|
العرب وإشكالية التنمية خاطر مسعد**
التنمية مصطلح اتفق على تسميته تعبيراً عن نشاط إصلاحي متعدد الأوجه، يكمن دوره في تأمين التوازن والتكافؤ على مختلف النواحي والصعد التي تحكم العلاقات الإنسانية كافة . وباتت التنمية اليوم المعيار المعتمد لتحديد نسبة التطور داخل أي من المجتمعات خصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، إذ هما الأصل الذي تتفرع منه العلاقات الإنسانية كافة .
التنمية خجولة عربيا على الرغم من أهميتها تلك، من المؤسف أن دور التنمية خجول ولا يتمتع في عالمنا العربي بالفاعلية التي حظي بها في دول العالم المتقدم منذ عقود، حيث أدركت ووعت أهمية هذا الدور فكان قوة دافعة لمجتمعاتها وغدت من خلال التنمية " دول العالم الأول " وباعتبار القطاعات الاجتماعية والاقتصادية شكلت، بما يحيط بها من خصائص ، سلبية كانت أم إيجابية ، وحدة قياس تبرز لدى الباحثين ، لا سيما الاقتصاديين منهم ، مؤشرات يحدوا في ضوئها نسب التنمية المحققة داخل أي مجتمع ومدى مساهمتها في تطوره ، فإن واقع هذه المؤشرات في العالم العربي ، وانطلاقاً من خصائصها السلبية، لا يبعث على الأمل بواقع التنمية إن لم نقل إنه مأساوي في الكثير من دوله. فالفرد الذي هو محور القطاعات التي تعني التنمية بتطويرها ، لا يزال في العالم العربي يعاني من تأخر حاد لم يعد مقبولاً في الألفية الثالثة . فعلى الصعيد الاجتماعي ، نرى الأمية ما زالت متفشية وبمظاهر مخيفة بلغت 68مليون أمي على امتداد العالم العربي (25.7 % نسبة الأمية عام 2002) ! وفي الشأن التخصصي العلمي والثقافي فالحال أسوأ، إذ إن مراكز الأبحاث المتخصصة لا تتجاوز عدد أصابع اليد ، وحركة التأليف تكاد تكون معدومة ، حتى إن ترجمة الثقافات والعلوم لم تتخط حدود 300 كتاب في عام ، وهو خمس ما تترجمه اليونان مثلاً سنويا. الرعاية الصحية بديهة مفترضة أما في الشأن الصحي فالعشرات يهلكون كل شهر جراء تفشي الأوبئة والأمراض وسوء التغذية ( السودان ، الصومال ، العراق ...) ، نتيجة إنعدام الرعاية الصحية والإهمال في تقديم الضمانات والتدابير لتأمين العلاجات اللازمة ، من مثل اللقاحات وما شابه ، والتي أصبحت في دول العالم المتطور من البديهيات المفترضة . هذه المشكلات الضاغطة بشكل مباشر على مسار الحياة اليومية والمعيشية للإنسان العربي ، تتزامن مع مشكلة أخرى لا تقل شأنا على الصعيد الاجتماعي عما ذكرناه من مشاكل سابقا ، تتمثل في هذا الترهل التنموي للإدارة الذي يئن تحته المواطن منذ زمن ؛ وهذا ما يفسر الغياب شبه التام للدور الرعائي للدولة لا سيما في الدول المدقعة في الفقر ليحل محله مبدأ المحسوبية والتبعية، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمات الاجتماعية . اقتصاديا العرب في غيبوبة تامة أما على الصعيد الاقتصادي ، فالمصيبة أعظم ، إذ يصح القول في هذا المجال إن العالم العربي في حالة غيبوبة تامة . فعلى الرغم من الثروات والموارد الطبيعية الموجودة بكثرة ، حيث يمكن استغلالها في تدعيم القطاعات الاقتصادية كافة لا سيما في القطاع الصناعي ، وتحديداً في ظل وفرة الثروة الحفرية بكميات هائلة إذ تضم منطقة الخليج العربي احتياطاً يقدر بـــ 56% من مجمل الاحتياطي العالمي للنفط ، و30% من مجمل الاحتياطي العالمي للغاز ، إلا أن هذه الثروات بدل من أن تجعل المجتمع العربي خلية للإنتاج ، أثرت فيه سلبا وحولته إلى سوق استهلاكية لما يصدر له ، ومن بلدان لا تملك ربع الموارد الموجودة في العالم العربي ! وما العملاق الاقتصادي الياباني إلا خير مثال على ما نقول . كما في الصناعة كذلك في القطاع الزراعي ، فالأراضي الزراعية الخصبة المتوافرة في كثير من بلدان العالم العربي ( السودان ، مصر ، لبنان ، سورية ...) تستنفد بطريقة غير مجدية ، إذ لو قدر استصلاحها كما يجب لكفت العالم العربي في كثير من المنتوجات الغذائية ووفرت عليه ما يقارب 20مليار دولار سنوياً لقاء ما يستورده لسد حاجاته من السلع الغذائية، هذه المشكلات الاقتصادية الكامنة في سوء استغلال واستثمار الموارد الطبيعية المتوافرة أنتجت جيوشا من العاطلين عن العمل قدرت بنحو 34 مليون (14%من نسبة القوى العاملة في العالم العربي ) ، حسب آخر إحصاءات منظمة العمل العربية . رغم الصعوبات يوجد حلول متعددة هذا الواقع المؤلم للتنمية في العالم العربي لا يعني أن أفق التغلب عليه بات مسدوداً ، بل إن سبل الحلول متعددة ، وفي طليعتها تعزيز التنمية البشرية من خلال تحصين الفرد في العالم العربي بالتقديمات الاجتماعية الضرورية من تعليم ، وطبابة وغذاء ومن تطوير للخبرات التقنية كما ونوعاً ، عبر تحديث وتعميم المناهج العلمية والتقنية المتقدمة ، وتوسيع رقعة مراكز الأبحاث من خلال الاتصال والقرب أكثر من التطور التكنولوجي ، مع الاستفادة من المرونة والسهولة التي تؤمنها العولمة في هذا المجال . لا نمو حقيقياً من دون تنمية شاملة ومستدامة ، ولو أظهرت الأرقام غير ذلك ، فوحدها خطط التنمية إذا ما تبناها أصحاب القرار العربي معنى أن تخرج من النصوص وتصب في النفوس ، كفيلة في تحقيق النهوض من هذه الكبوة التي يعيشها المجتمع العربي هذه الأيام . ** الرئيس التنفيذي لهيئة رأس الخيمة للاستثمار / بتصرف عن مجلة فوربس العربية 2007 المصدر المركز العالمي للوسطية
|