حكم مؤجل صداق المرأة لو دفع إليها بعد سنين طويلة أدى إلى هبوط النقد
فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الهادي بدلة -حفظه الله-
عقب الرجوع إلى كتب الفقه في المذاهب الأربعة المعتبرة
قد وجدنا أنهم قد فصلوا القول في مثل هذه المسألة في باب القرض فجاءت أقوالهم وفق ما يلي :
أولا : الجمهور وأصحاب المذاهب الأربعة المنع مطلقا .
قالوا لا تجب الزيادة في رد القرض ولو أخر سنين سواء حصلت زيادة أو نقصان بل يرد المثل في المثليات كالمكيل والموزون , والمتقوم ترد قيمته يو م القبض أو يرد مثله بصفاته تقريبا وحجتهم في ذلك درء المفسدة سدا للذرائع دفعتا للربا إذ ((الفضل ربا )) كما صح في الحديث المتفق عليه .
ملاحظة : أما لو رد المقترض زيادة دون شرط أو مطالبة بها فهو أمر مستحب إذ ((خياركم أحسنكم قضاء )) كما صح .
ثانيا : الإمام أبو يوسف وبعض المالكية : ( وجوب الزيادة مطلقا )
يجب أداء القيمة بحسب ثبوتها في الذمة في البيع يوم العقد وفي القرض يوم القبض
وفي رسالة ابن عابدين ( وعند الثاني قيمتها يوم القبض وعند الثالث قيمتها في آخر يوم رواجها وعليه الفتوى )
وحاصله أن الصاحبين قد اتفقا على وجوب رد القيمة دون المثل واختلفا في وقت الضمان
ثالثاً: بعض المالكية وهو الرهوني : رجح الزيادة في حال التغير الفاحش للنقد .
فهؤلاء لا يرون أن الواجب على المدين أداء قيمة النقد في القرض والبيع بالقيمة الحقيقة أي بحسب ثبوتها في الذمة في البيع يوم العقد وفي القرض يوم القبض في حالة طرو غلاء أو رخص على النقد شريطة أن يكون تغيرا كثيرا فاحشا بحيث يكون قد جاوز الثلث إذ ( الثلث كثير) كما صح .
وبناء على هذا فالتغير الواقع فيما دون الثلث لا ينظر إليه إذ ليس تغيرا فاحشا
وحجة الثاني والثالث أن دفع الظلم أو رفعه واجب شرعا وعرفا وقد دفع الدائن نقدا بقيمة معينة يستطيع أن يحقق به شيئا منتفعا به لو يقرضه للمدين فلا يظلم بإيفائه مالا بخسا أو قليل النفع وقد أحسن للمدين فلا يقابل الإحسان بالإساءة .
رابعا: والذي نراه بعد الاطلاع على جميع الآراء هو :
أن ثمة تفريق بين المماطل وغيره .
أ- فمن أخره لإعسار فالإنظار واجب شرعي ( فنظرة إلى الميسرة ) وبالتالي لا ييطالب بفارق التضخم قليل كان أو كثيرا عملا بالقول الأول فيما ذهب إليه الجمهور وأصحاب المذاهب الأربعة ( أكثر الفقهاء )
ب- أما إذا كان تأخره لمماطلة ووهو ظلم ودفعه واجب والضرر يزال فإننا نلزم المدين بدفع الفارق بمعنى أداء قيمة التقد يوم القبض يوم القرض كما هو الأمر في الغصب .
ج- وأما إذا لم يكن ثمة مماطلة ولا إعسار وإنما ترك الأمر هكذا سكوتا من كل من الدائن والمدين فالمصالحة في هذا أمر مستحسن حيث تقسم الزيادة على الإثنين ولا يؤخذ من المدين أكثر من الثلث لأن الثلث كثير .
ملاحظة : ولعل ماذهب إليه الجمهور بالنظر إلى أنه لم يقع في أزمانهم هذا التفاوت الفاحش كما هو في عصرنا هو الأسلم بالنسبة للتفاوت اليسير ألا يكون هناك مطالبة .
أما في حين وجود التفاوت الكبير فالأحكم الأخذ برأي الإمام أبي يوسف وغيره وبهذا نكون قد عملنا بكلا القولين معا كل في مكانه مع ملاحظة أنه لم تكن النقود تقابل بالذهب نظرا لرصيدها كما في عصرنا وهل الاعتبار في تقدير الزيادة بحسب ما يقابلها من الذهب أم بالنظر إلى متوسط الأسعار للأشياء الاستهلاكية .
وهذا الذي تقدم إنما هو في القرض كما هو في الغصب حيث يتم تضمين الغاصب الأرش أو مقدار التفويت في المغصوب أما في مسألتنا التي نحن بصددها و هي مؤخر الصداق فينطبق عليها جميع ما قدمناه إذ الصداق دين وقع في الذمة يجب الوفاء به بل هو دين ممتاز , والمماطلة والامتناع كالغصب مما تم السكوت عليه دون مطالبة من الزوجة سبقت تلك السنين لا نلوم الزوج بزيادة وإنما نستحب ذلك له من باب (حسن القضاء ) أما في حين أن الزوجة قد طالبت به وامتنع الزوج فيأتي التفصيل السابق معسرا أو مماطلا .
معسرا فلا يطالب ومماطلا فيطالب وإنما لم نشر إلى القول بالتحامل فيما بينهما مراعاة للود والرحمة في العلاقة الزوجية في القرض وعبارة ابن عابدين ( قوله وتجب العشرة إن سماها أي في الصداق ) هذا إذا لم لم تكسد الدراهم المسماة فلو كسدت وصار النقد غيرها فعليه قيمتها يوم كسدت على المختاربخلاف البيع حيث يبطل بكساد الثمن .
ملاحظة : وعبارة الأم تشير إلى الرجوع إلى مهر المثل لا القيمة عند طرو الزيادة أو النقصان وكذلك عند الإمام أبي حنيفة أما الحنابلة فالرجوع عندهم إلى القيمة مطلقا وعند المالكية والحنفية كذلك إلا إذا كان المهر المسمى حراما كخمر وخنزير أو لم يسم مهر فيرجع إلى مهر المثل .
أقول ذكرنا هذه الملاحظة توصلا إلى إضافة رأي آخر عند مطالبة الزوج المليء المماطل وهو أن يرد إلى مهر المثل عملا بما هو عند الشافعي والإمام أبي حنيفة والله أعلم .
وفي المجموع أن نص واضح في أن النهر مضمةن على الزوج ما لم تقبضه الزوجة وهو كالمغصوب وهل ترجع إلى مهر مثلها أو إلى القيمة بوم التلف أو إلى أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف قولان .
تعقيب مفيد : وقد أخذ القانون السوري من المذهب الحنفي على جواز تعجيل المهر أو تأجيله كلا أو بعضا
(( والتأجيل في المهر ينصرف إلى حالة البيونة أو الوفاة ما لم ينص في العقد على أجل آخر ))
المراجع
1- حاشية ابن عابدين دار إحياء التراث العربي ط1 1419 هـ 1998 م دار الكتب العلمية بيروت .
2- الفقه الإسلامي وأدلته دار الفكر العربي ط3 1409هـ -1989 م .
3- المغني والشرح الكبير دار الفكر ط1 1404هـ-1982 م .
4- الفتاوى الهندية دار إحياء التراث العربي ط4 1406هـ -1986م .
5- مجموعة رسائل ابن عابدين دار إحياء التراث العربي .
6- موسوعة الفقه الإسلامي المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية .
7- حاشية العدوي دار الفكر .
8- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع دار الكتب العلمية ط 2 1406 هـ -1986 م .
9- تحفة الطلاب بشرح تنقيح اللباب والهامش حاشية الشرقاوي مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي 1360هـ -1491 م .
10- المجموع شح المهذب مكتبة الإرشاد -جدة .
11-الأم دار الفكر العربي 1410 هـ -1990 م .
12- المبسوط دار الفكر 1409 هـ-1989 م .
13- الإقناع دار الخير بيروت - دمشق ط1 1417 هـ - 1996 م .
14- فتاوى معاصرة دار القلم ط5 1410 هـ -1990 م .
15- الخرشي على مختصر سيدي خليل دار صادر بيروت .
16- شرح منح الجليل دار صادر بيروت .
17- المحلى دار الجيل -دار إحياء التراث العربي ط 1 1418 هـ - 1997 م .
18- هداية السالك إلى المذاهب الأربعة دار البشائر الإسلامية ط 1 1414هـ - 1994 م .
19- المدونة الكبرى دار صادر بيوت
20- مغني المحتاج دار المعرفة ط 1 1418هـ - 1997 م.
21- كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الجزيري دار الريان للتراث - دار الكتب العلمية القاهرة ط 1 1408 هـ - 1987م .