|
الفقه الارتيادي
نظرات في الفقه المستشرف للمستقبل
د. هاني بن عبد الله بن محمد الجبير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على نبينامحمد وعلى آله وصحبه وبعد :
فلا نكاد - في هذا الوقت - أن نختلف في وجود التطوّر السريع ، والتغيّر المطرد المتسارع في كثير من المعالم، والصناعات والتقنيات التي سببت تغير كثيرٍ من الوقائع ، وتدخّل أسباب تؤثر على تكييفها الفقهي وتغيّر واقعها الذي أنبنى التكييف الشرعي عليها .
فأدى ذلك إلى كثير من الأحكام الاجتهادية - لتتفق مع واقع العصر - ولتساير مقتضى الحال وهذا معلوم واقع .
كما قد استجدت أمور وقضايا لم تعرض سابقًا ولا انبرى الفقهاء لمناقشتها وبيانها ولازال المختصون يبحثون أحكام نوازل ، فتنـزل بهم غيرها ، ولما يفرغوا من سابقتها .
والواقع ان مجال الفقه أصبح عبئًا مرهقًا للفقيه ولجهده الذي يبذله لفهمه واستيعابه بسبب ما حدث لهذا الواقع من تغيرات سريعة وتحولات تتجاوز في أحيان كثيرة قدرة الفكر على ملاحقتها فضلاً عن مواكبتها .
لقد كان الواقع خلال قرون متطاولة بسيطًا فأصبح معقدًا متشابك الجوانب مرتبطًا بخلفيات سابقة وظواهر مجاورة وآثار لاحقة ) ([1])
ولما كانت هذه المتغيرات والمستجدات كلها تحتاج لبيان الحكم الشرعي وتفتقر للفتوى الشرعية في حين حصولها ، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز([2]) .
وقدكان السلف الصالح ،بل وأصحاب الحكمة في الجاهلية والإسلام يكرهون الجواب الدبري وهو الذي يجيء بعد وقته ، ومن أمثال العرب : شر الرأي الدبري([3]).
وكان بعضهم ينهي عن الرأي الفطير ، ويستعيذ بالله من الرأي الدبري([4]).
وذلك بأن يستعد للرأي باختماره وإدارته في الذهن قبل تقريره ، ليكون مستعدًا بالإدلاء به عند ورود الحادثة . وقد زور عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفسه ما يقوله يوم السقيفة قبل وقتها استعدادًا لما يقدم عليه .
وفي هذه الورقات القليلة محاولة للوقوف مع أفكار ورؤى حول ما نحتاجه هذا الزمن من بيان حكم ما سيعرض للأمة وأفرادها من نوازل ومستجدات مقبلة - قبل وقوعها - استعدادًا لما هو مقبل وآت راجيًا أن أوفق لبيان يفيد أو ذكرى تنفع والله الموفق .
أولاً: المراد بالفقه الارتيادي , أو الفتوى الارتيادية :
الفقه : معرفة الأحكام الشرعيّة العملية([5]) .
والفتوى : تبيين الحكم الشرعي , والإخبار به , بدون إلزام([6]) .
والارتياد : الطلب والقصد .
والرائد : من بيقدّم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث([7]) .
فهو يبصر لهم ما لا يبصرونه بأنفسهم , ويتقدمهم ليستطلع لهم الحال وينبؤهم بما يكون عليه .
وهذا المصطلح - لا أعلم أحداً عرّفه , ويمكن تعريفه بناءً على ما سبق بأنّه: التعرّف على الأحكام الشرعية للمسائل التي يتوقع حصولها .
أو تبيين الحكم الشرعي للمسائل التي يتوقع حصولها .
ثانياً : الإفتاء والبحث في المسائل التي لم تقع :
تناول أهل العلم حكم الإفتاء والبحث في المسائل التي لم تقع , وتفاوتت أنظارهم في هذه القضيّة , فجمهورهم على كراهة ذلك استدلالاً بما نقل عن السلف من كراهتهم السؤال عن الحوادث قبل وقوعها , وعدم إجابتهم عن هذه الأسئلة .
فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أحرج بالله على كل امرئ مسلم سأل عما لم يكن فإنّ الله قد بين ما هو كائن([8]) .
وعن مسروق قال : سألت أبي بن كعب عن شئ , فقال أكان هذا ؟ قلت :لا , قال : أرحنا حتى يكون , فإذا كان اجتهدنا لك رأينا([9]) .
وعن الشعبي أنّه قال : سئل عمار بن ياسر عن مسألة , فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا , دعونا حتى تكون , فإذا كانت تجشمناها لكم([10]) .
وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء قال : آلله كان هذا ؟ فإن قال نعم , تكلم فيه , وإلاّ لم يتكلّم([11]) .
ومنهم من استدل بقول الله تعالى : { يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم , وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } . ( المائدة : 101).
و بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ذروني ما تركتكم , فإنما أهلك الذين من قبلكم بسؤالكم واختلافهم على أنبيائهم ) ([12])
ومن أهل العلم من ذهب إلى استحباب الإفتاء فيما لم يقع([13]) .
وقد فصل ابن القيم في هذه المسألة فقال : ( إذا سأل المستفتى عن مسألة لم تقع فهل تستحب إجابته أو تكره أو تخيّر ؟ فيه ثلاثة أقوال وقد حكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لم يقع , وكان بعض السّلَف إذا سأله الرجل عن مسألة قال هل كان ذلك , فإن قال نعم , تكلّف له الجواب وإلاّ قال : دعنا في عافية .
والحق التفصيل , فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها , وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع , أو مقدّرة لا تقع, لم يستحب له الكلام فيها , وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلهما ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم , لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرّع عليها, فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم ) ([14]) .
وبين القيم أيضاً أن نهي الله تعالى عن السؤال إنما هو عن أحكام شرعية عفا الله عنها - أي سكت عن تحريمها - فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ولو لم يسألوا عنها لكانت عفوًا ، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ) ([15]) . وعلى هذا فقوله تعالى : { إن تبد لكم تسؤكم } فإنّه يسوؤهم أن يبدوا لهم ما يشق عليهم تكليفه .
وعلى هذا فلا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه, بل يستعفي ما أمكنه سواء كان ذلك من أمور الشرع أو القدر ([16]).
وكذلك لما درس ابن رجب المنقولات الواردة في النهي عن السؤال قرّر أنها تدل على النهي عن أنواع مخصوصة من المسائل منها : النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه مما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل هل هو في النار أو في الجنة .
ومنها النهي عن السؤال على وجه التعنّت كاقتراح الآيات ، ومنها السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطلبهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة ، ومنها السؤال عما يكون سببًا للتشديد كما سبق .
ثم بيّن - رحمه الله - أن ما سبق من أنواع المسائل مختص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ ما هو باق بعد موته عليه الصلاة والسلام من السؤال المذموم هو السؤال المثبط عن الجد في متابعة تكاليف الشريعة فالمطلوب من المكلف صرف همته إلى امتثال أوامر الشرع ، واجتناب نواهيه والوقوف عند معانيه أما لو صرف همته إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فهذا من السؤال المذموم لما يؤدي إليه من التثبيط عن الجد في متابعة الأمر ، وقد سأل رجلٌ ابن عمر عن استلام الحجر فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله ، فقال الرجل : أرأيت إن غلبت عليه أرأيت إن زوحمت فقال ابن عمر : أجعل أرأيت في اليمن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله ([17]). ومراد ابن عمر أنّه لا يكن لك هم إلا في الاقتداء بالنبي ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعسّره قبل وقوعه ، فإنّه قد يفتر العزم عن التصميم على المتابعة ؛ فإنّ التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنّما يُحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال .
ولهذا المعنى كره كثير من السلف السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ([18]).
وأمّا الخطيب البغدادي فلعله من أكثر من أطال النفس في منافسة هذه المسألة وتوجيه نصوص السلف بأنها تقصد السؤال على سبيل التعنت والمغالطة أو على توقى القول خوف الزلل وهيبةً لما في الاجتهاد من الخطر وأن لهم عن ذلك مندوحة فيما لم يحدث ونقل عدة نقول من السلف في سؤالهم أو إذنهم بالسؤال عما لم يقع ثم ناقش ذلك نقاشًا مستفيضًا وقرر أنه : ( مباحٌ النظر والجدل فيما نزل من الحوادث وفيما لم ينـزل حتى يُعْرف حكم ما لم ينـزل فإذا نزل عُمِل به ) ([19]).
ثالثًا : مشروعية الفقه الارتيادي :
الفقه الارتيادي فرد من أفراد المسائل التي لم تقع ، والتي يراد ببحثها الاستعداد للعمل عند وقوعها ، فهو بذلك منتظم فيما سبق ذكره .
وقد جاءت شواهد من الشرع عليه فمن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم على حكم حوادث قبل وقوعها، للعمل بها عند وقوعها.
عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إنا نخاف أن نلقى العدو غداً، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟. قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ما خلا السن وظفر([20]).
وعن سلمه بن يزيد أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا الحق , ويمنعونا حقنا أفتقاتلهم قال : لا , عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا ) . ([21])
وقد سأله حذيفة رضي الله عنه عن الفتن([22]) وسأله الصحابة عن الصلاة أيام الدجال إذ تتفاوت الأوقات .
ومثل هذا التفقه ينمى الملكة ويزيد الاستعداد , ويقوى الذهن وهو من مفاتيح تجديد الفقه وجعله مواكباً لحاجة الناس قال ابن تيمية : ( وما ذكره طائفة من الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات مع عدم استحضارهم هل يمكن ذلك في العادة أولا يمكن , فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج , لكن استفيد من ذلك العلم : علم ذلك على تقدير وجوده , كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع لتحرير القواعد وتمرين الأذهان على ضبطها ) ([23]).
وقرر ابن رجب أن من اتباع الحديث من سد باب المسائل حتى قلّ فقهه و علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله وصار حامل فقه غير فقيه ومنهم من جعل معظم همه البحث عن معاني كتاب الله وما يفسّره من السنن الصحيحة وتشاغل عما لا ينفع ولا يقع وهذه طريقة علماء الحديث الربانيين .
وقابلهم فقهاء الرأي الذين توسعوا في توليد المسائل قبل وقوعها ما يقع وما لا يقع ([24]).
وناقش المزني من ينكر البحث فيما لم يقع فقال : ( أليس على كل مسلم أن يطلب الفرائض في الطهارة والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك من الكتاب والسنة قبل أن ينزل ذلك ؟ فإذا قال نعم , قيل : فكيف يجوز طلب ذلك في بعض الدين والجواب فيه و لا يجوز في بعض , وكل ذلك دين ؟ ) ([25]).
إن الملاحظ الآن على واقع الفقه والفتوى هو البطء الشديد في الاستجابة للمتغيرات , حتى تصدر الفتوى أحياناً بعد تغيّر الوضع مما هو عليه إلى وضع جديد وذلك لعدم المبادرة حين ظهور المشكلة أو النازلة بل يؤخر الحكم والإفتاء حتى يتفاقم الوضع وتبدأ الاستجابات الخاطئة ([26]).
ولذا فكثير من المسائل المستجدة هي الآن في حيّز الفراغ الفقهي وهذا بلا شك مؤدٍ إلى زعزعة ثقة الناس بالتشريع, وعدد غير قليل من الفتاوى والآراء الفقهيّة جاءت استجابة لأسئلة معينة أو أوضاع خاصّة لا تحمل التكامل المطلوب, ولا تعطي صورة حقيقية عن التشريع الإسلامي المواكب لجميع التطورات والتغيرات في الأزمنة والأمكنة.
مع أن شأن الفقهاء كان مخالفًا لذلك ، فقد فرضوا مسائل لم تقع - أولا يتصور وقوعها أحيانًا - استيفاءً للتقسيم العقلي فكان في ذلك من إثراء الفقه وبيانه ما هو معروف .
رابعًا : طرق معرفة ما يستوجب البحث :
إذا تقرر أن العناية بحث الأحكام الشرعية المتوقع حصول مقتضياتها من نوازل تستجد أو أوضاع تتغير - مطلب متوجه ، فإنه يمكننا محاولة استطلاع ذلك والتعرف عليه من خلال عدة طرق . منها :
- 1- الاطلاع على الدراسات المستقبلية في المجالات العلميّة والتقنية وغيرها .
ولا شك أنَّ التقنية الحديثة من أهم المؤثرات على الحياة الإنسانية عمومًا فهي تؤثر في صحته ونفسيته ونظامه الاجتماعي وموارده الاقتصادية ولذا فالتنبه لمسار التقدم التقني مهم جدا فما تقرر الدراسات إمكانه ( تكنولوجيًا ) فلابد من بحث ما يترتب عليه حسبما توضحه تلك الدراسات وهي في الغالب تدرس آثار هذا على الميادين الصناعية والطبية والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فملاحضة ذلك يطعي تصورًا عما يمكن حصوله مما قد يكون له تأثير على الواقع ، أو استحداث لما لم يقع سابقًا .
- 2- دراسة مسيرة وتوجه المجتمعات :
فمن خلال تأمل ومتابعة الظواهر الحادثة أو المتزايدة في أي مجتمع وتحليل مضمونها وأسبابها وذلك من خلال الاستعانة بعدة مصادر ؛ يمكن توقّع أن اتجاهاتٍ معينة ستسود المجتمع في المستقبل ، وهذا نوع من الدراسة المستقبلية لكنّ تأثيره على الواقع واضح ، ولا شك أن الأحكام المترتبة على العادات والأعراف والأحوال تتغيّر تبعًا لها .
ولاشك أن الفقيه عندما يستعد لمثل ذلك في فتواه الواقعة وهو يتصوّر التغيّر ويستعد له ويهيئ الناس لفهمه وفهم سبب تغيّر فتواه يكون قد أخذ من الفقه الارتيادي بأوفر الحظ .
- 3- إعداد دراسات مستقبلية فقهيّة :
تقوم هذه الدراسات باستعمال آليات الدراسة المستقبلية المناسبة لتصور المسائل الممكنة ويمكنها مع الممارسة العملية ابتكار وسائل خاصّة بالدراسة المستقبلية الفقهيّة ، كما وجد نظير ذلك في المجال القانوني .
بل إن من أهم خصال دارس المستقبل ( سعة تصوره وجرأته في التوليد والاشتقاق والقياس ، وتلك هي صفات الفقهاء .. ولذا فإن الفقهاء ترشحهم ممارساتهم الفقهيّة الاجتهادية لأن يتقنوا استشراف المستقبل بمهارة أكبر من أي مهارة يملكها غيرهم ) ([27]) .
خامسا : ضوابط الفقه الارتيادي :
الفقه الارتيادي فقه يدرس الأمور المتوقعة سواء كانت نوازل مستجدة ، أو تغيرات تفرض تغيّرًا في الحكم الشرعي ، وذلك استعدادًا لها ليتلافى الفقيه والمفتي تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ومثل هذا الفقه يحتاج لضوابط تمنع أن يكون نوعًا من التكلّف المذموم ، أو البحث عما لا فائدة منه ، ومن هذه الضوابط :
•1- أن يقتصر البحث في المسائل التي يمكن أن تقع ، أو يشهد الحال بإمكان وقوعها دون ما لا يمكن أن يقع أو لا يشهد شيء بإمكان وقوعها .
فقد اتفق الفقهاء على كراهة البحث فيما لا يمكن وقوعه ؛ لأنّه لا نفع فيه ، مع ما يتضمنه من تكلف القول في دين الله بلا حاجة ، ومثل هذه المسائل لا يصلح بها الدين ، ولا تنفع دنيا .
ولما ذكر ابن القيم - رحمه الله - قول ابن عباس رضي الله عنهما : ( ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض صلى الله عليه وسلم ، كلهن في القرآن : يسألونك عن المحيض ، يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن اليتامى ، ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم ([28]).
قال بعد ذلك : ( قلت : ومراد ابن عباس بقوله : ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة ؛ المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم ، وإلاّ فالمسائل التي سألوه عنها وبيّن لهم أحكامها بالسنّة لا تكاد تحصى ، ولكن إنّما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعُضَل المسائل ) ([29]).
وأما الشاطبي فقد قرر أنّ الإكثار من الأسئلة مذموم واستدل على ذلك بنقول كثيرة من القرآن والسنة وكلام السلف ثم عقب ذلك بقوله : ( ويتبيّن من هذا أنّ لكراهية السؤال مواضع منها : السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة : من أبي ؟ . وما روي في التفسير أنّه عليه الصلاة والسلام سُئل ما بال الهلال يبدوا رقيقًا ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرًا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان ، فأنزل الله : { يسألونك عن الأهلة } . فإنما أجيبوا بما فيه من منافع ) ([30]).
بل هذه المسائل التي لا يمكن وقوعها لا يُجاب عنها السائل ، ولا يبحثها الفقيه ، ولا يفتي فيها المفتي ، بل يظهر له الإنكار على مثل هذا ويقول له : اشتغل بما يعنيك([31]).
•2- أن تقدّم العناية ببحث النوازل التي وقعت فعلاً ، تقديمًا للأهم فالمهم .
ولا يسوغ في مقتضى العقل والمصلحة أن يتشاغل الإنسان عما هو واقع فيه فعلاً لمراعاة مقبل عليه لا يدري يصيبه أم لا .
وقد بحث القرافي في الفروق قاعدة تتعلّق بالترجيحات بين الأمور والأعمال المختلفة لينضبط للإنسان ما قدّمه الله تعالى على غيره؛ وقرر أنّه إذا تعارضت الحقوق قدم الفوري منها على المتراخي ، ولذا يقدّم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبةً منه([32]).
ولا شك أن كل عمل مستعجل وملح يجب أن تعطى له الأسبقية خاصّة إذا تقرر لدينا أن بحثنا للمسائل التي نظن حصولها هو من الاستعداد لها فلا يصح أن نستعد لمسألة بتضييع أخرى أعجل منها .
وقد تقرر عند المختصين بالدراسات المستقبلية ، أن الرؤية المستقبلية مشدودة ومشروطة بالحاضر ، فالحاضر بداية المستقبل وأحسن طريقة لتوقع المستقبل هو فهم الحاضر ([33]).
ولتطبيق هذا الضابط يمكن أن يخصّص باحثون وفقهاء معينون بالبحث والدراسة لهذا النوع من الفقه ، ويبقى سائر الفقهاء والدارسين على اهتمامهم بدرس ما وقع ، وبيان حكمه .
•3- الحذر من التصوّر المغلوط للمسألة :
وتظهر أهمية هذا إذا تقرر لدينا أن الحكم فرع عن تصوره ومعرفته ، ولذا يختلف الحكم الشرعي باختلاف صفة المسألة ، وتختلف الفتوى باختلاف تصوير الحال ( إذا الفقه يتأثر بالواقع مثلما يؤثّر فيه ، ويأخذ منه مثلما يعطيه ، ويتكيّف معه مثلما يكيّفه ويوجهه .
فالفقه الحق لابد أن يكون واقعيًا ، يعرف الواقع ولا يجهله ، يلتفت إليه ، ولا يلتفت عنه وهذا يقتضي المعرفة الجيّدة بالواقع ومكوناته وبالأشياء وأوصافها ، إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنـزل الأحكام على غير ما وضعت له ، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه ) ([34]).
والفقيه والمفتي لا يجوز لهما إصدار الحكم الشرعي على القضيّة المعروضة قبل استيعاب موضوعها واكتمال صورتها في الذهن ، كالطبيب لا يقدم على العلاج حتى يشخّص الحالة والمرض تشخيصًا دقيقًا .
وهذا يستوجب في ( الفقه الارتيادي ) فهم ما يراد بحثه ومحاولة تصوره جيدا ، ثم عدم التسرع بإطلاق القول الذي وصل إليه عند حصول الظاهرة مباشرة ، بل يتحقق أولاً بأنّ واقعها هو ما تصوّره سابقًا وإلا فقد يتخلف وصف يغيّر الحكم .
وبذلك يتوجب على فقيه هذا النوع من المسائل أن يتصوّر تصورين :
الأول : تصوّر أولي قبل الوقوع يكمّل جوانبه ما استطاع ليقرر الحكم بناء عليه .
والثاني : تصور ثانٍ بعد الوقوع يعرف من خلاله اتفاق الواقع مع ما سبق تصوره ، أو اختلافه ، وهل الاختلاف موجب لتغيّر الحكم ؟ أو هو في وصف غير مؤثر وليس له الفتوى إلا بعد تحقق هذين التصورين .
قال ابن القيم : ( ولا يتمكّن المفتي أو الحاكم من الفتوى إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه .. والثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر ) ([35]).
وقد وقع لجملة من الفقهاء أخطاء فيما قرروه من أحكام شرعيّة سببها خطأ تصوّر النازلة وضعف فهم حالها .
•4- الأصل عدم النَّشْر حتى تبرز الظاهرة .
لأن نشر الكلام عما لم يقع لا ينفع ، وإنما النفع في الاستعداد له ؛ كما أن الواقع قد يختلف عمّا تصوره الفقيه فيحتاج إلى تغيير فتواه مما قد يشكل على الناس .
ومع ذلك فإنّه يمكن - عند ظن المصلحة - أن تنشر مثل هذه الفتاوى أو التقريرات مع إيضاح أنها فتوى أو دراسة مبدئية ، ولتحرص على الاحتياط والتحرز وترك مجال لنضج الرأي وتحقق الواقع .
ومثل هذا قد يقال أيضًا عند أوّل بروز للظاهرة إذ لابد من التحرز والاحتياط من تطوّر الظاهرة المغير لبعض الأوصاف المؤثرة في تكييفها الشرعي ، بترك مجال لمثل هذا .
وقد تناول أهل العلم في آداب وأحكام الفتوى أن السؤال متى كان محتملاً لصور عديدة ، فله أن يفصّل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم أو يقيّد فيقول إن كان الأمر كذا وكذا فالجواب كذا وكذا ([36]).
•5- مراعاة المستقبل في الحال والعكس .
وهذه المراعاة يمكن تطبيقها في أحوال ، اذكر منها :
- - التأكيد على سبب الحكم الشرعي المتوقع تغيره ، لارتباطه بنظر مصلحي ، أو عرف خاص فلا يطلق لفظ التحريم بدون بيان أن سببه هذا النظر ، الذي إن تغيّر نتج عنه تغيّر الحكم , لأنّ الحكم متى تغيّر بتغيّر السبب الذي بنى عليه سبّب ذلك إشكالاً عند العامة .
بينما إذا أكّد الفقيه سبب الحكم أو احتمال تغيّره واختلافه كان النظر المستقبلي مراعىً لديه فأمن إشكالية سوءالفهم الناتجة عن تغير الحكم .
ولعل هذا مبعث اتهام كثير من الفقهاء بتغير فتواهم عند انتشار ظاهرة كانوا يحرمونها بأنه رضوخ للواقع، أو استسلام له، وهو في حقيقته قد يكون تغير الحال أو اختلاف العرف.
- - بيان الحلول الشرعية للمشكلات القادمة , فيوجه المجتمع أصلاً - قبل حصول المشكلة - إلى خطة معينة أو وسيلة محددة يسلكها إما مطلقاً أو في حالات معينة .
فإذا استشرف الفقيه مثلا ازدياد الحاجة للتسهيلات المالية في وقت معين فيمكنه التأكيد على عدة طرق شرعية للحصول عليه حتى لا يلجأ أحد للقرض الربوي .
وإذا استشرف ازدياد التواصل المعرفي والانفتاح اجتهد في تعليم وبيان طريقة التعامل الشرعي مع الاختلاف وتباين الرأي .
إن الفقه ( ما يزال يسير خلف المجتمع ليحكم على أفعاله , ويبيّن حكم الله فيها , بينما نرى أن الوضع الأمثل هو في عدم الاقتصار على ذلك , وإنما التحوّل للسّير أيضاً أمام المجتمع بحيث يبيّن له خط سيره, أي الانتقال مما هو واقع , إلى ما هو متوقّع بحيث يصبح الاجتهاد التنـزيلي هو أيضاً اجتهاد واستشراف مستقبلي , وبذلك يكون الاجتهاد دليل المجتمع لعمل ما هو مشروع , والامتناع عمّا هو غير مشروع.
فلا بد أن يتحوّل نظر الفقيه من المؤخرة إلى المقدمة - بالعرف الاستراتيجي ) ([37]).
وبعد ! فهذه التأملات العجلى أرجو أن تظهر أهمية الموضوع لينبري له أصحاب الهم والهمة ممن رزق بسطة العلم وسعة الأفق فيقوم بما يُسْعد المهتم ويفرح المتطلع للخير والله الموفق .
([1]) نحو فقه سديد لواقع أمتنا ( 1 / 355 ) حقيقة فقه الواقع د.عبد الرحمن الزنيدي .
([2])المستصفى للغزالي ( 1 / 483 ) ؛ شرح الكوكب المنير ( 2 / 240 ) ؛ شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار ( 4 / 66 ) .
([3]) أمالي القالي ( 1 / 131 ) . وانظر : مجمع الأمثال ( 1 / 156 ) . والدبري : الرأي الذي يسنح للإنسان بعد فوات الحاجة .
([4]) العقد الفريد ( 1 / 18 ) ؛ الكامل في اللغة و الأدب ( 1 / 229 ) ؛ البيان والتبيين ( 1 / 61 ) .
([5])المستصفى (1/50) ؛ البحر المحيط للزركشي (1/35) .
([6])مطالب أولى النهى (9/231) ؛ الفروق للقرافي (4/34) ؛ صفة الفتوى والمفتي لابن حمدان ص 4 .
([7])الصحاح (2/478) ؛ المعجم الوسيط (1/381) .
([8]) الدارمي(124)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/92) ، وابن القيم في أعلام الموقعين (1/70).
([9]) كتاب العلم لأبي خيثمة (76) ، سير أعلام النبلاء(1/399)
([10]) الدارمي (122) ؛ سير أعلام النبلاء (2/438).
([11]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/500) ؛ سير أعلام النبلاء (1/399) .
([12]) صحيح البخاري (7288) ؛ صحيح مسلم (1337).
([13]) الإنصاف للمرادوي (28/318).
([14]) أعلام الموقعين (4/222).
([15]) سنن الدارقطني (4/183) ؛ السنن الكبرى للبيهقي (10/12) ؛ الحليّة لأبي نعيم (9/17) عن أبي ثعلبة الخشني، وله شاهد عن أبي الدرداء عند الحاكم (2/375) قال الهيثمي ( مجمع الزوائد 1/171 ) إسناده حسن .
([16])المستصفى للغزالي ( 1 / 483 ) ؛ شرح الكوكب المفيد ( 2 / 240 ) ؛ شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار ( 4 / 66 ) .
([17]) صحيح البخاري (1610) .
([18]) جامع العلوم والحكم (1/243).
([19]) الفقيه والمتفقه (2/10- فما بعدها ).
([20]) صحيح البخاري (2488) ؛ صحيح مسلم (1968) .
([21]) السنن الكبرى للبيهقي (8/158) ؛ الطبراني في المعجم الكبير (22/242) .
([22]) صحيح البخاري (7084).
([23]) مجموع الفتاوى (42/257) .
([24]) جامع العلوم والحكم (1/248) .
([25]) الفقيه والمتفقه (2/31 ).
([26]) ما لم يقله الفقيه ص 20 .
([27]) رؤى تخطيطية ، محمد أحمد الراشد ، ص 148 ، بتصرف يسير .
([28]) سنن الدارمي (1/50)؛ الطبراني في المعجم الكبير (12288)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/158) فيه عطاء بن السائب وهو ثقة ، ولكنه اختلط وبقيّة رجاله ثقات .
([29]) إعلام الموقعين (1/71) .
([30]) الموافقات (4/319) .
([31]) انظر : الإحكام للقرافي ص 264 ؛ الإنصاف للمرداوي (28/318) ؛ الفروع لابن مفلح (6/429).
([32]) الفروق (2/203) .
([33]) دراسات التعليم المستقبلية ، أحمد صيداوي ، ص 6 .
([34]) الاجتهاد . د. أحمد الريسوني ص 64.
([35]) إعلام الموقعين (1/87) ؛ وانظر : الطرق الحكمية ص 121 .
([36]) إعلام الموقعين (4/255).
([37]) تضمين من : من فقه الحالة . عمر عبيد حسنة ص 55 .
|