البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه المرابحة والبيع لأجل | د. يوسف القرضاوي (( هل للربح حد أعلى )) 

بحث فقهي حول مسألة (( هل للربح حد أعلى ))

للدكتور يوسف القرضاوي

‏بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الموضوع فى دورته الأخيرة المنعقدة بالكويت، تحت عنوان (تحديد أرباح التجار) ولكن هذا العنوان أدى إلى بعض اللبس عند أكثر من كتبوا فيه إذ لم يحور المراد من الموضوع.

فبعض الباحثين فى الأمر فهم أن المراد تحديد الربح للتجار من قبل ولى الأمر.

‏وأعتقد أن هذا ليس مرادأ ، إذ لو كان هو المراد لبحث تحت عنوان أخر اختص به، وهو عنوان (التسعير).

‏على أن التسعير لا يقتصر على التجار، بل يشمل المنتجين من زراع وصناع ونحوهم..

‏لهذا كان العنوان الذي اختاره مجمعنا (هل للربح حد أعلى ؟ ‏) أدل على المقصود، وأبعد عن الالتباس.

‏كما أن الباحثين يشتبه عليهم موضوع الربح ونسبته بموضوع (الغبن) وقد اشتهر عند بعض الفقهاء أن الغبن يتسامح فيه فى حدود الثلث وما عدا ذلك يعتبر غبنأ فاحشأ، لا يجوز، أخذأ بالحديث المتفق عليه فى شأن الوصية (الثلث والثلث كثير).

‏ولكن الغبن شئ والربح شئ أخر، ولا تلازم بينهما ، فقد يربح التاجر 50 ‏% و 00 ‏ا% ولا يكون غابنآ للمشتري، لأن السلعة فى السوق تساوي ذلك، أو أكثر، بل قد يكون مع الربح الكثير متساهلأ مع المشتري.

‏وقد يبيع للمشتري بربح قليل، بل بغير ربح، بل ربما مع خسارة تقل أو تكثر، ومع هذا فهو قد غبن المشتري.

‏وهنا يلزم معرفة المراد من التجارة والربح.

التجارة والربح :

‏التجارة هى: شراء السلع وبيعها بقصد الربح منها .

 والتاجر هو: من يشتري السلعة لبيعها بقصد الربح.

‏والربح هو: الفرق الزائد بين ثمن بيع السلعة وثمن شراثها مضافأ إليه المصاريف التجارية.

‏وفي القرآن الكويم: < ‏يا أيها الذين آموا لا تأكلوا أموالكم بيكم بالباطل إلأ أن تكون تجارة عن تراضن منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما > ‏(الساء : 29 ) .

‏وفى آية المداينة التي أمرت بكتاب الدين: < إلأ أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألأ تكتبوها > ‏( البقرة : 282 ) .

‏كما عرض القرآن للتجارة المعنوية، كما فى قوله تعالي: < يرجون تجا رة لن تبور > ‏(فاطو : 29 ) .

‏وقوله: < ‏يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم >‏ الصف : . 10 ‏) .

ووصف تعالي المنافقين بقوله: < أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين > ‏(البقرة : 16 ‏) .

‏فدل هذا على أن الأصل فى التجارة أن تريح، ومن لم تربح تجارته فلا بد أنه لم يحسن اختيار ما يتجو فيه، أو من يتعامل معه.

وقد روى الترمذي عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: <أإذا رأيتم الرجل يبيع أو يبتاع فى المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك> وقال: حسن غريب.(1) وهذا لأن المقصود من التجارة الربح، فإذا دعا عليه المؤمنون ألا يربح الله تجارته، فقد ضاع مقصوده وذهب تعبه سدى.

وقد ذكر القرآن التجار المؤمنين بقوله: < رجال لأ تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار > ‏(انلور: 37) .

وإذا كانت التجارة بيعأ وشراء، فقد ذكر القرآن البيع فى رده علر المرابين المتلاعبين < ‏ذلك بأنهم قالوا إنما البيع منل الوبا وأحل الله البع وحوم الربا > ‏(البقره: 275 ) .

‏وذكر القرآن البيع فى معرض الحث على السعي الى الجمعة < فا سوا إلى ذكز الله وذروا البيع > ‏(الجمعه : 9 ) .

وذكر القرآن فعل (يشري) معنى (يبيع) وذلك فى مجال المعنويات < ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد }9 ‏(البقره : 207 ) .

‏ومثله: < ‏فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياه الدنيا > ‏(النساء : 74) .

كما ورد فعل (شرى) فى الماديات فى قصة يوسف الصديق < وشروه بثمن بخس دراهم معدوده وكانوا فيه من الزاهدين > ‏(يوسف : .20 ) .

وفى جملة آيات يطلق القرآن الكريم على التجارة وصفأ او عنوانأ يوحي بالرضا عنها، وهو (الابتغاء من فضل الله) وذلك فى مثل قوله تعالي: < فإذا قضيت الصلاه فانتشروا فى الأرض وابفوا من فضل الله > ‏(الجمعه : . 10 ‏) .

وقوله: < ‏وآخرون ضربون فى الأرض بيتغون من فضل الله > ‏(المزمل : .20 ) . والقرآن لا يمنع ابتغاء هذا الفضل، ولو فى موسم الحج، وقصد التمسك والعبادة، فيقول سبحانه وتعالى: < ‏ليس عليكم جناح أن يبتغوا فضلا من ربكم >‏(البقره : 198 ‏) .

كما نوه برحلتى قريش الشهيرتين بين اليمن والشام بقوله: < لإيلاف قريش(1) ايلافهم رحله الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) > ‏(قريش)

‏ابتغاءالربح لإيتاءالحقوق والمحافظة على أصل المال.

‏وقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: <ألا من ولى يتيمأ له مال فليتجر فيه ولا يتوكه حتى تاكله الصدقة( 1).

وهذا الحديث إن كان فيه مقال، فقد روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس مرفوعأ : أاتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة->( 1) وصححه العراقى.

وصح نحو هذا مرسلأ، من حديث يوسف بن ماهك مرفوعأ، كما صح هذا المعنى موقوفأ عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه(2).

وكل هذه الأحاديث تشير إلى أمر هام في ميدان الاقتصاد والتجارة وهي أن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تحققه التجارة الناجحة هو: أن يفي الربح بما يجب في المال من زكاة، إلى جوار النفقة إيضأ.أى النفقة المطلوبة لرب المال ومن يعولة.

‏فإن المال كما ينقص ظاهرأ بإخراج الزكاة منه، بحيث تصبح المائة  97.5 ‏%، فإنه لا شك ينقص بمقدا ربما ينفق منه على حاجات مالكه.

‏وهذا يحتم على ذي المال القليل أن يربح أكثر، إما بإدارة المال مرات أكثر، أو بزيا،ة نسبة الربح، حتى يمكن لربحه أن يغطي نفقاته المتجد،ة، والا أكلت النفقة رأس ماله.

‏وهذا بخلاف ذي المال الكثير، فقد يكفيه القليل من الربح كل ما يحتاج إليه، وزبادة.

هل حددت النصوص نسبة الربح؟

‏ولكن، إذا كانت السنة قد رغبت فى الاتجار بالمال ليحقق ربحأ ينفق منه، ويبقى رأس المال سالمأ، فهل أشارت السنة إلى تحديد نسبة معينة للربح، يغوضها التاجرعلرى نفسه، أو يفرضها عليه المجتمع، لا يجوز له أن يتعداها ؟

‏الواقع أن المتتبع للسنة النبوية، والسنة الراشدية، وقبل ذلك للقرأن الكريم، لا يجد أي نص يوجب، أو يستحب، نسبة معينة للربح، ثلثأ أو ربعأ أو خمسأ أو عشرا ، مثلأ، يتقيا بها ولا يزاد عليها .

ولعل السرفي ذلك أن تحديد نسبة معينة لجميع السلع فى جميع البلاد وفى جميع الاوقات، وفى جميع الاحوال، ولجميع الفثات، أمولا يحقق العدالة دائمأ .

فهناك فرق بين المال الذي يدور بسرعة بطبيعية كالأطعمة ونحوها ، بحيث يدور فى السنة عدة مرات، وبين المال البطئ الدوران الذي لا يدور فى السنة إلا مرة، وقد تمضى أكثر من سنة دون أن يتحرك، فالربح فى الأول ينبغي أن يكون أقل من الربح فى الأخير.

وهنالك فرق بين من يبيع قليلأ ومن يبيع كثيرأ ، وكذلك بين رأس المال القليل التافه ورأس المال الكثير الوافر، فإن ربح القليل مني المال الكثير كثير.

وثمة فرق كذلك بين من يبيع حالأ، ومن يبيع بالأجل، فالمعروف أن البيع الحال المقبوض يكون الرابح فيه أقل، على حين تكون نسبة الربح فى البيع المؤجل أعلى، نظرأ لما فيه من احتمال إعسار المشتري أو مطله، أو تلف ماله بوجهة من الوجوه، وبهذا يهلك مال الباشع، فضلأ عن تعطيل ماله هذه المدة.

وقد أجاز جمهور العلماء الزيادة فى الثمن إذا زيد فى الأجل، إذا عرف ذلك من أول الأمر، وتحدد بوضوح. وهو مقابل بيع (السلم) الذي تباع فيه السلعة بأقل من الثمن المعتاد .

وأيضأ يوجد فرقأ بين السلعة الضرورية، أو الحاجية، التي يفتقر إليها جمهور الناس وبغامة الضعفاء والفقراء منهم- والسلع الكمالية التي لا يشتريها إلا الأثرياء .

ففى الأول ينبغي أن يقلل الربح رفقأ بذوي الضعف والحاجة، وفى الثانية يمكن أن يكون أكثر، إذ من الميسور الاستغناء عنها .

‏ولهذا شدد الشارع فى احتكار الأ قوات والأطعمة خاصة أكثر من غيرها ، لاشتداد حاجة الناس - بل ضرورتهم - إليها، ولهذا أيضأ حرم احتكارها بالإجماع، وجرى الربا فيها بالإجماع، ووجبت الزكاة فيها بالإجماع.

وكذلك ينبغي التفريق بين من يحصل على السلعة بسهولة، ومن يجهد ويتعب فى جلبها من مصادرها، وكذلك من يبيع السلعة كما هى، ومن يدخل عليها تحويلات تكاد تجعلها سلعة أخرى.

كما أن ثمة فرقأ بين من اشترى برخص، كأن اشترى السلعة من منتجها بلا وساثط بسعر نازل، ومن اشتراها بعد تداول عدة وساثط لها، بسعر مرتفع فشأن الأول أن يربح أكثر من الآخر.

والمقصود أنه لا يوجد في نصوص القرأن الكريم، ولا في السنة ما يجعل للربح حدأ معينأ، أو نسبة معلومة، والظاهر أن ذلك ترك لضمير الفرد المسلم، وعرف المجتمع من حوله، مع مراعاة قواعد العدل والإحسان، ومنع الضرر والضرار، التي تحكم تضر فات المسلم وعلاقاته كلها .

فالإسلام لا يفصل بين الاقتصاد والأخلاق، خلافأ لفلسفة النظام الرأسمالي الذي يجعل (الرح) المادي الفردي، هو الهدف الأول، والمحرك الاكبر للنشاط الاقتصادي، الذي لا يتقيد بكثير من القيود التي يقيده بها الإسلام، فلا حرج في ابتغاء الربح عن طريق الربا أو الاحتكار، أو بيع المسكرات أو غيرها هما يضر بالجماعة، ويدر الربح على الأفراد .

أما الإسلام فله قيود وضوابط دينية وأخلاقية وتنظيمية، يوجب على كل تاجر رعايتها والوقوف عندها ، وإلا كان ربعه حرامأ أو مشوبأ بالحرام.

‏هذا ، ولم أجد في كلام الفقهاء - في حدود ما أتيح لي الاطلاع عليه ولم أبحث كل البحث - ما يدل على تحديد نسبة معينة للربح يلتزمها التاجر في تجارته.

‏إلا ما ذكره العلامة الزيلعى من علماء الحنيفية فى تعريف ما ذكره صاحب الهداية وغيره من شرعية التسعير إذا تعدى أصعاب الطعام تعديأ فاحشأ .

فقد عرف الزيلعى التعدي الفاحش بأنه: البيع بضعف القيمة( 1). ولكنه لم يبين المراد بالقيمة: هل هي ثمن المثل في السوق في مثل هذا الوقت ؟ حينثذ لا تلازم بين القيمة والربح ؟ أو القيمة ثمن الشراء الذي اشتريت به السلعة وهنا يكون الربح محددأ بألا يزيد عن 00 ‏ا%؟

وقد شاع لدى كثيرين أن في علماء المالكية من يحدأ نسبة الربح بالثلث ولم أعثر على مصدر لهذه الدعوى، وأخشى أن يكون ثمة خلط بين الربح والغبن، ولا تلازم بينهما كما ذكرت في أول البحث.

ولعل الاخوة الأجلاء من علماء المذهب المالكي، وهم متوافرون والحمد لله، يفيدونني بما لدعم من علم في هذه المسألة.

لكنني - بتوفيق من الله تبارك وتعالى - وجدت في صحيح السنة المشرفة، وفي عمل الصحابة رضي الله عنهم، ما يدل على أن الربح إذا سلم من كل أسباب الحرام وملابساته، فهو جاثزومشروع إلى حد يمكن لصاحب السلعة أن يربح فيها ضعف رأسماله، مائة بالمائة ( 00 ‏ا%) بل أضعاف رأسماله، مئات في المائة. وهاكم الدليل:

مشروعية الربح إلى ماثة( 00 ‏ا%):

‏فقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما يدل على مشروعية الربح إلى مائة في المائة ( 00 ‏ا%).

وهذا في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عروة بن الجعد - أو ابن أبي الجعد - البارقي رضي الله عنه.

روى الإمام أحمد في مسنده عن عروة، قال: (عرض للنبي صلى الله عليه وسلم - جلب، فأعطاني دينارأ، وقال: دأي عروة اثت الجلب فاشتولنا شاة»-. فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتربت منه شاتين بدينار، فجثت أسوقهما أو قال:أقودهما - فلقيني رجل فساومني، فأبيعه شاة بدينار، فجثت بالدينار وجثت بالشاة وقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، وهذه شاتكم( قال: «وصنعت كيف لأ(» قال: فحدمثه الحديث .. فقال: د«اللهم بارك له في صفقة يمينه» فلقد

وأيتتى أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفأ قبل أن أصل أهلى)( 1)! وروى الترمذي بنحوه(2).

‏وروى الإمام البحاري فى( كتاب المناقب) من صحيحه عن عروة: أدأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارأ ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة فى بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه!.(3).

وروى أبو داود فى كتاب (البيوع) من سننه - باب فى المضارب يحالف- بنحو ما روى البحاري(4)، وذكره المنذري فى محتصر السنن(5). قال: وأخرجه الترمذي وابن ماجة(6).

وروى أبو داود عن حكيم بن حزام رضي الله عنه <أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار، وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا له أن يبارك له في تجارته> (7).

ورواه الترمذي من حديث حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام. قال: وحبيب لم يسمع - عندي - من حكيم(8).

 

مشروعية الربح اكثر من ذلك :

‏من الأدلة على مشروعية الربح بغير حد - إذا لم يأت عن طريق غش أو احتكار ولا غبن ولا ظلم بوجه ما - ما صح أن الزبيى بن العوام رضى الله عنه - وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته اشترى أرض الغابة، وهر أرض عظيمة شهيرة من عوالى المدينة بمائة وسبعين ألفأ ( 000 ‏. 170 ‏) فباعها ابنه عبد الله بن الزبيى رضى الله عنهما بألف ألف وستمائة ألف أي مليون وستمائة ألف ( 000 ‏. 600 ‏. 1 ) أي أنه باعها بأكثر من تسعة أضعافها!.

ويحسن بي أن أسوق الحديث الجامع الصحيح للإمام البخاري، كما رواه بسنده عن عبد الله بن الزبيي، وقد ساقه فى كتاب (فوض الخمس) - باب سبركة الغازي فى ماله حيأ وميتأ (وحديث 3129 ‏).

‏قال عبد الله بن الزبير:

‏«لما وقف الزبير يوم الجمل دعانى فقمت إلر جنبه، فقال: يا بن إمه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإنى لا أرنى إلا سأقتل اليوم مظلومأ وإن من أكبر همر لدينر أفترى يبقر ديننا من مالنا شيثأ ؟ ‏فقال: يا بنى بع مالنا فاقض أينر، وأوصر بالثلث وثلثه لبنيه يعنى عبد الله بن الزبيى يقول ثلث الثلث، فإمه فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شرء فثلثه لولدك، قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بنر الزبيى حبيب وعباد وله يومثذ تسعة بنين وتسع بنات قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بنر إن عجزت عنه، فر شرء فاستعن عليه مولاي، فقال: فو الله ما أريت ما أراد ختر قلت يا أبة من مولاك فقال الله، فقال والله ما وقعت فر كربة من دينه، إلا قلت يا مولو الزبيى أقض عنه دينه فيقضيه فقتل الزبيى رضر الله عنه ولم يدع دينارأ ولا درهمأ إلا أرضين منها الغابة وأحد عشر دارأ بالمدينة ودارين با لبصرة ودارأ بالكوفة ودارأ بمصو، قال: وإمما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فكان يستودعه إياه فيقول الزبيى: لا، ولكنه سلف، فإمر أخشر عليه الضيعة،

وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئأ إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو مع أبي بكر وعمرأ وعثمان رضي الله عنهم. قال عبد الله بن الزبيى: فعسبت ما عليه من الدين ألفي ألف وماثتي ألف، قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي كم على أخي من الدين، فكتمه فقال:

مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه! فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف وماثتي ألف ؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا ، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، قال: وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألفا، فباعها عبد الله بألفا ألف وستمائة ألفا، ثم قام فقال: من كان له على الزبيى حق، فليوافينا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها، فقال عبد الله: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما ثوخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، فقال عبد الله: لكم من ها هنا، قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوبة وعنده عرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة فقال له معاوبة: كم قرمت الغابة لأ قال: كل سهم مائة ألفا، قال: كم بقيلأ قال: أربعة أسهم ونصف، قال المنذر بن الزبير، قد أخذت سهمأ بمائة ألفا، قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمأ بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمأ بمائة ألف، فقال معاوية: كم بقيلأ فقال: سهم ونصف، قال: أخذتها بنمسين رماثة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف..).

والحديث موقوف ولكن عبد الله بن الزبير، وهو صحابي باع ما باعه من الغابة لعبد الله بن جعفر وهو صحابي، ولمعاوية، وهو صحابي، وكثير من الصحابة أحياء متوافرون، إذ تم ذلك في عهد علي رضي الله عنه، ولم ينكر ذلك أحد منهم مع اشتهار الواقعة واتصالها بعقوق كثيرهن الصحابة وأبنأئهم، فدل ذلك على إجماعهم على الجواز.

‏وأحب أن أنبه هنا على أن دلالة الوقائع التي ذكرناها من العصر النبوي

والعصر الراشدي على جواز بلوغ الربح في بعض الأحيان إلى ضعف رأس المال أو أضعافه، لا تعنى أن كل صفقة يجوز فيها الربح إلى هذا الحد، فإن الوقائع التي ذكرناها من حديث عروة، وحديث حكيم بن حزام - إن صح- وحديث عبد الله بن الزبيي، ص في الحقيقة وقائع أعيان أو أحوال لا عموم لها ولا يمكن أن يؤخذ منها حكم عام دائم مضطرد، لكل تجار الأمة في كل رهان ومكان، وفى كل الأحوال، وكل السلع. ولا سيما الذين يتاجرون في السلع الضروروية لجماهير الناس.

‏كما الواقعات المذكورة لم تقترن بأي محاولة من محاولات إغلاى السعر على الناس، أو أي نوع من احتكار السلعة أو غبن المشتري، أو استغلال غفلته أو حاجاته أو التد ليس عليه، أو ظلمه بأي وجه من الوجوه.

‏فهذا لو وقع، يجعل الربح الحاصل من الصفقة حرام، إذ كل ربح يأتي ثمنأ لتعامل يحظره الشرع، فإنه لا يطيب لكاسبه ولا يحل بحال من الأحوال، والمسلم لا يرضى أن يرع الدنيا، ويخسر الأخرة.

وهذا ما نحاول أن نبينه بإيجاز في الصفحات التالية إن شاء الله.

‏الربح المحرم:

‏من المعلوم أن من ربح التجارة ما هو محرم لا نزاع، وذلك له جملة صور وأسباب.. منها :

 

الربح بالاتجار فى المحرمات:

‏ما جاء عن طريق الاتجار في أعيان محرفة شرعأ، مثل الاتجار في المسكرات، والمخدرات، وبيع الميتة والأصنام، ومنها .. التماثيل المحرمة، وكل ما يضر بالناس منل الأغذية الفاسدة، والأشربة الملوثة، والمواد الضارة، والأدوية المحظورة، ونحوها ..

وقد جاء في عدد من الأحاديث النهي عن بيع الأ عيان المحرمة، والانتفاع بنمنها .

فعن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أدإن الله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير والأصنام .. وفيه: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه (أي أذابوه) ثم باعوه وأكلوا ثمنه رواه الجماعة( 1). وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليه ثمنه رواه أحمد وأبو داود(2).

قال أبو البركات ابن تيمية: وهو حجة في تحريم بيع الدهن النجس. وعن ابن عباس أيضأ قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، وقال: أدإن جاءك يطلب ثمن الكلب، فأملأ كفه ترابأ> رواه أحمد وابو داود(3).

‏وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: <حرمت التجارة في الخمر> رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة(4).

وعن ابن عمر رضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: <لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وباثعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه><. رواه أو داود وابن ماجة، وزاد : وأكل ثمنها(5).

ذكره المجد ابن تيمية في (المنتقى) في (باب تحريم بيع العصير لمن يتخذه خمرأ، وكل بيع أعان على معصية)(6).

‏ومن هذه الأحاديث يتبين أن الربح الذي يتحقق من هذا اللون من التجارة في المحرمات، ربح خبيث محرم، قلت نسبته أوكثرت.

الربح عن طريق الربح والتدليس :

ومثل ذلك الربح عن طريق الغش والتدليس التجاري، بإخفاء عيوب السلعة، أو إظهارها بصورة خادعة، تغاير حقيقتها، تلبيسأ على المشتري وقد يدخل فى ذلك الدعاية الإعلامية المبالغة فيها، التي تضلل المشتري عن واقع السلعة.

وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم ممن غش، وقال: <من غشنا فليس منا< رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي( 1).

‏وعن عطية بن عامر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعأ وفيه عيب، إلا بينه له< رواه أحمد وابن ماجة(2).

وكان الصحابة والسلف رضى الله عنهم يرون إظهار عيوب السلعة من النصيعة التي بها يصح دين المسلم ويستقيم. وكان جر يربن عبد الله إذا قام إلر السلعة يبيعها، بصر المشتري بعيوبها، ثم خيره، وقال: <أإن شئت فغذ، وإن شئت فاترك> فقيل له: إنك إذا فعلت هذا لم ينغذ لك بيع فقال: انا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصر لكل مسلم (3).

وكان واثلة بن الأسقع واقنأ فباع رجل ناقة له بثلاثماثة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة فسعر وراءه وجعل يصير به: يا هذا ، اشتريتها للخم أو للظهر؟‏فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقبأ قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها، فنقصها الباشع مائة درهم، وقال لوائلة: رحمك الله أفسدت علر بيعر، فقال: إنا بايعنا رسول الله صلر الله عليه وسلم، علر النصر لكل مسلم، وقال: سمعت رسول الله صلر الله عليه وسلم يقول: (لا يعل لأحد يبيع بيعأ إلا أن يبين ما فيه، ولا يعل لمن يعلم ذلك إلا بينه) (4).

 

وقال الإمام الغزالى معقبأ على هذه الواقعة:

‏«فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه لم لا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم، وهذا أمر يشق على أكثر الخلق فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس، لأن القيام بعقوق الله مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون»(1).

التد ليس بإخفاء سعر الوقت:

‏ويدخل في ذلك، أو يترب منه: التد ليس في سعر الوقت، فالواجب - كما ذكر الغزالي » أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئأ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان(2).

‏ونهى عن النجش(3).

أما تلقي الركبان فهو أن يستقبل الرفقة وبتلقى المتاع وبكذب في سعر البلد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتلقوا الركبان» ومن تلقاه فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق(4) وهذا الشراء منعقد، ولكنه إن ظهرت كذبة ثبت للبائع الخيار. وان كان صادقأ ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس( 5 ‏).

ونهى أيضأ أن يبيع حاضرلباد(6): وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يربد أن يتسارع إلى لبيعه، فيقول له الحضري: اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وانتظر ارتفاع ثمنه، وهذا في القرت محرم وفي سائر السلع خلاف، والأظهر تحريمه لعموم النهي، ولأنه تأخير للتضييق على الناس على الجملة، من غير فائدة للفضولي المضيق.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش. وهو أن يتقدم إلى الباشع بين يدي الراغب المشتري، ويطلب السلعة بزيادة، وهو لا يريدها، وانما يريد تحريك رغبة المشتري فيها، فهذا إن لم تجر مواطأة مع البائح، فهو فعل حرام من صاحبه، والبيع منعقد وإن جرت مواطأة ففي ثبوت الخيار خلاف، والأولى إثبات الغيار، لأنه تفريربفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي الركبان.

‏قال الإمام الغزالي:

فهذه المناهج تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرأ لو علمه لما أقدم على العقد، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب» فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان با لبصرة وله غلام بالسوق يجهز إليه السكر» فكتب لم ليه غلامه: إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذة السنة , فاشترى السكر، قال: فاشترى سكرأ كثيرأ فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفأ، فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته وقال: وبعت ثلاثين ألفأ وخسرت نصح رجل من المسلمين، فلما أصبح غدا لم لى باثحع السكر فدفح لم ليه ثلاثين ألفأ وقال: بارك الله لك فيها» فقال: ومن أين صارت ليلأ فقال: إني كتمتك حقيقة السكر وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت، فقال: رحمك الله قد علمنتي الآن وقد طيبتها لك، فرجح بها لم لى منزله» وتفكر وبات ساهرأ وقال: ما نصحته» فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر اليه من الفاء وقال: عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبيى فأخد منه ثلاثين ألفأ !

‏فهذه الأخبار في المنافي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يفتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع، ويخفي من الباشع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار» فإن فعل ذلك كان ظالمأ تاركأ للعدل والنصح للمسلمين ء ومهما باع مرابحة بأن يقول: بعت بما قام علي أو بما اشتريته، فعليه أن يصدق، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان، ولو اشترى إلى أجل وجب ذكر»ء ولو اشترى مسامحة من صديقه أو

ولده يجب ذكره» لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه، فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب لم حباره» لم في الاعتماد فيه على أمانته( 1).

‏الربح عن طريق الغبن الفاخش:

فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة , فإما أصل المغابنة فمأذون فيه: لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما ، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه» فينبغي أن يمشح من قبوله» فذلك من الإحسان» ومهما يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلمأ، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الفجنى بما يزيد على الثلث يوجب الخيار ولسنا نرى ذلك، ولكن من الإحسان أن يعمل ذلك الفجنى.

ويروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان: ضرب قيمة كل حلة أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها ماشتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة، فعرض عليه من حلل المائتين، فاستعسنها ورضيها فاشتراها فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال للإعرابي: بكم اشتريت لأ فقال: بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجح حتى تردها، فقال: هذة تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيتها ، فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها، ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال: أما استعييت، أما اتقيت الله، تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين لأ فقال: والله ما أخذها لم لا وهو راض بها . قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك ؟ وهذا  ان كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو من باب الظلم وقد سبق (يعني أنه محرم)، وفي الحديث، غبك المسترسل حرام(2).

‏وكان الزبيى بن عدي يقول: أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن يشتري لحمأ بدرهم، فغبك مثل هؤلاء المسترسلين ظلم، وان كان من غير تأليس فهو من ترك الإحسان وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس واخفاء سعر الوقت.

ثم ضرب الغزالي مثلأ للإحسان المحض في المعاملة , وهو أمر فوق العدل الواجب، بما روى عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة وبعضها بعشرة، فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة فلما عرف لو يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طوال النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة ء فقال: يا هذا قد رضيت ء فقال: وان رضيت فأنا لا أرضى لك هذا إلا ما نرضاه لأنفسنا ، فاختر أحد ثلاثة خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك ء وإما أن نرد عليك خمسة، واما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك ء فقال: اعطني خمسة, فرد عليه خمسة وانصرف الأعرابي.

‏قال الغزالي:

‏فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفأ أو واحدأ على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان ء ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكرارها ربعأ كثيرأ ، وبه تظهر البركة .

‏كان علي رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار، خذوا الحق تسلمواه لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره.

‏قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب يسارك ؟ قال: ثلاث: ما رددت ربحأ قط , ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت بنسيثة, ويقال: انة باع ألف ناقة فما ربح لم لا عقالها باع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفأ وربح من نفقته عليها ليومه ألفأ .

‏الربح عن طريق الاحتكار:

من الربح الذي لا يحل لتاجر مسلم: ما جاء عن طريق الاحتكار الذي نهى عنه الشرع. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعتكر إلا خاطيء)(1).

‏والخاطيء هو الأثم، وقد وصف الله أكثر الطغاة المستكبرين بهذا الوصف حين قال تعالى: ( ‏إن فرعون وهامان وجودهما كانوا خاطين ) ‏(الفصص: 8)

‏وروى أحمد والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من احتكر الطعام أربعين يومأ فقد برئ من الله وبرئ الله منه)(2).

 

وعن علي رضي الله عنه: من احتكر الطعام أربعين يومأ قسا قلبه! وعنه أيضأ : أنه أحرق طعام محتكر بالنار(3).

وقيل في قوله تعالى في شأن المسجد الحرام(لأ ومن يرد فيه يإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ‏(الحج : 25 ) .

إن الاحتكار من الظم وداخل تحته في الوعيد .

‏والاحتكار أن يحبس التاجر السلعة، ينتظر بها غلاء الأسعار.

‏وهو يدل على نزعة أنانية، لا يبالي صاحبها بما يقع من أذى وضرر على جمهور الناس، ما دام هو يجني من وراء ذلك أرباحأ طائلة.

‏يتفاقم الضرر إذا كان التاجر هو البائع الوحيد للسلعة، أو تواطأ مجموعة التجار الذين يبيعون السلعة على إخفاشها وحبسها، حتى يشتد الطلب عليها فيغلوا سعرها، ويفرطوا فيها الثمن الذي يريدون. وهذا هو شأن النظام الرأسمالي الذي يقوم على دعامتين رئيسيتين هما : الربا، والاحتكار.

‏وللفقهاء هنا خلاف حول أمرين: الجنس الذي يحرم احتكاره من السلع ما هو ؟ ‏.. والقوت الذي يحرم فيه الاحتكار.

‏فمن الفقهاء من قصر الاحتكار على (الأقوات) لا يتجاوزها . قال الغزالى: أما ما ليس بقوت ولا هو معين على القوت، كالأدوية والعقاقير والزعفران وأمثاله فلا يتعدى النهى إليه، وإن كان مطعومأ . وأما ما يعين على  القوت كاللحم والفواكه وما يسد سدا يغنى عن القرت في بعض الأحوال، وإن كان لا يملك المرادفة، فهذا في محل النظر، فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشبرج والجب والزيت، وما يجري مجراه( 1).

ويفهم من كلام الغزالي هنا أنهم يعتبرون القرت محصورأ في الطعام الجاف مثل الخبز والأرز بلا سمن ودون إدام. وحتى الجبن والزيت والسمسم ونحوها اعتبرت خارج داثرة القوت.

‏وهذا الذي ذكره من القوت لا يكتفي به الطب الحديث غذاء صحيحأ للإنسان، إذ لا بد أن تتوافر في الغذاء الجيد جملة عناصر ضرورية، منها : البروتينات والدهنيات والفيتامينات وإلا أصبر الإنسان عرضة لأمراض سوء التغذية.

‏كما أن الأدوية في عصرنا أصبحت أمرأ ضروريأ للناس، وكذلك الملبوسات ونحوها .

‏وحاجات الناس تتطور بتطور أنماط حياتهم، وكم من أمر تحسيني أو كمالي، أصبر حاجيا، وكم من حاجي إذا أصبر ضروريا .

‏والأرجر في رأيي تحريم الاحتكار لكل ما يهتاج إليه الناس، طعامأ كان أو دواء أو دواء لبسأ، أو أدوات مدرسية أو منزلية، أو مهنية أو غير ذلك.

‏والدليل على ذلك عموم الحديث (دلا يحتكر إلا خاطيء) أو من احتكر فهو خاطيء والوعيد عليه خاصة، لا ينفي ذلك العموم.

‏ وعلة النهي أيضأ تؤكد ذلك، وهي الإضرار بعموم الناس، نتيجة حبس

السلعة. وحاجة الناس ليست إلى الطعام وحده، وخصوصأ في عصرنا، فهو في حاجة إلى أن يطعم، ويشرب، ويلبس، ويسكن، ويتعلم، ويتداوى، ويتنقل، ويتواصل مع غير» بشتى الوسائل.

‏ومن هنا أرجح قول الإمام أبي يوسف في (الخراج): كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار( 1).

وكلما تشتد حاجة الناس إليه يكون احتكاره أشد إثمأ . وفي مقدمة ذلك الطعام، وفي مقدمة الطعام القرت الضروري.

وكذلك الخلاف في الوقت الذي يحرم فيه الاحتكار، فمن العلماء من طرد النهي في جميع الأوقات، ولم يفرق، بين وقت الضيق ووقت السلعة آخذأ بعموم النهي وعليه عمل الورعين من السلف.

قال الغزالي: (ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الطعام، وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضررأ ما، فأما إذا اتسعت الأطعمة، وكثرت، واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة، فانتظر صاحب الطعام ذلك، ولم ينتظر قحطأ، فليس في هذا إضرار. وإذا كان الزمان زمان قحط، كان في ادخار العسل والسمن والشبرج وأمثالها إضرار، فينبغي أن يقضي بتحريمه. ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار، فإنه مفهوم قطعأ من تخصيص الطعام، وإذا لم يكن ضرار، فلا يخلو احتكار الأقوات من كراهية، فإنه ينتظر مبادئ الضرار، وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار، محذور كانتظار عين الضرار، ولكنه دونه، وانتظار عين الضرار أيضأ هو دون الإضرار، فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم)(2).

وعن بعض السلف إنه كان بواسما، فجهز سفينة حنطة إلى المبصرة، وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام يوم يدخل المبصرة، ولا تؤخره إلى غد،

فوافق سعة في هذا السعر فقال له التجار: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه, فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك, فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا , إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا, وانك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين، فقد جنية علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فغذ المال كله , فتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من إثم الاحتكار لا علي ولي لي( 1).

‏خاتمة:

وإذا كان جواز الربح بغير نسبة محددة للتاجر الملتزم بأحكام الإسلام وتوجيهاته في البيع والشراء، وترك السوق للعوامل الطبيعية، وهو ما يعبر  عنه اليوم بقوانين العرض والطلب - دون تلاعب أو تلبيس، أو تدخل مفتعل لإغلاء الأسعار على عموم الناس: فهذا لا يمنع ولى الأمر المسلم - عندما يوجد شئ من ذلك - أن يتدخل بمقتصر عموم ولايته ومسؤوليته، لتحديد أرباح التجارة بنسبة معينة، قد تتفاوت بتفاوت السلع. وبمشورة أهل الرأي والبصيرة، كما عبر علماؤنا السابقون رحمهم الله تعالى. وهذا هو موضوع (التسعير) ومتى يجوز، ومتى لا يجوز، وما شروطه، ... الخ. وهو لا يخص التجار وحدهم، بل يشمل المنتجين أيضأ وهو جدير ببعث مستقل بعنوانه الخاص.

الخلاصة:

‏والخلاصة التي تخرج بها من هذا البحث تتمثل في ما يلي:

‏ا- إن ابتغاء الربح في التجارة أمر جائز ومشروع، بل هو مأمور به لمن لا يحسنون الاتجار بأنفسهم كاليتامى.

-2 ‏إن النصوص لم تحدد نسبة معينة للربح، بحيث لا يجوز تعديها، بل وجد في السنة ما يدل على جواز الربح إلى ضعف رأس المال أو أضعافه.

3- إن جواز الربح الكثير لا يعني أنه مرغوب فيه دائمأ، بل القناعة بالربح القليل أقرب إلى هدي السلف وأبعد عن الشبهات. ‏.

-4 ‏إن الربح لا يحل للتاجر المسلم، إلا إذا سلمت معاملاته التجارية من الحرام، فأما إذا اشتملت على محرم كالا تجار في الأ عيان المحرمة، أو التعامل بالربا أو الاحتكار أو الغش والتدليس، أو إخفاء سعر الوقت أو التطفيف ونحوها فإن ما ترتب عليها من رح يكون حرامأ .

-5 ‏إن القول بأن للتجار أن يربحوا بالحلال ما شاءوا ، في حدود القيم والضواط التي ذكرناها لا ينفي حق ولي الأمر المسلم في تحديد مقدار الرع أو نسبته، وخصوصأ في السلع التي يهتاج عموم الناس إليها .

المصدر موقع الفقه الإسلامي

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com