الوكالة معناها ومشروعيتها
أ. د. وهبة الزحيلي
1. معنى الوكالة ومشروعيتها
الوكالة لغة : التفويض ، أو الحفظ ،
فمن الأول : قوله تعالى : " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " (الطلاق : 65/3)
اي من يفوض أمره الى الله ، كفاه ،
ومن الثاني : قوله سبحانه : " حسبنا الله ونعم الوكيل " (آل عمران 3/173 ) ، أي نعم الحافظ .
وفقها : هي أقامة الأنسان غيره مقام نفسه ، في تصرف جائز معلوم .
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والأجماع ،
في قوله تعالى : " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة" (الكهف : 18/19) ،
وقوله سبحانه : " فأبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " (النساء : 4/35) .
ووكل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان [1] ، ووكل أيضا أبا رافع في قبول نكاح ميمونة [2] ، ووكل حكيم بن حزام في شراء أضحية [3] ، ووكل عروة البارقي في شراء شاة [4] ، وأجمعت الأمة على جواز الوكالة ، للحاجة اليها . وتصح بأجر وبغير أجر ، ومطلقة ومقيدة ، وعامة وخاصة بشيء ، ومقيدة بالشرط مثل : ان قدم زيد لإانت وكيلي في البيع أوغيره [5]. ومضافة لوقت في المستقبل ، مثل : وكلتك في بيع هذا الكتاب غدا . وعناصرها عند الجمهور غير الحنفية أربعة هي : الموكل ، والوكيل ، والموكل فيه ، والصيغة ( الأيجاب والقبول) . وأما عند الحنفية : فركن الوكالة هو الصيغة فقط .
2. شرائط الوكالة
تشترط شرائط لصحة الوكالة ، في العاقدين (الموكل والوكيل) ، وفي محل العقد . لكن لايشترط اتحاد المجلس في الوكالة ، لطبيعتها الخاصة .
فيشترط كون الموكل مالكا التصرف الذي يوكل فيه ، وتلزمه أحكام ذلك التصرف : بأن يكون عاقلا مميزا عند الحنفية والمالكية ، بالغا عند غيرهم ، فلا يصح توكيل المجنون والصبي والصبي غير المميز بالأتفاق . ولايصح التوكيل من الصبي المميز بما لايملكه بنفسه من التصرفات كالطلاق والهبة والصدقة وغيرها من التصرفات الضارة ضررا محضا به . وتجوز بالتصرفات النافعة نفعا محضا كقبول التبرعات . واما التصرفات المترددة بين الضرر والنفع ، كالبيع والأجارة ، فتصح من الصبي المأذون له في التجارة ، لانه يملكها بنفسه ، فان كان ممنوعا من التجارة ، فينعقد التوكيل منه موقوفا على اجازة وليه .
ويشترط كون الوكيل مميزا عاقلا في رأي الحنفية والمالكية بأن يعرف مثلا بأن البيع سالب والشراء جالب ، ويعرف الغبن اليسير من الغبن الفاحش .
ويشترط في الوكيل أيضا كونه قاصدا للعقد ، بألا يكون هازلا ، وأن يعلم بالتوكيل في الجملة ، وأن يكون معينا بنسبة أو اشارة اليه ، وأن يكون عالما بموكله بوصف أو شهرة ، فلا تصح لأحد رجلين للجهالة .
ويشترط في الموكل فيه ثلاثة شروط وهي :
أ. أن يكون الموكل فيه مملوكا للموكل ، أو له ولاية على التصرف فيه : كالتوكيل ببيع أرضه أو داره ، أو توكيل ولي الصبي أو المجنون في أدارة دار يملكها المولى عليه (وهو الصبي أو المجنون).
ب. أن يكون معلوما ولو من وجه : كبيان جنسه وصفته ، أو جنسه وثمنه ، منعا للجهالة الفاحشة المؤدية للنزاع .
ج.أن يكون قابلا للنيابة شرعا : وهو ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها كأحكام عقد الزواج والطلاق . فلا يصح التوكيل في العبادات البدنية المحضة ، كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث ، لأن القصد منها الأبتلاء والأختبار بأتعاب النفس ، وهو لايحصل بالتوكيل لغيره .
3. ما يملكه الوكيل من التصرفات
يتصرف الوكيل بحسب اذن الموكل وبما جرى به العرف المعتاد . فالوكيل بالشراء : يشتري بما هو متعارف عليه بين الناس من النقود وثمن المثل وبالزيادة اليسيرة التي يتغابن فيها الناس . ومن وكل بشراء شيء معين فليس له أن يشتري سواه . والقاعدة في ذلك عند الحنفية : أن المطلق يجري على اطلاقه ، والمقيد يراعى فيه القيد ما أمكن .
وعلى الوكيل أن يرد مااشتراه بعيب من العيوب .
والوكيل بالبيع اذا كان مطلق التصرف : له أن يبيع باي ثمن قليل أوكثير ، ولو بغبن فاحش ، أو نسيئة (لأجل) بنقود أو عروض (سلع) ، وله أخذ رهن أو كفيل بالثمن ، لأنه مطلق التصرف .
وليس للوكيل توكيل غيره الا بأذن الموكل أو تفويضه . وليس للوكيل القيام بتصرف مشبوه يتهم فيه ، فليس للوكيل بالشراء أن يشتري من نفسه ، وليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه ، لأنه متهم في تصرفه . وليس له أن يتعامل مع من لاتقبل شهادته كالأب والجد ، والولد وولد الولد ، وزوجته ، الا أن يبيعه له بأكثر من القيمة ، أو يشتري بأقل من القيمة ، منعا للتهمة .
4. صفة يد الوكيل
يد الوكيل : يد أمانة ، فلايضمن ما يتلف بيده الا بالتعدي أو التقصير (أو التفريط ) ، فلو قبض شيئا لموكله ، فدفعه الى غيره ، أو وكل غيره فيما يقبضه ، ثم هلك ، فعليه ضمانه ، لأنه تعدى في تصرفه .
وهو الذي يصدق في قدر ما يقبضه لموكله ، وفيما يصرفه من مال موكله اذا كان متعارفا ، وفي دعواه التلف ، وفي دعواه الرد على الموكل .
5. من الذي يرجع اليه حكم العقد وحقوق العقد ؟
حكم العقد : هو الأثر الجوهري أو النوعي المترتب على العقد ، كنقل ملكية المبيع للمشتري ، واستحقاق الثمن في ذمة المشتري للبائع ، يثبت هذا الحكم بالعقد للموكل ، فهو الذي يتملك ، أو يستحق عليه .
وحقوق العقد
هي الأعمال التي لابد منها لتنفيذ مقتضى العقد ، كتسليم المبيع ، وقبض الثمن ، والرد بالعيب أو الخيار ( خيار شرط أو رؤية مثلا ) وضمان رد الثمن اذا تبين أن المبيع مستحق لغير البائع . وترجع حقوق العقد عند الحنفية لوكيل لا للموكل ، فهو الذي يمارس هذه الصلاحيات.
6. انتهاء الوكالة
تنتهي الوكالة بأحوال ، اهمها خمسة ، وهي مايأتي :
أ. العزل
عزل الموكل وكيله ، لأن الوكالة عقد جائز غير لازم ، فلكل من طرفي الوكالة فسخها متى شاء ، الا أن يتعلق بها حق الغير ، كالوكالة المشروطة في بيع الرهن ونحوه ، فلايعزل . وتنتهي أيضا بالأنعزال ، أي عزل الوكيل نفسه ، ولابد في الحالين من اعلام الطرف الآخر بالعزل ، منعا للضرر الناشيء عن العزل .
ب. الموت
أي موت الوكيل أو الموكل . ، لأنعدام الأهلية .
ج. الجنون
أي جنون أحد الطرفين ، لخروجه عن أهلية التصرف .
د. خروج الموكل فيه عن ملك الموكل
بأن يتصرف فيه ببيع أو وقف أو رهن أو هبة مع القبض ، لأنه عزل حكما .
ه. أنتهاء الغرض من الوكالة
وهو أن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الموكل ، لصيرورة العقد غير ذي موضوع .
[1] رواه أبو داود والبيهقي .
[2] رواه مالك والشافعي وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان .
[3] رواه أبوداود والترمذي عن حكيم .
[4] رواه أحمد والبخاري وأبوداود والترمذي وابن ماجه والدارقطني .
[5] تعليق الوكالة : معناها تعليق التصرف بالموكل به ، وليس تعليق العقد ذاته .
المصدر موقع دار السلام