الفتوى.. والفتوى المضادة
القاهرة- صبحي مجاهد**
يشهد عالمنا الإسلامي حاليا فيضانًا مستمرًا من الفتاوى المضادة المتنافرة في مختلف القضايا خاصة القضايا الحساسة للدرجة التي يصل البعض فيها إلى حد التكفير والبعد عن وسطية الدين وعدالة أحكامه الشرعية؛ وهو ما يجعل البحث في أسباب تلك الظاهرة وسبل علاجها أمرًا حتميًّا لإنقاذ الأمة من مخاطرها المتعددة.
وفي سبيل بحث أسباب هذه الظاهرة وطرق علاجها استطلعت وسطية آراء عدد من العلماء والخبراء الشرعيين على هامش مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المنعقد مؤخرا في القاهرة في مارس الماضي 2008.
بداية يركز الدكتور عصام البشير الأمين العام للمركز العالمي للوسطية وزير الأوقاف السوداني السابق في حوار لوسطية أون لاين على تحديد أسباب تلك الظاهرة، ويرجعها إلى اقتحام غير المتخصصين في الفتوى،
ويوضح قائلا: "أحيانا نرى الخطيب والواعظ والإمام يقرأ الحديث والآية المرة والمرتين وهو غير مؤهل لعلم الشريعة ولا يتقن فقه الواقع ويتصدى للفتوى فتصدر على خلاف الحكم الصحيح وتتناقض الفتوى، ويهتز الناس في معرفة أمور دينهم".
ويشير إلى أن من بين الأسباب أيضا وجود بعض فضائيات الإثارة ومواقع الإنترنت التي فتحت الباب واسعًا لكل من هب ودب من المدعين للعلم لكي يلقون بفتاواهم؛ وهو ما يؤدي في النهاية إلى تشويه صورة المسلمين خاصة في الغرب.
ويحدد الدكتور عصام عددًا من الحلول لمواجهة هذه الأزمة،
أهمها "أن تقوم المؤسسات والهيئات الرسمية بدورها من خلال مرجعيات وكفاءات علمية تحوز ثقة الأمة ورضاها وتتصدى عبر آلية الاجتهاد الجماعي للردود على المشكلات والقضايا التي تواجه الأمة، وهذا كفيل بأن يقضي على الفوضى في الإفتاء ويحمي الأمة من الفتاوى المضادة التي لا يستند كثير منها إلى اجتهاد سليم".
كما يرى أنه لا بد من إعداد جيل من العلماء داخل الأقليات الإسلامية أيضا ليتسلحوا بعلم الشريعة وعلوم العصر والواقع ليقدموا اجتهادات معاصرة ترتبط بالأصل وتتصل بالعصر، وتقف في وجه فتاوى غير المتخصصين من الدخلاء ومحبي الاختلاف لمجرد الخلاف.
خطورة واقعية
في حين يطرح الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رؤيته حول مخاطر الفتوى والفتوى المضادة تطبيقا على النموذج الفلسطيني، ويوضح أن ظهور تلك الظاهرة هو نوع من استغلال الفتاوى في النزاع بين المسلمين، وتوظيف للفتوى لتأجيج الصراع والنزاع بما يؤدي إلى كارثة حقيقية، خاصة إذا تصدى لإصدار الفتاوى من لم يستطيعوا القيام بهذه المهمة الجليلة التي يجب أن يتقي كل من يتصدى لها.
ويرجع التميمي في حديثه لوسطية أون لاين أسباب الفتاوى والفتاوى المضادة في القضايا المختلفة خاصة تلك التي تعلق بقضايا سياسية إلى أن تلك الفتاوى قد تصدر ممن لا يفهم تطويع الأدلة، ويستنبط الحكم الشرعي من الأدلة التفصيلية ليفتي بما يشاء مواجهًا فتاوى أخرى ليخدم برنامجًا أو حزبًا سياسيًّا معينًا؛ فهذه مصيبة وطامة أخرى.
ويشير إلى أن ذلك ظاهر على الساحة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة، وقد عانى منها الشعب الفلسطيني لدرجة أن الفتاوى المضادة أصبحت تتعدى إلى قضايا التخوين والتكفير، وهذا يعد تجاوزًا خطيرًا، خاصة أن هناك بعض فتاوى تصدر لا يمكن أن تصدر إلا بعد أن يُقَدَّم من يصدر بشأنه الفتوى بالتخوين مثلا إلى المحاكمة ويدان بأدلة دامغة، وبعد ذلك يصدر الحكم بالردة.
ويرى الشيخ تيسير أن العلاج يكمن في أمر بسيط وهو أن المفتي أو العالم يجب عليه ألا ينحاز لفئة ضد أخرى في إصدار فتواه، ولا بد أن ينحاز إلى الحق والدليل الشرعي الذي يعتمد عليه في الحكم الشرعي الذي سيبين للناس الحق فيه وضرورة اتباعه، فإذا تم الالتزام بذلك انحصرت ظاهرة الفتاوى المضادة وأصبح ما تبقى معلومًا وواضحًا بطلانه وعدم صحته في الأغلب.
أسباب ظاهرة
من جانبه يؤكد الدكتور عبد السلام العبادي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة أن مسألة الفتاوى المضادة نابعة من وجود جرأة على الإفتاء مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك بقوله: "أجرؤكم على الفتيا أجرأكم على النار" خاصة إذا صدرت ممن ليس أهلا للفتوى.
ويتساءل الدكتور:
كيف يقبل على بيان الحكم في الشريعة من لم يعدوا أنفسهم للفتوى؟ مع أن القواعد واضحة وبيَّنها العلماء في علم أصول الفقه في شروط المجتهد، فإذا توافر الاجتهاد بشكله الصحيح فقلما حدث التضاد، وإذا حدث خلاف في الفتوى على علم وبينة واجتهاد حقيقي فلن يكون هناك ضير على الأمة ولا خطر؛ لأن ذلك سيعد في هذه الحالة تعدد رأي وتقديم علاجات متعددة للمشكلات، أما غير ذلك فسيعد هدمًا للدين".
ويوضح أن الفتوى المضادة لفتاوى العلماء المتخصصين غالبا ما تكون متضمنة آراء غريبة ومستهجنة للفت أنظار الناس وإفساد أمر الدين عليهم، وهو ما يعد تطاولا على الدين، وعليه لا بد من وضع كل الإجراءات لمنعها في إطار الحكمة، ولا بد في نفس الوقت طرح البديل القوي العلمي".
ويشدد الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة على أن العلاج لظاهرة الفتاوى المضادة الهدامة للدين وللأمة يتطلب الالتزام بما تطلبته الشريعة الإسلامية من شروط لمن يتصدى للفتوى والاجتهاد، بحيث يكون من يتصدى لبيان الحكم الشرعي من أهل الذكر، ومتفقها في الدين ليكون بيان الحكام نابعا من مصدر صحيح،
كما يجب على مؤسسات الفتوى أن تقدم الفتوى الرصينة المحكمة الصياغة البعيدة عن المسايرة لأي شيء غير الدليل الشرعي، والقاطعة للطريق على مدعي الفتاوى المخالفة غير المدروسة.
فيما يرجع الدكتور أحمد هليل قاضي قضاة الأردن وزير الأوقاف السابق بالمملكة الأردنية معاناة العالم الإسلامي لظاهرة الفتوى والفتوى المضادة إلى قيام أصحاب تلك الفتاوى بخدمة البعض لأهداف خاصة.
ويشير إلى أن الحل الوحيد هو الرجوع إلى المجامع الفقهية والرسمية التي تصدر الفتاوى الجامعة، كما لا بد أن تكون هناك صورة واضحة لإسلامنا من منطلق قواعد ثابتة للفتوى التي تقوم على الحكم الشرعي، وعلى الدليل الشرعي من كتاب أو سنة أو اجتهاد وإجماع من العلماء.
الحجب هو الحل
في حين يرجع الدكتور محمد فؤاد البرازي عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، رئيس الرابطة الإسلامية بالدنمارك سبب كثرة الفتاوى المضادة إلى سببين أولهما اقتحام غير المتخصصين مجال الفتوى،
ويؤكد أنه لا يجوز تمكين غير المتخصصين من الفتوى بل ويطالب بالحجر عليهم، بحيث تقوم الجهات المسئولة بذلك من خلال سلطة الدولة، كما على جهات الإفتاء منع غير المتخصصين من ذلك والتضييق عليهم.
ويشير إلى أن مسألة الفتاوى المتناثرة المضادة تنتشر أكثر في الغرب خاصة مع عدم وجود جهات رسمية وسلطة من الدولة لها بالاختصاص بالفتوى وتنظيم أعمالها، ومعرفة المختصين من غيرهم، بالإضافة إلى تزايد وانتشار الفضائيات التي ساعدت على ذلك، حيث صارت تستضيف باسم الإسلام من يتكلم الفتوى وهو يتكلم بالخرافات والابتداع.
سبب آخر يشير إليه الدكتور البرازي في تفاقم ظاهرة الفتاوى المضادة وهو خدمة المصالح، ويقول:
"إن الاختلاف الفقهي عندما يكون في نفس الأطر والحدود التي اختلفت عليها المذاهب الفقهية من قبل فهذا من باب التوسعة، ومن باب الرخصة للأمة إذا كانت من عالم موثوق، ولا حرج فيها، لكن ما نراه من تضاد منتشر في الفتوى لخدمة أغراض سياسية أو أهواء ذاتية شخصية أو صراعات إقليمية أو مذهبية هو أمر ممقوت وغير مقبول لا يرضى بها الله عز وجل ويرفضها قلب كل تقي".
ويحذر من أن بعض الفتاوى المضادة قد تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، حيث تؤدي إلى فتح باب التكفير ثم فتح باب إراقة الدماء من غير حق، ويوضح ذلك بقوله:
"نحن نسمع بعض الفتاوى التي تخرج لمجرد الخلاف في الرأي بالتكفير، وإذا قيل لهم إن هذا العمل خطأ ولا يجوز التكفير في الفتوى، أطلقوا عليك الكفر وهنا يبيحون دمك، وهذا أمر خطير، فيستبيحون الدم لمجرد الاختلاف والتضاد".
** المصدر: وسطية أون لاين