|
لقاء وحوار مع الأستاذ محمود الشهابي مدير المركز التدريب المصرفي الأول دولياً
عثمان ظهير من المنامة
عانت المصرفيّة الإسلاميّة منذ نشأتها من نقص الكوادر المؤهّلة التي تجمع بين الخبرة العملية في مجال العمل المصرفيّ والتأهيل الشرعيّ، فضلاً عن عدم توافّر المادّة العلميّة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
واستمرّ هذا طيلة فترة السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، حتّى تصدّى لهذه المشكلة من حمل على عاتقه مسؤوليّة التدريب والتطوير وتوفير المحاضن لتهيئة الكفاءات التي تسدّ هذه الثغرة الكبيرة في جسم العمل المصرفيّ الإسلاميّ والآن،
وبعد مرور ما يربو على 40 عامًا نرى المركز الماليّ الإسلاميّ في معهد البحرين للدراسات المصرفيّة والماليّة منارة هادية ليس على مستوى البحرين والخليج العربي بل على المستوى الدَّوْليّ العالميّ أيضًا.
كان لنا هذا اللقاء مع محمود الشهابيّ مديرِ المركز الماليّ الإسلاميّ في معهد البحرين للدراسات الماليّة والمصرفيّة ليحدّثنا عن رحلة التدريب في مجال المصرفيّة: واقعه، وآفاقه المستقبليّة،
وخاصّة بعد حصول المركز على جائزة أفضل معهد تدريبيٍّ على مستوى العالم للسنة الثانية على التوالي.
الأستاذ محمود الشهابي، في البدء ما سرّ تميّز البحرين في مجال المصرفيّة الإسلاميّة؟
أخذت البحرين على عاتقها منذ السبعينيّات دعم العمل المصرفيّ بشكلٍ عامٍّ، من خلال فتح الأبواب أمام بنوك الأفشور، فكانت ملاذًا آمنًا لها، وأعطت كلّ التسهيلات اللازمة لعملها، فضلاً عن تهيئة البيئة القانونية لذلك، وخاصّة بعد أن غادرت البنوك لبنان إبّان الحرب الأهليّة. ممّا أدّى إلى تركّزٍ مصرفيّ في المنطقة، الأمر الذي أفسح المجال لتنامي الخبرات المصرفيّة وثرائها، وعزّز من تسارع تطوّر البحرين في العمل المصرفيّ. وقد تحقّق هذا كلّه بسبب التوجّه العامّ للدّولة، والدّور الكبير الذي قام به بنك البحرين المركزيّ بهذا الصدد.
ماذا عن واقع التدريب في مجال المصرفيّة الإسلاميّة؟
عانت المصرفيّة الإسلاميّة منذ نشأتها من نقصٍ مُزمِنٍ في مجال خبرات العمل المصرفيّ، وذلك لعدّة أسباب: أوّلها أنّ رُوّاد الصنعة من الآباء المؤسِّسين استغرقهم العمل اليوميّ والإداريّ وألهاهم عن العمل على تكوين شريحةٍ جديدة تحمل اللواء، أضِف إلى ذلك عدم توافر المؤسّسات الداعمة للعمل المصرفيّ الإسلاميّ حتّى وقتٍ قريب؛ ممّا أدّى إلى تركّز العبء التدريبيّ على النشاط الفرديّ لهؤلاء الروّاد،
فضلاً عن وجود فجوةٍ عميقةٍ بين التنظير في فقه المعاملات الذي كان جلّه في المدوّنات الفقهيّة القديمة التي ألِّفت لزمانٍ غير زماننا، وحالٍ غير حالنا، وبين العمل المصرفيّ المعاصر ذي الصبغة الدوليّة بتعقيداتها وتشعبّاتها؛ فنتجت عقبةٌ أخرى من اختلاف الآراء الفقهيّة في النظر للمسألة الواحدة، ممّا أثّر في إيجاد قواسم مشتركة تتوحّد من خلالها المعايير.
كان هذا إلى أواخر الثمانينيّات، ولكن بعد مضي هذه الفترة، وعلى قصرها مقارنة بالعمل المصرفيّ الربويّ الذي يزيد عمره على 300 عام، ازدادت الحاجة إلى تهيئة الكوادر فانطلقت المبادرات الفرديّة، وتبعها العمل المؤسّسيّ الذي توسّع وترسّخت مبادئه وأساليبه، فبعد أن كانت البرامج والدورات تتناول المبادئ والأصول، تطوّرت لتغطّي جميع احتياجات العمل المصرفيّ المتقدّم بتأصيلاته الشرعيّة شبه الموحدة،
وترافق مع ذلك تزايد أعداد المؤسّسات الداعمة للمصرفيّة الإسلاميّة، فازداد الزخم، وأصبحت لدينا أعداد غفيرة من الخرّيجين المتخصِّصين من الجيل الثاني في مجال المصرفيّة الإسلاميّة، وما زال هناك متّسع كبير في سوق العمل، وإن كان ثمّة نقصٌ في المادة العلميّة الأكاديميّة التدريبيّة، التي لا تزال في حاجة إلى التطوير لترقى إلى مستوى الاحتياجات.
تصدّر المركز الماليّ الإسلاميّ في عام 2009 المركز الأوّل على مستوى العالم في مجال التدريب للسنة التالية على التوالي .. حدِّثنا عن هذا الإنجاز.
يُعَدُّ معهد البحرين للدراسات الماليّة والمصرفيّة من أوائل المعاهد المتخصّصة في هذا المجال على مستوى منطقة الخليج العربي، حيث أنشئ عام 1981؛ وذلك نتيجة للظروف التي تحدّثنا عنها آنفا، فمن خلال هذه المبادرة التي قام بها بنك البحرين المركزي أتيح المجال لتبادل الخبرات، وتطوير المهارات، وتكوين شبكةٍ واسعة بين العاملين في هذا الحقل على صعيد البنوك وشركات التأمين والمراكز البحثيّّة، ليس على مستوى البحرين فحسب؛
وإنّما امتدّ هذا ليشمل دول الخليج العربي، حيث استفاد ما يزيد على 15 ألف طالب ومتدرب من برامج المعهد في العام الماضي، وكان ما يزيد على 30 في المائة من هؤلاء الطلبة من خارج البحرين.
فتنوُّع البرامج والشهادات المقدّمة من قبل المعهد، مع التنسيق مع مجموعةٍ من الجامعات والمؤسّسات الدوليّة لمنح الشهادات والدبومات والماجستير في التخصّصات المختلفة الإداريّة والمصرفيّة، عزّز الصدارة للمعهد بشكل عامّ.
وأمّا المركز الماليّ الإسلاميّ الذي يترأّس الآن قائمة مراكز التدريب في مجال المصرفيّة الإسلاميّة العالميّة، فهو من أكثر المراكز نشاطًا وتنوُّعًا في حجم وأعداد البرامج المقدّمة، التي ستُكلَّل بانطلاق برنامج الدكتوراة في المصارف الإسلاميّة عام 2010؛ استجابةً للطّلب العالي والمتزايد في السوق المحلّية والخليجية، إلى جانب وجود خطّة تعريب الدبلوم المتقدّم في الماليّة الإسلاميّة وتقديمِه عبر الإنترنت، وهذا مشروع متميّز سيتيح المجال لكثير ممّن لا يستطيعون الالتزام بالحضور إلى المعهد بشكلٍ منتظم. كيف تقيّم دور ماليزيا في العمل المصرفيّ الإسلاميّ؟
إنّ الدّور الذي تقوم به ماليزيا، سواء على مستوى الحكومة أم الخبراء في مجال المصرفيّة الإسلاميّة، دورٌ مميّز ورائد ويُحمَد لهم، فإنْ كان الثقل والتميّز على مستوى الشرق الأوسط في مجال المصرفيّة الإسلاميّة للبحرين، فإنّ لماليزيا الدورَ الرياديّ في جنوب شرق آسيا. ويُعدّ هذا من باب التنوّع والتكامل في الأداء،
وهناك جهود طيّبة لتعزيز التعاون بين المركزين القطبين في الصنعة ماليزيا والبحرين، والمستقبلُ يبشِّر بخير. وإن كانت هناك تحفّظات في بعض النواحي الفقهيّة، حيث انفتحت البحرين ونهلت من المذاهب الفقهيّة المختلفة دون التقيّد بمذهب محدّد؛ مما وسّع دائرة الخيارات، في حين كان الفقهُ الشافعيّ المصدرَ الرئيس للإخوة في ماليزيا. ولكن مع الدعوة إلى توحيد المعايير والضوابط تاهت الخلافات الفقهيّة وانصهرت في بوتقةِ ما ينفعُ الناس ويمكث في الأرض.
كيف استطاع محمود الشهابيّ توجيه الجهود لتحقيق هذا الإنجاز المتميّز، ما رسالتك ورؤيتك المستقبليّة؟
هذا الإنجاز الذي تحقّق ما كان ليتمّ لولا فضلُ الله تعالى، ثمّ جهود المحاضرين ذوي الجهد الدؤوب. إنّ العمل في مجال المصرفيّة الإسلاميّة هو في المقام الأوّل عبادة نتقرّب بها إلى الله - سبحانه وتعالى، وبالنسبة إليّ هو حقّ صادف هوى، وحبًّا في النفس لهذا العمل الذي أمضيت سنوات عمري في العمل فيه، حيث عملت في أكبر المصارف الدوليّة لمدّةٍ تناهز 25 عامًا،
ومنذ بداية عملي كان همّ المصرفيّة الإسلاميّة نصب عينيّ، فتلاقى الهمّ مع الهمّة لتسخّر في هذا المجال الذي هو الخطوة الأولى في مجال بناء صرح الاقتصاد الإسلاميّ.
إنّ الساحة غنيّة بالطاقات المبدعة من أصحاب الهمم والمبادرة التي تحتاج إلى توجيهٍ وتنسيقٍ للجهود حتّى تصبّ في خدمة المدّ المصرفيّ الإسلاميّ المتنامي. المستقبل مبشِّر، وهناك فرص كبيرة للتطوير، وتحوّلٌ ملحوظٌ من المصرفيّة التقليديّة لتقف في صف المصرفيّة الإسلاميّة، ولدينا الآن نخبةٌ من الخرّيجين المؤهّلين الذين سيكون التعويل عليهم في استمرار المسيرة وتوجيهها.
جريدة الاقتصادية
|