لقد حرصت الشريعة الإسلامية في سياق بيانها لأحكام المعاملات أن تضع جملة معايير دقيقة، وضوابط بينة تخضع لقواعد واضحة من شأنها أن تحقق العدالة بين المتعاملين وننفي الغرر والغبن عنهم، وهي بنفس القدر سعت إلى تحقيق مطامح المتعاملين في تحصيلهم للربحية وضمن دائرة القاعدة الذهبية (لا تظلمون ولا تظلمون).
لذلك راوحت أحكام الشريعة ومعاييرها المحاسبية ما بين تأييد لبعض أحكام الصيرفة ما دامت تلتزم العدالة والوضوح وعدم الجهالة وما بين رفض لبعضها الآخر ما دام يخرج عن هذا الإطار التشريعي الإنساني الناظم لتلك المعاملات، المانع من استغلال حاجة الإنسان وفقره وفاقته لإيقاعه في فخ الربا والفوائد المضاعفة،
ما يزيد الفقير فقراً والغني غنىً في خروج واضح عن أهداف الشارع في بناء مجتمع صالح مبني على قدر كبير من التكافل والتعاون ينفي عن أبنائه كل وصف تسلطي أو اكتسابي غير مشروع وبما أن المعاملات في الإسلام تجمع بين الثابت والتطور ولم تكن يوماً حبيسة قالب جامد منعها من مسايرة العصر ما لم تخرجها تلك المسايرة عن الثابت، لذلك كان من الضروري النظر إلى التكييف الشرعي للصور المستحدثة حتى يمكن بيان الحكم الشرعي.
ومن هنا لتسمحوا لي أيها السادة الأكارم أن ألج غمار الموضوع الذي كلفت به والذي يحمل عنوان:
المعايير المحاسبية الشرعية الناظمة لعمل الصيرفة الإسلامية.
ذلك أن الشريعة في طواعيتها ومناسبتها لكل زمان ومكان واستعدادها لإصلاح الأزمنة انطلاقاً من تميزها كونها رسالة ربانية خطتها يد العناية الإلهية حيث جاء في الكتاب العزيز: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )
فاقتضى لطف الإله سبحانه بخلقه أن كانت الشريعة محققة لمصلحة المكلفين مانعة من ظلم بعضهم لبعض، ما اقتضى فعلاً، وانطلاقاً من قضية ميزة الثبات والتطور في أحكام المعاملات أن أسوق باختصار المعايير المحاسبية الشرعية لبعض أهم أعمال المصارف الإسلامية.
حيث ذهب أكثر من تكلم عن ودائع البنوك إلى أنها تعتبر قرضاً، وذهب البعض إلى أنها وديعة،
وآخرون إلى أنها تدخل تحت عقد الإجارة ودون الخوض في تفاصيل كل حكم فإنه ترجح لدى الباحثين أن ودائع البنوك وإن سميت بغير ما ينطبق على حقيقتها إلا أنها تنطبق تماماً على عقد القرض لأن المقترض يستخدم القرض في مصالحه الخاصة،
وقد يعجب الكثيرون عندما يسمعون أن ودائع البنوك تعتبر قرضاً، فالقرض إنما يكون للفقير المحتاج باعتبار القرض عقد إرفاق، والمودعون لدى البنوك إنما يريدون هنا الإيداع للاستثمار والتكثير،
ولأولئك يقال عليكم بالبدائل الشرعية كالمرابحة مثلاً وسيأتي معيارها وتأصيلها بدلاً من عملية الإيداع المقصود منها أخذ زيادة على رأس المال،
فالزبير بن العوام ترك بعد وفاته حسب رواية ابن كثير سبعاً وخمسين مليوناً وستمائة ألف درهم،
وإن أولاده وجدوا عليه ديناً كبيراً حيث جاء في البخاري
((إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا .. ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة)).([1])
ولا شك أن فرقاً واضحاً بين القرض والوديعة، فالوديعة لا يضمنها المودَع لديه، والقرض يضمنه المقترض، ويقابل هذا الضمان أن يكون له الحق في الاستفادة من هذا المال.
إن الزبير لم يكن فقيراً ليستقرض، وكذا البنوك اليوم أقصد التقليدية،
وما دام العقد عقد قرض فلا يحل أخذ زيادة على رأس المال وإلا كان من ربا النسيئة، وإن البدائل التي تقيمها المصارف الإسلامية اليوم تفسح المجال للأغنياء لتثمير أموالهم من خلال ما سيأتي إن شاء الله.
ومن خدمات المصارف المهمة:
خدمة أمناء الاستثمار
تعرف هذه الخدمة بأنها: طلب من الأفراد أو الشركات أو المؤسسات من المصرف ليقوم باختيار أنسب الطرق من سبيل شرعية لاستثمار أموالهم بأن يكون المصرف وكيلاً عنهم اختصاراً للجهد والوقت.
وللمصارف هنا حق قبول وكالة الآخرين له إن رأى في ذلك مصلحة عامة راجحة، وله الرفض كذلك، وينال المصرف أجرة نظير الخدمة التي يسديها لعملائه بناء على طلبهم، حيث اتفق الفقهاء على صحة الوكالة بأجر وبغير أجر مستدلين بأن النبي r كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمولة، ولأن الوكالة عقد جائز لا يلتزم الوكيل بالقيام بها وجوباً فيجوز أخذ الأجرة فيها، ويكون عقد الوكالة لازماً إذا قيدت الوكالة بأجر، ويأخذ الوكيل حكم الأجير في التزامه بتنفيذ العمل المناط به كوكيل وهو مذهب الجمهور([2]) وقال الشافعية بأنه عقد جائز غير لازم.
والعمل برأي الجمهور أولى لما فيه من استقرار للمعاملات وبث الثقة بين الناس.
وتكون بهذا الاعتبار يد المصرف في هذه الخدمة يد أمانة فلا يضمن إلا في حال التقصير أو التفريط أو التعدي، فإن كان من ذلك شيء وجب ضمان الضرر.
- ومن خدمات المصرف الإسلامي:
المرابحة كصيغة استثمارية يقدمها المصرف الإسلامي
تعريفها: (بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح معلوم).
وهي نوع من أنواع الأمانة لاعتماد المشتري فيها على أمانة البائع في الإخبار برأس مال المبيع.
أما مجالات عقد المرابحة فكثيرة يهمنا منها هنا ما يتصل بعمل المصارف الإسلامية باعتبارها أي المرابحة ممكنةً الأفراد من الحصول على سلعة يحتاجونها قبل توافر الثمن المطلوب على أساس دفع القيمة بطريق القسط الشهري،
ولعلي أخصص من تلك الوجوه وجه بيع المرابحة للآمر بالشراء حيث لا تكون السلعة حاضرة وليست في حيازة البائع، والمشتري يرغب شراءها بطريق المرابحة من خلال وعد ملزم بالشراء وبالبيع من جهة، وبيع بالمرابحة بعد دخول السلعة في ملكية البائع من جهة أخرى.
أما المرابحة بالتقسيط ببيع لأَجل مع زيادة الثمن فجائز لعموم قوله: ( وأحل الله البيع )
ولفظ البيع عام، وهو قول الجمهور المعتمد إذ للأجل قسط من الثمن بشرط أن لا تتكرر الزيادة بتكرر الأجل،
والمصرف الإسلامي هنا هو بائع للسلعة وليس مقرضاً لقيمة السلعة.
وهنا يرد تساؤل مؤداه:
ما حكم العُربون أو مقدّم الثمن الذي تطلبه بعض المصارف للتأكد من جدية العميل فيما هو مقدم عليه؟
قال الحنابلة: بجواز أخذ العربون واستدلوا بما رواه البخاري من أن عمر بن الخطاب اشترى دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر t وإلا فله كذا وكذا، قال الأثرم: قلت لأحمد، تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول، هذا عمر t.
ومن الصيغ الخدمية
دراسة الجدوى الاقتصادية وتقييم الفرص الاستثمارية وذلك بإعداد الدراسات اللازمة للاستثمارات والمشروعات الاقتصادية،
سواء أكانت عائدية المشروع للمصرف أم للمتعاملين معه وتخضع دراسة الجدوى الاقتصادية عادة على معايير ومقاييس للوصول إلى النتائج الصحيحة،
وبما أن الحديث حول المعايير المحاسبية الشرعية فجميل أن أسوق بعضاً من المقترحات الخاصة بالمعايير الإسلامية الصالحة لدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعات في مقابل المعايير التقليدية السائدة غالباً مع مراعاة الربحية التجارية التي يتوخاه أرباب الاتجاهين.
فلقد ذهب البعض إلى ضرورة اختيار المشاريع وفق الأوليات الإسلامية المحققة لمصلحة أكبر شريحة من المتعاملين مع المشروع أو المستفيدين من وجوده بما يدفع الفقر ويحسن توزيع الثروة وتفتيتها.
ما يقتضي كما يقول البعض أن يكون المعيار ثنائياً ذا حدين يجمع بين الربحية التجارية والتكلفة الاجتماعية إذ لم تمنع أحكام الشريعة في إطارها المعاملاتي الربح بل أصلت له تأصيلاً معيارياً مثل الأساس الفكري للربحية في ضوء أحكام الفقه الإسلامي
حيث تنتظم دراسات الجدوى اعتباراتٌ ضابطة لمعيار الربحية فيها كمفهوم القيمة الحالية حيث يقارن المقبل على أي مشروع بين عائدية مشروعه النقدية المتوقعة،
وبين فوائد رأس المال فيما لو أودع في مصرف تقليدي في ضوء تأثير الزمن على قيمة التدفق النقدي.
ولا شك أن للبعد الزمني قيمة مالية في المنظور الإسلامي عبر عنها من خلال نوعين من البيوع هما
بيع السلم الذي هو بيع آجل بعاجل أي بتعجيل الثمن،
أما البيع الثاني فهو البيع الآجل وهو البيع إلى أجل معلوم بزيادة عن الثمن النقدي في الحال.
أما قياس التكلفة والعائد فلقد قدم فقه المعاملات في الإسلام عدة أنواع من المعاملات يستحق صاحبها صنوفاً مختلفة من العوائد (المردود) هي الإجارة - الجعالة - المشاركة.
أما الإجارة فيستحق بموجبها المصرف الإسلامي إما إجارة منافع الأصول (الأعيان)
وإما إجارة منافع الأعمال فيأخذ أجراً معلوماً جنساً وقدراً.
أما الجعالة أو الوعد بالجائزة وهو ما يجعل لصاحب الجهد مقابل جهده،
ولها أدلتها الشرعية غير الخافية وهي تشبه الإجارة إلا أنه يشترط فيها معرفة الزمن أو العمل.
أما المشاركة فهي اختلاط النصيبين أي أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما.
هذا وتكون عوائد عناصر الإنتاج على أحد شكلين:
- عائد معلوم مسبقاً كما هو الحال في الإجارة والجعالة.
- عائد احتمالي غير معلوم مسبقاً كما هو الحال في المشاركة والربح المترتب عليها.
وفي دراسة الجدوى تراعى قضية التكلفة الاجتماعية التي تمثل ذلك الاتجاه المصلحي العام الذي يتحمل جزءاً من الأعباء التي تعود على المجتمع سواء أكانت الدولة من فرضت هذه الأعباء لأجل المصلحة العامة أم المجتمع لذات المصلحة لأن أي مشروع لا يستغني عن المجتمع الذي يتبادل معه المنافع كاليد العامة والمكان والمواد الأولية وغير ذلك من مستلزمات الإنتاج.
لقد راعت الشريعة في عبء التكلفة الاجتماعية على ا لمشاريع أن تكون عن تراض من المشروع.
على الرغم من أن الشريعة بمقاصدها في المقابل تسمح لولي الأمر أن يقيّد المباح إيجاباً أو نهياً إذا كان في هذا التقييد مصلحة عامة للمسلمين أو فرض هذه التكلفة على المشروع إن صدر من ولي الأمر مع الأخذ بمبدأ العدالة والمساواة
فلا بد من الالتزام به امتثالاً لقوله تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء: 59].
أما ما يتحمله المجتمع إزاء هذه التكلفة فيؤكدها توجيه الشارع للأفراد بتحمل مسؤوليات تصرفاتهم وتحمل تبعاتها،
ضابط ذلك تلك القاعدة الذهبية التي نصت على أنه ((لا ضرر ولا ضرار))
والضرر هو أن يُلحق أذى بمن لم يقع منه أذى مقابل، والضرار هو أن يلحق أذى بمن آذاه على وجه غير مشروع،
ولعل من أهم أحكام هذه القاعدة:
تعويض من وقعت عليه أضرار ناتجة عن فعل الغير، فالضرر سبب وعلة للتضمين.
هذا ومن الخدمات التي تقدمها المصارف الإسلامية خدمة جمع وتوزيع الزكاة ذلك أن المصرف هو ابن المجتمع،
ويملك أرضية تخوله لهذه المهمة العظيمة إن على مستوى الخبرات أو على مستوى الإمكانات،
خاصة وأن الزكاة مثلت عبر العصور جزءاً هاماً من السياسات المالية في المجتمع وكذا التنظيم الاجتماعي، فضلاً عن أن وظيفة الزكاة وظيفة اقتصادية اجتماعية تتجاوز فهم البعض أنها مال يعطى للفقير ليعين نفسه فترة وجيزة ثم ليتربص بعدها حولان الحول ليأخذ نصيبه من السنة الجديدة، لا بل إن وظيفة الزكاة في فهمها السديد أرادت تمكين الفقير من إغناء نفسه بنفسه بحيث يكون له مصدر دخل ثابت يغنيه عن مد يديه للناس.
لذلك رخصت المذاهب الفقهية - في حال كثرت موارد الزكاة- أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع أو تحيي أو تشتري أراض للزراعة أو تبادر إلى إقامة مشاريع عقارية استثمارية تستفيد من عوائدها وغلاتها حتى أن تنشئ مؤسسات تجارية تستوعب أكبر عدد من الفقراء لتشغلهم وتؤمن لهم دخلاً دورياً يغنيهم.
لكل هذه الاعتبارات واكبت الشريعة هذه المقاصد السامية فقامت في المصارف الإسلامية صناديق لجمع الزكاة أطلق عليها:
حساب الزكاة والخدمة الاجتماعية والدليل على ذلك قول الله في آية مصارف الزكاة( والعاملين عليها )
إن ذكر هذا الصنف في مصارف الزكاة لهو دليل على أن عملاً مترتباً على إحياء هذه الفريضة يقتضي تفعيلها بشكل يؤدي غرضها التشريعي.
ثم لما نقرأ قوله: ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ).
نقف عند محورين مهمين:
أولهما: خذ، وهو أمر لولي الأمر الذي يقدر مصلحة هذا المال في الصالح العام حسب ما تقتضيه الأحوال.
ثانيهما: اتفاق جمهور العلماء على أن المراد بالصدقة هنا هو الزكاة .
ولنا أن نقرأ من السنة توجيهه لمعاذٍ إلى اليمن قائلاً:
((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
ولعل من المناسب في هذا السياق أن أقف عند معيارية حساب الزكاة في المصارف الإسلامية إذ يجب:
أولاً: أن يخرج المصرف زكاة الأسهم عند حولان الحول بمقدار ربع العشر من النقود الموجودة عن المدفوع من قيمة الأسهم إنصافاً إليها قيمة عروض التجارة الخاصة بالأسهم.
ثانياً: العقارات المشتراة بمال الأسهم إن كانت للتجارة ففيها ربع العشر وهي زكاة عروض التجارة، وإن كانت للإيجار ففيها العشر -مثل زكاة الزروع- وقت تسلمها.
ثالثاً: الأموال المقدمة للمضاربة، يزكَّى رأس مال المضاربة ونصيب المصرف من الربح بواقع ربع العشر.
رابعاً: القروض القوية مرجوة الأداء تعامل معاملة النقود الحاضرة.
خامساً : لا زكاة على الودائع المختلفة في المصرف الإسلامي إلا بعد تفويض من أصحابها للمصرف بخصم الزكاة التي يشترط فيها النية قبل التنفيذ.
سادساً: مع نمو العمليات الإنتاجية وتطور الصناعة صدرت الفتاوى التي تشير إلى قياس المشروعات الصناعية على الأراضي الزراعية باعتبار كل منهما أصلاً ثابتاً يدر دخلاً متجدداً ومن ثم تجب الزكاة في المنتج بنسبة 5%.
كما يمكن معاملة رأس المال العامل من المشروع الصناعي معاملة عروض التجارة بنسبة 2.5 % في الأصل والناتج.
ومن الخدمات التي تلحق بهذا الجانب قضية توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ربح دون تمليك فردي للمستحق، قال بذلك علماء معاصرون واستدلوا على ذلك بالنقل والعقل.
أما النقل فقد ثبت أن رسول الله وأصحابه استثمروا إبل الصدقة وغنمها وأنعامها واتفق ذلك على الفقهاء.
كما ورد في فتح الباري أن رسول الله كان قد اقترض لنفسه فلما حل الأجل اشترى من إبل الصدقة بعيراً ممن استحقه،
أو اقترض من آخر أو مال الصدقة ليوفيه بعد ذلك.
وجاء في البخاري عن الصحابي محمد بن الأسود بن خلف أن رسول الله حملنا على إبل الصدقة للحج.
وعن خزام بن هشام الخزاعي عن أبيه قال شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه باع إبلاً من إبل الصدقة فيمن يزيد.
أما الاجتهادات الفقهية:
فقد توسع الفقهاء في سهم (في سبيل الله) بحيث يشمل كل قربة إلى الله تعالى كبناء المستشفيات والمدارس وغيرها من مشاريع النفع العام.
كما أجاز الحنفية تأجيل دفع الزكاة ولو بلا عذر أو قال الجمهور بعذر، مادام ذلك لأجل مصلحة المستحقين.
أما الأدلة المقاصدية في هذا السياق فتتضح من خلال عناوين السنة النبوية الحاملة على البر والإحسان،
وتشجيع العمل من مثل قصته مع ذلك السائل وأمره له بالاحتطاب بعد أن أجرى مزاداً علنياً مع سقط متاع هذا الفقير.
وثم أرى في استدلال بعض علمائنا بمسألة الاتجار بأموال اليتامى فليس مال الزكاة -حسب وجهة نظرهم- بأشد حرمة من مال القاصر اليتيم ولا سيما الفقير فإن الفقهاء متفقون على أن لوصي اليتيم أن يتاجر بأمواله ويستثمرها لتنميتها كي لا تأكلها الزكوات والنفقات.
أما الأدلة الاجتهادية فيدور حكمها على فهم النصوص فهماً صحيحاً يتناسب مع العصر وواقع المسلمين، وكذا مقتضيات اللغة.
فاللام في قوله: ... للفقراء والمساكين ... سواء أعملناها لاماً تمليكية أو اختصاصية فإنها تفيد تملك الجماعة من الفقراء والمساكين جائز وبعد ملكاً اعتبارياً.
ثم لنا أن نتساءل عن تغير الأسلوب من اللام في الأصناف الأربعة الأول إلى أسلوب - في - في الأصناف الأربعة الأخر ... وفي الرقاب... ما يفيد أن جانب التمليك ليس خياراً وحيداً في المسألة بل للصرف مكان فيها.·
يؤيد ذلك الفهم حديث رسول الله (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة .... منهم .... رجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي من قومه يقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال: سداداً من عيش.
إن معنى هذا الحديث يدل على أن سداد العيش المستمر بعمل الفقير القادر على العمل في أموال الزكاة المستثمرة أولى وأفضل من أن يعطى لفترة قصيرة ثم يصرف ذلك المال فيعود للمسألة
ثم أليست أن مصارف الزكاة في فهم نصها تقتضي أن يفتح المجال لأهل الاجتهاد أن ينوعوا طريقة إيصال الزكاة إلى مستحقيها بما يحقق الغرض من تشريعها. ولا شك أن أسلوب هذا التوزيع يختلف تبعاً لاختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف والأحوال.
وكلنا يؤمن أن القرآن في توجهه المقاصدي العام أشار إلى أن العبرة بعموم اللفظ، وأن العبرة بالمآلات والخواتيم والغايات مع اعتبار الوسائل إلا أنه لا نقف عندها إلا إذا وردت منصوصة.
ثم ألا تلاحظ الصيغة التي وردت بها الآية حينما قالت الفقراء - المساكين بصفة الجمع وليس الأمر يناط بالأفراد فحسب، ما يشير إلى دعوة عامة لحل مشاكل الفقر العامة.
ثم إن النظر إلى واقع المسلمين اليوم وهم يمثلون واحدة من أكبر شرائح الفقر والتخلف والمرض ضمن هذا المثلث المرعب في العالم ألا يقتضي من أهل النهى العاملين في حقل الاقتصاد الإسلامي العمل على معالجة مشكلات المسلمين بأساليب تخاطب العصر بأدوائه
وتكون وليدة آلامه ومشاكله في مبادرة من أولئك الأعلام لقراءة نصوص المذاهب الفقهية قراءة عصرية لا تتعدى الثابت إلا أنها تستشرق آفاق المتحرك خدمة لعباد الله، ويكون ذلك مشفوعاً بتحليل دقيق لتلك النصوص في إطارها المقاصدي،
دون أن يغيب عن أولئك أن عللاً منضبطة للأحكام تكمن وراء طواعية الحكم الشرعي ودعوته إلى جلب المصالح ودفع المفاسد.
إن آفات المجتمعات الإسلامية تقتضي فعلاً من النخب الاقتصادية الإسلامية إيجاد حلول مناسبة ومن جملتها استمرار واردات الزكاة من خلال توظيف الزكاة في مشاريع ذات ربح تفيد الأمة وتحيي اقتصادها وتدفع البطالة عن أبنائها القادرين على العمل.
ويطيب لي أن أختم بقرار مجمع الفقه الإسلامي بهذا الصدد حيث نص على أنه
يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها على أن تكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر.
وبعد فهذا غيض من فيض المعايير المحاسبة والشرعية الإسلامية في توجيه وتنظيم عمل المصارف الإسلامية،
ولقد آثرت أن أسير في هذه الورقة المتواضعة في اتجاه تأصيلي قدر الإمكان، وانتخبت من عمل المصارف عينات محدودة جعلتها محل الدراسة وما ذلك إلا لاحترام الوقت من جهة ولمنح المعايير الناظمة لعمل المصارف حقها إذا ما كان لمثلي أن يوفيها حقها مع ما تمتعت بدمن جهود كبار الاقتصاديين الإسلاميين في هذه العجالة وبهذه البضاعة .
راجيا ًلمؤتمركم هذا كل نجاح وتوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور عبد السلام راجح
عضو مجلس الشعب
عميد كلية الشريعة والقانون
في مجمع الشيخ أحمد كفتارو
([1] ) البخاري كتاب قرض الخمس - باب بركة الغازي في ماله حياً وميتاً مع النبي r وولاة الأمر.
([2]) فتح القدير - حاشية الدسوقي - المغني.
· د.عبد العزيز الخياط