء السر في مثل هذه الحالات الاستثنائية، فمن قواعد الشريعة: الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة: تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وقاعدة: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقاعدة ترجيح المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى.
الملتقى الفقهي: قد فهمنا من جواب وشرح فضيلتكم حرمة إفشاء سر المريض في غير الحالات الاستثنائية التي بينتموها، فهل في الشريعة الإسلامية عقوبة رادعة لمن يفشي أسرار المرضى وغيرهم، في غير الحالات المستثناة كما ذكرتم؟
الدكتور عبد الرحمن السند: لا يمتنع في الشريعة الإسلامية تعزير من يفشي سر مريض، مع الاحتفاظ للمتضرر من هذا الإفشاء بحقه من المطالبة بتعويضه عن الأضرار التي أصابته من جراء ذلك، فمن قواعد الشريعة الكبرى: "لا ضرر ولا ضرار، فليس لأحد أن يضرَّ أحداً، والضرر يزال".
الملتقى الفقهي: مع تصاعد الأزمة المالية العالمية وآثارها السلبية على الأفراد والمؤسسات يبحث العديد من أفراد المجتمع عن حلول للتغلب على مشكلاتهم الاقتصادية، ومنها اللجوء إلى التعامل بعقد السلم، فما التطبيقات المعاصرة لهذا العقد في المصارف الإسلامية؟
الدكتور عبد الرحمن السند: من المعروف أن النمو والمرونة والتطور سمات بارزة واضحة المعالم في مواكبة الفقه الإسلامي على مدى الدهور والعصور، وإننا في هذا العصر في أمس الحاجة إلى استبقاء هذه السمات ملازمة له في كل مجال، وخصوصاً على صعيد المعاملات المالية، فعقد السلم في الفقه هو بيع موصوف في الذمة مؤجل ببدل معطى عاجلاً، وهو عقد مشروع ومباح بشرط معلومية المسلم فيه وتسليم رأس السلم، حيث إنه يحول عملياً دون استغلال هذه العقد كحيلة للتوصل إلى التمويل بالفائدة الربوية.
وعقد السلم كما كان له دور مهم وبارز في النشاط الاقتصادي كباب من المداينات في العصور التي خلت، فإنه يعد في عصرنا الحاضر أداة تحويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي، وعلى هذا فمجالات تطبيق هذا العقد متنوعة منها:
أن هذا العقد يصلح للقيام بتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن تتوافر لهم السلعة في الموسم من محاصيلهم، فيقدم لهم المصرف بهذا التمويل نفعاً بالغاً.
كما يمكن استخدام هذا العقد في تمويل النشاط الصناعي التجاري، ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.
ومن التطبيقات المعاصرة لعقد السلم تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين، وذلك بإمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها.
الملتقى الفقهي: فضيلة الدكتور عبد الرحمن السند من الأمور التي تحتاج للإجابة الفقهية المقنعة في أوساط طلبة العلم حكم المسابقات التجارية، فما رأي فضيلتكم في هذه المسابقات؟
الدكتور عبد الرحمن السند: نعم لقد جاءت الشريعة الإسلامية كاملة وشاملة مبنية على اليسر، ولذا فإن من يسر الشريعة، أن الشارع الحكيم أباح التعامل بين الناس فيما يحتاجون إليه من بيع وشراء وتعاقد بأنواع العقود وجعل الأصل في هذه المعاملات الإباحة فكل معاملة خلت من الغرر والربا والظلم والميسر فهي مباحة.
فمن ضوابط المعاملة المباحة خلوها من الميسر، والميسر هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً إن أخذ أو غارماً إن أعطى، فالداخل فيه يجهل العاقبة.
ومما انتشر هذه الأيام المسابقات التي عمت الأسواق والمحال التجارية، وكذا في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وهذه المسابقات ينبغي للمسلم أن يعرضها على الشريعة فما خالف الشريعة ابتعد عنه.
ومن الصور التي استجدت في واقع الناس اليوم، ما تقوم به بعض الشركات والمؤسسات والمحال التجارية من وضع ملصقات مجزأة في أجزاء سلعة معينة، غالباً ما تكون هذه الأجزاء شكلاً معيناً، فمن اشترى بكذا حصل على بطاقة فيها صورة جزء من جهاز أو سيارة، وإذا كرر الشراء يعطى بطاقة ثانية، فإذا كمل الصور، كصورة السيارة مثلاً تعطى له، وهذا من الميسر المحرم وذلك لأن المشتري يبذل مالاً في شراء السلعة لجمع الأجزاء المتفرقة من هذه الصورة، ثم هو على خطر بعد الشراء، فقد يحصل الجزء المطلوب فيغنم، وقد لا يحصله فيغرم وهذا من القمار، لأنه يدعو الإنسان أن يشتري من السلع ما لا حاجة له فيه بقصد الحصول على الجائزة.
الملتقى الفقهي: ولكن هناك فرقاً بين هذه المسابقات والهدايا الترغيبية للمشترين، فما تعليق فضليكم على ذلك؟
الدكتور عبد الرحمن السند: الأصل جواز هذا النوع من الهدايا وقبولها لعموم الأدلة الواردة على إعطاء الهدية والحث على قبولها، ما لم يكن الحصول على الهدية مشروطاً بجمع أجزاء متفرقة في سلعة معينة، لأن مثل هذا النوع من الهدايا محرم وهو من القمار والميسر، كما أن فيه حمل الناس على شراء ما لا حاجة لهم فيه، طمعاً في تكميل الأجزاء المتفرقة، وهذا من الإسراف والتبذير.
الملتقى الفقهي: هل من نصيحة لفضيلتكم للتجار والمتعاملين في الأسواق والشركات المالية؟
الدكتور عبد الرحمن السند: أقول لهم إن ديننا الإسلامي ربى أبناءه على الإيمان بالقضاء والقدر، وأن ما قسمه الله لشخص لا يمكن أن يكون لغيره، وما قسمه لغيره فلن يكون له، ولذلك اعتبر اختطاف العقود من أوشك على إمضائها مجانبة لأخلاق التعامل بين المسلمين، فعليهم عدم التدخل غير المشروع في معاملات الآخرين.. كما أوصيهم بالوفاء بالعقود، فقد قال المولى عز وجل: }يا أيها الذين أوفوا بالعقود{ (المائدة: 1).
ومما يوصى به في جانب المعاملات عدم الحلف لإنفاق السلعة، فليس الحلف أداة للكسب ولا لترويج البضائع الكاسدة، ولا لإقناع المشتري، ولذا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة الحلف في البيع..
كما أوصيهم باجتناب الغرر في الثمن وفي الأجل، وأنصحهم بترك الربا، فالربا سبب للمحق وكبيرة من الكبائر، وحرب لله ورسوله، فمن يقوى على حرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟!
الملتقى الفقهي: كما تعرفون أن الوقف رافد من روافد الاقتصاد الإسلامي، وسبب لدعم الأنشطة الدعوية، فما هي مصارف الوقف الحديثة في واقعنا المعاصر، خصوصاً أن القائمين على عدد من المشروعات والأنشطة الدعوية يبحثون عن الدعم؟
الدكتور عبد الرحمن السند: الأوقاف سبب من أسباب سد حاجات المسلمين، والأصل أن الوقف لا يكون إلا على بر، ومصرف الوقف في الجملة هو البر والقربة، ووجوه البر كثيرة ومتجددة بتجدد حاجات الناس، وما ينتفعون به في أمور دينهم ودنياهم، ولقد كانت الأوقاف في السابق تصرف في وجوه متعددة، ففي ما عدا المساجد والآبار والفقراء والمساكين نجد أن مصارف الوقف في السابق تنفق على فك الأسرى، ولتزويج الأيامى،
وقد استجدت في حياة الناس اليوم حاجات تكون مصارف جديدة للوقف مثل: الوقف على وسائل الإعلام، فعن طريق الإعلام الهادف يمكن تبصير الناس بدينهم ودحض الشبهات وبيان الإسلام على حقيقته ودعوة الناس إليه..
ومن مصارفه الحديثة إقامة الدورات الشرعية والإسهام فيها، كما يمكن صرفها في إيجاد فرص عمل للعاطلين لسد حاجاتهم وحاجة من يعولون،كما يجوز الوقف لتكييف المساجد وتهويتها، وذلك بسبب تغير حياة الناس وحاجتهم إلى آلات التهوية والتكييف العصرية، وهذا مما يعين على الخشوع في الصلاة وعدم الانشغال بما يسبب الحر أو البرد.. وأيضاً من مصارف الوقف الحديثة توزيع الأشرطة النافعة، فالأشرطة في هذا الزمن شقيقة الكتاب وأثرها ظاهر، فهي من أعظم أسباب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
|