البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | من الموسوعة الفقهية | مفهوم الإسقاط ... تعريفه ..ألفاظه... أحكامه 
 

إسقاطٌ *

التعريف :

1 - من معاني الإسقاط لغةً : الإيقاع والإلقاء ، يقال : سقط اسمه من الدّيوان : إذا وقع ، وأسقطت الحامل : ألقت الجنين ، وقول الفقهاء : سقط الفرض ، أي سقط طلبه والأمر به . وفي اصطلاح الفقهاء : هو إزالة الملك ، أو الحقّ ، لا إلى مالكٍ ولا إلى مستحقٍّ ، وتسقط بذلك المطالبة به ، لأنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ولا ينتقل ، وذلك كالطّلاق والعتق والعفو عن القصاص والإبراء من الدّين ، وبمعنى الإسقاط : الحطّ ، إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه . ويستعمله الفقهاء أيضاً في إسقاط الحامل الجنين . وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) .

 الألفاظ ذات الصّلة :

أ - الإبراء :

2 - الإبراء عند الفقهاء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وهذا عند من يعتبر الإبراء من الدّين إسقاطاً محضاً ، أمّا من يعتبره تمليكاً فيقول : هو تمليك المدين ما في ذمّته . وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال : هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ، إسقاطٌ في حقّ المدين ، وهذا بالنّظر لبراءة الإسقاط لا لبراءة الاستيفاء .

 ويلاحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاطٌ . وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ . غير أنّ ابن عبد السّلام من المالكيّة يعتبر الإبراء أعمّ من جهةٍ أخرى ، إذ يقول : الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه ، لأنّه يكون في المعيّن وغيره .

ب - الصّلح :

3 - الصّلح اسمٌ بمعنى : المصالحة والتّوفيق والسّلم .

 وشرعاً : عقدٌ يقتضي قطع النّزاع والخصومة . ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ، سواءٌ أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكوتٍ . فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضةٌ ، وليس إسقاطاً ، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ .

ج - المقاصّة :

4 - يقال تقاصّ القوم : إذا قاصّ كلٌّ منهم صاحبه في الحساب ، فحبس عنه مثل ما كان له عليه . والمقاصّة نوعٌ من الإسقاط ، إذ هي إسقاط ما للإنسان من دينٍ على غريمه في مثل ما عليه . فهي إسقاطٌ بعوضٍ ، في حين أنّ الإسقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وبذلك تكون المقاصّة أخصّ من الإسقاط . ولها شروطٌ تنظر في موضعها .

د - العفو :

5 - من معاني العفو : المحو والإسقاط وترك المطالبة ، يقال : عفوت عن فلانٍ إذا تركت مطالبته بما عليه من الحقّ ، ومنه قوله تعالى : { والعافين عن النّاس } . أي التّاركين مظالمهم عندهم لا يطالبونهم بها . فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للإسقاط في المعنى ، إلاّ أنّ العفو على إطلاقه أعمّ لتعدّد استعمالاته .

هـ - التّمليك :

6 - التّمليك : نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ، سواءٌ أكان المنقول عيناً كما في البيع ، أم منفعةً كما في الإجارة ، وسواءٌ أكان بعوضٍ كما سبق ، أم بدونه كالهبة . والتّمليك بعمومه يفارق الإسقاط بعمومه ، إذ التّمليك إزالةٌ ونقلٌ إلى مالكٍ ، في حين أنّ الإسقاط إزالةٌ وليس نقلاً ، كما أنّه ليس إلى مالكٍ ، لكنّهما قد يجتمعان في الإبراء من الدّين ، عند من يعتبره تمليكاً ، كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ، ولذلك يشترطون فيه القبول .

صفة الإسقاط : حكمه التّكليفيّ :

7 - الإسقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ، إذ هو تصرّف الإنسان في خالص حقّه ، دون أن يمسّ ذلك حقّاً لغيره . والأصل فيه الإباحة ، وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى . فيكون واجباً ، كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ، إذا كان الحظّ في تركها ، لأنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظٌّ وغبطةٌ له . وكالطّلاق الّذي يراه الحكمان إذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ، وكذلك طلاق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها .

 ويكون مندوباً إذا كان قربةً ، كالعفو عن القصاص ، وإبراء المعسر ، والعتق ، والكتابة . ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى : { والجروح قصاصٌ ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } . فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص .. وفي إبراء المدين قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ : ندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصّدقة على المعسر ، وجعل ذلك خيراً من إنظاره . ، ولذلك يقول الفقهاء : إنّ المندوب هنا وهو الإبراء أفضل من الواجب وهو الإنظار . وقد يكون حراماً ، كطلاق البدعة ، وهو طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حملٍ ، وكذلك عفو وليّ الصّغير عن القصاص مجّاناً .

 وقد يكون مكروهاً ، كالطّلاق بدون سببٍ يستدعيه ،

 لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » .

الباعث على الإسقاط :

8 - تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه لا تأتي عفواً ، بل تكون لها بواعث ، قد تكون شرعيّةً ، فيكون التّصرّف استجابةً لأوامر الشّرع ، وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ . والإسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ .

 فمن البواعث الشّرعيّة :

 العمل على حرّيّة الإنسان الّتي هي الأصل لكلّ النّاس ، وذلك العتق الّذي حثّ عليه الإسلام . ومنها : الإبقاء على الحياة ، وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ .

ومنها : معاونة المعسرين ، وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ، وقد سبق ذكر النّصوص الدّالّة على مشروعيّة ذلك .

 ومنها : إرادة نفع الجار ، كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع المقام لذكره .

 أمّا البواعث الشّخصيّة :

 فمنها : رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ، ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في نكاح التّفويض بعد الدّخول ، أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم .

 ومنها : الإسراع في الحصول على الحرّيّة ، وذلك كالمكاتب ، إذا أسقط حقّه في الأجل في أداء المال المكاتب ، عليه ، فعجّل أداء النّجوم ( الأقساط ) ، فإنّ السّيّد يلزمه أخذ المال ، لأنّ الأجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ، حتّى لو أبى السّيّد أخذ المال جعله الإمام في بيت المال ، وحكم بعتقه .

 ومنها : الانتفاع المادّيّ ، كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ .

أركان الإسقاط :

9 - ركن الإسقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، ويزاد عليها عند غيرهم : الطّرفان - المسقط وهو صاحب الحقّ ، والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله - والمحلّ وهو الحقّ الّذي يرد عليه الإسقاط . الصّيغة :

10 - ممّا هو معلومٌ أنّ الصّيغة تتكوّن من الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك باتّفاقٍ في الجملة في الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ كالطّلاق على مالٍ .

 وفي غيرها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي .

                              الإيجاب في الصّيغة :

11 - الإيجاب في الصّيغة ، هو ما يدلّ على الإسقاط من قولٍ ، أو ما يؤدّي معنى القول ، من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابةٍ أو فعلٍ أو سكوتٍ . ويلاحظ أنّ الإسقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ خاصّةٍ تعرف بها ، فإسقاط الحقّ عن الرّقّ عتقٌ ، وعن استباحة البضع طلاقٌ ، وعن القصاص عفوٌ ، وعن الدّين إبراءٌ . ولكلّ نوعٍ من هذه الإسقاطات صيغٌ خاصّةٌ سواءٌ أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ . ر : ( طلاقٌ ، عتقٌ ) .

أمّا غير هذه الأنواع من الإسقاطات ، فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يدلّ عليها هو الإسقاط . وما بمعناه . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً متعدّدةً تؤدّي معنى الإسقاط ، وذلك مثل : التّرك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال ، والمدار في ذلك على العرف ودلالة الحال ، ولذلك جعلوا من الألفاظ الّتي تدلّ عليه : الهبة والصّدقة والعطيّة حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التّمليك ، ويكون المقام دالاًّ على الإسقاط ، ففي شرح منتهى الإرادات : من أبرأ من دينه ، أو وهبه لمدينه ، أو أحلّه منه ، أو أسقطه عنه ، أو تركه له ، أو ملّكه له ، أو تصدّق به عليه ، أو عفا عن الدّين ، صحّ ذلك جميعه ، وكان مسقطاً للدّين . وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجودةٌ يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . قال الحارثيّ : ولهذا لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . وكما يحصل الإسقاط بالقول ، فإنّه يحصل بالكتابة المعنونة المرسومة ، وبالإشارة المفهمة من فاقد النّطق .

 كذلك قد يحصل الإسقاط بالسّكوت ، كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ، وسكت مع إمكان الطّلب ، فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة . ويحصل الإسقاط أيضاً نتيجة فعلٍ يصدر من صاحب الحقّ ، كمن يشتري بشرط الخيار ، ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن الخيار ، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر إسقاطاً لحقّه في الخيار .

                                   القبول :

12 - الأصل في الإسقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما دام لم يمسّ حقّ غيره .

 ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ الإسقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ، والّذي لم يقابل بعوضٍ ، يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قولٍ ، أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول الطّرف الآخر ، كالطّلاق ، فلا يحتاج الطّلاق إلى قبولٍ .

13 - ويتّفقون كذلك على أنّ الإسقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف الآخر في الجملة ، كالطّلاق على مالٍ ، لأنّ الإسقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ، فيتوقّف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الآخر ، إذ المعاوضة لا تتمّ إلاّ برضى الطّرفين . وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ، فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } والمراد به الصّلح . ولأنّه حقٌّ ثابتٌ للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً ، فكذا تعويضاً ، لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل ، فيجوز بالتّراضي .

 وما ذهب إليه الحنفيّة هو قولٌ للإمام مالكٍ وبعض أصحابه . وعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ آخر للإمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ، إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ، فله ذلك من غير رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ، إمّا أن يودى ، وإمّا أن يقاد » . وبهذا قال سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطاءٌ ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر .

14 - ويبقى بعد ذلك الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كإبراء المدين من الدّين .

 وهذا النّوع من الإسقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتّمليك . فالحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة وأشهب من المالكيّة ، نظروا إلى جانب الإسقاط فيه ، فلا يتوقّف تمامه عندهم على القبول ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه أو بعضه . ولأنّه إسقاط حقٍّ ليس فيه تمليك مالٍ ، فلم يعتبر فيه القبول ، كالعتق والطّلاق والشّفعة . بل إنّ الخطيب الشّربينيّ قال : لا يشترط القبول على المذهب ، سواءٌ قلنا : الإبراء تمليكٌ أو إسقاطٌ . ويستوي عند هؤلاء الفقهاء التّعبير بالإبراء أو بهبة الدّين للمدين ، إلاّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أنّ التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول . جاء في الفتاوى الهنديّة : هبة الدّين من الكفيل لا تتمّ بدون القبول ، وإبراؤه يتمّ بدون قبولٍ .

15 - ولمّا كان الإبراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ، ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف الإبراء من الدّين على القبول ، فقد علّلوا ذلك بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ، ولكن لأنّ الإبراء فيهما يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه ، فلهذا توقّف على قبول الآخر . والأرجح عند المالكيّة ، وعند بعض الشّافعيّة أنّ إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ، لأنّ الإبراء - على رأيهم - نقلٌ للملك ، فهو تمليك المدين ما في ذمّته ، فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول .

 والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في الإبراء من منّةٍ ، وما قد يصيبهم من ضررٍ بذلك ، لا سيّما من السّفلة ، فكان لهم الرّفض شرعاً ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجةٍ .

ردّ الإسقاط :

16 - لا يختلف الفقهاء في أنّ الإسقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ، والّتي لم تقابل بعوضٍ ، كالعتق والطّلاق والشّفعة والقصاص لا ترتدّ بالرّدّ ، لأنّها لا تفتقر إلى القبول ، وبالإسقاط يسقط الملك والحقّ ، فيتلاشى ولا يؤثّر فيه الرّدّ ، والسّاقط لا يعود كما هو معلومٌ . ولا يختلفون كذلك في أنّ الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ، كالطّلاق والعتق على مالٍ ، ترتدّ بالرّدّ ما لم يسبق قبولٌ أو طلبٌ .

17 - أمّا ما فيه معنى التّمليك كالإبراء من الدّين ، فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ، وهو رأي بعض الشّافعيّة ، أنّه يرتدّ بالرّدّ ، نظراً لجانب التّمليك فيه ، ولما قد يترتّب على عدم قابليّته للرّدّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات .

18 - هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي :

أ - إذا أبرأ المحال المحال عليه فلا يرتدّ بردّه .

ب - إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالأرجح أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، وقيل يرتدّ .

ج - إذا طلب المدين الإبراء فأبرأه الدّائن فلا يرتدّ بالرّدّ .

د - إذا قبل المدين الإبراء ثمّ ردّه لا يرتدّ .

 وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجاً على الأصل الّذي سار عليه الحنفيّة ، ذلك أنّ الحوالة والكفالة من الإسقاطات المحضة ، لأنّ الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ . وأمّا القبول إذا تمّ فلا معنى للرّدّ بعده ، وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولاً .

19 - ومع اتّفاق الحنفيّة على أنّ الإبراء يرتدّ بالرّدّ إلاّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد الرّدّ بمجلس الإبراء وعدم تقييده . قال ابن عابدين : هما قولان . وفي الفتاوى الصّيرفيّة : لو لم يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ، ثمّ بعد أيّامٍ ردّ لا يرتدّ في الصّحيح .

التّعليق والتّقييد والإضافة في الإسقاطات :

20 - التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً ، كإن وإذا ، وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط .

21 - والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالأصل ، وشرط فيه أمرٌ آخر ، ولا يستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً .

22 - أمّا الإضافة فهي وإن كانت لا تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلاّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف .

 وبيان ذلك بالنّسبة للإسقاطات هو :

                    أوّلاً : تعليق الإسقاط على الشّرط :

23 - يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق الإسقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة الإسقاط ) ، لأنّه في حكم المنجز ، كقول الدّائن لغريمه : إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ، وكقول الرّجل لامرأته : أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والأرض تحتنا ، وكمن قال لآخر : باعني فلانٌ دارك بكذا ، فقال : إن كان كذا فقد أجزته ، وإن كان فلانٌ اشترى هذا الشّقص بكذا فقد أسقطت الشّفعة . كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ، ويعتبر وصيّةً ، كقوله لمدينه : إذا متّ فأنت بريءٌ . وهذا فيما عدا من علّق طلاق زوجته على موته ، إذ فيه الاختلاف بين تنجيز الطّلاق وبين عدم وقوعه .

 أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم الإسقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى الآتي :

24 -  أ - إسقاطاتٌ محضةٌ ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ . وهذه يجوز في الجملة تعليقها على الشّرط ، غير أنّ الحنفيّة وضعوا هنا ضابطاً فقالوا : إن كانت الإسقاطات ممّا يحلف بها ، كالطّلاق والعتق ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملائماً أم غير ملائمٍ . وإن كانت ممّا لا يحلف بها ، كالإذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملائم فقط ، وهو ما يؤكّد موجب العقد .

 ويعبّر الحنفيّة أحياناً بالشّرط المتعارف . ويظهر أنّ المراد بهما واحدٌ ، ففي ابن عابدين : وفي البحر عن المعراج : غير الملائم هو ما لا منفعة فيه للطّالب أصلاً ، كدخول الدّار ومجيء الغد ، لأنّه غير متعارفٍ . وفي فتح القدير - بعد الكلام عن اختلاف الرّوايات في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط - قال : وجه اختلاف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان الشّرط محضاً لا منفعة فيه أصلاً ، لأنّه غير متعارفٍ بين النّاس ، كما لا يجوز تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ، فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نفعٌ للطّالب ، وله تعاملٌ ، فتعليق البراءة به صحيحٌ . ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ، والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه يجوز عندهم تعليق الإسقاطات المحضة على الشّرط مطلقاً ، دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما لا يحلف به ، ويدلّ لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو : ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلاًّ محضاً ، يدخله التّعليق قطعاً كالعتق ، وبينهما مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء . وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى . وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ ، ومنها : إذا طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى مكان بعيدٍ ، فقال الأب : إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليك ، لزمها ذلك ، لأنّ للأب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ، فأسقط حقّه بذلك . وإذا قال الشّفيع : إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ تعطيني إيّاه ، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك ، جاز ذلك .

25 -  ب - إسقاطاتٌ فيها معنى المعاوضة ، كالخلع والمكاتبة . وما يلحق بهما من الطّلاق والعتق على مالٍ . فالطّلاق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ، لأنّهما إسقاطٌ محضٌ ، والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات .

 وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ، باعتباره طلاقاً ، ومنعه الحنابلة لمعنى المعاوضة .

 وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ، جاء في قواعد الزّركشيّ : المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصوداً من جانبٍ واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) لا تقبل التّعليق ، إلاّ في الخلع من جانب المرأة .

26 -  ج - الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كالإبراء من الدّين . وقد أجاز تعليقه على الشّرط الحنفيّة والمالكيّة . غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملائم أو المتعارف على ما سبق تفسيره . ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ .

 وقد استثنى الشّافعيّة ثلاث صورٍ يجوز فيها التّعليق ، وهي :

( 1 ) لو قال : إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ .

( 2 ) تعليق الإبراء ضمناً ، كما إذا علّق عتق عبده ، ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ، عتق ، وتضمّن ذلك الإبراء من النّجوم ( أي الأقساط ) .

( 3 ) البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ، وقد سبق بيان ذلك .

ثانياً : تقييد الإسقاط بالشّرط :

27 - يصحّ في الجملة تقييد الإسقاطات بالشّروط ، فإن كان الشّرط صحيحاً لزم ، وإن كان الشّرط فاسداً فلكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسداً من الشّروط وما لا يعتبر ، وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ، أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف . ونترك التّفاصيل لمواضعها . لكنّ الحكم الغالب في الإسقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ، صحّ وبطل الشّرط . ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ، ومن الفروع الّتي أوردها غيرهم ، وفيما يلي بيان ذلك .

 قال الحنفيّة : كلّ ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ، ولا يفسد بالشّرط ، الفاسد . وقالوا أيضاً : ما ليس مبادلة مالٍ بمالٍ لا يفسد بالشّرط الفاسد . وذكر صاحب الدّرّ وابن عابدين التّصرّفات الّتي تصحّ ولا تفسد بالشّرط الفاسد ، ومنها : الطّلاق والخلع والعتق والإيصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والإذن في التّجارة والصّلح عن دم العمد والإبراء عنه . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق أنّ ما يقبل الشّرط والتّعليق : الطّلاق والعتق ، ولا يلزم من قبول التّعليق قبول الشّرط ، ولا من قبول الشّرط قبول التّعليق ، وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب الفقه . ومن الأمثلة الّتي وردت عندهم : لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ، لزم الخلع ، وبطل الشّرط . ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ، فقال ابن كنانة : الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ، وقال ابن القاسم : لا يجوز الصّلح ، وقال المغيرة : الشّرط جائزٌ والصّلح لازمٌ ، وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة .

 ويقول الشّافعيّة : الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ، ومثل ذلك في الإسقاطات الكتابة والخلع . وممّا قاله الحنابلة في ذلك : إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع ولغا الشّرط . وفي المغني : العتق والطّلاق لا تبطلهما الشّروط الفاسدة .

ثالثاً : إضافة الإسقاط إلى الزّمن المستقبل :

28 - من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ، ولا تقبل إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع . ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور أثرها إلاّ في زمنٍ مستقبلٍ ، كالوصيّة . ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزاً ، كالطّلاق تنتهي به الزّوجيّة في الحال ، ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ لا تنتهي الزّوجيّة إلاّ عند حصوله . وإضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهو منجزٌ عند المالكيّة ولو أضافه إلى المستقبل ، لأنّه بهذه الإضافة أشبه بنكاح المتعة . وكذلك العتق فإنّه إسقاطٌ يقبل الإضافة . وممّا ذكره الحنفيّة من الإسقاطات الّتي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبلٍ : الإبراء من الدّين وإسقاط القصاص . والحكم الغالب أنّ الإسقاطات الّتي ليس فيها معنى التّمليك تقبل الإضافة إلى الزّمن المستقبل . هذا في الجملة ، ولكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في كلّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ، وينظر في موضعه .

من يملك الإسقاط ( المسقط ) :

29 - الإسقاط قد يكون من قبل الشّرع أساساً ، كإسقاط العبادات الّتي يكون في مباشرتها مشقّةٌ وحرجٌ على المكلّف ، وكإسقاط العقوبات الّتي ترد عليها شبهةٌ ، وسيأتي بيان ذلك . وقد يكون الإسقاط من قبل العباد نتيجةً لأمر الشّارع ، إمّا على سبيل الوجوب كالعتق في الكفّارات ، وإمّا على سبيل النّدب كإبراء المعسر من الدّين ، وكالعفو عن القصاص .

 وقد يكون الإسقاط من العباد بعضهم لبعضٍ لأسبابٍ خاصّةٍ ، كإسقاط حقّ الشّفعة لعدم الرّغبة في الشّراء . على ما سبق بيانه في الحكم التّكليفيّ .

ما يشترط في المسقط :

30 - الإسقاط من العباد يعتبر من التّصرّفات الّتي يتنازل فيها الإنسان عن حقّه ، فهو في حقيقته تبرّعٌ . ولمّا كان هذا التّصرّف قد يعود على المسقط بالضّرر ، فإنّه يشترط أهليّته للتّبرّع ، وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً . فلا يصحّ الإسقاط من الصّبيّ والمجنون وهذا في الجملة ، لأنّ الحنابلة يقولون بصحّة الخلع من الصّغير الّذي يعقله ، لأنّ فيه تحصيل عوضٍ له . ويشترط كذلك أن يكون غير محجورٍ عليه لسفهٍ أو دينٍ ، وهذا بالنّسبة للتّبرّعات ، لأنّه يجوز أن يطلّق وأن يعفو عن القصاص وأن يخالع ، لكن لا يدفع إليه المال ، ولذلك لا يصحّ الخلع من الزّوجة المحجور عليها لسفهٍ أو صغرٍ ، مع ملاحظة أنّه لا يحجر على السّفيه ، ولا على المدين عند أبي حنيفة . ر : ( حجرٌ ، وسفهٌ ، وأهليّةٌ ) .

ويشترط أيضاً أن يكون ذا إرادةٍ ، فلا يصحّ إسقاط المكره ، إلاّ ما قاله الحنفيّة من صحّة الطّلاق والعتق من المكره . وللفقهاء تفصيلٌ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ . وينظر في ( إكراهٌ ) . ويشترط أن يكون في حال الصّحّة ، إذا كان إسقاطه لكلّ ماله أو أكثر من الثّلث ، فإن كان مريضاً مرض الموت وقت الإسقاط فتصرّفه فيما زاد على الثّلث للأجنبيّ ، أو بأقلّ للوارث ، يتوقّف على إجازة الورثة . ر : ( وصيّةٌ ) .

وإذا كان المريض مديناً والتّركة مستغرقةٌ بالدّيون فلا يصحّ منه الإبراء ، لتعلّق حقّ الغرماء . ويشترط أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلافٌ بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيلٌ موضعه مصطلح ( فضوليٌّ ) .

 وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . وعلى الجملة فإنّه يصحّ التّوكيل بالخلع ، وبالإعتاق على مالٍ ، وبالصّلح على الإنكار ، وفي إبراءٍ من الدّين ولو للوكيل ، إذا عيّنه الموكّل وقال له : أبرئ نفسك . ويراعى في كلّ ذلك ما يشترط في الموكّل والوكيل وما أذن فيه . وينظر تفصيله في ( وكالةٌ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للصّغير والمولّى عليه ، فلا يجوز له التّبرّع ولا إسقاط المهر ولا العفو على غير مالٍ ولا ترك الشّفعة إذا كان في التّرك ضررٌ . وهذا في الجملة ( ر : وصايةٌ ولايةٌ ) .

المسقط عنه :

31 - المسقط عنه هو من كان عليه الحقّ أو تقرّر قبله ، ويشترط فيه أن يكون معلوماً في الجملة . هذا ، وأغلب الإسقاطات يكون المسقط عنه أو له معروفاً ، كما في الشّفعة والقصاص والخيار وما شابه ذلك . وإنّما نتصوّر الجهالة في إبراء المدين وفي الإعتاق والطّلاق وما أشبه ذلك . أمّا الإبراء من الدّين فيشترط فيه أن يكون المبرّأ معلوماً ، وهذا باتّفاقٍ . ولذلك لو قال : أبرأت شخصاً أو رجلاً ممّا لي قبله لا يصحّ . ومثله ما لو قال : أبرأت أحدً غريميّ ، أمّا لو قال : أبرأت أهالي المحلّة الفلانيّة ، وكان أهل تلك المحلّة معيّنين ، وعبارةً عن أشخاصٍ معدودين ، فإنّه يصحّ الإبراء .

 كذلك يشترط أن يكون الإبراء لمن عليه الحقّ ، فلو أبرئ غير من عليه الحقّ لا يصحّ ، ومثال ذلك : إذا أبرئ قاتلٌ من ديةٍ واجبةٍ على عاقلته ، فلا يصحّ الإبراء في ذلك ، لوقوعه على غير من عليه الحقّ . أمّا لو أبرئت عاقلة القاتل ، أو قال المجنيّ عليه : عفوت عن هذه الجناية ، ولم يسمّ المبرّأ من قاتلٍ أو عاقلةٍ صحّ الإبراء ، لانصرافه إلى من عليه الحقّ . ولا يشترط في الإبراء من الدّين أن يكون المبرّأ مقرّاً بالحقّ ، حيث يجوز الإبراء من الإنكار . ومثل ذلك يقال في غير الدّين ممّا يصحّ إسقاطه .

 وأمّا بالنّسبة للطّلاق فإنّه يصحّ مع الإبهام ، لكن لا بدّ من التّعيين ، فمن قال لزوجتيه : إحداكما طالقٌ ، فإنّ الطّلاق يقع ، ولكنّه يلزم بتعيين المطلّقة . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة فالمشهور أنّهما تطلقان ، وهو قول المصريّين ، وقال المدنيّون : يختار واحدةً للطّلاق . وعند الحنابلة : يقرع بينهما إن لم يكن نوى واحدةً بعينها .

محلّ الإسقاط :

32 - المحلّ الّذي يجري عليه التّصرّف يسمّى حقّاً ، وهو بهذا الإطلاق العامّ يشمل الأعيان ، ومنافعها ، والدّيون ، والحقوق المطلقة . وكلّ من ملك حقّاً من هذه الحقوق - بهذا الإطلاق العامّ - يصبح له بحكم الملك ولاية التّصرّف فيه باختياره ، ليس لأحدٍ ولاية الجبر عليه إلاّ لضرورةٍ أو لمصلحةٍ عامّةٍ ، ولا لأحدٍ ولاية المنع عنه إلاّ إذا تعلّق به حقّ الغير ، فيمنع عن التّصرّف من غير رضى صاحب الحقّ .

 والإسقاط من هذه التّصرّفات ، إلاّ أنّه ليس كلّ محلٍّ قابلاً للإسقاط ، بل منه ما يقبل الإسقاط لتوفّر شروطه ، ومنه ما لا يقبله لعدم تحقّق شروطه ، ككونه مجهولاً ، أو تعلّق به حقٌّ للغير وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي :

                              ما يقبل الإسقاط

                               أوّلاً - الدّين :

33 - يصحّ باتّفاقٍ إسقاط الدّين الثّابت في الذّمّة ، لأنّه حقٌّ ، والحقوق تسقط بالإسقاط ، فكلّ من ثبت له دينٌ على غيره ، سواءٌ أكان ثمن مبيعٍ ، أم كان مسلماً فيه ، أم نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ، أم غير ذلك ، فإنّه يجوز له إسقاطه . وسواءٌ أكان الإسقاط خاصّاً بدينٍ أم عامّاً لكلّ الدّين ، وسواءٌ أكان مطلقاً أم معلّقاً أم مقيّداً بشرطٍ على ما سبق بيانه . وكما يجوز الإبراء عن كلّ الدّين فإنّه يجوز الإبراء عن بعضه .

 وكما يصحّ إسقاط الدّين بدون عوضٍ ، يصحّ إسقاطه نظير عوضٍ ، مع الاختلاف في الصّورة أو الكيفيّة الّتي يتمّ بها ذلك ، ومن هذه الصّور :

أ - أن يعطي المدين الدّائن ثوباً في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له نظير الإبراء ويبرّأ المدين ، وذلك كما يقول الشّافعيّة .

ب - يقول الحنابلة : من وجبت عليه نفقة امرأته ، وكان له عليها دينٌ ، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، فإن كانت موسرةً فله ذلك ، لأنّ من عليه حقٌّ فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء ، وهذا من ماله .

 ويظهر أنّ هذه الصّورة تعتبر من قبيل المقاصّة ، والمقاصّة بالتّراضي تعتبر إسقاطاً بعوضٍ من الجانبين . مع مراعاة شروطها من اتّحاد الدّين قدراً ووصفاً وغير ذلك من الشّروط .

ت - كذلك يأتي إسقاط الدّين نظير عوض صورة الصّلح . وقد قسّم القرافيّ الإسقاط إلى قسمين : بعوضٍ وبغيره ، وجعل من الإسقاط بعوضٍ الصّلح عن الدّين .

ث - في حاشية ابن عابدين : إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ، صحّ الإبراء ، ويكون بعوضٍ ، وهو أنّه ملّكها نفسها .

ج - وقد يأتي إسقاط الدّين بعوضٍ في صور التّعليق ، كمن قال لغيره : إن أعطيتني سيّارتك أسقطت عنك الدّين الّذي لي عليك .

ح - والإبراء أيضاً في صورة الخلع يعتبر من قبيل العوض .

ثانياً : العين

34 - الأصل أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، على ما سيأتي بيانه فيما لا يقبل الإسقاط ، إلاّ أنّ بعض التّصرّفات تعتبر إسقاطاً للملك . وذلك كالعتق ، فإنّه يعتبر إسقاطاً لملك الرّقبة وهي عينٌ . والعتق مشروعٌ بل مندوبٌ إليه شرعاً ، وقد يكون واجباً كما في الكفّارات .

 كذلك الوقف يعتبر إسقاطاً للملك عند بعض الفقهاء ، ففي قواعد المقري : وقف المساجد إسقاط ملكٍ إجماعاً ، وفي غيرها قولان .

 وقد يأتي إسقاط العين نظير عوضٍ عمّن عقد الصّلح ، والصّلح جائزٌ شرعاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائزٌ بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً » . وسواءٌ أكان عن إقرارٍ ، أم عن إنكارٍ ، أم سكوتٍ ، فإن كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ فهو في حقّ المدّعي معاوضة حقّه في زعمه ، وهذا مشروعٌ ، في حقّ المدّعى عليه افتداء اليمين ودفع الخصومة وهذا مشروعٌ . بل إنّ بعض الحنابلة أجاز الصّلح عمّا تعذّر علمه من دينٍ أو عينٍ بمالٍ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .

 ويلاحظ أنّ الشّافعيّة لا يجيزون الصّلح عن إنكارٍ . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ اعتبر كالبيع ، إن كان مبادلة مالٍ بمالٍ ، أو كالإجارة إن كان مبادلة مالٍ بمنفعةٍ ، أو كالهبة إن كان على ترك بعض العين . ويعتبر في كلّ حالٍ شروطها . وينظر تفصيل ذلك في ( صلحٌ ) .

ثالثاً : المنفعة :

35 - المنافع حقوقٌ تثبت لمستحقّيها ، سواءٌ أكانت نتيجة ملك العين المنتفع بها ، أم كانت نتيجة ملك المنفعة دون الرّقبة ( أي العين ) بمقتضى عقدٍ ، كالإجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ، أو بغير عقدٍ ، كتحجير الموات لإحيائه ، والاختصاص بمقاعد الأسواق ، وما شابه ذلك . والأصل في المنافع أنّها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحقّ منفعتها ، إذ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما لم يكن هناك مانعٌ من ذلك . وهذا باتّفاقٍ . وصور ذلك كثيرةٌ في مسائل الفقه ومن أمثلتها :

أ - من أوصى لرجلٍ بسكنى داره ، فمات الموصي ، وباع الوارث الدّار ، ورضي به الموصى له ، جاز البيع وبطلت سكناه .

ب - من وصّى بعين دار لزيدٍ ، وبالمنفعة لعمرٍو ، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه ، سقط بالإسقاط .

ج - من كان له مسيل ماءٍ في دار غيره ، فقال : أبطلت حقّي في المسيل ، فإن كان له حقّ إجراء الماء دون الرّقبة بطل حقّه قياساً على حقّ السّكنى .

د - يجوز إسقاط الحقّ في الانتفاع ببيوت المدارس الموقوفة على الوجه الّذي أسقطه صاحبه .

 فإن أسقطه مدّةً مخصوصةً رجع إليه بعد انتهائها ، وإن أطلق في الإسقاط فلا يعود له .

هـ-  أماكن الجلوس في المساجد والأسواق يجوز إسقاط الحقّ فيها .

 هذا بالنّسبة لإسقاط الحقّ في المنافع بدون عوضٍ .

36 - أمّا إسقاطه بعوضٍ ، فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ، فإنّ الأصل أنّ كلّ من ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ، ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليه . وعلى ذلك فكلّ من ملك المنفعة ، سواءٌ أكان مالكاً للرّقبة ، أم مالكاً للمنفعة دون الرّقبة ، فإنّه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنه وهذا عند الجمهور . أمّا الحنفيّة ، فإنّ الاعتياض عن المنافع عندهم لا يجوز إلاّ لمالك الرّقبة والمنفعة ، أو لمالك المنفعة بعوضٍ . والمنافع ليست بأموالٍ عندهم . وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصحّ ، وإنّما يجوز تبعاً .

 وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ، ارتفاقٌ ، إعارةٌ ، وصيّةٌ ، وقفٌ ) .

37 - ومن الأمثلة على إسقاط الحقّ في المنافع بعوضٍ : ما لو صالح الورثة من أوصى له مورّثهم بسكنى دارٍ معيّنةٍ من التّركة بدراهم مسمّاةٍ جاز ذلك صلحاً ، لأنّه إسقاط حقٍّ ، ومثل ذلك ما لو أنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم أو بمنفعة عينٍ أخرى لتسلّم الدّار له جاز .

رابعاً : الحقّ المطلق :

38 - ينقسم الحقّ بحسب من يضاف إليه إلى الآتي :

  • --حقٌّ خالصٌ للّه سبحانه وتعالى ، وهو كلّ ما يتعلّق به النّفع العامّ ، أو هو امتثال أوامره ونواهيه .

- وحقٌّ خالصٌ للعباد ، وهو مصالحهم المقرّرة بمقتضى الشّريعة .

- وما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، كحدّ القذف والتّعزير .

 والأصل أنّ الحقّ للّه سبحانه وتعالى ، لأنّه ما من حقٍّ للعبد إلاّ وفيه حقٌّ للّه تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه . وإفراد نوعٍ من الحقوق بجعله حقّاً للعبد فقط ، إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ، فكلّ واحدٍ من الحقّين ( حقّ اللّه وحقّ العبد ) موكولٌ لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتاً وإسقاطاً . وبيان ذلك فيما يأتي :                                حقّ اللّه سبحانه وتعالى :

39 - ذكر حقّ اللّه هنا فيما يقبل الإسقاط إنّما هو باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشّارع ، أمّا من قبل العباد فلا يجوز على ما سيأتي .

 وحقوق اللّه : إمّا عباداتٌ محضةٌ ماليّةٌ كالزّكاة ، أو بدنيّةٌ كالصّلاة ، أو جامعةٌ للبدن والمال كالحجّ . وإمّا عقوباتٌ محضةٌ كالحدود . وإمّا كفّاراتٌ وهي متردّدةٌ بين العقوبة والعبادة . ويقول الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبنيّةٌ على المسامحة ، بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضررٌ في شيءٍ ، ومن ثمّ قبل الرّجوع عن الإقرار بالزّنى فيسقط الحدّ ، بخلاف حقّ الآدميّين فإنّهم يتضرّرون . وبإيجازٍ نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حقّ اللّه كما اعتبرها الشّارع :

40 -حقوق اللّه سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في الجملة للأسباب الّتي يعتبرها الشّرع مؤدّيةً إلى ذلك ، تفضّلاً منه ، ورحمةً بالعباد ، ورفعاً للحرج والمشقّة عنهم ، كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ، وكإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين ، لما ينالهم من مشقّةٍ . وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ، وبيّنوا لكلّ عبادةٍ مرتبةً معيّنةً من مشاقّها المؤثّرة في إسقاطها ، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة : المشقّة تجلب التّيسير ، أخذاً من قوله تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } .

 والحكم المبنيّ على الأعذار يسمّى رخصةً . ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاطٍ ، كإسقاط الصّلاة عن الحائض والنّفساء ، وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي لا يقوى عليه . وصلاة المسافر قصراً فرضٌ عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للمالكيّة ، وتعتبر رخصة إسقاطٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . وجه الاستدلال : أنّ التّصدّق بما لا يحتمل التّمليك إسقاطٌ لا يحتمل الرّدّ ، وإن كان ممّن لا يلزم طاعته كوليّ القصاص ، فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى .

 والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ قصر الصّلاة سنّةٌ للتّرفيه عن العبد . كذلك يسقط فرض الكفاية عمّن لم يقم به ، إذا قام به غيره ، بل إنّ القرافيّ يقول : يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل ، لا وقوعه تحقيقاً .

 ومن ذلك أيضاً إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة ، كأكل المضطرّ للميتة ، وإساغة اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ، وإباحة نظر العورة للطّبيب . ويسري هذا الحكم على المعاملات ، فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعاً في الجملة ، وذلك كما في السّلم ، لقول الرّاوي : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » . وأنّ الأصل في البيع أن يلاقي عيناً ، وهذا حكمٌ مشروعٌ ، لكنّه سقط في السّلم . ومن التّخفيف : مشروعيّة الطّلاق ، لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء ، ومشروعيّة الكتابة ليتخلّص العبد من دوام الرّقّ . وكلّ ذلك مفصّلٌ في أبوابه الخاصّة من كتب الفقه ، وفي بابي : الرّخصة والأهليّة من كتب الأصول .

 حقوق العباد :

41 - المقصود بحقوق العباد هنا ، ما عدا الأعيان والمنافع والدّيون ، وذلك لحقّ الشّفعة والقصاص والخيار . والأصل أنّ كلّ من له حقٌّ إذا أسقطه - وهو من أهل الإسقاط ، والمحلّ قابلٌ للسّقوط - سقط . فالشّفيع له حقّ الأخذ بالشّفعة بعد البيع ، فإذا أسقط هذا الحقّ وترك الأخذ بالشّفعة سقط حقّه ، ووليّ الدّم في القتل العمد له حقّ القصاص ، فإذا عفا وأسقط هذا الحقّ كان له ذلك ، والغانم قبل القسمة له حقّ التّملّك ، ويجوز له إسقاط هذا الحقّ ، وإذا ثبت حقّ الخيار للبائع أو للمشتري كان لمن ثبت له منهما هذا الحقّ أن يسقطه . وهكذا متى ثبت لإنسانٍ حقٌّ ، وهو جائز التّصرّف ، كان من حقّه إسقاطه ، إلاّ لمانعٍ من ذلك كما سيأتي ، وهذا باتّفاقٍ .

 هذا بالنّسبة لإسقاط الحقوق بدون عوضٍ ، أمّا إسقاطها نظير عوضٍ فبيانه كالآتي :

42 - فرّق الكثير من فقهاء الحنفيّة بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز بقاعدةٍ هي : أنّ الحقّ إذا كان مجرّداً عن الملك فإنّه لا يجوز الاعتياض عنه ، وإن كان حقّاً متقرّراً في المحلّ الّذي تعلّق به صحّ الاعتياض عنه . وفرّق البعض الآخر من الحنفيّة بقاعدةٍ أخرى هي : أنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فلا يجوز الاعتياض عنه ، وإذا كانت ثبت على وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتاً له أصالةً ، فيصحّ الاعتياض عنه .

 ومن يرجع إلى الأمثلة الّتي أوردوها يتبيّن له أنّه لا يكاد يوجد فرقٌ بين القاعدتين ، ففي الأشباه لابن نجيمٍ : الحقوق المجرّدة لا يجوز الاعتياض عنها ، كحقّ الشّفعة ، فلو صالح عنه بمالٍ بطلت ورجع به ، ولو صالح المخيّرة بمالٍ لتختاره بطل ولا شيء لها ، ولو صالح إحدى زوجتيه بمالٍ لتترك نوبتها لم يلزم ، ولا شيء لها . هكذا ذكروه في الشّفعة . وخرج عنها حقّ القصاص وملك النّكاح ، وحقّ الرّقّ ، فإنّه يجوز الاعتياض عنها .

 والكفيل بالنّفس إذا صالح المكفول له بمالٍ لم يصحّ ولم يجب ، وفي بطلانها روايتان .

 وفي حاشية ابن عابدين : لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجرّدة كحقّ الشّفعة ، ثمّ أورد نفس الأمثلة الّتي جاءت في الأشباه ، ثمّ قال : وعدم جواز الصّلح عن حقّ الشّفعة وحقّ القسم للزّوجة وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة إنّما هو لدفع الضّرر عن الشّفيع والمرأة ، وما ثبت لذلك لا يصحّ الصّلح عنه ، لأنّ صاحب الحقّ لمّا رضي علم أنّه لا يتضرّر بذلك ، فلا يستحقّ شيئاً . أمّا حقّ القصاص وملك النّكاح وحقّ الرّقّ فقد ثبت على وجه البرّ والصّلة ، فهو ثابتٌ له أصالةً ، لا على وجه رفع الضّرر عن صاحبه . وسار صاحب البدائع على أنّ الحقّ الّذي يجوز الاعتياض عنه ، هو الحقّ الثّابت في المحلّ أصالةً .

 أمّا الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فلم نعثر لهم على قاعدةٍ يمكن الاستناد إليها في معرفة الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها والّتي لا يجوز ، وإنّما يعرف ذلك بالرّجوع إلى المسائل في أماكنها من أبواب الفقه ، كالحضانة والشّفعة والخيار في العقود وما شابه ذلك ، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الأمثلة . والجمهور أحياناً مع الحنفيّة في بعض المسائل ، مع اتّفاقهم في سبب الاعتياض ، وأحياناً يختلفون عنهم . وسيظهر ذلك من الأمثلة .

أ - الاعتياض عن حقّ الشّفعة ، هو غير جائزٍ عند الحنفيّة كما سبق ، ويوافقهم في الحكم وفي العلّة الشّافعيّة والحنابلة . في حين أجاز الاعتياض عنها المالكيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : إذا كان الاعتياض ، من المشتري لا من غيره .

ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ .

ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة .

ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء .

ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ .

ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه .

خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن .

د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه .

ما لا يقبل الإسقاط :

أ - العين :

43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون .

 ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه .

44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ .

 وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة .

 ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره .

ب - الحقّ :

ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما .

                 ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى :

45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم .

46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ .

47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه .

48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ .

 والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام .

 وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه .

 وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام .

49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ .

وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك :

                                 الولاية على الصّغير :

50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط .

 أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل .

 وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) .

السّكنى في بيت العدّة :

51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » .

 وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) .

خيار الرّؤية :

52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار .

 ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) .

حقّ الرّجوع في الهبة :

53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل .

وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) .

ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :

سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته .

                            ما يتعلّق به حقّ الغير :

54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :

                              حقّ الحضانة :

55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود .

 وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) .

نسب الصّغير :

56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك .

 ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها .

عزل الوكيل :

57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون .

 وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) .

تصرّف المفلس :

58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) .

إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب :

59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ .

60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب .

 فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه .

 وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه .

 جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها .

إسقاط المجهول :

61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟

 فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .

 وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به .

 ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين :

 الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة .

62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء .

 والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان :

 أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه .

 هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته .

63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " .

 كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف .

 وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه .

تجزّؤ الإسقاط :

64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ .

 وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً .

 وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ .

 والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه .

السّاقط لا يعود :

65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ .

 والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد .

 وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) .

 وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة .

 ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها .

أثر الإسقاط :

66 - يترتّب على الإسقاط آثارٌ تختلف باختلاف ما يرد عليه . ومن ذلك :

( 1 ) إسقاط رجلٍ الانتقاع بالبضع بالطّلاق ، ويترتّب عليه آثارٌ متعدّدةٌ ، كالعدّة والنّفقة والسّكنى وجواز الرّجعة ، إن كان الطّلاق رجعيّاً ، وعدم جواز ذلك إن كان بائناً ، وغير ذلك من الآثار . ر : ( طلاقٌ ) .

( 2 ) الإعتاق وهو : إزالة الرّقّ عن المملوك وإثبات الحرّيّة له ، يترتّب عليه ملكه لماله وكسبه ، وإطلاق يده في التّصرّفات ، وإثبات حقّ الولاء للمعتق ، وما شابه ذلك من الأحكام . ر : ( عتقٌ ) .

( 3 ) قد يترتّب على الإسقاط إثبات حقوقٍ تتعلّق بالمحلّ ، كإسقاط حقّ الشّفعة ، يترتّب عليه استقرار الملك للمشتري ، وإسقاط حقّ الخيار في البيع يترتّب عليه لزوم البيع ، لأنّ الملك الثّابت بالبيع قبل الاختيار ملكٌ غير لازمٍ . وإجازة بيع الفضوليّ يترتّب عليها لزوم البيع الموقوف وينظر تفصيل ذلك في : ( بيعٌ - خيارٌ - شفعةٌ - فضوليٌّ ) .

( 4 ) ومن الآثار ما يرد تحت قاعدة : الفرع يسقط بسقوط الأصل ، كما إذا أبرئ المضمون أو المكفول عن الدّين برّئ الضّامن والكفيل ، لأنّ الضّامن والكفيل فرعٌ ، فإذا سقط الأصل سقط الفرع ولا عكس ، فلو أبرئ الضّامن لم يبرّأ الأصيل ، لأنّه إسقاط وثيقةٍ فلا يسقط بها الدّين . ر : ( كفالةٌ - ضمانٌ ) .

( 5 ) وقد يترتّب على الإسقاط الحصول على حقٍّ كان صاحبه ممنوعاً منه ، لتعلّق حقّ الغير ، وذلك مثل صحّة تصرّف الرّاهن في المرهون ، بنحو وقفٍ أو هبةٍ ، إذا أذن المرتهن ، لأنّ منعه كان لتعلّق حقّ المرتهن به ، وقد أسقطه بإذنه .

( 6 ) الغريم إذا وجد عين ماله عند المفلس كان له حقّ الرّجوع فيه بشروطٍ منها : ألاّ يتعلّق بالعين حقٌّ للغير كشفعةٍ ورهنٍ . فإذا أسقط أصحاب الحقوق حقوقهم ، بأن أسقط الشّفيع شفعته ، أو أسقط المرتهن حقّه في الرّهن فلربّ العين أخذها .

( 7 ) إذا أجّل البائع الثّمن بعد العقد سقط حقّ الحبس على ما جاء في البدائع ، لأنّه أخّر حقّ نفسه في قبض الثّمن ، فلا يتأخّر حقّ المشتري في قبض المبيع ، وكذا لو أبرأ البائع المشتري من الثّمن بطل حقّ الحبس .

( 8 ) لو أجّلت الزّوجة المهر لوقتٍ معلومٍ ، فليس لها أن تمنع نفسها ، لأنّ المرأة بالتّأجيل رضيت بإسقاط حقّ نفسها ، فلا يسقط حقّ الزّوج . وهذا في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وقال أبو يوسف : لها أن تمنع نفسها ، لأنّ من حكم المهر أن يتقدّم تسليمه على تسليم النّفس ، فلمّا قبل الزّوج التّأجيل كان ذلك رضاً بتأخير حقّ نفسها في القبض ، بخلاف البائع .

 ومن ذلك أيضاً الوصيّة فيما زاد على الثّلث بإجازة الورثة . وينظر تفصيل كلّ ذلك في : ( إفلاسٌ - بيعٌ - حبسٌ - رهنٌ ) .

( 9 ) إسقاط الشّارع العبادات بسبب الأعذار قد يسقط الطّلب بها بعد ذلك ، فلا يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للشّيخ الكبير الّذي لا يقدر عليه . وقد يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للحائض والمسافر .

( 10 ) الإبراء من الدّين أو من الحقّ يترتّب عليه براءة ذمّة المبرّأ متى استوفى الإبراء شروطه . وسواءٌ أكان عن حقٍّ خاصٍّ أم حقٍّ عامٍّ ، بحسب ما يرد في صيغة المبرّئ . ويترتّب كذلك سقوط حقّ المطالبة ، فلا تسمع الدّعوى فيما تناوله الإبراء إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده . ولا تقبل الدّعوى بعد ذلك بحجّة الجهل أو النّسيان .

 إلاّ أنّ المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن الإبراء مع الصّلح . فإذا كان الإبراء مع الصّلح ، أو وقع بعد الصّلح إبراءٌ عامٌّ ، ثمّ ظهر خلافه فله نقضه ، لأنّه إبراءٌ على دوام صفة الصّلح لا إبراءٌ مطلقٌ ، إلاّ إذا التزم في الصّلح عدم القيام عليه ولو ببيّنةٍ فلا تسمع الدّعوى .

 هذا ، مع استثناء الحنفيّة من الإبراء بعض المسائل ، كضمان الدّرك ( استحقاق المبيع ) ، وكدعوى الوكالة والوصاية ، وكادّعاء الوارث ديناً للميّت على رجلٍ ، وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ينظر في ( إبراءٌ - دعوى ) .

( 11 ) الإبراء العامّ يمنع الدّعوى بالحقّ قضاءً لا ديانةً ، إن كان بحيث لو علم بماله من الحقّ لم يبرّئه ، كما في الفتاوى الولوالجية . لكن في خزانة الفتاوى : الفتوى على أنّه يبرّأ قضاءً وديانةً وإن لم يعلم به .

 وعند الشّافعيّة : لو أبرأه في الدّنيا دون الآخرة برّئ فيهما ، لأنّ أحكام الآخرة مبنيّةٌ على أحكام الدّنيا ، وهو أحد قولين عند المالكيّة ، ذكرهما القرطبيّ في شرح مسلمٍ .

بطلان الإسقاط :

67 - للإسقاط أركانٌ ، ولكلّ ركنٍ شروطه الخاصّة ، فإذا لم يتحقّق شرطٌ من الشّروط الّتي سبق بيانها بطل الإسقاط ، أي بطل حكمه ، فلا ينفذ . ومن أمثلة ذلك : أنّه يشترط في المسقط أن يكون بالغاً عاقلاً ، فإذا كان المتصرّف بالإسقاط صبيّاً أو مجنوناً فلا يصحّ الإسقاط ولا ينفذ . ولو كان التّصرّف بالإسقاط منافياً للمشروع ، فإنّه يكون تصرّفاً باطلاً ولا يسقط بالإسقاط ، كإسقاط الولاية ، أو إسقاط حدٍّ من حدود اللّه . وكذلك الإسقاط لا يرد على الأعيان ، ويعتبر إسقاطها باطلاً . ولذلك خرّجه الفقهاء على إسقاط الضّمان .

 وقد يقع الإسقاط صحيحاً ، لكن يبطل إذا ردّه المسقط عنه ، عند من يقول أنّه يرتدّ بالرّدّ كالحنفيّة . في قاعدةٍ ذكرها الحنفيّة هي : أنّه إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، قلو أبرأه ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء . وأغلب هذه المسائل وردت فيما سبق في البحث .

الموسوعة الفقهية الجزء الرابع

 

 

إسقاطٌ *

التعريف :

1 - من معاني الإسقاط لغةً : الإيقاع والإلقاء ، يقال : سقط اسمه من الدّيوان : إذا وقع ، وأسقطت الحامل : ألقت الجنين ، وقول الفقهاء : سقط الفرض ، أي سقط طلبه والأمر به . وفي اصطلاح الفقهاء : هو إزالة الملك ، أو الحقّ ، لا إلى مالكٍ ولا إلى مستحقٍّ ، وتسقط بذلك المطالبة به ، لأنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ولا ينتقل ، وذلك كالطّلاق والعتق والعفو عن القصاص والإبراء من الدّين ، وبمعنى الإسقاط : الحطّ ، إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه . ويستعمله الفقهاء أيضاً في إسقاط الحامل الجنين . وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) .

 الألفاظ ذات الصّلة :

أ - الإبراء :

2 - الإبراء عند الفقهاء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وهذا عند من يعتبر الإبراء من الدّين إسقاطاً محضاً ، أمّا من يعتبره تمليكاً فيقول : هو تمليك المدين ما في ذمّته . وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال : هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ، إسقاطٌ في حقّ المدين ، وهذا بالنّظر لبراءة الإسقاط لا لبراءة الاستيفاء .

 ويلاحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاطٌ . وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ . غير أنّ ابن عبد السّلام من المالكيّة يعتبر الإبراء أعمّ من جهةٍ أخرى ، إذ يقول : الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه ، لأنّه يكون في المعيّن وغيره .

ب - الصّلح :

3 - الصّلح اسمٌ بمعنى : المصالحة والتّوفيق والسّلم .

 وشرعاً : عقدٌ يقتضي قطع النّزاع والخصومة . ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ، سواءٌ أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكوتٍ . فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضةٌ ، وليس إسقاطاً ، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ .

ج - المقاصّة :

4 - يقال تقاصّ القوم : إذا قاصّ كلٌّ منهم صاحبه في الحساب ، فحبس عنه مثل ما كان له عليه . والمقاصّة نوعٌ من الإسقاط ، إذ هي إسقاط ما للإنسان من دينٍ على غريمه في مثل ما عليه . فهي إسقاطٌ بعوضٍ ، في حين أنّ الإسقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وبذلك تكون المقاصّة أخصّ من الإسقاط . ولها شروطٌ تنظر في موضعها .

د - العفو :

5 - من معاني العفو : المحو والإسقاط وترك المطالبة ، يقال : عفوت عن فلانٍ إذا تركت مطالبته بما عليه من الحقّ ، ومنه قوله تعالى : { والعافين عن النّاس } . أي التّاركين مظالمهم عندهم لا يطالبونهم بها . فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للإسقاط في المعنى ، إلاّ أنّ العفو على إطلاقه أعمّ لتعدّد استعمالاته .

هـ - التّمليك :

6 - التّمليك : نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ، سواءٌ أكان المنقول عيناً كما في البيع ، أم منفعةً كما في الإجارة ، وسواءٌ أكان بعوضٍ كما سبق ، أم بدونه كالهبة . والتّمليك بعمومه يفارق الإسقاط بعمومه ، إذ التّمليك إزالةٌ ونقلٌ إلى مالكٍ ، في حين أنّ الإسقاط إزالةٌ وليس نقلاً ، كما أنّه ليس إلى مالكٍ ، لكنّهما قد يجتمعان في الإبراء من الدّين ، عند من يعتبره تمليكاً ، كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ، ولذلك يشترطون فيه القبول .

صفة الإسقاط : حكمه التّكليفيّ :

7 - الإسقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ، إذ هو تصرّف الإنسان في خالص حقّه ، دون أن يمسّ ذلك حقّاً لغيره . والأصل فيه الإباحة ، وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى . فيكون واجباً ، كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ، إذا كان الحظّ في تركها ، لأنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظٌّ وغبطةٌ له . وكالطّلاق الّذي يراه الحكمان إذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ، وكذلك طلاق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها .

 ويكون مندوباً إذا كان قربةً ، كالعفو عن القصاص ، وإبراء المعسر ، والعتق ، والكتابة . ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى : { والجروح قصاصٌ ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } . فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص .. وفي إبراء المدين قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ : ندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصّدقة على المعسر ، وجعل ذلك خيراً من إنظاره . ، ولذلك يقول الفقهاء : إنّ المندوب هنا وهو الإبراء أفضل من الواجب وهو الإنظار . وقد يكون حراماً ، كطلاق البدعة ، وهو طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حملٍ ، وكذلك عفو وليّ الصّغير عن القصاص مجّاناً .

 وقد يكون مكروهاً ، كالطّلاق بدون سببٍ يستدعيه ،

 لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » .

الباعث على الإسقاط :

8 - تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه لا تأتي عفواً ، بل تكون لها بواعث ، قد تكون شرعيّةً ، فيكون التّصرّف استجابةً لأوامر الشّرع ، وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ . والإسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ .

 فمن البواعث الشّرعيّة :

 العمل على حرّيّة الإنسان الّتي هي الأصل لكلّ النّاس ، وذلك العتق الّذي حثّ عليه الإسلام . ومنها : الإبقاء على الحياة ، وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ .

ومنها : معاونة المعسرين ، وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ، وقد سبق ذكر النّصوص الدّالّة على مشروعيّة ذلك .

 ومنها : إرادة نفع الجار ، كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع المقام لذكره .

 أمّا البواعث الشّخصيّة :

 فمنها : رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ، ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في نكاح التّفويض بعد الدّخول ، أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم .

 ومنها : الإسراع في الحصول على الحرّيّة ، وذلك كالمكاتب ، إذا أسقط حقّه في الأجل في أداء المال المكاتب ، عليه ، فعجّل أداء النّجوم ( الأقساط ) ، فإنّ السّيّد يلزمه أخذ المال ، لأنّ الأجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ، حتّى لو أبى السّيّد أخذ المال جعله الإمام في بيت المال ، وحكم بعتقه .

 ومنها : الانتفاع المادّيّ ، كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ .

أركان الإسقاط :

9 - ركن الإسقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، ويزاد عليها عند غيرهم : الطّرفان - المسقط وهو صاحب الحقّ ، والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله - والمحلّ وهو الحقّ الّذي يرد عليه الإسقاط . الصّيغة :

10 - ممّا هو معلومٌ أنّ الصّيغة تتكوّن من الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك باتّفاقٍ في الجملة في الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ كالطّلاق على مالٍ .

 وفي غيرها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي .

                              الإيجاب في الصّيغة :

11 - الإيجاب في الصّيغة ، هو ما يدلّ على الإسقاط من قولٍ ، أو ما يؤدّي معنى القول ، من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابةٍ أو فعلٍ أو سكوتٍ . ويلاحظ أنّ الإسقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ خاصّةٍ تعرف بها ، فإسقاط الحقّ عن الرّقّ عتقٌ ، وعن استباحة البضع طلاقٌ ، وعن القصاص عفوٌ ، وعن الدّين إبراءٌ . ولكلّ نوعٍ من هذه الإسقاطات صيغٌ خاصّةٌ سواءٌ أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ . ر : ( طلاقٌ ، عتقٌ ) .

أمّا غير هذه الأنواع من الإسقاطات ، فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يدلّ عليها هو الإسقاط . وما بمعناه . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً متعدّدةً تؤدّي معنى الإسقاط ، وذلك مثل : التّرك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال ، والمدار في ذلك على العرف ودلالة الحال ، ولذلك جعلوا من الألفاظ الّتي تدلّ عليه : الهبة والصّدقة والعطيّة حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التّمليك ، ويكون المقام دالاًّ على الإسقاط ، ففي شرح منتهى الإرادات : من أبرأ من دينه ، أو وهبه لمدينه ، أو أحلّه منه ، أو أسقطه عنه ، أو تركه له ، أو ملّكه له ، أو تصدّق به عليه ، أو عفا عن الدّين ، صحّ ذلك جميعه ، وكان مسقطاً للدّين . وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجودةٌ يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . قال الحارثيّ : ولهذا لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . وكما يحصل الإسقاط بالقول ، فإنّه يحصل بالكتابة المعنونة المرسومة ، وبالإشارة المفهمة من فاقد النّطق .

 كذلك قد يحصل الإسقاط بالسّكوت ، كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ، وسكت مع إمكان الطّلب ، فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة . ويحصل الإسقاط أيضاً نتيجة فعلٍ يصدر من صاحب الحقّ ، كمن يشتري بشرط الخيار ، ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن الخيار ، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر إسقاطاً لحقّه في الخيار .

                                   القبول :

12 - الأصل في الإسقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما دام لم يمسّ حقّ غيره .

 ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ الإسقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ، والّذي لم يقابل بعوضٍ ، يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قولٍ ، أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول الطّرف الآخر ، كالطّلاق ، فلا يحتاج الطّلاق إلى قبولٍ .

13 - ويتّفقون كذلك على أنّ الإسقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف الآخر في الجملة ، كالطّلاق على مالٍ ، لأنّ الإسقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ، فيتوقّف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الآخر ، إذ المعاوضة لا تتمّ إلاّ برضى الطّرفين . وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ، فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } والمراد به الصّلح . ولأنّه حقٌّ ثابتٌ للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً ، فكذا تعويضاً ، لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل ، فيجوز بالتّراضي .

 وما ذهب إليه الحنفيّة هو قولٌ للإمام مالكٍ وبعض أصحابه . وعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ آخر للإمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ، إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ، فله ذلك من غير رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ، إمّا أن يودى ، وإمّا أن يقاد » . وبهذا قال سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطاءٌ ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر .

14 - ويبقى بعد ذلك الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كإبراء المدين من الدّين .

 وهذا النّوع من الإسقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتّمليك . فالحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة وأشهب من المالكيّة ، نظروا إلى جانب الإسقاط فيه ، فلا يتوقّف تمامه عندهم على القبول ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه أو بعضه . ولأنّه إسقاط حقٍّ ليس فيه تمليك مالٍ ، فلم يعتبر فيه القبول ، كالعتق والطّلاق والشّفعة . بل إنّ الخطيب الشّربينيّ قال : لا يشترط القبول على المذهب ، سواءٌ قلنا : الإبراء تمليكٌ أو إسقاطٌ . ويستوي عند هؤلاء الفقهاء التّعبير بالإبراء أو بهبة الدّين للمدين ، إلاّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أنّ التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول . جاء في الفتاوى الهنديّة : هبة الدّين من الكفيل لا تتمّ بدون القبول ، وإبراؤه يتمّ بدون قبولٍ .

15 - ولمّا كان الإبراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ، ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف الإبراء من الدّين على القبول ، فقد علّلوا ذلك بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ، ولكن لأنّ الإبراء فيهما يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه ، فلهذا توقّف على قبول الآخر . والأرجح عند المالكيّة ، وعند بعض الشّافعيّة أنّ إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ، لأنّ الإبراء - على رأيهم - نقلٌ للملك ، فهو تمليك المدين ما في ذمّته ، فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول .

 والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في الإبراء من منّةٍ ، وما قد يصيبهم من ضررٍ بذلك ، لا سيّما من السّفلة ، فكان لهم الرّفض شرعاً ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجةٍ .

ردّ الإسقاط :

16 - لا يختلف الفقهاء في أنّ الإسقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ، والّتي لم تقابل بعوضٍ ، كالعتق والطّلاق والشّفعة والقصاص لا ترتدّ بالرّدّ ، لأنّها لا تفتقر إلى القبول ، وبالإسقاط يسقط الملك والحقّ ، فيتلاشى ولا يؤثّر فيه الرّدّ ، والسّاقط لا يعود كما هو معلومٌ . ولا يختلفون كذلك في أنّ الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ، كالطّلاق والعتق على مالٍ ، ترتدّ بالرّدّ ما لم يسبق قبولٌ أو طلبٌ .

17 - أمّا ما فيه معنى التّمليك كالإبراء من الدّين ، فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ، وهو رأي بعض الشّافعيّة ، أنّه يرتدّ بالرّدّ ، نظراً لجانب التّمليك فيه ، ولما قد يترتّب على عدم قابليّته للرّدّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات .

18 - هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي :

أ - إذا أبرأ المحال المحال عليه فلا يرتدّ بردّه .

ب - إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالأرجح أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، وقيل يرتدّ .

ج - إذا طلب المدين الإبراء فأبرأه الدّائن فلا يرتدّ بالرّدّ .

د - إذا قبل المدين الإبراء ثمّ ردّه لا يرتدّ .

 وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجاً على الأصل الّذي سار عليه الحنفيّة ، ذلك أنّ الحوالة والكفالة من الإسقاطات المحضة ، لأنّ الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ . وأمّا القبول إذا تمّ فلا معنى للرّدّ بعده ، وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولاً .

19 - ومع اتّفاق الحنفيّة على أنّ الإبراء يرتدّ بالرّدّ إلاّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد الرّدّ بمجلس الإبراء وعدم تقييده . قال ابن عابدين : هما قولان . وفي الفتاوى الصّيرفيّة : لو لم يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ، ثمّ بعد أيّامٍ ردّ لا يرتدّ في الصّحيح .

التّعليق والتّقييد والإضافة في الإسقاطات :

20 - التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً ، كإن وإذا ، وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط .

21 - والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالأصل ، وشرط فيه أمرٌ آخر ، ولا يستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً .

22 - أمّا الإضافة فهي وإن كانت لا تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلاّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف .

 وبيان ذلك بالنّسبة للإسقاطات هو :

                    أوّلاً : تعليق الإسقاط على الشّرط :

23 - يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق الإسقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة الإسقاط ) ، لأنّه في حكم المنجز ، كقول الدّائن لغريمه : إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ، وكقول الرّجل لامرأته : أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والأرض تحتنا ، وكمن قال لآخر : باعني فلانٌ دارك بكذا ، فقال : إن كان كذا فقد أجزته ، وإن كان فلانٌ اشترى هذا الشّقص بكذا فقد أسقطت الشّفعة . كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ، ويعتبر وصيّةً ، كقوله لمدينه : إذا متّ فأنت بريءٌ . وهذا فيما عدا من علّق طلاق زوجته على موته ، إذ فيه الاختلاف بين تنجيز الطّلاق وبين عدم وقوعه .

 أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم الإسقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى الآتي :

24 -  أ - إسقاطاتٌ محضةٌ ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ . وهذه يجوز في الجملة تعليقها على الشّرط ، غير أنّ الحنفيّة وضعوا هنا ضابطاً فقالوا : إن كانت الإسقاطات ممّا يحلف بها ، كالطّلاق والعتق ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملائماً أم غير ملائمٍ . وإن كانت ممّا لا يحلف بها ، كالإذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملائم فقط ، وهو ما يؤكّد موجب العقد .

 ويعبّر الحنفيّة أحياناً بالشّرط المتعارف . ويظهر أنّ المراد بهما واحدٌ ، ففي ابن عابدين : وفي البحر عن المعراج : غير الملائم هو ما لا منفعة فيه للطّالب أصلاً ، كدخول الدّار ومجيء الغد ، لأنّه غير متعارفٍ . وفي فتح القدير - بعد الكلام عن اختلاف الرّوايات في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط - قال : وجه اختلاف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان الشّرط محضاً لا منفعة فيه أصلاً ، لأنّه غير متعارفٍ بين النّاس ، كما لا يجوز تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ، فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نفعٌ للطّالب ، وله تعاملٌ ، فتعليق البراءة به صحيحٌ . ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ، والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه يجوز عندهم تعليق الإسقاطات المحضة على الشّرط مطلقاً ، دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما لا يحلف به ، ويدلّ لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو : ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلاًّ محضاً ، يدخله التّعليق قطعاً كالعتق ، وبينهما مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء . وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى . وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ ، ومنها : إذا طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى مكان بعيدٍ ، فقال الأب : إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليك ، لزمها ذلك ، لأنّ للأب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ، فأسقط حقّه بذلك . وإذا قال الشّفيع : إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ تعطيني إيّاه ، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك ، جاز ذلك .

25 -  ب - إسقاطاتٌ فيها معنى المعاوضة ، كالخلع والمكاتبة . وما يلحق بهما من الطّلاق والعتق على مالٍ . فالطّلاق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ، لأنّهما إسقاطٌ محضٌ ، والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات .

 وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ، باعتباره طلاقاً ، ومنعه الحنابلة لمعنى المعاوضة .

 وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ، جاء في قواعد الزّركشيّ : المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصوداً من جانبٍ واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) لا تقبل التّعليق ، إلاّ في الخلع من جانب المرأة .

26 -  ج - الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كالإبراء من الدّين . وقد أجاز تعليقه على الشّرط الحنفيّة والمالكيّة . غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملائم أو المتعارف على ما سبق تفسيره . ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ .

 وقد استثنى الشّافعيّة ثلاث صورٍ يجوز فيها التّعليق ، وهي :

( 1 ) لو قال : إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ .

( 2 ) تعليق الإبراء ضمناً ، كما إذا علّق عتق عبده ، ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ، عتق ، وتضمّن ذلك الإبراء من النّجوم ( أي الأقساط ) .

( 3 ) البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ، وقد سبق بيان ذلك .

ثانياً : تقييد الإسقاط بالشّرط :

27 - يصحّ في الجملة تقييد الإسقاطات بالشّروط ، فإن كان الشّرط صحيحاً لزم ، وإن كان الشّرط فاسداً فلكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسداً من الشّروط وما لا يعتبر ، وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ، أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف . ونترك التّفاصيل لمواضعها . لكنّ الحكم الغالب في الإسقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ، صحّ وبطل الشّرط . ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ، ومن الفروع الّتي أوردها غيرهم ، وفيما يلي بيان ذلك .

 قال الحنفيّة : كلّ ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ، ولا يفسد بالشّرط ، الفاسد . وقالوا أيضاً : ما ليس مبادلة مالٍ بمالٍ لا يفسد بالشّرط الفاسد . وذكر صاحب الدّرّ وابن عابدين التّصرّفات الّتي تصحّ ولا تفسد بالشّرط الفاسد ، ومنها : الطّلاق والخلع والعتق والإيصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والإذن في التّجارة والصّلح عن دم العمد والإبراء عنه . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق أنّ ما يقبل الشّرط والتّعليق : الطّلاق والعتق ، ولا يلزم من قبول التّعليق قبول الشّرط ، ولا من قبول الشّرط قبول التّعليق ، وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب الفقه . ومن الأمثلة الّتي وردت عندهم : لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ، لزم الخلع ، وبطل الشّرط . ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ، فقال ابن كنانة : الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ، وقال ابن القاسم : لا يجوز الصّلح ، وقال المغيرة : الشّرط جائزٌ والصّلح لازمٌ ، وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة .

 ويقول الشّافعيّة : الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ، ومثل ذلك في الإسقاطات الكتابة والخلع . وممّا قاله الحنابلة في ذلك : إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع ولغا الشّرط . وفي المغني : العتق والطّلاق لا تبطلهما الشّروط الفاسدة .

ثالثاً : إضافة الإسقاط إلى الزّمن المستقبل :

28 - من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ، ولا تقبل إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع . ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور أثرها إلاّ في زمنٍ مستقبلٍ ، كالوصيّة . ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزاً ، كالطّلاق تنتهي به الزّوجيّة في الحال ، ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ لا تنتهي الزّوجيّة إلاّ عند حصوله . وإضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهو منجزٌ عند المالكيّة ولو أضافه إلى المستقبل ، لأنّه بهذه الإضافة أشبه بنكاح المتعة . وكذلك العتق فإنّه إسقاطٌ يقبل الإضافة . وممّا ذكره الحنفيّة من الإسقاطات الّتي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبلٍ : الإبراء من الدّين وإسقاط القصاص . والحكم الغالب أنّ الإسقاطات الّتي ليس فيها معنى التّمليك تقبل الإضافة إلى الزّمن المستقبل . هذا في الجملة ، ولكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في كلّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ، وينظر في موضعه .

من يملك الإسقاط ( المسقط ) :

29 - الإسقاط قد يكون من قبل الشّرع أساساً ، كإسقاط العبادات الّتي يكون في مباشرتها مشقّةٌ وحرجٌ على المكلّف ، وكإسقاط العقوبات الّتي ترد عليها شبهةٌ ، وسيأتي بيان ذلك . وقد يكون الإسقاط من قبل العباد نتيجةً لأمر الشّارع ، إمّا على سبيل الوجوب كالعتق في الكفّارات ، وإمّا على سبيل النّدب كإبراء المعسر من الدّين ، وكالعفو عن القصاص .

 وقد يكون الإسقاط من العباد بعضهم لبعضٍ لأسبابٍ خاصّةٍ ، كإسقاط حقّ الشّفعة لعدم الرّغبة في الشّراء . على ما سبق بيانه في الحكم التّكليفيّ .

ما يشترط في المسقط :

30 - الإسقاط من العباد يعتبر من التّصرّفات الّتي يتنازل فيها الإنسان عن حقّه ، فهو في حقيقته تبرّعٌ . ولمّا كان هذا التّصرّف قد يعود على المسقط بالضّرر ، فإنّه يشترط أهليّته للتّبرّع ، وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً . فلا يصحّ الإسقاط من الصّبيّ والمجنون وهذا في الجملة ، لأنّ الحنابلة يقولون بصحّة الخلع من الصّغير الّذي يعقله ، لأنّ فيه تحصيل عوضٍ له . ويشترط كذلك أن يكون غير محجورٍ عليه لسفهٍ أو دينٍ ، وهذا بالنّسبة للتّبرّعات ، لأنّه يجوز أن يطلّق وأن يعفو عن القصاص وأن يخالع ، لكن لا يدفع إليه المال ، ولذلك لا يصحّ الخلع من الزّوجة المحجور عليها لسفهٍ أو صغرٍ ، مع ملاحظة أنّه لا يحجر على السّفيه ، ولا على المدين عند أبي حنيفة . ر : ( حجرٌ ، وسفهٌ ، وأهليّةٌ ) .

ويشترط أيضاً أن يكون ذا إرادةٍ ، فلا يصحّ إسقاط المكره ، إلاّ ما قاله الحنفيّة من صحّة الطّلاق والعتق من المكره . وللفقهاء تفصيلٌ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ . وينظر في ( إكراهٌ ) . ويشترط أن يكون في حال الصّحّة ، إذا كان إسقاطه لكلّ ماله أو أكثر من الثّلث ، فإن كان مريضاً مرض الموت وقت الإسقاط فتصرّفه فيما زاد على الثّلث للأجنبيّ ، أو بأقلّ للوارث ، يتوقّف على إجازة الورثة . ر : ( وصيّةٌ ) .

وإذا كان المريض مديناً والتّركة مستغرقةٌ بالدّيون فلا يصحّ منه الإبراء ، لتعلّق حقّ الغرماء . ويشترط أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلافٌ بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيلٌ موضعه مصطلح ( فضوليٌّ ) .

 وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . وعلى الجملة فإنّه يصحّ التّوكيل بالخلع ، وبالإعتاق على مالٍ ، وبالصّلح على الإنكار ، وفي إبراءٍ من الدّين ولو للوكيل ، إذا عيّنه الموكّل وقال له : أبرئ نفسك . ويراعى في كلّ ذلك ما يشترط في الموكّل والوكيل وما أذن فيه . وينظر تفصيله في ( وكالةٌ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للصّغير والمولّى عليه ، فلا يجوز له التّبرّع ولا إسقاط المهر ولا العفو على غير مالٍ ولا ترك الشّفعة إذا كان في التّرك ضررٌ . وهذا في الجملة ( ر : وصايةٌ ولايةٌ ) .

المسقط عنه :

31 - المسقط عنه هو من كان عليه الحقّ أو تقرّر قبله ، ويشترط فيه أن يكون معلوماً في الجملة . هذا ، وأغلب الإسقاطات يكون المسقط عنه أو له معروفاً ، كما في الشّفعة والقصاص والخيار وما شابه ذلك . وإنّما نتصوّر الجهالة في إبراء المدين وفي الإعتاق والطّلاق وما أشبه ذلك . أمّا الإبراء من الدّين فيشترط فيه أن يكون المبرّأ معلوماً ، وهذا باتّفاقٍ . ولذلك لو قال : أبرأت شخصاً أو رجلاً ممّا لي قبله لا يصحّ . ومثله ما لو قال : أبرأت أحدً غريميّ ، أمّا لو قال : أبرأت أهالي المحلّة الفلانيّة ، وكان أهل تلك المحلّة معيّنين ، وعبارةً عن أشخاصٍ معدودين ، فإنّه يصحّ الإبراء .

 كذلك يشترط أن يكون الإبراء لمن عليه الحقّ ، فلو أبرئ غير من عليه الحقّ لا يصحّ ، ومثال ذلك : إذا أبرئ قاتلٌ من ديةٍ واجبةٍ على عاقلته ، فلا يصحّ الإبراء في ذلك ، لوقوعه على غير من عليه الحقّ . أمّا لو أبرئت عاقلة القاتل ، أو قال المجنيّ عليه : عفوت عن هذه الجناية ، ولم يسمّ المبرّأ من قاتلٍ أو عاقلةٍ صحّ الإبراء ، لانصرافه إلى من عليه الحقّ . ولا يشترط في الإبراء من الدّين أن يكون المبرّأ مقرّاً بالحقّ ، حيث يجوز الإبراء من الإنكار . ومثل ذلك يقال في غير الدّين ممّا يصحّ إسقاطه .

 وأمّا بالنّسبة للطّلاق فإنّه يصحّ مع الإبهام ، لكن لا بدّ من التّعيين ، فمن قال لزوجتيه : إحداكما طالقٌ ، فإنّ الطّلاق يقع ، ولكنّه يلزم بتعيين المطلّقة . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة فالمشهور أنّهما تطلقان ، وهو قول المصريّين ، وقال المدنيّون : يختار واحدةً للطّلاق . وعند الحنابلة : يقرع بينهما إن لم يكن نوى واحدةً بعينها .

محلّ الإسقاط :

32 - المحلّ الّذي يجري عليه التّصرّف يسمّى حقّاً ، وهو بهذا الإطلاق العامّ يشمل الأعيان ، ومنافعها ، والدّيون ، والحقوق المطلقة . وكلّ من ملك حقّاً من هذه الحقوق - بهذا الإطلاق العامّ - يصبح له بحكم الملك ولاية التّصرّف فيه باختياره ، ليس لأحدٍ ولاية الجبر عليه إلاّ لضرورةٍ أو لمصلحةٍ عامّةٍ ، ولا لأحدٍ ولاية المنع عنه إلاّ إذا تعلّق به حقّ الغير ، فيمنع عن التّصرّف من غير رضى صاحب الحقّ .

 والإسقاط من هذه التّصرّفات ، إلاّ أنّه ليس كلّ محلٍّ قابلاً للإسقاط ، بل منه ما يقبل الإسقاط لتوفّر شروطه ، ومنه ما لا يقبله لعدم تحقّق شروطه ، ككونه مجهولاً ، أو تعلّق به حقٌّ للغير وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي :

                              ما يقبل الإسقاط

                               أوّلاً - الدّين :

33 - يصحّ باتّفاقٍ إسقاط الدّين الثّابت في الذّمّة ، لأنّه حقٌّ ، والحقوق تسقط بالإسقاط ، فكلّ من ثبت له دينٌ على غيره ، سواءٌ أكان ثمن مبيعٍ ، أم كان مسلماً فيه ، أم نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ، أم غير ذلك ، فإنّه يجوز له إسقاطه . وسواءٌ أكان الإسقاط خاصّاً بدينٍ أم عامّاً لكلّ الدّين ، وسواءٌ أكان مطلقاً أم معلّقاً أم مقيّداً بشرطٍ على ما سبق بيانه . وكما يجوز الإبراء عن كلّ الدّين فإنّه يجوز الإبراء عن بعضه .

 وكما يصحّ إسقاط الدّين بدون عوضٍ ، يصحّ إسقاطه نظير عوضٍ ، مع الاختلاف في الصّورة أو الكيفيّة الّتي يتمّ بها ذلك ، ومن هذه الصّور :

أ - أن يعطي المدين الدّائن ثوباً في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له نظير الإبراء ويبرّأ المدين ، وذلك كما يقول الشّافعيّة .

ب - يقول الحنابلة : من وجبت عليه نفقة امرأته ، وكان له عليها دينٌ ، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، فإن كانت موسرةً فله ذلك ، لأنّ من عليه حقٌّ فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء ، وهذا من ماله .

 ويظهر أنّ هذه الصّورة تعتبر من قبيل المقاصّة ، والمقاصّة بالتّراضي تعتبر إسقاطاً بعوضٍ من الجانبين . مع مراعاة شروطها من اتّحاد الدّين قدراً ووصفاً وغير ذلك من الشّروط .

ت - كذلك يأتي إسقاط الدّين نظير عوض صورة الصّلح . وقد قسّم القرافيّ الإسقاط إلى قسمين : بعوضٍ وبغيره ، وجعل من الإسقاط بعوضٍ الصّلح عن الدّين .

ث - في حاشية ابن عابدين : إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ، صحّ الإبراء ، ويكون بعوضٍ ، وهو أنّه ملّكها نفسها .

ج - وقد يأتي إسقاط الدّين بعوضٍ في صور التّعليق ، كمن قال لغيره : إن أعطيتني سيّارتك أسقطت عنك الدّين الّذي لي عليك .

ح - والإبراء أيضاً في صورة الخلع يعتبر من قبيل العوض .

ثانياً : العين

34 - الأصل أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، على ما سيأتي بيانه فيما لا يقبل الإسقاط ، إلاّ أنّ بعض التّصرّفات تعتبر إسقاطاً للملك . وذلك كالعتق ، فإنّه يعتبر إسقاطاً لملك الرّقبة وهي عينٌ . والعتق مشروعٌ بل مندوبٌ إليه شرعاً ، وقد يكون واجباً كما في الكفّارات .

 كذلك الوقف يعتبر إسقاطاً للملك عند بعض الفقهاء ، ففي قواعد المقري : وقف المساجد إسقاط ملكٍ إجماعاً ، وفي غيرها قولان .

 وقد يأتي إسقاط العين نظير عوضٍ عمّن عقد الصّلح ، والصّلح جائزٌ شرعاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائزٌ بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً » . وسواءٌ أكان عن إقرارٍ ، أم عن إنكارٍ ، أم سكوتٍ ، فإن كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ فهو في حقّ المدّعي معاوضة حقّه في زعمه ، وهذا مشروعٌ ، في حقّ المدّعى عليه افتداء اليمين ودفع الخصومة وهذا مشروعٌ . بل إنّ بعض الحنابلة أجاز الصّلح عمّا تعذّر علمه من دينٍ أو عينٍ بمالٍ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .

 ويلاحظ أنّ الشّافعيّة لا يجيزون الصّلح عن إنكارٍ . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ اعتبر كالبيع ، إن كان مبادلة مالٍ بمالٍ ، أو كالإجارة إن كان مبادلة مالٍ بمنفعةٍ ، أو كالهبة إن كان على ترك بعض العين . ويعتبر في كلّ حالٍ شروطها . وينظر تفصيل ذلك في ( صلحٌ ) .

ثالثاً : المنفعة :

35 - المنافع حقوقٌ تثبت لمستحقّيها ، سواءٌ أكانت نتيجة ملك العين المنتفع بها ، أم كانت نتيجة ملك المنفعة دون الرّقبة ( أي العين ) بمقتضى عقدٍ ، كالإجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ، أو بغير عقدٍ ، كتحجير الموات لإحيائه ، والاختصاص بمقاعد الأسواق ، وما شابه ذلك . والأصل في المنافع أنّها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحقّ منفعتها ، إذ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما لم يكن هناك مانعٌ من ذلك . وهذا باتّفاقٍ . وصور ذلك كثيرةٌ في مسائل الفقه ومن أمثلتها :

أ - من أوصى لرجلٍ بسكنى داره ، فمات الموصي ، وباع الوارث الدّار ، ورضي به الموصى له ، جاز البيع وبطلت سكناه .

ب - من وصّى بعين دار لزيدٍ ، وبالمنفعة لعمرٍو ، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه ، سقط بالإسقاط .

ج - من كان له مسيل ماءٍ في دار غيره ، فقال : أبطلت حقّي في المسيل ، فإن كان له حقّ إجراء الماء دون الرّقبة بطل حقّه قياساً على حقّ السّكنى .

د - يجوز إسقاط الحقّ في الانتفاع ببيوت المدارس الموقوفة على الوجه الّذي أسقطه صاحبه .

 فإن أسقطه مدّةً مخصوصةً رجع إليه بعد انتهائها ، وإن أطلق في الإسقاط فلا يعود له .

هـ-  أماكن الجلوس في المساجد والأسواق يجوز إسقاط الحقّ فيها .

 هذا بالنّسبة لإسقاط الحقّ في المنافع بدون عوضٍ .

36 - أمّا إسقاطه بعوضٍ ، فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ، فإنّ الأصل أنّ كلّ من ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ، ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليه . وعلى ذلك فكلّ من ملك المنفعة ، سواءٌ أكان مالكاً للرّقبة ، أم مالكاً للمنفعة دون الرّقبة ، فإنّه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنه وهذا عند الجمهور . أمّا الحنفيّة ، فإنّ الاعتياض عن المنافع عندهم لا يجوز إلاّ لمالك الرّقبة والمنفعة ، أو لمالك المنفعة بعوضٍ . والمنافع ليست بأموالٍ عندهم . وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصحّ ، وإنّما يجوز تبعاً .

 وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ، ارتفاقٌ ، إعارةٌ ، وصيّةٌ ، وقفٌ ) .

37 - ومن الأمثلة على إسقاط الحقّ في المنافع بعوضٍ : ما لو صالح الورثة من أوصى له مورّثهم بسكنى دارٍ معيّنةٍ من التّركة بدراهم مسمّاةٍ جاز ذلك صلحاً ، لأنّه إسقاط حقٍّ ، ومثل ذلك ما لو أنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم أو بمنفعة عينٍ أخرى لتسلّم الدّار له جاز .

رابعاً : الحقّ المطلق :

38 - ينقسم الحقّ بحسب من يضاف إليه إلى الآتي :

  • --حقٌّ خالصٌ للّه سبحانه وتعالى ، وهو كلّ ما يتعلّق به النّفع العامّ ، أو هو امتثال أوامره ونواهيه .

- وحقٌّ خالصٌ للعباد ، وهو مصالحهم المقرّرة بمقتضى الشّريعة .

- وما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، كحدّ القذف والتّعزير .

 والأصل أنّ الحقّ للّه سبحانه وتعالى ، لأنّه ما من حقٍّ للعبد إلاّ وفيه حقٌّ للّه تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه . وإفراد نوعٍ من الحقوق بجعله حقّاً للعبد فقط ، إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ، فكلّ واحدٍ من الحقّين ( حقّ اللّه وحقّ العبد ) موكولٌ لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتاً وإسقاطاً . وبيان ذلك فيما يأتي :                                حقّ اللّه سبحانه وتعالى :

39 - ذكر حقّ اللّه هنا فيما يقبل الإسقاط إنّما هو باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشّارع ، أمّا من قبل العباد فلا يجوز على ما سيأتي .

 وحقوق اللّه : إمّا عباداتٌ محضةٌ ماليّةٌ كالزّكاة ، أو بدنيّةٌ كالصّلاة ، أو جامعةٌ للبدن والمال كالحجّ . وإمّا عقوباتٌ محضةٌ كالحدود . وإمّا كفّاراتٌ وهي متردّدةٌ بين العقوبة والعبادة . ويقول الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبنيّةٌ على المسامحة ، بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضررٌ في شيءٍ ، ومن ثمّ قبل الرّجوع عن الإقرار بالزّنى فيسقط الحدّ ، بخلاف حقّ الآدميّين فإنّهم يتضرّرون . وبإيجازٍ نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حقّ اللّه كما اعتبرها الشّارع :

40 -حقوق اللّه سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في الجملة للأسباب الّتي يعتبرها الشّرع مؤدّيةً إلى ذلك ، تفضّلاً منه ، ورحمةً بالعباد ، ورفعاً للحرج والمشقّة عنهم ، كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ، وكإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين ، لما ينالهم من مشقّةٍ . وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ، وبيّنوا لكلّ عبادةٍ مرتبةً معيّنةً من مشاقّها المؤثّرة في إسقاطها ، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة : المشقّة تجلب التّيسير ، أخذاً من قوله تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } .

 والحكم المبنيّ على الأعذار يسمّى رخصةً . ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاطٍ ، كإسقاط الصّلاة عن الحائض والنّفساء ، وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي لا يقوى عليه . وصلاة المسافر قصراً فرضٌ عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للمالكيّة ، وتعتبر رخصة إسقاطٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . وجه الاستدلال : أنّ التّصدّق بما لا يحتمل التّمليك إسقاطٌ لا يحتمل الرّدّ ، وإن كان ممّن لا يلزم طاعته كوليّ القصاص ، فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى .

 والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ قصر الصّلاة سنّةٌ للتّرفيه عن العبد . كذلك يسقط فرض الكفاية عمّن لم يقم به ، إذا قام به غيره ، بل إنّ القرافيّ يقول : يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل ، لا وقوعه تحقيقاً .

 ومن ذلك أيضاً إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة ، كأكل المضطرّ للميتة ، وإساغة اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ، وإباحة نظر العورة للطّبيب . ويسري هذا الحكم على المعاملات ، فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعاً في الجملة ، وذلك كما في السّلم ، لقول الرّاوي : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » . وأنّ الأصل في البيع أن يلاقي عيناً ، وهذا حكمٌ مشروعٌ ، لكنّه سقط في السّلم . ومن التّخفيف : مشروعيّة الطّلاق ، لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء ، ومشروعيّة الكتابة ليتخلّص العبد من دوام الرّقّ . وكلّ ذلك مفصّلٌ في أبوابه الخاصّة من كتب الفقه ، وفي بابي : الرّخصة والأهليّة من كتب الأصول .

 حقوق العباد :

41 - المقصود بحقوق العباد هنا ، ما عدا الأعيان والمنافع والدّيون ، وذلك لحقّ الشّفعة والقصاص والخيار . والأصل أنّ كلّ من له حقٌّ إذا أسقطه - وهو من أهل الإسقاط ، والمحلّ قابلٌ للسّقوط - سقط . فالشّفيع له حقّ الأخذ بالشّفعة بعد البيع ، فإذا أسقط هذا الحقّ وترك الأخذ بالشّفعة سقط حقّه ، ووليّ الدّم في القتل العمد له حقّ القصاص ، فإذا عفا وأسقط هذا الحقّ كان له ذلك ، والغانم قبل القسمة له حقّ التّملّك ، ويجوز له إسقاط هذا الحقّ ، وإذا ثبت حقّ الخيار للبائع أو للمشتري كان لمن ثبت له منهما هذا الحقّ أن يسقطه . وهكذا متى ثبت لإنسانٍ حقٌّ ، وهو جائز التّصرّف ، كان من حقّه إسقاطه ، إلاّ لمانعٍ من ذلك كما سيأتي ، وهذا باتّفاقٍ .

 هذا بالنّسبة لإسقاط الحقوق بدون عوضٍ ، أمّا إسقاطها نظير عوضٍ فبيانه كالآتي :

42 - فرّق الكثير من فقهاء الحنفيّة بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز بقاعدةٍ هي : أنّ الحقّ إذا كان مجرّداً عن الملك فإنّه لا يجوز الاعتياض عنه ، وإن كان حقّاً متقرّراً في المحلّ الّذي تعلّق به صحّ الاعتياض عنه . وفرّق البعض الآخر من الحنفيّة بقاعدةٍ أخرى هي : أنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فلا يجوز الاعتياض عنه ، وإذا كانت ثبت على وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتاً له أصالةً ، فيصحّ الاعتياض عنه .

 ومن يرجع إلى الأمثلة الّتي أوردوها يتبيّن له أنّه لا يكاد يوجد فرقٌ بين القاعدتين ، ففي الأشباه لابن نجيمٍ : الحقوق المجرّدة لا يجوز الاعتياض عنها ، كحقّ الشّفعة ، فلو صالح عنه بمالٍ بطلت ورجع به ، ولو صالح المخيّرة بمالٍ لتختاره بطل ولا شيء لها ، ولو صالح إحدى زوجتيه بمالٍ لتترك نوبتها لم يلزم ، ولا شيء لها . هكذا ذكروه في الشّفعة . وخرج عنها حقّ القصاص وملك النّكاح ، وحقّ الرّقّ ، فإنّه يجوز الاعتياض عنها .

 والكفيل بالنّفس إذا صالح المكفول له بمالٍ لم يصحّ ولم يجب ، وفي بطلانها روايتان .

 وفي حاشية ابن عابدين : لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجرّدة كحقّ الشّفعة ، ثمّ أورد نفس الأمثلة الّتي جاءت في الأشباه ، ثمّ قال : وعدم جواز الصّلح عن حقّ الشّفعة وحقّ القسم للزّوجة وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة إنّما هو لدفع الضّرر عن الشّفيع والمرأة ، وما ثبت لذلك لا يصحّ الصّلح عنه ، لأنّ صاحب الحقّ لمّا رضي علم أنّه لا يتضرّر بذلك ، فلا يستحقّ شيئاً . أمّا حقّ القصاص وملك النّكاح وحقّ الرّقّ فقد ثبت على وجه البرّ والصّلة ، فهو ثابتٌ له أصالةً ، لا على وجه رفع الضّرر عن صاحبه . وسار صاحب البدائع على أنّ الحقّ الّذي يجوز الاعتياض عنه ، هو الحقّ الثّابت في المحلّ أصالةً .

 أمّا الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فلم نعثر لهم على قاعدةٍ يمكن الاستناد إليها في معرفة الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها والّتي لا يجوز ، وإنّما يعرف ذلك بالرّجوع إلى المسائل في أماكنها من أبواب الفقه ، كالحضانة والشّفعة والخيار في العقود وما شابه ذلك ، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الأمثلة . والجمهور أحياناً مع الحنفيّة في بعض المسائل ، مع اتّفاقهم في سبب الاعتياض ، وأحياناً يختلفون عنهم . وسيظهر ذلك من الأمثلة .

أ - الاعتياض عن حقّ الشّفعة ، هو غير جائزٍ عند الحنفيّة كما سبق ، ويوافقهم في الحكم وفي العلّة الشّافعيّة والحنابلة . في حين أجاز الاعتياض عنها المالكيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : إذا كان الاعتياض ، من المشتري لا من غيره .

ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ .

ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة .

ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء .

ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ .

ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه .

خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن .

د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه .

ما لا يقبل الإسقاط :

أ - العين :

43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون .

 ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه .

44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ .

 وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة .

 ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره .

ب - الحقّ :

ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما .

                 ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى :

45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم .

46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ .

47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه .

48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ .

 والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام .

 وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه .

 وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام .

49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ .

وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك :

                                 الولاية على الصّغير :

50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط .

 أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل .

 وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) .

السّكنى في بيت العدّة :

51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » .

 وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) .

خيار الرّؤية :

52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار .

 ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) .

حقّ الرّجوع في الهبة :

53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل .

وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) .

ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :

سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته .

                            ما يتعلّق به حقّ الغير :

54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :

                              حقّ الحضانة :

55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود .

 وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) .

نسب الصّغير :

56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك .

 ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها .

عزل الوكيل :

57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون .

 وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) .

تصرّف المفلس :

58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) .

إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب :

59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ .

60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب .

 فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه .

 وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه .

 جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها .

إسقاط المجهول :

61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟

 فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .

 وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به .

 ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين :

 الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة .

62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء .

 والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان :

 أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه .

 هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته .

63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " .

 كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف .

 وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه .

تجزّؤ الإسقاط :

64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ .

 وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً .

 وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ .

 والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه .

السّاقط لا يعود :

65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ .

 والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد .

 وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) .

 وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة .

 ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها .

أثر الإسقاط :

66 - يترتّب على الإسقاط آثارٌ تختلف باختلاف ما يرد عليه . ومن ذلك :

( 1 ) إسقاط رجلٍ الانتقاع بالبضع بالطّلاق ، ويترتّب عليه آثارٌ متعدّدةٌ ، كالعدّة والنّفقة والسّكنى وجواز الرّجعة ، إن كان الطّلاق رجعيّاً ، وعدم جواز ذلك إن كان بائناً ، وغير ذلك من الآثار . ر : ( طلاقٌ ) .

( 2 ) الإعتاق وهو : إزالة الرّقّ عن المملوك وإثبات الحرّيّة له ، يترتّب عليه ملكه لماله وكسبه ، وإطلاق يده في التّصرّفات ، وإثبات حقّ الولاء للمعتق ، وما شابه ذلك من الأحكام . ر : ( عتقٌ ) .

( 3 ) قد يترتّب على الإسقاط إثبات حقوقٍ تتعلّق بالمحلّ ، كإسقاط حقّ الشّفعة ، يترتّب عليه استقرار الملك للمشتري ، وإسقاط حقّ الخيار في البيع يترتّب عليه لزوم البيع ، لأنّ الملك الثّابت بالبيع قبل الاختيار ملكٌ غير لازمٍ . وإجازة بيع الفضوليّ يترتّب عليها لزوم البيع الموقوف وينظر تفصيل ذلك في : ( بيعٌ - خيارٌ - شفعةٌ - فضوليٌّ ) .

( 4 ) ومن الآثار ما يرد تحت قاعدة : الفرع يسقط بسقوط الأصل ، كما إذا أبرئ المضمون أو المكفول عن الدّين برّئ الضّامن والكفيل ، لأنّ الضّامن والكفيل فرعٌ ، فإذا سقط الأصل سقط الفرع ولا عكس ، فلو أبرئ الضّامن لم يبرّأ الأصيل ، لأنّه إسقاط وثيقةٍ فلا يسقط بها الدّين . ر : ( كفالةٌ - ضمانٌ ) .

( 5 ) وقد يترتّب على الإسقاط الحصول على حقٍّ كان صاحبه ممنوعاً منه ، لتعلّق حقّ الغير ، وذلك مثل صحّة تصرّف الرّاهن في المرهون ، بنحو وقفٍ أو هبةٍ ، إذا أذن المرتهن ، لأنّ منعه كان لتعلّق حقّ المرتهن به ، وقد أسقطه بإذنه .

( 6 ) الغريم إذا وجد عين ماله عند المفلس كان له حقّ الرّجوع فيه بشروطٍ منها : ألاّ يتعلّق بالعين حقٌّ للغير كشفعةٍ ورهنٍ . فإذا أسقط أصحاب الحقوق حقوقهم ، بأن أسقط الشّفيع شفعته ، أو أسقط المرتهن حقّه في الرّهن فلربّ العين أخذها .

( 7 ) إذا أجّل البائع الثّمن بعد العقد سقط حقّ الحبس على ما جاء في البدائع ، لأنّه أخّر حقّ نفسه في قبض الثّمن ، فلا يتأخّر حقّ المشتري في قبض المبيع ، وكذا لو أبرأ البائع المشتري من الثّمن بطل حقّ الحبس .

( 8 ) لو أجّلت الزّوجة المهر لوقتٍ معلومٍ ، فليس لها أن تمنع نفسها ، لأنّ المرأة بالتّأجيل رضيت بإسقاط حقّ نفسها ، فلا يسقط حقّ الزّوج . وهذا في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وقال أبو يوسف : لها أن تمنع نفسها ، لأنّ من حكم المهر أن يتقدّم تسليمه على تسليم النّفس ، فلمّا قبل الزّوج التّأجيل كان ذلك رضاً بتأخير حقّ نفسها في القبض ، بخلاف البائع .

 ومن ذلك أيضاً الوصيّة فيما زاد على الثّلث بإجازة الورثة . وينظر تفصيل كلّ ذلك في : ( إفلاسٌ - بيعٌ - حبسٌ - رهنٌ ) .

( 9 ) إسقاط الشّارع العبادات بسبب الأعذار قد يسقط الطّلب بها بعد ذلك ، فلا يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للشّيخ الكبير الّذي لا يقدر عليه . وقد يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للحائض والمسافر .

( 10 ) الإبراء من الدّين أو من الحقّ يترتّب عليه براءة ذمّة المبرّأ متى استوفى الإبراء شروطه . وسواءٌ أكان عن حقٍّ خاصٍّ أم حقٍّ عامٍّ ، بحسب ما يرد في صيغة المبرّئ . ويترتّب كذلك سقوط حقّ المطالبة ، فلا تسمع الدّعوى فيما تناوله الإبراء إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده . ولا تقبل الدّعوى بعد ذلك بحجّة الجهل أو النّسيان .

 إلاّ أنّ المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن الإبراء مع الصّلح . فإذا كان الإبراء مع الصّلح ، أو وقع بعد الصّلح إبراءٌ عامٌّ ، ثمّ ظهر خلافه فله نقضه ، لأنّه إبراءٌ على دوام صفة الصّلح لا إبراءٌ مطلقٌ ، إلاّ إذا التزم في الصّلح عدم القيام عليه ولو ببيّنةٍ فلا تسمع الدّعوى .

 هذا ، مع استثناء الحنفيّة من الإبراء بعض المسائل ، كضمان الدّرك ( استحقاق المبيع ) ، وكدعوى الوكالة والوصاية ، وكادّعاء الوارث ديناً للميّت على رجلٍ ، وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ينظر في ( إبراءٌ - دعوى ) .

( 11 ) الإبراء العامّ يمنع الدّعوى بالحقّ قضاءً لا ديانةً ، إن كان بحيث لو علم بماله من الحقّ لم يبرّئه ، كما في الفتاوى الولوالجية . لكن في خزانة الفتاوى : الفتوى على أنّه يبرّأ قضاءً وديانةً وإن لم يعلم به .

 وعند الشّافعيّة : لو أبرأه في الدّنيا دون الآخرة برّئ فيهما ، لأنّ أحكام الآخرة مبنيّةٌ على أحكام الدّنيا ، وهو أحد قولين عند المالكيّة ، ذكرهما القرطبيّ في شرح مسلمٍ .

بطلان الإسقاط :

67 - للإسقاط أركانٌ ، ولكلّ ركنٍ شروطه الخاصّة ، فإذا لم يتحقّق شرطٌ من الشّروط الّتي سبق بيانها بطل الإسقاط ، أي بطل حكمه ، فلا ينفذ . ومن أمثلة ذلك : أنّه يشترط في المسقط أن يكون بالغاً عاقلاً ، فإذا كان المتصرّف بالإسقاط صبيّاً أو مجنوناً فلا يصحّ الإسقاط ولا ينفذ . ولو كان التّصرّف بالإسقاط منافياً للمشروع ، فإنّه يكون تصرّفاً باطلاً ولا يسقط بالإسقاط ، كإسقاط الولاية ، أو إسقاط حدٍّ من حدود اللّه . وكذلك الإسقاط لا يرد على الأعيان ، ويعتبر إسقاطها باطلاً . ولذلك خرّجه الفقهاء على إسقاط الضّمان .

 وقد يقع الإسقاط صحيحاً ، لكن يبطل إذا ردّه المسقط عنه ، عند من يقول أنّه يرتدّ بالرّدّ كالحنفيّة . في قاعدةٍ ذكرها الحنفيّة هي : أنّه إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، قلو أبرأه ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء . وأغلب هذه المسائل وردت فيما سبق في البحث .

الموسوعة الفقهية الجزء الرابع

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com