البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه الدَين والقرض الحسن والرهن | مطل الغني وطرق معالجته في الاقتصاد الإسلامي 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين .

1- المسألة محل البحث :

     قامت الحياة الاقتصادية في المجتمعات المعاصرة على وجود مؤسسات  تجارية تتخصص في عمليات التمويل، وتنهض بوظيفة الوساطة المالية بين المدخرين، الذي تفيض الأموال عندهم عن حاجتهم الآنية، والمتمولين ممن يحتاج إلى المال لغرض الإستثمار والتجارة أو لحاجة الإستهلاك. فأضحت هذه المؤسسات وسيلة مفيدة وناجحة لتحقيق مزيد من الرخاء والنمو الاقتصادي من خلال الوساطة بين الفئتين، ومن ثم تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المالية المتاحة للمجتمع ككل، وتوجيهها دائماً نحو الاستخدامات النافعة بدلاً عن تركها عاطلة أو مستثمرة بطريقة غير مثلى. والبنوك هي أهم مؤسسات الوساطة المالية.

وتعمل البنوك التقليدية في وساطتها المالية على الإقتراض (بالفائدة أو بلا فائدة) من المدخرين([1]) ثم الإقراض بالفائدة إلى المتمولين، ولذلك فهي ليست محل نظر عندنا لحرمة ما تقوم به ابتداءً. وقد جاءت المؤسسات المالية اللاربوية كبديل ينهض بوظيفة الوساطة المالية ضمن نطاق المباح من المعاملات المالية وأنواع البيوع وعقود الشركة والمضاربة. ولذلك فإن هذه الورقة إنما تتعلق بمسألة المماطلة في سداد الديون الناتجة عن صيغ التمويل التي هي في أصلها مباحة .

    وتعتمد صيغ التمويل المعاصرة في المؤسسات المالية اللاربوية في جملتها على الديون،  فمنها ما كان بيعاً بالأجل مثل بيع التقسيط وصيغة المرابحة للآمر بالشراء، أو التأجير المنتهي بالتمليك، أو الاستصناع  ومنها أنواع الشركة والمضاربة التي؛ وإن لم تبدأ ديوناً فربما انتهت إلى توليد أنواع من الالتزامات الشبيهة بالديون([2])، والتي يقع فيها المطل. ولهذه الديون الناتجة عن البيوع، سواء كان منجمة أم تسدد دفعة واحدة يكون لها آجال محددة. ويعتمد حساب البائع لسعر البيع (أو أقساط الإيجار)، بالإضافة إلى التكلفة ومقدار الربح على عنصرين رئيسين الأول: طول تلك الآجال والثاني: إفتراض أن المدين سوف يسدد دينه في التواريخ المحددة بدون تأخير.

    فإذا لم يتحقق ذلك بسبب مماطلة المدين، عُدَّ مجرد التأخر وضياع الوقت خسارة على الدائن (المؤسسة المصرفية) لما يترتب عليه من ضياع فرصة تثمير المال.  ومن جهة ثانية، عُدَّ المماطل مظنه تحقيق الربح والفائدة من الأموال التي تأخر في تسديدها إلى دائنه وذلك لأن الأصل ، كما ذكرنا، هو حصول هذا الاسترباح. فاتجه النظر لدى أرباب هذه المؤسسات المالية إلى البحث عن إمكانيات تعويض الدائن عن فوات الربح وطرق تغريم المدين الذي يفترض استرباحه مما تأخر في ذمته من دين. إلا أن مثل ذلك الترتيب مشكل إذ لا يختلف عن صيغة معروفة ومحرمة في الشريعة الإسلامية وهي الزيادة الطارئة على الدين الثابت في الذمة، والتي أشتهرت بعبارة "أتقضي أم تربى"([3])، والإجماع قديماً وحديثاً على أنها عين ربا الجاهلية المقطوع بحرمته. فإحتاجت المسألة عندئذٍ إلى دراسة ونظر وهو موضوع هذه الورقة  .

    إن الشريعة السمحة لم تتجاهل ما تسببه مماطلة ذوي الملاءة في تسديد الديون من ظلم، فجاءت بترتيبات محكمة لمعالجة هذه المشكلة، وتوطيد أركان العدل في المعاملات المالية. لكنها، لحكمه بالغة، لم تُجز التعزير بالمال([4])، الأمر الذي يعني أن الباب صار مغلقاً في وجه فرض العقوبة المالية التعويضية  على المماطل. إلا أن كثيراً من المصرفيين الإسلاميين يرون أن الظروف الحالية وطبيعة الحياة المعاصرة والمستجدات الاقتصادية والقانونية قد أبرزت الحاجة إلى اجتهاد جديد في المسألة يأخذ باعتباره هذه الظروف وتلك الطبيعة المختلفة للمعاملات والعلاقات الاقتصادية بين الأفراد والدول، بحيث يتحقق الغرض المطلوب في زجر المماطلين، وكذلك في تعويض الدائنين عن الضرر دون الوقوع في الربا المحرم. فهل إلى ذلك سبيل ؟

 

2- معنى المطل :

     المطل في اللغة إطالة المدافعة عن أداء الحق، والمراد تأخير ما إستحق أداءه بغير عذر، أي إذا سوّفه بوعد الأداء مرة بعد مرة. قال الحافظ إبن حجر: ويدخل في المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد لعبده ...الخ([5]). والمطل الممنوع هو مطل الغني، والغني هو القادر على أداء الحق الممتنع عنه مع مطالبة صاحبه به ، فالوصف بالغني يتعلق بالقدرة على الأداء عند وجوب الحق لا بالثراء .

 

3- المماطلة في سداد الديون ليست جديدة ، والحكم فيها مشهور :

    إن المسألة التي ذكرناها آنفاً ليست جديدة ، إذ المطل معروف منذ القديم . وقد ورد النهي عن المطل في السنة الصحيحة وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام "مطل الغني ظلم" الحديث([6]) وقوله صلى الله عليه وسلم "لي الواجد ظلم يبيح عقوبته وعرضه"([7]).

    وقد أجمع الفقهاء على أن الغني الواجد آثم إذا مطل، وان لولي الأمر معاقبته بالحبس أو الضرب أو التشهير به، أو أن يكرهه على بيع ماله أو أن يبيعه بدون إذنه لسداد غرمائه([8])، وان أخفى ماله فله (أي لولي الأمر) حبسه وضربه حتى يظهره. إلا ان يكون معسراً فيؤجل عندئذ إلى الميسره، كما نص على ذلك التوجيه القرآني ) فإن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسره (([9]) .

    ولذلك فان الأحكام الفقهية المتعلقة بمطل الغني والتي تمثل رأي جمهور فقهاء المذاهب معروفة مشهورة، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1) لا يجوز للغني أن يمطل دائنه أو أن يؤخر سداد ما عليه إذا حل أجل ذلك وهو واجد قادر على التسديد فان فعل فهو آثم ظالم كما نص على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمهور الفقهاء على أن فاعل المطل فاسق، وأن مَنْع الحق مع تكرار المطالبة به كبيرة .

2) للدائن ان يرفع أمره إلى القضاء ، وللقاضي التعزير به ومعاقبته في بدنه أو في عرضه (بالتشهير به وذمه). والأصل عدم جواز التعزير بالمال أي توقيع الغرامات المالية عليه([10]).

3) وليس للدائن الذي تعرض لمطل المدين أن يطالبه بالتعويض مالياً عن ما فاته من وقت أو ربح أو ما إلى ذلك مما يترتب عليه زيادة الدين في ذمته، ويستثنى من ذلك التعويض عما غرمه الدائن بسبب الشكاية إذا كان هذا التعويض على وجه المعتاد([11]) .

4) ولا يكون التعزير إلا بحكم القاضي، فليس للدائن ان يباشر بنفسه عقاب المدين بأي صورة من الصور،  بما في ذلك  الغرامات المالية ويستثنى من ذلك الملازمة([12]).

5) إذا كان المدين معسراً بالمعنى الشرعي للإعسار، أمهل إلى ميسره عملاً بقوله تعالى ) فان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسره( .

 

4- الباعث على النظر في المسألة من جديد :

    إذا كانت مسألة المماطلة في سداد الدين قديمة معروفة والحكم فيها مشهور فما الباعث على الاهتمام بها اليوم؟ الواقع ان الظروف الاقتصادية التي تعيشها مجتمعات اليوم تختلف اختلافاً بيناً عن طبيعة حياة الناس في الماضي القريب والبعيد، وذلك من جهة انتشار المداينات ولا سيما في النشاط التجاري. إن المطل في المداينات لا يختلف اليوم عنه في الأمس القريب والبعيد، لكن الظروف المحيطة بالمعاملات المالية المعاصرة تستدعي نظراً جديداً في العقوبات المناسبة للمطل التي تحقق المقاصد العامة للشريعة الاسلامية في حفظ حقوق الناس وتحقيق العدل في المعاملات بينهم وأن تكون ضمن حدود المباح. ومن هذه الظروف المستجدة والإختلافات الظاهرة:-

أولاً :

    ما جرى عليه عرف الناس ، في الحياة المعاصرة ، من إعتماد الإنسان في شرائه للسلع والأصول ليس على ما يتوافر عليه من مالٍ اليوم بل على قدرته على توليد الدخل في المستقبل . ولعل مبعث ذلك أن السواد الأعظم من الناس اليوم يحصلون على  دخولهم على مؤسسات كبيرة قادرة على تحقيق الاستمرار والإستقرار والانتظام في تلك الدخول بصفة دورية يتعاقدون معها على العمل بعقود متجددة ومستمرة  ، كالموظفين الذين يعملون في القطاع العام أوالقطاع الخاص ، فيحصلون على الرواتب الشهرية المعروفة سلفاً والتي يقننها سلَّم وظيفي معتمد وأولئك الذين يعتمدون على معاشات التقاعد أو التأمين الاجتماعي أوعلى الدخل المتولد من مدخرات لهم لدى المصارف ...الخ .

    فالموظف الذي يحصل على راتب شهري قدره (5000) ريال مثلاً ، لا يعتمد في قرارات الإنفاق على ما يستطيع ان يشتريه بهذا المبلغ في ذلك الشهر بعد إستلامه له، بل يبني تلك القرارات على إفتراض أنه سوف يحصل على دخل مستقر وبصفة دورية في أشهر كثيرة قادمة لا يمنعه من ذلك إلا العجز أو الموت وتبعث على الإطمئنان عند الدائن أن كليهما يغطيه التأمين الإجتماعي والضمانات والتأمينات الأخرى. على ذلك إعتماد الناس أن يشتروا بالتقسيط، المنزل والسيارة والأثاث وربما المنافع الأخرى كالتعليم والترفيه وغير ذلك.

    ان الجديد في الأمر أن هذه قد أضحت عادة مضطردة عند الناس جميعاً وعرفاً سائداً في حياتهم . وقد ترتب على ذلك ان أصبح أكثر الأفراد في المجتمع مدينين، للبنوك وللتجار ولشركات البيع بالتقسيط ...الخ. ولا يخفى ما لانتشار صيغ المداينات من أثر حسن على مستوى المعيشة في المجتمعات المعاصرة إذ أمكن من خلالها أن يحصل عدد متزايد من أفراد المجتمع على كثير من السلع والأصول النافعة التي تؤدي إلى مزيد من الرفاهية في حياتهم دون أن يتوافر عليهم اليوم ثمن شرائها، بل يعتمدون على دخولهم في المستقبل للحصول اليوم على ما يريدون. وإلا كيف يمكن لشاب تزوج حديثاً أن يمتلك المنزل أو السيارة إلا بهذه الطريقة([13]). ولا ريب أن ظهور البنوك والمؤسسات المالية بشكل عام قد ساعد على المزيد من هذه الخدمات .

    ثم لما إنتشرت المداينات بهذا الشكل كثرت المشكلات والمصاعب المصاحبة لعلاقات المديونية، ومن أهمها المطل في السداد. لكن الأمر يختلف عن الماضي يوم كان عدد المدينين محدوداً يمكن معه أن يقعوا جميعاً تحت طائلة العقاب بالسجن أو الضرب أو التهديد به أو ما إلى ذلك. إذ صار عدد من يوصف بالمطل آلاف من الناس، لكثرة عدد المدينين ابتداءً، ثم ثانياً لتدني مستوى الالتزام بقيم العدل والمرؤه لدى أفراد المجتمعات في يوم الناس هذا، لا سيما أن الدائن في أغلب الأحول صار مؤسسة مالية وليس تاجراً أو محسناً يرتبط المدين معه بعلاقة شخصية ويشعر تجاهه بالاحترام أو الحياء وتمنعه العلاقات الأسرية أو الجوار والرفقة من المطل في السداد إلا في حال العسره  .

    لقد تزايدت عمليات التمويل بالدين لتشمل كل قطاعات الاقتصاد، بما فيها قطاع الاستهلاك. إن هذا الاتجاه الذي بدأ في الدول الغربية، انتشر اليوم في أكثر البلدان بدرجات متفاوتة ولكنها دائماً في اتجاه الزيادة المستمرة. وتدل الإحصاءات في الولايات المتحدة الأمريكية على أن الفرد يدفع قريباً من 90% من دخله الشهري في المتوسط لتسديد الديون بأنواعها المختلفة([14]). ومن جهة أخرى لا يكاد يوجد من الناس من ليس حاملاً لدين من نوع ما، ناتجاً عن شراء سيارته أو منزله أو أثاث بيته أو أغراضه الشخصية أواستخدامه لبطاقة الائتمان، أو لأغراض التعليم والترفيه والرعاية الصحية ...الخ  .

    ان التعزير بالعقوبات غير المالية مثل الحبس أو الضرب لا يمكن تطبيقه في مثل هذه الأوضاع، لأن من يقع تحت طائلة هذه العقوبات سيكون أعداداً كبيرة جداً من أفراد المجتمع لا يمكن للسجون مهما عظمت أن تستوعبها . إضافة إلى ما يمكن أن يترتب على ذلك من تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة مثل تعطيل أعداد كبيرة من أفراد المجتمع عن العمل والإنتاج، وعظم تلك التكاليف التي تتحملها الجهات المسئولة عن ذلك في سبيل تنفيذ ملاحقة المدينين وتنفيذ الأحكام القضائية عليهم المتضمنة لعقوبات من هذا النوع .

    ولا يقتصر الأمر على الصعوبات المتعلقة بتوقيع عقوبة السجن أو الضرب أو ما إلى ذلك، بل إن اشتراط الاحتكام إلى القضاء بحد ذاته لم يعد "عملياً" وحال الناس كما ذكرنا أعلاه. ذلك أن مراجعة المحاكم والمرافعات التي يقتضيها الأمر عندئذ وما يحتاج إليه من وقت لإتمام إجراءات مثل هذه الأمور هو مكلف جداً لكثرة حالات المطل مع وجود هذه الأعداد الكبيرة من المدينين، إلى الحد الذي ربما وجد الدائن أن من الخير له في كثير من الحالات اللجؤ إلى الصلح الذي يتضمن تنازله عن بعض حقه  في سبيل استرداد ما يمكن للمدين دفعه لعظم التكاليف المالية المصاحبة للإجراءات القضائية .

ثانياً :

    ثم إن عرف الناس، في تعاملهم المالي ونشاطهم التجاري، قد قام على أن النقود التي تكتنز فلا يعمل فيها بالاستثمار بأنواعه تعد محققة للخسارة لصاحبها حتى لو بقيت برأسمالها وقيمتها الاسمية. إذ أنهم يرون أن حداً أدنىً ضرورياً من الدخل لا بد أن تولدَّه الثروة المملوكة للفرد وإلا عُدَّ في عرفهم خاسراً حتى لو سلمت دراهمه أو بقيت ممتلكاته لم تنقص من حيث المبلغ أو العدد.

ولقد ساعد على تولد هذا العرف ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من تضخم يؤدي إلى إنخفاض القوة الشرائية للنقود، فإذا لم تستثمر لتولد أرباحاً صارت مصيبة صاحبها أعظم وخسارته أجسم. ولما توافرت في إقتصاديات اليوم الاستثمارات المالية التي تتميز بخاصية السيولة أضحى بإمكان الفرد الانتقال من نوع من أنواع التوظيف إلى آخر بيسر وسهولة وبتكاليف متدنية بحثاً عن مزيد من الأرباح وتفادياً للاكتناز .

هذا يعني أمران :

الأول: ان تأخر المدين عن سداد الدين يعني بالضرورة أن الأخير قد حقق الخسارة حتى لو سدد المدين المبلغ المستحق كاملاً غير منقوص إلى الدائن، إذا كان يفعل ذلك بعد مرور زمن على تاريخ حلول الدين

والثاني: ان فرصة الاسترباح من المال التي أضاعها المدين على الدائن بمماطلته هي فرص حقيقية موجودة بسبب خاصية السيولة التي أشرنا إليها وبخاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مصرفية متمرسة بأمور توظيف الأموال فالخسارة المذكورة عندئذٍ ليست محتملة بل تكاد تكون متيقنة فلو أنها إسترددت أموالها في الأجل المحدد لأمكنها قطعاً أن تحقق منها دخلاً جديداً بالاستثمار. كل ذلك يعني أن طلب التعويض الذي يقول به الدائن له وجه قوى من جهة التحليل الإقتصادي ومنطق ذا قبول لدى عامة الناس وليس إدعاء  لا يقوم على أسس واقعية.

          بناء على هذا كله احتاجت المسألة إلى نظر جديد يأخذ باعتباره هذه المستجدات محاولاً البحث في إمكانيات إيجاد حلول بديله .

 

5- بعض طرق معالجة المماطله في سداد الديون في الدول الغربية :

          المماطلة في سداد الدين وإدعاء الإفلاس للتهرب من الحقوق المالية ومن الالتزامات المستحقة تعد مشكلة في كل المجتمعات . وليس صحيحاً أن إجازة العمل بالفائدة في الغرب وتقبل أفراد المجتمع للمعاملات الربوية بما فيها الفوائد التعويضية سيعني القضاء على هذه المشكلة. إن واقع وتجارب الدول الغربية تشير إلى أن الفائدة قد تستخدم لتعويض الدائن عن فوات فرص الربح  وعن الضرر الواقع عليه بسبب المماطلة ولكن ليس لها قيمة عملية إلا في الحالات التي يمكن تحصيلها أو التنفيذ على الرهون المقابله للديون، لكنها ليست فعاله في الردع والزجر عن المماطلة.

لقد اتجهت المعالجات المعاصرة لدى المسلمين لمسألة المماطلة في سداد الديون إلى الاهتمام بعنصر تعويض الدائن عند فوات الربح أكثر من اهتمامها بمسألة الزجر والردع ولعل مرد ذلك إلى أن البنوك الإسلامية هي أكثر المؤسسات تعرضاً لمضار المماطلة.  ولا ريب أن هذا الاتجاه يتناقض مع الحكمة الجلية في التوجيهات النبوية في هذه المسألة كما لا يتوافق مع تجارب المجتمعات الأكثر خبرة في هذه القضية.

ان الأحاديث المروية عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع قد أغفلت جانب تعويض الدائن عن ما فاته من ربح نتيجة المطل مع عنايتها الفائقة برفع الظلم وتحقيق العدالة والزجر عن المماطلة وإيجاد الأوضاع التي تقلل منها. ويمكن القول عندئذ أن أي إجراء لا يتحقق منه مقصود الشريعة فهو مظنه الإخفاق والفشل. والعجيب أن تلك الدول قد عنيت أيما عناية بهذا الجانب، فتبنت ترتيبات قريبة في مقاصدها إلى ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"([15]) .

 

وتقوم الإجراءات التي تتبناها الدول الغربية على ما يلي :-

أ- إعتماد القطاع الخاص على إجراءات تعاونية تنفذ دون الحاجة إلى  تدخل الحكومة. إذ المعروف في الدول الغربية أن الجهات الأمنية، مثل الشرطة، لا تستجيب لدعوة التدخل في المشكلات بين الأفراد إلا تلك التي تكون ذات طابع جنائي وتمتنع عن الدخول في المسائل المتعلقة بالخلافات التجارية بين الأفراد والمؤسسات  إلا بأمر المحكمة. ولذلك فان الشركات والمؤسسات التجارية تقوم بإدارة وتمويل برامج تعاونية يكون الغرض منها تحقيق جانب الردع والزجر عن المماطلة في تسديد الديون، يستفيد منها جميع الدائنين المشاركين في تلك البرامج.

وتقوم تلك البرامج بصفة أساسية على جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة التي تشمل أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع ([16]). وتتعلق بعناوين السكن ومعلومات عن العمل وعن مستوى الدخل وأسماء من حكمت عليهم المحاكم بعقوبات بالاضافة إلى السجل الائتماني لكل واحد منهم الذي يتضمن حسن قضاءه لديونه أو مماطلته وتشمل كل دين تعلق بذمته.

ب- تصنيف الأفراد والمؤسسات إلى فئات بحسب الملاءة وإعتماداً على سجل الالتزام بتسديد الديون في وقتها. وتقوم بهذه المهمة شركات خاصة مرخص لها  تجمع المعلومات من جهات التمويل المختلفة ثم تكّون منها قاعدة معلومات دقيقة يتم تحديثها بصفة يومية تقريباً تتضمن جل عمليات الائتمان الجارية وأسماء المدينين فيها وتحصل على هذه المعلومات من الجهات التجارية التي تقدم هنا الائتمان. فإذا إقترض الفرد من المصرف لأول مره في حياته سجل اسمه في قاعدة المعلومات وجرى متابعة التزامه بالدفع ثم أعطي درجة تبين "جودته" الائتمانية وحسن وفائه للديون . فإذا تقدم بطلب قرض مرة أخرى من مصرف آخر أو اشترى بالأجل أو تقدم بطلب بطاقة الائتمان، تأكدت المؤسسة المالية، قبل الموافقة على طلبه، من "جودته" الائتمانية بمراجعة سجله في قاعدة المعلومات.

وبناء على ذلك اتخذت قرار المنح أو المنع. وفي كل مرة يقترض ذلك الفرد يجري تحديث سجله، وهكذا . فإذا عمد الفرد إلى المماطلة في السداد في المرة الأولى أو في مرة لاحقة جاء سجله موضحاً للمستوى المتدني من الالتزام. إن الطريف في الأمر أن هذا الفرد، إذا إفتضح أمر مماطلته أُوصدت أمامه كل الأبواب فلا يستطيع الحصول على الائتمان بأي شكل وصوره، فالبنوك كلها تمتنع عن إقراضه ولن يحصل على بطاقة ائتمان ولن يتمكن من الشراء بالتقسيط([17]). بل إن الأمر وصل إلى أنه إذا تقدم للعمل، ربما قام رب العمل بالإطلاع على سجله في قاعدة المعلومات لكي ينكشف له جانب من شخصيته والتزامه.

    ويمكن الحصول على هذه المعلومات مقابل رسم يدفع للشركة التي تدير قاعدة المعلومات. كما يمكن للفرد الإطلاع على سجله في أي وقت والاعتراض على ما كان منه غير صحيح. لقد أثبتت هذه الطريقة أن لها قوة فعاله في الردع والزجر عن المماطلة في سداد الديون. ويلاحظ أن الفكرة الأساسية فيها هي أنها تأتي الإنسان في عرضه لا في ماله فتصنفه بأنه "خائن" فلا يعود يأتمنه أحد. واعتمدت على أن المطل قد أحل عرض هذا المدين حتى جعلت في صحيفته نكته سوداء مما يؤثر على سمعته ومستقبله فهي تَصُمه طول حياته بالخيانة.

ولقد أدى تطور الحاسبات الآلية ووسائل الاتصال إلى جعل الاستفادة من قواعد المعلومات الائتمانية ذا كفاءة عالية وتكاليف متدنية ووفر لها القدرة على التعامل مع ملايين الأسماء وبصفة يومية، فزاد فاعليته ونجاحه في تحقيق الغرض المطلوب . ولذلك نجد نسبة المطل، بل مجرد التأخر عن تاريخ السداد في الدول الغربية لا يكاد يصل 1% من جملة المدينين. ولا يمكن أن ينسب ذلك إلى الوازع الديني لديهم أو إلى جهود الجهات الحكومية في هذه المسألة. على ذلك لا يظهر لنا أن القول بجواز تعويض المدين للدائن بالزيادة على أصل الدين سوف تحقق مقصود الشريعة من الزجر والردع، بل الأجدى أن نسعى إلى تبني إجراء مماثلاً لما ذكر أعلاه يتم فيه مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء .

ج- كما تمتد مسألة التعاون المذكورة إلى إنشاء قواعد معلومات خاصة بالأصول المرهونة وتلك التي توثق بها الديون من كل نوع، فإذا باعت الشركة أو البنك سيارة أو منزلاً إلى شخص بالدين، وجعلت هذا الأصل المباع أو غيره مرهوناً لتوثيق الدين فلا يلزم أن تحتفظ بصك ملكيته أو أن تسجله باسمها بل تقوم، بعد الاتفاق معه على ذلك، بإدخال الرقم التسلسي أو العنوان والموقع ورقم قطعة الأرض ...الخ، في قاعدة المعلومات الالكترونية مع الاشارة إلى أنها مرهونة، فإذا تم تسديد الدين قامت برفع تلك الاشارة ليدل على أنه لم يعد ذلك الأصل  رهناً مقابل الدين. فإذا حاول المدين بيع ذلك الأصل المرهون خلال تلك المدة أي قبل تسديده الدين، لم يستطع، لأن العرف قد جرى على أن أي مشترٍ لمثل تلك الأصول لا بد أن يراجع قاعدة المعلومات المذكورة ليتأكد من تحرره من الرهن. وأضحت المحاكم عندهم تعتبر هذا وتعمل به، فلا تعذر من اشترى دون أن يتأكد من ذلك بمراجعة قاعدة المعلومات. فزاد هذا من إحكام ترتيبات منع المماطلة، وتوثيق الديون وحسن وفاء المدينين وحفظ الحقوق والاستقرار في المعاملات .

 

6-  عرض وتقويم أهم المعالجات المعاصره لدى المؤسسات المالية اللاربوية لمسألة المماطلة في سداد الديون:

    لا ريب أن المماطلة في سداد الدين تعد أهم مشكلة تواجهها البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حالياً ([18]). ولذلك فقد سعت البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية إلى إيجاد طرق ووسائل لمعالجة مشكلة المماطلة في سداد الدين تحقق غرض الزجر أو التعويض أو كليهما وتكون مقبولة من الناحية الشرعية. وقد نجحت في ذلك أحياناً وأخفقت أحياناً أخرى. وسنعرض أدناه لأهم هذه المعالجات التي يجري العمل ببعضها فعلياً ، وتلك التي لا زالت محل نظر ودراسة .

 

من ذلك:

أ- توثيق الدين بالرهون والضمانات :

    لا ريب أن توثيق الدين بأنواع الرهون كالعقار والمنقولات والأسهم، والضمانات العينية والشخصية وضمانات الطرف الثالث والأوراق التجارية ...الخ. من أهم سبل سد الذريعة إلى المماطلة في التسديد. وفي هذه الحالة يكون في يد الدائن (أي البنك الإسلامي مثلاً) ما يمكن التنفيذ عليه في حالة التأخر في السداد أو الإفلاس، ولا يتيسر لهذه المؤسسات دائماً حيازة هذه الأصول ولا تسجيلها كرهن.

ولذلك فان الإجراءات المعتادة في هذه الرهون والضمانات أن يتنازل المدين عن الأصل المرهون لصالح البنك بوثيقة بيع صوري بحيث لا يحتاج التنفيذ عليه في حالة المماطلة إلى حكم قضائي. فإذا كان المرهون عقاراً على سبيل المثال سجل باسم الدائن بحيث لا يكون مسلطاً عليه فحسب بل مالكاً من الناحية الشكلية ويعطيه ذلك الحق في بيعه وإسترداد ما بذمة المدين من ثمنه([19]) .

وفي ذلك اختصار للإجراءات لأن مراجعة المحاكم لاستصدار حكم قضائي يتضمن تكاليف باهظة . وهذه الوسيلة مفيدة في معالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون إلا أنها لا تتيسر في كل دين ، ولا سيما في الديون الاستهلاكية التي قلما يتوافر على المدين أصول تصلح للرهن وإنما يكتفي المصرف بالكفالات . وتقوم بعض البنوك بالاحتفاظ بوثائق الملكية وبخاصة في السيارات مسجلة باسم البنك حتى يقوم المشتري بدفع كامل الثمن ثم عندئذ إصدار وثيقة البيع ونقل سجل الملكية إلى إسمه . فإذا ماطل في السداد كان بيدها إسترداد ذلك الأصل المباع وبيعه لاستيفاء ما بقي من الدين في ذمة العميل.

 

ب- رفع معدل الزيادة في الثمن الآجل  :

    ان حدوث المماطلة في السداد دون أن يكون لدى المصرف الإسلامي وسيلة للتعويض عن فوات الربح سيترتب عليه زيادة في تكاليف الأعمال مقارنة بالمصارف التقليدية. ذلك أن الخسارة الناتجة عن مماطلة العميل في عملية واحدة لا بد من تحميلها ، من الناحية المحاسبية، على العمليات الأخرى المربحة. يترتب على ذلك أن الثمن في البيوع التي تجريها البنوك الإسلامية سيرتفع مقارنة بتكاليف التمويل لدى البنوك الأخرى . وما لم يفعل المصرف ذلك ، سيضطر إلى توزيع قدر أدنى من الأرباح لأرباب أمواله الأمر الذي سيصرفهم منه .

ولذلك يلاحظ عملاء البنوك الإسلامية أن المرابحة ـ مثلا ـ أعلى كلفة من الاقتراض بالفائدة([20]) . لا ريب أن جزءاً من السبب يعود إلى أن المصرف يتحمل مخاطرة أعلى في المرابحة لأنها عملية تتضمن الشراء ثم البيع وتحمل تبعة الهلاك والعيوب في إبان ذلك ...الخ . ولذلك فإن للزيادة النسبية المذكورة مبررات أخرى .  إلا أن جزءاً من تلك الزيادة إنما مرده عدم وجود وسيلة يمكن بها للمصرف فرض الغرامة التعويضية على العميل المماطل ، ولذلك جاءت الأسعار مرتفعة نسبياً لمواجهة هذه المشكلة . والنتيجة هي أن العميل الذي واظب على السداد في مواعيده سوف يتحمل التكاليف التي ولدها مطل غيره من المدينين . وربما ساعدت هذه الطريقة على تقليل الخسار الذي يتحمله البنك بسبب المماطلة في السداد .

 

ج- الحسم من القسط إذا سدد الدين في الأجل المحدد للسداد :

    تقوم هذه الطريقة على إفتراض أن العميل المشتري بالدين سوف يتأخر في السداد لأن هذا هو الاحتمال الأرجح إذا لم يتوافر وسائل لردعه عن المماطلة ،

وبناءً على ذلك الافتراض يجري حساب الزيادة في البيع الآجل بإدخال الغرامات التعويضية ضمن سعر البيع المتفق عليه . والبنك لا شك راغب في أن لا يكون الأمر كذلك وأن يقوم هذا العميل بالتسديد في التاريخ المحدد للسداد بدون تأخر أو مماطلة . ولذلك فهو يعده عند إبرام عقد البيع بالحطيطه إن هو سدد في الوقت .

فمثلاً يكون القسط 150 درهماً، ولكنه يقول له إن أنت سددت في التاريخ المحدد لا يلزم أن تدفع أكثر من 130 درهماً مثلاً وهكذا . عندئذ إذا تأخر في السداد عن ذلك التاريخ  كان ملتزماً ضمن العقد بدفع المبلغ الأكبر (150 درهماً) الذي يتضمن التعويض الجزئي عن ضرر المماطلة . وهي طريقة ينتشر العمل بها في المؤسسات المالية في بعض البلاد الإسلامية . وعلى هذه الطريقة ملاحظات ، منها أن فيها جهالة الثمن فلا يعرف هل الثمن هو المبلغ الأول أم المبلغ الثاني الأقل، ومنها إنها شبيه بصيغة ضع وتعجل .

وقد صدر قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره السابعة في جدة 1410هـ ([21]) . بجواز هذه الحطيطة إذا لم تكن مشروطة في أصل العقد، والذي يظهر في الصيغة المذكورة إنها أقرب إلى الحطيطة بشرط لأن لسان حال الدائن يقول للمدين أن تعجلت الدفع وضعت عنك جزءاً من الثمن إذ تدفع 130 وليس 150 درهماً . على أنه يمكن النظر إلى هذه الصيغة على أنها تتضمن ثمناً واحداً هو الأعلى ، وهو المتفق عليه فلا تردد فيه بين ثمنين، وان فيها وعداً بالحطيطة وليس ضع وتعجل إن  هو سدد في الوقت لا قبله .

 

د- فرض الغرامات على المماطل ثم توجيهها لأغراض البر والخير :

    ومن المعالجات التي إنتشر العمل بها لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية، فرض الغرامات المالية على المدين المماطل وتحصيلها منه عند المماطلة مع أقساط الدين المتأخرة أو عند  التنفيذ على رهونه وضماناته لهذا الغرض ، ثم توجيهها (أي الغرامات) لحساب الخيرات والبر . وينص على ذلك في العقد الذي تولد الدين منه فيوافق المدين على دفع هذه الغرامات إن هو تأخر في السداد عن التاريخ المحدد لكل قسط . وهذه المبالغ لا تذهب لتعويض الدائن عما فاته من الربح ولا ينتفع بها من أي وجه بل توجه للجمعيات الخيرية والمؤسسات التي تعني بالفقراء وما إلى ذلك .

    وعلى أية حال فإن أكثر المصرفيين لا يرى في هذه الصيغة حلاً ناجعاً  لمشكلة المطل لأنها لا تتضمن تعويض الدائن عما ضاع من فرصة الاسترباح بالأموال المتأخرة.

    ولعل أهم ميزات هذه الطريقة هو الردع فإنها بلا شك تحقق الغاية المطلوبة من هذه الناحية . وسهولة التطبيق ، وانخفاض تكاليف الإجراءات .وسيأتي تفصيلها فيما بعد .

 

هـ- إنشاء صندوق للتأمين تحال عليه الديون المتعثرة :

    اقترح بعض الكتاب إنشاء صندوق تأمين تساهم البنوك الإسلامية فيه بأقساط  مالية تكون مهمته التأمين ضد المماطلة وإفلاس المدينين . وكلما تعثر الدين([22]) بالمماطلة . يتعثر الدين بمماطلة المدين فما على المصرف الذي يكون عضواً في الصندوق إلا أن يسترد دينه من ذلك الصندوق ويحيل ذلك الصندوق على المدين المماطل بمبلغ الدين . عندئذ فإن الصندوق سيلاحق هذا المدين المماطل وسيفرض عليه الغرامات التعويضية المرتبطة بطول مدة المطل والتي تضاف إلى أموال الصندوق فيقوى ويزداد قدرة على مواجهة مشكلة المماطلة في الدين. أما المصرف فإنه يسترد دينه الذي حل أجله بلا زيادة لأنه إستلمه عند الأجل أو بعيده .

    ولمثل هذه الفكرة صيغة مطبقة فعلاً في بعض البنوك الإسلامية مثل صندوق التأمين التبادلي لدى البنك الإسلامي الأردني . ويلزم هذا البنك ، ضمن ذلك الترتيب ، مدينيه بتسديد نسبة معينة من الدين في حساب خاص على سبيل التبرع ليس له إسترداده ، فإذا وقع المكروه كالموت والإعسار دفع الصندوق ما نسبته 50% من رصيد دين المشترك بحد أقصى قدره 5000 دينار أردني . وهو مخصص للديون الصغيرة وللأشخاص الطبيعين .

    وعلى هذه المعالجة ملاحظات، منها : أن وجود مثل هذا الصندوق سوف يدفع المصارف إلى عدم الاكتراث بتمحيص القدرة المالية للعميل قبل حدوث المداينة لأن مخاطرة الخسارة لم تعد موجودة ، الأمر الذي يعني زيادة حدة المشكلة لا زياد عدد من يحصلون على التمويل وهم من أهل المطل ثم عجز هذا الصندوق مهما بلغ من قوة عن معالجتها([23])، ومنها أن الزيادة في الدين على صفة غرامة تعويضية إن كانت محرمه على المصرف فكيف تكون جائزة للصندوق وكلاهما دئان بل إن لها نفس الحكم .

 

و- القروض المتبادلة كوسيلة للتعويض :

    كما اقترح البعض([24]) وجرى تطبيقه في حالات متعددة كوسيلة لتعويض الدائن ما فاته من فرص الربح بسبب مماطلة المدين ، أن يقرضه المدين (أو يودع في الحساب الجاري إذا كان الدائن مصرفاً )، مبلغاً مساوياً لذلك الذي تأخر في تسديده لعدد من الأيام أو الأشهر مساوياً لمدة المماطلة في السداد . عندئذ يستطيع ذلك الدائن أن يستثمر المبلغ ويحقق منه عوائد تقارب ما فاته بسبب المماطلة .

إن من أهم مميزات هذه الطريقة هي معاقبة المماطل بعقوبة هي من جنس ما اقترف من مخالفة ، وهي خارجه عن تعريف ربا الجاهليه ، وإن كان وجود مثل هذا الشرط في أصل العقد الذي ولّد الدين وكذا جريان عرف التعامل بين الناس عليه ربما أدخله فيما نُهي عنه من بيع وسلف إذا كان أصل الدين بيعاً بالأجل كالمرابحة . كما أن مما يؤخذ على هذه الطريقة أنها لا تعوض الدائن فعلاً عما فاته من ربح إذ ليس مضموناً أن يحقق المبلغ نفسه (أي القرض البديل) نفس مستوى الربح الذي فات الدائن بسبب المماطلة .

 

ز- فرض الزيادة على الدين الممطول لتعويض الدائن :

    وتقوم قله من البنوك الإسلامية بفرض الغرامات على المدين المماطل لتعويض البنك عما فاته من ربح وعائد استثماري بسبب تأخر ذلك المدين في تسديد ما عليه. وجلي أن لا إختلاف بين هذه الزيادة وبين ربا الجاهلية. إلا أن القائلين قاسوا المسألة على الغصب، وما قرره فقهاء الشافعية والحنابلة من أن منافع المغصوب مضمونة على الغاصب كعين المال المغصوب أو أن ذلك شرط جزائي([25]). بناءً على ذلك يقوم المصرف باحتساب الزيادة الشهرية على المدين المماطل كنسبة من الدين بطريقة شبيهة بما تفعله البنوك التقليدية .

وربما سعى ذلك البنك الإسلامي إلى بعض الاحترازات لكي لا تكون هذه الطريقة تامة المطابقة لما تفعله البنوك التقليدية، ومن ذلك أن لا ينص في أصل العقد المولد للدين على مبلغ الزيادة ولا نسبتها بل يكتفي بالنص على أن عقوبة مالية ستوقع على ذلك العميل في حال المماطلة، ومنها العمل على أن يقتصر التعويض عن الضرر المادي الفعلي الذي وقع على المصرف بسبب المطل([26])  وسيأتي التعليق على هذه الطريقة لاحقاً.

وقال الذين افتوا بمثل ذلك أنها تختلف عن الصيغة الربوية المشهورة بعبارة "أتقضي أم تربي" ، أي أن يزيد له في الأجل في مقابل الزيادة في الدين بأن الأخيرة تكون إتفاقاً بين الطرفين يتعلق بالمستقبل وترتيبٍ يدخلان فيه هو من المعاملات الربوية، أم تلك فإنها تعويض عن الماضي في المماطلة إذ ان الدائن لا يرغب في مد الأجل بل في إسترداد أمواله([27]) .

 

ح- إحتياطي الديون المتعثرة :

    تقوم جميع البنوك بما فيها البنوك الإسلامية برصد الإحتياطيات للتعويض عن الخسارة التي قد تقع بسبب إفلاس المدينين أو عجزهم عن دفع ما عليهم من إلتزامات، ويكون ذلك بإقتطاع جزء من الربح سنوياً يرفع في حسابات خاصة ثم يستخدم في السنة التالية أو ما بعدها لتخفيف أثر الإفلاس على مستوى أرباح المؤسسة المالية . ويكون هذا الإقتطاع معتمداً على حجم العمليات ولذلك تتبنى البنوك بصفة عامة معادلات ثابتة للربط بين حجم الديون ونسبة الإقتطاع من الدخل ، معتمدة على خبرة ذلك المصرف وطبيعة الظروف الإقتصادية التي يعمل فيها . ولا ريب أن تعرض المؤسسات امالية الإسلامية لمشكلة مطل الديون سيرغمها على إقتطاع حجم أعلى من الإحتياطيات الأمر الذي يقلل من العائد على رأس مال المصرف .

 

ط- الدخول في عمليات جديدة لتعويض الخسار في عمليات سابقة :

    تحرص المصارف على بناء علاقات متينة من عملائها تقوم على الثقة وعلى تثمين كليهما لتلك العلاقة والعمل على تنميتها وتطويرها . ولذلك فان هذا النوع من العملاء الذي يفطر لظروف مؤقته إلى تأخير سداد الديون المستحقة يدرك ما يسببه ذلك للبنك من خسار ،وربما  قبل مبدأ التعويض عن هذا الضرر رغبة في استبقاء تلك العلاقة . ولذلك اتجهت بعض الممارسات في هذه المسألة إلى :-

أ- قيام البنك بإعفاء العميل من أية غرامات عن التأخير بزيادة الأجل بدون زيادة الدين. ثم ان العميل يقبل دون على مثل ذلك في أية وثيقة مكتوبة - ثمناً أعلى في عمليات مرابحة أخرى . هذه الزيادة في الثمن التي ارتضاها العميل ، وكان يمكن له شراء السلعة من جهة أخرى بثمن أقل ، انما الغرض منه تعويض المصرف عما تكبده من ضياع فرصة الاسترباح في العمليات السابقة . وربما رأى البعض ان هذه حيلة قبيحة لا تخفى حقيقة ان جزءاً من الثمن الحالي هو زيادة في الدين الذي حدث فيه المطل ، لا سيما ان تحديد نسبة الزيادة لا ريب ستكون موضع نقاش ومفاوضات بين الطرفين . ولكنها تحتاج إلى نظر ودراسة ، لأنها من الناحية الشكلية على الأقل - خلو من الربا.

ب- شراء السلع التي سبق للمصرف بيعها إلى العميل بثمن يتضمن التعويض عن الضرر إذ يحدث كثيراً أن تكون السلع أو المعدات التي اشتراها العميل مرابحة ممن المصرف ما زالت في مستودعاته أو تحت عهدته . فاذا حدث المطل من عميل استمرار علاقته مع البنك ، فربما اتجها إلى شراء البنك لتلك السلع بثمن أقل مما كان لها ان تباع به في السوق (ثمن المثل) . والفرق بينهما تعويض عما فات المصرف من فرص الاسترباح. ثم يقوم البنك ببيع تلك السلع لطرف ثالث أو تأجيرها (وليس بيعها) إلى نفس العميل، وليست هذه من العينة في شىء لأن المصرف عندما باع تلك السلع إلى العميل لم يحدث التواطؤ على إعادة الشراء ، كما ان الفارق الزمني بينهما يبعد الصيغة عن صفة بيع العينة .

وقد أفتت ندوة البركة الفقهية بمثل ذلك في فتواها رقم 8/5 (ص 137) فذكرت : "إذا لم يقم المشتري بالمرابحة بسداد مديونيتها في حينه يجوز للبنك شراء ما باعه مرابحة للعميل أو جزء منه بثمن حال يستحق في ذمة البنك وذلك إذا مضى بعد بيع المرابحة زمن تتغير فيه الأسعار عادة بحسب السلعة ..." .في حالات هي تلك التي يترتب اعادة شراء تلك السلع من المصرف من قبل شركة للعميل المماطل ثم يتم بيع آخر تعود منه تلك السلع إلى ذلك على مما يجعلها  قبيحة .

 

ي- تجديد الدين :

    إذا عجز المدين عن الدفع ، يمكن له ، في ظل النظام الربوي تجديد المديوينة وذلك بدفع الفائدة على الدين ، وإستئناف أجل جديد بفائدة جديدة . وتسمى هذه العملية في الإصطلاح الفني "طي الدين" ([28]) . وحقيقة هذه المعاملة هو "أتقضي أم تربي" ، وذلك أن الأجل زيد للمدين مقابل الفائدة الجديدة ، ولا يغير في المسألة دفع هذه الزيادة مقدماً .

    وتمارس البنوك الربوية هذه الطريقة في الديون ومنها ديون بطاقات الائتمان . وأكثر البنوك الإسلامية بمنجاة من هذه الطريقة التي لا يخفى فيها المحظور .

 

6/1- تقويم المعالجات المذكورة والترجيح بينها  :

    بعد عرض الطرق والوسائل التي تستخدمها المؤسسات المالية الإسلامية في معالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون يحسن بناء الترجيح بين هذه الطرق لاختيار الأفضل منها . ولا بد لنا أولاً من بيان معايير الترجيح التي نراها مناسبة لهذا الغرض وهي :-

 (أ) - المشروعية ، إذ كلما اعتمدت الطريقة على أدله أقوى وأوثق كان ذلك  أفضل فالرأي المجمع عليه خير من ذلك المفتي بجوازه وإن كان الأخير مما يعول عليه في ظروف معروفة عند الأصوليين، وكلما ابتعدت الطريقة المقترحة عن شبهات الربا كان ذلك أحسن وأسلم .

(ب) - سهولة التطبيق ويسره وانخفاض تكاليفه ، ذلك أن الباعث على البحث عن صيغ بديله لمعالجة مشكلة المطل هو ما يكتنف الأساليب القديمة المعتمدة على التعزير بالعرض أو الجسد من صعوبات وتوقف ذلك على حكم القاضي وعلى تنفيذ ولي الأمر وكل ذلك يستغرق الوقت والمال .

(ج) - كفاءة تحقيقها للغرض وهو الردع عن المماطلة ، أما  تعويض الدائن عن فوات الربح فليس جائزاً ابتداءً ومن ثم لا يمكن أن يكون ذلك معياراً للترجيح عندنا ، أما تعويضه عن تكاليف الشكاية وما إلى ذلك فلا بأس .

6/1/1- الطرق التي تتضمن تعويض الدائن عن فوات الربح وتلك التي تعتمد على بيع الدين تئول إلى الربا :

    إن الأمور بمآلاتها ، ولا ريب أن النظر في المآلات هو من أهم ما يجب أن يعنى به الفقيه المتصدي للفتوى في النوازل والأمور المستجدة. فمن المفيد والأمر كذلك أن نحاول استقصاء المآلات الشرعية والاقتصادية للقول بجواز تعويض الدائن عن أضرار المماطلة في الدين ، سواء كان ذلك بناءً على نظرية الشرط الجزائي ، أو إعمال حكم الغصب في المسألة أو غير ذلك من الأقيسه  .

أ- إن جل معاملات المؤسسات المالية اللاربوية في مجال التمويل معتمدة على الدين سواء كان ذلك في بيع التقسيط أو المرابحة للآمر بالشراء أو الإيجار المنتهي بالتمليك أو الاستصناع وتلك هي أكثر الصيغ انتشاراً . والزيادة من أجل الأجل في هذه الصيغ محسوبة على أساس سعر الفائدة السائد عند التعاقد (حيث تُعتمد الفائدة كمؤشر لتحديد ربح البنك([29])).

ولذلك فإن الضرر الواقع على المصرف من جراء المماطلة إذ إفترض أنه فوات الربح فإنه لن يكون محسوباً إلا بالاعتماد على سعر الفائدة كمؤشر . ذلك لأن أصل الربح قد حسب على أساس الفائدة فلا سبيل لحساب ما فات من ربح إلا على نفس الأساس . فلا فرق والحاله هذه بين المصرف الإسلامي والمصرف الربوي الذي يستخدم الفائدة التعويضية يوقعها على المدينين المتأخرين عن السداد؟  وستئول المسألة إلى عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بالفائدة في الديون فتقع في ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

ب- فإذا قلنا بجواز هذا التعويض إعتماداً على أن المماطلة قد فوتت فرصة الربح على المصرف في ديون ناتجة عن عمليات بيع بالمرابحة أوالتقسيط أوالاستصناع ...الخ ، كيف لنا أن ندعي ذلك ثم ننكر أن المماطل في سداد القرض يفوت على المصرف أيضاً فرصة الربح وان الدائن (المقرض في هذه الحالة وليس البائع بالأجل) يستحق التعويض عما فاته من فرص الاسترباح . عندئذٍ ربما قدم المصرف لعميله قرضاً بلا فائدة (قرض حسن) على أن يسدده بعد شهر أو أقل أو أكثر . ثم ما عليه إذا أراد التأخر في الرد إلا دفع ذلك التعويض للمصرف (لأن مبدأ تفويت فرصة الربح يرد في القرض كما ذكرنا كما ورد في الدين ) . هذا التعويض ليس إلا سعر الفائدة السائد كما أسلفنا فآلت معاملات البنوك الإسلامية إلى الربا ، ولم يعد المصرف الإسلامي متميزاً عن نظيره الذي يعمل بالفائدة .

بل أن من الثابت تاريخياً أن استباحة النصارى للفائدة المصرفية في زمن من يسمونهم المصلحين الدينين وهم مارتن لوثر وكالفن قد بدأت بهذه الطريقة ، إذ قالوا ان الزيادة المشروطة لا تجوز في القرض لأنها ربا ، ولكن العدالة تقتضي التعويض عن الضرر عند التأخر في السداد . فصاروا يقرضون لمدد قصيرة جداً مع الاتفاق على عدم السداد عند حلول الأجل بل دفع التعويض عن فوات الربح الذي كان يحسب عندئذ اعتماداً على ما يحققه المدين من ربح في تجارته([30]) ، حتى اتسع الخرق فآلت الأمور إلى ما نراه اليوم .

ج- لا يمكن أن تستقر أمور المجتمع وتستقيم شئونه المالية والاقتصادية إلا بالتفريق في المعاملة بين المحسن والمسيء ، بين الملتزم برد حقوق الناس وأداء ديونهم وأولئك الذين يمتهنون أكل أموال الناس بالباطل . ولذلك يترتب على المصارف والمؤسسات المالية أن تمتنع عن تمويل الأفراد والشركات التي اشتهر عنها المطل وعدم الاكتراث بحقوق الآخرين. ولا يحصل ذلك إذا سمح للدائن أن يحصل على التعويض المالي في كل مرة تأخر المدين عن السداد بل لا يحصل إلا إذا علمت المؤسسة المالية أن تقديم الائتمان لمثل هذه الفئات سيترتب عليه خسارة حقيقية عليها لا مجال لتغطيتها بالتعويض عن الضرر .

ولذلك فان جميع الحلول التي تستهدف ابتداءً التعويض عن فوات الربح تهمل جانب الحوافز لدى إدارة المؤسسة المصرفية . ذلك لأنه لن يكون لدى تلك المؤسسة المصرفية حافز مؤثر على سلوكها يتضمن تفضيل ذوي الالتزام على المستهترين بحقوق الناس . ولن يترتب على ذلك إلا تشجيع أنماط السلوك غير الحسنة بين الناس . ومخالفة الحكمة البالغة التي تضمنتها التوجهات النبوية والتي تؤدي إلى ردع المماطلين .

6/1/2-  القروض المتجددة تختلف عن المماطلة في السداد :

    ان المطل في تسديد الديون أمر ممقوت غير مرغوب حتى عند أولئك الذين يعملون بالربا ويستخدمون الفائدة في القروض. والدائن الذي حل أجل دينه إنما يحب أن يرى المدين قادراً على السداد ومبادراً إليه في التاريخ المحدد لذلك. وهو يعرف أن فرض الغرامات عليه لن يفيد لأنه إذا عجز عن تسديد أصل الدين فهو عن تسديد تلك الغرامات أكثر عجزاً.

ولذلك فان عمل النظام المصرفي بالفائدة في بلاد الغرب لم يعن أبداً ان مشكلة المطل قد تم القضاء عليها لمجرد استخدام هذه الأداة.ويجب أن نعرف هنا من القروض المتجددة REVOLVING CREDIT وأشهرها تلك القروض التي يحصل عليها حامل بطاقة الائتمان من البنك المصدر لتلك البطاقة ، هذه القروض لا تعد ، لأنها تتجدد ، علاجاً لمشكلة المماطلة في السداد . وصفة تلك القروض ان المدين غير مطلوب منه التسديد في تاريخ محدد ، بل قد جعل له تواريخ شهرية إذا شاء سدد عندها وإذا رغب مدَّ اجل السداد ودفع الفوائد فحسب "أمهلني أزدك" . هذه القروض المتجددة هي إتفاقات تتضمن تجديداً للقرض بمد أجله وليست غرامات تأخير. وكذلك شأن كثير من القروض البنكية التي تتصف بهذه الصفة .

 

7- الطريقة المثلى لمعالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون في ظل النظام المصرفي الإسلامي : 

    قد سبق الإشارة إلى ما قررته الشريعة الغراء من تحريم المطل على القادر على السداد ، واستحقاق من يفعل ذلك للعقاب . وكذا التنويه إلى أن الزيادة على الدين التي تكون للدائن هي عين ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

    فكيف يمكن تحقيق مقصود الشارع في معاقبة المدين المماطل بالطريقة التي تحقق الزجر عن المطل، ومعاقبة المذنب حتى يفئ إلى جانب العدالة بطريقة قابلة للتطبيق بيسر وسهولة وبدون تدخل مباشر من الجهات القضائية . فكان الطريقة إلى ذلك فرض الغرامات التأخيرية على هذا المدين لأن ذلك هو السبيل إلى تحقيق الردع والعقاب ولمنع الوقوع في الربا المحرم توجه هذه الغرامات إلى أغراض البر والخير والجمعيات التي تعني بحاجات الفقراء ..الخ . لا ريب أن هذه الزيادة على المدين حتى لو كانت مشروطة لا ينطبق عليها تعريف ربا الجاهلية ، ولما كانت غرماً تحقق منها الدرع والعقاب المطلوبين في معالجة مشكلة المماطلة .

المشروعية :

          أ) هل تكون هذه الزيادة من ربا الديون :

          ب) ما هو التصور الصحيح لهذه الغرامة ؟

    يمكن تخريج شرط الغرامة المذكور على ثلاثة أوجه : الأول مسألة إلزام المدين بالصدقة للفقراء إذا لم يوف ما عليه في التاريخ المحدد لذلك وصفته إشتراط الدائن على المدين عند إبرام العقد الذي تولد منه الدين أنه إذا لم يوف ما عليه في التاريخ المتفق عليه تصدق على الفقراء بمبلغ محدد في ذلك العقد .

وقد أورد الحطاب في تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص 176) فتوى بعض المالكية بجواز هذا الشرط وان كان المشهور في المذهب كما ذكر عدم ذلك . ثم نُص على جوازها في فتاوى البركة ذوات الأرقام 44،46،47 ([31]) فإذا ألزم المدين نفسه بهذا الشرط لزمه

وقد لخص د. حسن الشاذلي في كتاب نظرية الشرط في الفقه الإسلامي مسألة إشتراط تصرف في العقد فيه معنى من معاني البر والخير . "إذا إشترط أحد المتعاقدين على الآخر إيقاع تصرف فيه معنى من معاني البر والخير فلا يخلو من أن يكون التصرف المشترط مطلوباً في محل العقد أو في غيره فإن كان في محل العقد كما لو باعه عبداً بشرط عتقه أو تدبيره أو باعه أرضاً بشرط أن يجعلها مسجداً أو مقبرة للمسلمين أو باعه طعاماً بشرط أن يتصرف به أو باعه شيئاً بشرط أن يهبه أو يقفه فإن جمهور الفقهاء المالكية والشافعيه والحنابلة ... وفي رأي لأبي حنيفه يرون جواز هذا الشرط ... وإن كان هذا الشرط في غير محل العقد ] فجوازه[  هو ظاهر قول ابن تيميه وابن القيم من الحنابلة ولم ير جمهور الفقهاء ضمن هذا النوع من الشرط" (حسن علي الشاذلي نظرية في الفقه الإسلامي - القاهرة ، دار الكتاب الجامعي ، د.ت ص490/491) .

وجماع المسألة رأي ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى حيث قال : "القياس المستقيم الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث هو أن إشتراط زيادة على مطلق العقد وإشتراط النقص جائز ما لم يمنع الشرع فإذا كانت الزيادة في العين والمنفعة المعقود عليها والنقص من ذلك على ما ذكرته فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك . فإن أشترط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو يقبض بالعين ديناً عليه لمعين أو غير معين أو ان يصل به رحمه أو نحو ذلك هو إشتراط تصرف مقصود ومثله التبرع المفروض والتطوع وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي تشوفه الشارع فضعيف فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه فإن صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق كما نص عليه أحمد فإن ميمونة زوج النبي  أعتقت جارية لها فقال النبي "لو تركتيها لأخوالك لكان خيراً لك" ... فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله بإختصاصه بمزيد الفضلية" (فتاوى ابن تيميه ج3 ص347)

والثاني: هو الشرط الجزائي والثالث : هو الصدقة والواقع هذا الترتيب فيه من معنى الآية الكريمة {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} إذ جعلت الصدقة وسيلة للنهوض بما كان يقوم به الربا في المعاملات المحرمة . هل يئول هذا الترتيب إلى الربا؟ سواء كان  تخريج هذا الشرط على مسألة الإلزام بالصدقة التي أشار إليها الحطاب أم على أنها من أنواع الشرط الجزائي فهي لا تئول إلى الربا بحال إذ ان المحظور لا يتحقق إلا بإنتفاع الدائن من الزيادة وليس هذا جزء من الترتيب المذكور .

 

الجوانب التطبيقية :

    إن من أهم ما إمتازت به هذه الطريقة ، سهولة التطبيق إذ يمكن أن ينص على هذا الشرط في أصل العقد الذي ولَّد الدين . فإن كان بيعاً مؤجلاً ، اتفق الطرفان على أن المدين كلما تأخر في تسديد قسط عن أجله المحدد فرض عليه غرامة مالية بقدر تأخره. ويمكن أن تحدد هذه الغرامة في ذلك العقد كمبلغ مقطوع ، كما يمكن أن تعين كنسبة مئوية من الدين أو من القسط الذي تأخر في سداده .

    ورب قائل ان المدين الذي عجز عن تسديد أصل الدين هو عن دفع الغرامة أعجز. الجواب عن ذلك أن أكثر المدينين يحرص على بناء علاقة قابلة للاستمرار مع المؤسسات المالية ولذلك فان المماطلة تكون في الغالب بسبب أزمة سيولة مؤقتة . ولكن عدم وجود مثل هذه الغرامة سيعني أن المدين سيماطل في ديون المؤسسات المالية الإسلامية ويسارع خوفاً من الغرامات بتسديد قروض البنوك الربوية .

 

طريقة الحساب :

    يمكن أن ينص العقد الذي انشأ الدين ، كعقد البيع بالأجل أو السلم أو الإستصناع ، على مبلغ محدد أو على نسبة مئوية من جملة مبلغ الدين أو من المتأخر من الأقساط يدفعها المدين عند تأخره في السداد عن التاريخ أو التواريخ المحددة في ذلك العقد . كما يمكن لهذه النسبة أن تزيد بمرور الوقت كأن تكون 5% من أصل الدين في الشهر الأول للتخلف عن الدفع ثم 6% في الثاني وهكذا .

 

الإعسار :

    إن على الدائن إمهال المدين المماطل الذي يكون معسراً إلى ميسره إذ الممنوع هو مطل الغني وليس مطل المعسر . والإعسار له في الشريعة معناً خاصاً وهي أن يكون المدين معدماً قد نفد كل ماله فلم يبق عنده ما ينفقه على نفسه وعياله في الحوائج الأصلية([32]) . وذلك لا يتحقق في يوم الناس هذا إلا نادراً ولا سيما ان عملاء البنوك هم فئة الموسرين في الغالب . ولا يعني إتباع الطريقة المشار إليها أعلاه أن ليس لهذا التوجيه القرآني مكان مع ندرة حدوث حالات الاعسار .

إذ يمكن النص في الشرط الذي أوجب الغرامة على أن المدين إن كان معسراً عند حلول أجل الدين لا تفرض عليه تلك الغرامات ولا يطالب بالسداد بل يمهل إلى ميسره . كما يمكن ، لغرض التيسير ، جعل عبء الإثبات على المدين ، إذ يكون عليه أن يقدم إلى المؤسسة المالية الدليل على أنه في وضع الإعسار المشار إليه أعلاه .

فإذا فعل ذلك ألغى عنه البنك هذه الغرامات وردها إليه أن كان أقتطعها وهو في تلك الحال . وكل ذلك موافق لقواعد الشريعة في ذلك فقد إتجه جمهور الفقهاء ان الدين ان كان ناتجاً عن بيع فالأصل ايسار المدين لا إعساره يقول الجصاص في أحكام القرآن "... أما الديون التي حصلت ابدالها في يده فقد علمنا يساره بأدائها يقيناً ولم نعلم إعساره بها فوجب كونه باقياً على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار " ([33]) .

فالمؤسسة المالية التي تشتغل بالبيوع أن تفترض بقاء حال عملائها على أصل الملاءة التي كانت تتوافر عليهم عند شرائهم منه لا سيما أنه قد تحقق من ذلك عند التعاقد معهم لأن هذه المؤسسات لا تبيع بالأجل إلا بعد التحقق من حال المدين والتأكد من قدرته على السداد ، فإن حدث الإفلاس فهو طارىء وعلى المدين نفسه اثبات ذلك لدى القضاء ، ومنها أن المدين لا يكون معسراً وقد قدم الرهن لتوثيق دينه إذ أن ذلك يخرجه من وصف الإعسار . ولما كان غالب المدينين يفعل ذلك دل على أن حال الإعسار لا تنطبق على هذه الفئة .

 

هل يجوز للدائن أن يباشر بنفسه عقوبة المماطل بدينه :

    من الجلي أن الغرامة المذكورة هي عقوبة ، ومعلوم أن العقوبات لا توقع إلا بحكم حاكم فكيف يجيز للدائن أن يعاقب مدينه وأن يباشر ذلك بنفسه دون الرجوع إلى القضاء .

والجواب عن ذلك من شقين .

الأول: إن هذا شرط قد إرتضاه المدين على نفسه .

والثاني: ان تدخل القضاء في العلاقة بين الدائن والمدين إنما هو أمر حادث لم يكن معروفاً في عهد رسول الله r ولا الخلفاء الراشدين . لم يحبس رسول الله r ولا الخلفاء الراشدون بالدين([34]) ، وإنما كان الدائن يلازم مدينه حتى يسترد منه الدين . والملازمة كما قال الجصاص "أن يكون مع المدين من قبل الدائن من يراعي أمره في كسبه فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه" (أحكام القرآن 1/478) .

    وقد تواترت الآثار في ذلك ، فعن هرماس بن حبيب عن أبيه قال أتيت النبي r بغريم لي فقال : "إلزمه ثم قال يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك ؟ ثم مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا تميم ؟ "([35]).

وقد أجمع الفقهاء على جواز أن يلازم الدائن مدينه إذا حل الأجل وكان موسراً وإمتنع عن الأداء([36]) .

وقال محمد بن الحسن "للمدعي أن يحبسه في مسجد حيه أو في بيته لأنه ربما يطوف في الأسواق والسكك بغير حاجة فيتضرر المدعي"([37]) . بل أجازوا للرجل إذا دان المرأة أن يلازمها قال بعض الحنفية "رجل له على إمرأة حق فله أن يلازمها ويجلس معها ويقبض على ثيابها لأن هذا ليس بحرام فان هربت ودخلت خربه لا بأس بذلك إذا كان يأمن على نفسه ويكون بعيداً عنها يحفظها بعينه لأن هذه الخلوة ضرورة "([38]) .

    أما الحبس فإنه إجراء لم يظهر إلا في القرون التالية للخلافة الراشدة يقول ابن رشد "وإنما صار الكل بالقول بالحبس في الديون وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح لأن ذلك ضروري في إستيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض وهذا دليل على القول بالقياس الذي تقتضيه المصلحة وهو الذي يسمى القياس المرسل"([39]) . وذكر صاحب المغنى ان عمر بن عبدالعزيز كان يقول "يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس"([40]).

    فالغرض الأساسي من الإجراءات التي تتبع ضد المدين هو إستيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض . فالحبس بالدين له فيه نص بل هو من إجتهاد الفقهاء وكذلك الضرب وما شاكله من العقوبات التي إنتشر العمل في بلاد المسلمين قديماً .

    نخلص من ذلك إلى أن الدين علاقة بين طرفين الأصل فيها تبني الترتيبات التي تحفظ لكل ذي حق حقه بدون تدخل الجهات الحكومية أو الفقهاء . وان السيرة النبوية وما ورد من آثار في هذه المسألة تدل على أنه ذلك كان هو الحال في عهده r والخلفاء الراشدين من بعده . ولما كانت العقوبات المالية هو أكثر العقوبات فاعلية في الوقت الحاضر وأقلها تكلفة اجتماعية، وأقلها ضرراً مع فاعليتها على المدين . دل ذلك على أن القياس يقول بها ويرمي إليها .


الخاتمة :

    إن مسألة المماطلة في سداد الديون قضية بالغة الأهمية في اقتصاديات اليوم . وهي مشكلة، إذا تركت بدون علاج ، سببت أضراراً فادحة للعلاقات التجارية بين الناس وللنشاط الاقتصادي برمته . وما ذلك إلا لأنها تنخر في كيان الثقة الذي هو استقرار العلاقات بين أفراد المجتمع .

وقد عرضنا في هذه الورقة لأنواع من المعالجات المختلفة لهذه المشكلة . وخلصنا إلى أن الزجر عن المماطلة لا يتحقق إلا بوجود العقاب الذي يعرف معه المليء المماطل انه يدفع ثمناً لمطله ، وتوصلنا إلى أن العقوبة المالية هي الممكن الوحيد في عالم اليوم الذي أصبح فيه المدينون ومن ثم المماطلون منهم يعدون بمئات الآلاف . أما السجن والضرب ونحو ذلك فهو مكلف جداً وغير قابل للتطبيق .

كما أن أي وسيلة يحتاج معها إلا مراجعة المحاكم تكون غير عملية . ولذلك قررنا ان الالتزام بالصدقة عند المطل هو أنجع السبل وأيسرها وأكثر فعالية لتحقيق مطلب الزجر دون الوقوع في الربا بتعويض الدائن على فوات فرص الاسترباح . وعلى أية حال فان الورقة قد أكدت ان لا سبيل إلا قطع دابر المماطلة إلا بالتعاون بين أفراد المجتمع ولا سيما الدائنون بتبادل المعلومات الصحيحة التي يمكن من خلالها عزل فئة المماطلين ومعاقبتهم بوضع أسمائهم على قائمة سوداء ومكافأة ذوى الالتزام بالنهوض بحقوق الآخرين المترتبة عليهم بتوفير التمويل لهم بتكاليف متدنية .


 

المراجع

- ابن قدامه المقدسي ، المغني على الشرح الكبير .

- البهوتي ، كشاف القناع .

- ابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد .

- الكمال ابن الهمام ، فتح القدير على الهداية .

- الكاساني ، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع .

- الجصاص ، أحكام القرآن .

- ابن حجر الهيثمي ، تحفة المحتاج على المنهاج .

- الشوكاني ، نيل الأوطار .

- نزيه حماد ، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ، شركة الراجحي ، 1414هـ .

- نزار الحمداني ، مشكلة إفلاس المدين ، دار المجتمع جدة 1411هـ .

- ROLL-OVER .

- الاحتياطيات صندوق المخاطر .

- ماجد أبو رخيه

حكمالتعزير بأخذ المال (ص 255-268) في مسائل في الفقه المقارن ، عمان ، دار النفائس 1416هـ .


 

 الحواشي

1- وتقع كل الأموال التي يتلقاها المصرف (عدى تلك التي توضع في الخزائن الحديدية التي يستأجرها العملاء) في تعريف القرض ، وهي تسمى ودائع مجازاً ولأسباب تاريخية ، ولذلك فالزيادة عليها من الربا ، أنظرنا بحثنا المعنون "الودائع المصرفية " المعروض في الدورة التاسعة لمجمع الفقه الاسلامي في أبوظبي ، والمنشور في مجلة المجمع الفقهي العدد التاسع .

2- مثال ذلك المضاربة ، فهي شركة في الربح بين المصرف (رب المال) والعامل ولا يضمن العامل (وهو عميل المصرف هنا) رأس المال ولا الربح . لكن يحدث أحياناً أن يماطل هذا العامل في رد رأس المال والربح بعد القسمة وتصفية عملية المضاربة فتحتاج المصارف إلى أداة تعاقب هذا العامل بقدر تأخره في الرد وتردع غيره عن فعل ذلك.

3- وتوصف أحياناً بأنها مسألة "أمهلني أزدك" أو "زد لي في الأجل أزيدلك في الدين" وكل ذلك من ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

4- في رأي جمهور الفقهاء وسيأتي الحديث عن هذه المسألة لاحقاً .

5- ابن حجر الهيثمي ، الزواجر عن إقتراف الكبائر 1/249 نقله نزيه حماد ، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء .

6-  متفق عليه من رواية أبي هريرة .

7- أخرجه ابن ماجه .

8-  وقد أجاز ذلك المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان ، وقال أبوحنيفة لا يجوز إلا برضاه (بدائع الصنائع 7/174) .

9- والإعسار في المصطلح الشرعي يعني عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال ، ولا يلزم أن يكون المعسر معدماً .

10- قال في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/355) "لا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعاً" وقال الشافعي "إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال" (نقله أبورخيه عن البيهقي 8/279) ، وقال في المغني "والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز بقطع شىء منه لا جرمه ولا أخذ ماله ..." (المغني 8/336) . وقد ذكر بعض الفقهاء ان العقوبة بالمال كانت في الاسلام ثم نسخت ، وقد إنتصر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (ج2 ص 98) لرأي من قال أن لا دليل على نسخ حكم العقوبة بالمال فقال "والصواب انه (أي التعزير بالمال) يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى إجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة إذ لا دليل عل النسخ ..." وقال في الطرق الحكمية (ص 266) "وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضاً في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي " .

11- نقله عبدالله بن سليمان بن منيع عن ابن تيميه في الاختيارات والمرداوي في الانصاف والشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ في فتاوى ومسائل . أنظر "بحوث في الاقتصاد الاسلامي" للشيخ بن منيع (ص 405) .

12- والملازمة كما ذكر الجصاص في أحكام القرآن "أن يكون مع المدين من قبل الدائن من يراعي أمره في كسبه فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه " (الجصاص ، أحكام القرآن 1/478) .

13- والبديل هو أن يدخر الشاب طول عمره ليتمكن في شيبته أن يشتري المنزل ، ولكن عندئذٍ تكون الأسعار قد إرتفعت بحيث لا تطولها مدخراته .

14-

15- أخرجه ابن ماجه .

16- يمكن الحصول في بريطانيا مثلاً على معلومات جاهزة تغطي ما لايقل عن 80% من سكان ذلك البلد ، وتشمل حالتهم المالية وسجلهم الائتماني وملائتهم وإعسارهم  .

17- وإذا حصل عليها فان ذلك يكون بتكاليف باهظة جداً لأن المقرض له يفترض أنه مضنه المطل يزيد عليه في الربح في البيع أو الفائدة في القرض في البنوك الربوية  زيادة تعوضه عن ذلك .

18- أنظر بحثنا "عرض لبعض مشكلات البنوك ومقترحات لمواجهتها " المعروض في ندوة مشكلات البنوك الإسلامية التي نظمها المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب في البنك الاسلامي للتنمية والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي ، ثم نشرت في مجلة الأموال في اعداد متتالية سنة  1418هـ .

19- وفي مثل هذا الإجراء إشكالات بالغة والذي ظهر من بعض الحالات التي أحيلت إلى القضاء أن المحاكم في المملكة العربية السعودية لا تعتبر هذا البيع ولا تجري عليه أثاره .

20- فلو إشترى أحد العملاء عمارة ثمنها مليون ريال مرابحة من المصرف ربما زاد عليه الثمن الآجل 9% عن الثمن النقدي، بينما لو أنه اقترض مليون ريال ثم اشتراها نقداً بمليون ودفع على القرض الزيادة الربوية ما بلغت 9% .

21- ونص القرار

22-  وهو تعبير يستخدمه المصرفيون إذ يسمون الديون التي لا تسدد في آجالها متعثرة ، وفي التعبير وجاهة لا تخفى .

23- وقد أثبتت دراسات كثيرة أن وجود مؤسسة للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة قد دفع البنوك إلى قدر أقل من التمحيص في الجودة الائتمانية للمقترضين نظراً إلى أن الخسارة التي ستقع على الودائع الجارية سوف تتحملها مؤسسة التأمين على الودائع .

24- أنظر : د. أنس الزرقا ود. محمد علي القري "التعويض عن ضرر المماطلة في الدين بين الفقه والإقتصاد مجلة أبحاث الإقتصاد الإسلامي م2 ص 25-57 1411هـ " .

25- وممن أفتى بجواز مثل ذلك الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع ، أنظر كتابه بحوث في الاقتصاد الاسلامي ، الناشر المكتب الاسلامي بيروت 1416هـ الصفحات 391 - 427 بعنوان بحث في مطل الغني وإنه ظلم يحل عرضه وعقوبته وقد بنى رأيه على ما ذكره العلماء بضمان منفعة محقق ضياعها وتكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه وضمان منفعة مظنونة الوقوع كبيع العربون ، وضمان نقص السعر على الغاصب ، وعلى مسألة الشرط الجزائي الصادر فيها قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في 12/8/1394هـ . وان العلماء وان لم يقولوا بتضمين المماطل ما فات من ربح على الدائن لقاء مطله إلا أنه لم يرد أن أحداً منهم منع ذلك . وإشترط فيها ان لا توقع على مدين معسر أو على مدين بذل لدائنه الرهن الضمان مما يستطيع استيفاء حقه منه .

26- وقد نصت فتوى المراقب الشرعي لبنك البركة السوداني وهو الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير على ما يلي : "يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً من الضرر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء شريطة أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً فعلياً وان يكون العميل موسراً ومماطلاً وخير وسيلة لتقرير هذا التعويض هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء ..." فتوى غير منشورة موجودة في سجلات البنك المذكور على صفة خطاب موجه إلى المدير العام بتاريخ 3/6/1405هـ .

27- أنظر بحث الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع عن المطل المنشور في كتابه المشار إليه آنفاً .

28- ROLL-OVER.

29- حول استخدام المصارف الاسلامية للفائدة الربوية كمؤشر كلام كثير ليس هذا مكان بسطه ، على أننا يجب أن نوضح انها تستعمل كطريقة حساب يتوصل به إلى تحديد الثمن في أنواع البيوع ، ولا تستخدم كزيادة على القروض أو الديون.

30- أنظر في تفصيل هذه الأمور 

JOHN T. NOONAN, JR. THE SCHOLASTIC ANALYSIS OF USURY      

HARVARD UNIV. PRESS . CAMBRIDGE , MASS. D 57                                 

31- أنظر في ذلك البيع المؤجل لعبدالستار أبوغده .

32-

33- أحكام القرآن للجصاص 1/475 ، واجمعوا إنه يجوز حبس مجهول العسر واليسر حتى يتبين أمره ، أنظر بداية المجتهد 2/317 ، المغني 4/339 ، كشاف القناع 3/408 .

34- فان قيل أن رسول الله r لم يحبس أحداً بدين ولا سواه رد على ذلك بما روى البخاري في صحيحه عن سعيد ابن أبي سعيد عن أبي هريرة أنه حبس ثمامة ابن أثال ، وما رواه عبدالرزاق في مصنفه والخمسة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي r حبس رجلاً في تهمة ساعة ثم خلا سبيله .

35- (رواه أبوداؤد وابن ماجه ) .

36- (المغني 4/341، كشاف القناع 3/405 ، 408 ، تحفة المحتاج 5/142) .

37- (العناية 9/278 نقله نزار الحمداني ص 89) .

38- (نقله نزار الحمداني عن الفتاوى البزازية 5/227 مشكلة إفلاس المدين ص 90) .

39- (بداية المجتهد 2/317) .

40- (المغني 4/339) . 

موقع الدكتور محمد القري ©

 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين .

1- المسألة محل البحث :

     قامت الحياة الاقتصادية في المجتمعات المعاصرة على وجود مؤسسات  تجارية تتخصص في عمليات التمويل، وتنهض بوظيفة الوساطة المالية بين المدخرين، الذي تفيض الأموال عندهم عن حاجتهم الآنية، والمتمولين ممن يحتاج إلى المال لغرض الإستثمار والتجارة أو لحاجة الإستهلاك. فأضحت هذه المؤسسات وسيلة مفيدة وناجحة لتحقيق مزيد من الرخاء والنمو الاقتصادي من خلال الوساطة بين الفئتين، ومن ثم تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المالية المتاحة للمجتمع ككل، وتوجيهها دائماً نحو الاستخدامات النافعة بدلاً عن تركها عاطلة أو مستثمرة بطريقة غير مثلى. والبنوك هي أهم مؤسسات الوساطة المالية.

وتعمل البنوك التقليدية في وساطتها المالية على الإقتراض (بالفائدة أو بلا فائدة) من المدخرين([1]) ثم الإقراض بالفائدة إلى المتمولين، ولذلك فهي ليست محل نظر عندنا لحرمة ما تقوم به ابتداءً. وقد جاءت المؤسسات المالية اللاربوية كبديل ينهض بوظيفة الوساطة المالية ضمن نطاق المباح من المعاملات المالية وأنواع البيوع وعقود الشركة والمضاربة. ولذلك فإن هذه الورقة إنما تتعلق بمسألة المماطلة في سداد الديون الناتجة عن صيغ التمويل التي هي في أصلها مباحة .

    وتعتمد صيغ التمويل المعاصرة في المؤسسات المالية اللاربوية في جملتها على الديون،  فمنها ما كان بيعاً بالأجل مثل بيع التقسيط وصيغة المرابحة للآمر بالشراء، أو التأجير المنتهي بالتمليك، أو الاستصناع  ومنها أنواع الشركة والمضاربة التي؛ وإن لم تبدأ ديوناً فربما انتهت إلى توليد أنواع من الالتزامات الشبيهة بالديون([2])، والتي يقع فيها المطل. ولهذه الديون الناتجة عن البيوع، سواء كان منجمة أم تسدد دفعة واحدة يكون لها آجال محددة. ويعتمد حساب البائع لسعر البيع (أو أقساط الإيجار)، بالإضافة إلى التكلفة ومقدار الربح على عنصرين رئيسين الأول: طول تلك الآجال والثاني: إفتراض أن المدين سوف يسدد دينه في التواريخ المحددة بدون تأخير.

    فإذا لم يتحقق ذلك بسبب مماطلة المدين، عُدَّ مجرد التأخر وضياع الوقت خسارة على الدائن (المؤسسة المصرفية) لما يترتب عليه من ضياع فرصة تثمير المال.  ومن جهة ثانية، عُدَّ المماطل مظنه تحقيق الربح والفائدة من الأموال التي تأخر في تسديدها إلى دائنه وذلك لأن الأصل ، كما ذكرنا، هو حصول هذا الاسترباح. فاتجه النظر لدى أرباب هذه المؤسسات المالية إلى البحث عن إمكانيات تعويض الدائن عن فوات الربح وطرق تغريم المدين الذي يفترض استرباحه مما تأخر في ذمته من دين. إلا أن مثل ذلك الترتيب مشكل إذ لا يختلف عن صيغة معروفة ومحرمة في الشريعة الإسلامية وهي الزيادة الطارئة على الدين الثابت في الذمة، والتي أشتهرت بعبارة "أتقضي أم تربى"([3])، والإجماع قديماً وحديثاً على أنها عين ربا الجاهلية المقطوع بحرمته. فإحتاجت المسألة عندئذٍ إلى دراسة ونظر وهو موضوع هذه الورقة  .

    إن الشريعة السمحة لم تتجاهل ما تسببه مماطلة ذوي الملاءة في تسديد الديون من ظلم، فجاءت بترتيبات محكمة لمعالجة هذه المشكلة، وتوطيد أركان العدل في المعاملات المالية. لكنها، لحكمه بالغة، لم تُجز التعزير بالمال([4])، الأمر الذي يعني أن الباب صار مغلقاً في وجه فرض العقوبة المالية التعويضية  على المماطل. إلا أن كثيراً من المصرفيين الإسلاميين يرون أن الظروف الحالية وطبيعة الحياة المعاصرة والمستجدات الاقتصادية والقانونية قد أبرزت الحاجة إلى اجتهاد جديد في المسألة يأخذ باعتباره هذه الظروف وتلك الطبيعة المختلفة للمعاملات والعلاقات الاقتصادية بين الأفراد والدول، بحيث يتحقق الغرض المطلوب في زجر المماطلين، وكذلك في تعويض الدائنين عن الضرر دون الوقوع في الربا المحرم. فهل إلى ذلك سبيل ؟

 

2- معنى المطل :

     المطل في اللغة إطالة المدافعة عن أداء الحق، والمراد تأخير ما إستحق أداءه بغير عذر، أي إذا سوّفه بوعد الأداء مرة بعد مرة. قال الحافظ إبن حجر: ويدخل في المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد لعبده ...الخ([5]). والمطل الممنوع هو مطل الغني، والغني هو القادر على أداء الحق الممتنع عنه مع مطالبة صاحبه به ، فالوصف بالغني يتعلق بالقدرة على الأداء عند وجوب الحق لا بالثراء .

 

3- المماطلة في سداد الديون ليست جديدة ، والحكم فيها مشهور :

    إن المسألة التي ذكرناها آنفاً ليست جديدة ، إذ المطل معروف منذ القديم . وقد ورد النهي عن المطل في السنة الصحيحة وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام "مطل الغني ظلم" الحديث([6]) وقوله صلى الله عليه وسلم "لي الواجد ظلم يبيح عقوبته وعرضه"([7]).

    وقد أجمع الفقهاء على أن الغني الواجد آثم إذا مطل، وان لولي الأمر معاقبته بالحبس أو الضرب أو التشهير به، أو أن يكرهه على بيع ماله أو أن يبيعه بدون إذنه لسداد غرمائه([8])، وان أخفى ماله فله (أي لولي الأمر) حبسه وضربه حتى يظهره. إلا ان يكون معسراً فيؤجل عندئذ إلى الميسره، كما نص على ذلك التوجيه القرآني ) فإن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسره (([9]) .

    ولذلك فان الأحكام الفقهية المتعلقة بمطل الغني والتي تمثل رأي جمهور فقهاء المذاهب معروفة مشهورة، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1) لا يجوز للغني أن يمطل دائنه أو أن يؤخر سداد ما عليه إذا حل أجل ذلك وهو واجد قادر على التسديد فان فعل فهو آثم ظالم كما نص على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمهور الفقهاء على أن فاعل المطل فاسق، وأن مَنْع الحق مع تكرار المطالبة به كبيرة .

2) للدائن ان يرفع أمره إلى القضاء ، وللقاضي التعزير به ومعاقبته في بدنه أو في عرضه (بالتشهير به وذمه). والأصل عدم جواز التعزير بالمال أي توقيع الغرامات المالية عليه([10]).

3) وليس للدائن الذي تعرض لمطل المدين أن يطالبه بالتعويض مالياً عن ما فاته من وقت أو ربح أو ما إلى ذلك مما يترتب عليه زيادة الدين في ذمته، ويستثنى من ذلك التعويض عما غرمه الدائن بسبب الشكاية إذا كان هذا التعويض على وجه المعتاد([11]) .

4) ولا يكون التعزير إلا بحكم القاضي، فليس للدائن ان يباشر بنفسه عقاب المدين بأي صورة من الصور،  بما في ذلك  الغرامات المالية ويستثنى من ذلك الملازمة([12]).

5) إذا كان المدين معسراً بالمعنى الشرعي للإعسار، أمهل إلى ميسره عملاً بقوله تعالى ) فان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسره( .

 

4- الباعث على النظر في المسألة من جديد :

    إذا كانت مسألة المماطلة في سداد الدين قديمة معروفة والحكم فيها مشهور فما الباعث على الاهتمام بها اليوم؟ الواقع ان الظروف الاقتصادية التي تعيشها مجتمعات اليوم تختلف اختلافاً بيناً عن طبيعة حياة الناس في الماضي القريب والبعيد، وذلك من جهة انتشار المداينات ولا سيما في النشاط التجاري. إن المطل في المداينات لا يختلف اليوم عنه في الأمس القريب والبعيد، لكن الظروف المحيطة بالمعاملات المالية المعاصرة تستدعي نظراً جديداً في العقوبات المناسبة للمطل التي تحقق المقاصد العامة للشريعة الاسلامية في حفظ حقوق الناس وتحقيق العدل في المعاملات بينهم وأن تكون ضمن حدود المباح. ومن هذه الظروف المستجدة والإختلافات الظاهرة:-

أولاً :

    ما جرى عليه عرف الناس ، في الحياة المعاصرة ، من إعتماد الإنسان في شرائه للسلع والأصول ليس على ما يتوافر عليه من مالٍ اليوم بل على قدرته على توليد الدخل في المستقبل . ولعل مبعث ذلك أن السواد الأعظم من الناس اليوم يحصلون على  دخولهم على مؤسسات كبيرة قادرة على تحقيق الاستمرار والإستقرار والانتظام في تلك الدخول بصفة دورية يتعاقدون معها على العمل بعقود متجددة ومستمرة  ، كالموظفين الذين يعملون في القطاع العام أوالقطاع الخاص ، فيحصلون على الرواتب الشهرية المعروفة سلفاً والتي يقننها سلَّم وظيفي معتمد وأولئك الذين يعتمدون على معاشات التقاعد أو التأمين الاجتماعي أوعلى الدخل المتولد من مدخرات لهم لدى المصارف ...الخ .

    فالموظف الذي يحصل على راتب شهري قدره (5000) ريال مثلاً ، لا يعتمد في قرارات الإنفاق على ما يستطيع ان يشتريه بهذا المبلغ في ذلك الشهر بعد إستلامه له، بل يبني تلك القرارات على إفتراض أنه سوف يحصل على دخل مستقر وبصفة دورية في أشهر كثيرة قادمة لا يمنعه من ذلك إلا العجز أو الموت وتبعث على الإطمئنان عند الدائن أن كليهما يغطيه التأمين الإجتماعي والضمانات والتأمينات الأخرى. على ذلك إعتماد الناس أن يشتروا بالتقسيط، المنزل والسيارة والأثاث وربما المنافع الأخرى كالتعليم والترفيه وغير ذلك.

    ان الجديد في الأمر أن هذه قد أضحت عادة مضطردة عند الناس جميعاً وعرفاً سائداً في حياتهم . وقد ترتب على ذلك ان أصبح أكثر الأفراد في المجتمع مدينين، للبنوك وللتجار ولشركات البيع بالتقسيط ...الخ. ولا يخفى ما لانتشار صيغ المداينات من أثر حسن على مستوى المعيشة في المجتمعات المعاصرة إذ أمكن من خلالها أن يحصل عدد متزايد من أفراد المجتمع على كثير من السلع والأصول النافعة التي تؤدي إلى مزيد من الرفاهية في حياتهم دون أن يتوافر عليهم اليوم ثمن شرائها، بل يعتمدون على دخولهم في المستقبل للحصول اليوم على ما يريدون. وإلا كيف يمكن لشاب تزوج حديثاً أن يمتلك المنزل أو السيارة إلا بهذه الطريقة([13]). ولا ريب أن ظهور البنوك والمؤسسات المالية بشكل عام قد ساعد على المزيد من هذه الخدمات .

    ثم لما إنتشرت المداينات بهذا الشكل كثرت المشكلات والمصاعب المصاحبة لعلاقات المديونية، ومن أهمها المطل في السداد. لكن الأمر يختلف عن الماضي يوم كان عدد المدينين محدوداً يمكن معه أن يقعوا جميعاً تحت طائلة العقاب بالسجن أو الضرب أو التهديد به أو ما إلى ذلك. إذ صار عدد من يوصف بالمطل آلاف من الناس، لكثرة عدد المدينين ابتداءً، ثم ثانياً لتدني مستوى الالتزام بقيم العدل والمرؤه لدى أفراد المجتمعات في يوم الناس هذا، لا سيما أن الدائن في أغلب الأحول صار مؤسسة مالية وليس تاجراً أو محسناً يرتبط المدين معه بعلاقة شخصية ويشعر تجاهه بالاحترام أو الحياء وتمنعه العلاقات الأسرية أو الجوار والرفقة من المطل في السداد إلا في حال العسره  .

    لقد تزايدت عمليات التمويل بالدين لتشمل كل قطاعات الاقتصاد، بما فيها قطاع الاستهلاك. إن هذا الاتجاه الذي بدأ في الدول الغربية، انتشر اليوم في أكثر البلدان بدرجات متفاوتة ولكنها دائماً في اتجاه الزيادة المستمرة. وتدل الإحصاءات في الولايات المتحدة الأمريكية على أن الفرد يدفع قريباً من 90% من دخله الشهري في المتوسط لتسديد الديون بأنواعها المختلفة([14]). ومن جهة أخرى لا يكاد يوجد من الناس من ليس حاملاً لدين من نوع ما، ناتجاً عن شراء سيارته أو منزله أو أثاث بيته أو أغراضه الشخصية أواستخدامه لبطاقة الائتمان، أو لأغراض التعليم والترفيه والرعاية الصحية ...الخ  .

    ان التعزير بالعقوبات غير المالية مثل الحبس أو الضرب لا يمكن تطبيقه في مثل هذه الأوضاع، لأن من يقع تحت طائلة هذه العقوبات سيكون أعداداً كبيرة جداً من أفراد المجتمع لا يمكن للسجون مهما عظمت أن تستوعبها . إضافة إلى ما يمكن أن يترتب على ذلك من تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة مثل تعطيل أعداد كبيرة من أفراد المجتمع عن العمل والإنتاج، وعظم تلك التكاليف التي تتحملها الجهات المسئولة عن ذلك في سبيل تنفيذ ملاحقة المدينين وتنفيذ الأحكام القضائية عليهم المتضمنة لعقوبات من هذا النوع .

    ولا يقتصر الأمر على الصعوبات المتعلقة بتوقيع عقوبة السجن أو الضرب أو ما إلى ذلك، بل إن اشتراط الاحتكام إلى القضاء بحد ذاته لم يعد "عملياً" وحال الناس كما ذكرنا أعلاه. ذلك أن مراجعة المحاكم والمرافعات التي يقتضيها الأمر عندئذ وما يحتاج إليه من وقت لإتمام إجراءات مثل هذه الأمور هو مكلف جداً لكثرة حالات المطل مع وجود هذه الأعداد الكبيرة من المدينين، إلى الحد الذي ربما وجد الدائن أن من الخير له في كثير من الحالات اللجؤ إلى الصلح الذي يتضمن تنازله عن بعض حقه  في سبيل استرداد ما يمكن للمدين دفعه لعظم التكاليف المالية المصاحبة للإجراءات القضائية .

ثانياً :

    ثم إن عرف الناس، في تعاملهم المالي ونشاطهم التجاري، قد قام على أن النقود التي تكتنز فلا يعمل فيها بالاستثمار بأنواعه تعد محققة للخسارة لصاحبها حتى لو بقيت برأسمالها وقيمتها الاسمية. إذ أنهم يرون أن حداً أدنىً ضرورياً من الدخل لا بد أن تولدَّه الثروة المملوكة للفرد وإلا عُدَّ في عرفهم خاسراً حتى لو سلمت دراهمه أو بقيت ممتلكاته لم تنقص من حيث المبلغ أو العدد.

ولقد ساعد على تولد هذا العرف ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من تضخم يؤدي إلى إنخفاض القوة الشرائية للنقود، فإذا لم تستثمر لتولد أرباحاً صارت مصيبة صاحبها أعظم وخسارته أجسم. ولما توافرت في إقتصاديات اليوم الاستثمارات المالية التي تتميز بخاصية السيولة أضحى بإمكان الفرد الانتقال من نوع من أنواع التوظيف إلى آخر بيسر وسهولة وبتكاليف متدنية بحثاً عن مزيد من الأرباح وتفادياً للاكتناز .

هذا يعني أمران :

الأول: ان تأخر المدين عن سداد الدين يعني بالضرورة أن الأخير قد حقق الخسارة حتى لو سدد المدين المبلغ المستحق كاملاً غير منقوص إلى الدائن، إذا كان يفعل ذلك بعد مرور زمن على تاريخ حلول الدين

والثاني: ان فرصة الاسترباح من المال التي أضاعها المدين على الدائن بمماطلته هي فرص حقيقية موجودة بسبب خاصية السيولة التي أشرنا إليها وبخاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مصرفية متمرسة بأمور توظيف الأموال فالخسارة المذكورة عندئذٍ ليست محتملة بل تكاد تكون متيقنة فلو أنها إسترددت أموالها في الأجل المحدد لأمكنها قطعاً أن تحقق منها دخلاً جديداً بالاستثمار. كل ذلك يعني أن طلب التعويض الذي يقول به الدائن له وجه قوى من جهة التحليل الإقتصادي ومنطق ذا قبول لدى عامة الناس وليس إدعاء  لا يقوم على أسس واقعية.

          بناء على هذا كله احتاجت المسألة إلى نظر جديد يأخذ باعتباره هذه المستجدات محاولاً البحث في إمكانيات إيجاد حلول بديله .

 

5- بعض طرق معالجة المماطله في سداد الديون في الدول الغربية :

          المماطلة في سداد الدين وإدعاء الإفلاس للتهرب من الحقوق المالية ومن الالتزامات المستحقة تعد مشكلة في كل المجتمعات . وليس صحيحاً أن إجازة العمل بالفائدة في الغرب وتقبل أفراد المجتمع للمعاملات الربوية بما فيها الفوائد التعويضية سيعني القضاء على هذه المشكلة. إن واقع وتجارب الدول الغربية تشير إلى أن الفائدة قد تستخدم لتعويض الدائن عن فوات فرص الربح  وعن الضرر الواقع عليه بسبب المماطلة ولكن ليس لها قيمة عملية إلا في الحالات التي يمكن تحصيلها أو التنفيذ على الرهون المقابله للديون، لكنها ليست فعاله في الردع والزجر عن المماطلة.

لقد اتجهت المعالجات المعاصرة لدى المسلمين لمسألة المماطلة في سداد الديون إلى الاهتمام بعنصر تعويض الدائن عند فوات الربح أكثر من اهتمامها بمسألة الزجر والردع ولعل مرد ذلك إلى أن البنوك الإسلامية هي أكثر المؤسسات تعرضاً لمضار المماطلة.  ولا ريب أن هذا الاتجاه يتناقض مع الحكمة الجلية في التوجيهات النبوية في هذه المسألة كما لا يتوافق مع تجارب المجتمعات الأكثر خبرة في هذه القضية.

ان الأحاديث المروية عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع قد أغفلت جانب تعويض الدائن عن ما فاته من ربح نتيجة المطل مع عنايتها الفائقة برفع الظلم وتحقيق العدالة والزجر عن المماطلة وإيجاد الأوضاع التي تقلل منها. ويمكن القول عندئذ أن أي إجراء لا يتحقق منه مقصود الشريعة فهو مظنه الإخفاق والفشل. والعجيب أن تلك الدول قد عنيت أيما عناية بهذا الجانب، فتبنت ترتيبات قريبة في مقاصدها إلى ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"([15]) .

 

وتقوم الإجراءات التي تتبناها الدول الغربية على ما يلي :-

أ- إعتماد القطاع الخاص على إجراءات تعاونية تنفذ دون الحاجة إلى  تدخل الحكومة. إذ المعروف في الدول الغربية أن الجهات الأمنية، مثل الشرطة، لا تستجيب لدعوة التدخل في المشكلات بين الأفراد إلا تلك التي تكون ذات طابع جنائي وتمتنع عن الدخول في المسائل المتعلقة بالخلافات التجارية بين الأفراد والمؤسسات  إلا بأمر المحكمة. ولذلك فان الشركات والمؤسسات التجارية تقوم بإدارة وتمويل برامج تعاونية يكون الغرض منها تحقيق جانب الردع والزجر عن المماطلة في تسديد الديون، يستفيد منها جميع الدائنين المشاركين في تلك البرامج.

وتقوم تلك البرامج بصفة أساسية على جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة التي تشمل أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع ([16]). وتتعلق بعناوين السكن ومعلومات عن العمل وعن مستوى الدخل وأسماء من حكمت عليهم المحاكم بعقوبات بالاضافة إلى السجل الائتماني لكل واحد منهم الذي يتضمن حسن قضاءه لديونه أو مماطلته وتشمل كل دين تعلق بذمته.

ب- تصنيف الأفراد والمؤسسات إلى فئات بحسب الملاءة وإعتماداً على سجل الالتزام بتسديد الديون في وقتها. وتقوم بهذه المهمة شركات خاصة مرخص لها  تجمع المعلومات من جهات التمويل المختلفة ثم تكّون منها قاعدة معلومات دقيقة يتم تحديثها بصفة يومية تقريباً تتضمن جل عمليات الائتمان الجارية وأسماء المدينين فيها وتحصل على هذه المعلومات من الجهات التجارية التي تقدم هنا الائتمان. فإذا إقترض الفرد من المصرف لأول مره في حياته سجل اسمه في قاعدة المعلومات وجرى متابعة التزامه بالدفع ثم أعطي درجة تبين "جودته" الائتمانية وحسن وفائه للديون . فإذا تقدم بطلب قرض مرة أخرى من مصرف آخر أو اشترى بالأجل أو تقدم بطلب بطاقة الائتمان، تأكدت المؤسسة المالية، قبل الموافقة على طلبه، من "جودته" الائتمانية بمراجعة سجله في قاعدة المعلومات.

وبناء على ذلك اتخذت قرار المنح أو المنع. وفي كل مرة يقترض ذلك الفرد يجري تحديث سجله، وهكذا . فإذا عمد الفرد إلى المماطلة في السداد في المرة الأولى أو في مرة لاحقة جاء سجله موضحاً للمستوى المتدني من الالتزام. إن الطريف في الأمر أن هذا الفرد، إذا إفتضح أمر مماطلته أُوصدت أمامه كل الأبواب فلا يستطيع الحصول على الائتمان بأي شكل وصوره، فالبنوك كلها تمتنع عن إقراضه ولن يحصل على بطاقة ائتمان ولن يتمكن من الشراء بالتقسيط([17]). بل إن الأمر وصل إلى أنه إذا تقدم للعمل، ربما قام رب العمل بالإطلاع على سجله في قاعدة المعلومات لكي ينكشف له جانب من شخصيته والتزامه.

    ويمكن الحصول على هذه المعلومات مقابل رسم يدفع للشركة التي تدير قاعدة المعلومات. كما يمكن للفرد الإطلاع على سجله في أي وقت والاعتراض على ما كان منه غير صحيح. لقد أثبتت هذه الطريقة أن لها قوة فعاله في الردع والزجر عن المماطلة في سداد الديون. ويلاحظ أن الفكرة الأساسية فيها هي أنها تأتي الإنسان في عرضه لا في ماله فتصنفه بأنه "خائن" فلا يعود يأتمنه أحد. واعتمدت على أن المطل قد أحل عرض هذا المدين حتى جعلت في صحيفته نكته سوداء مما يؤثر على سمعته ومستقبله فهي تَصُمه طول حياته بالخيانة.

ولقد أدى تطور الحاسبات الآلية ووسائل الاتصال إلى جعل الاستفادة من قواعد المعلومات الائتمانية ذا كفاءة عالية وتكاليف متدنية ووفر لها القدرة على التعامل مع ملايين الأسماء وبصفة يومية، فزاد فاعليته ونجاحه في تحقيق الغرض المطلوب . ولذلك نجد نسبة المطل، بل مجرد التأخر عن تاريخ السداد في الدول الغربية لا يكاد يصل 1% من جملة المدينين. ولا يمكن أن ينسب ذلك إلى الوازع الديني لديهم أو إلى جهود الجهات الحكومية في هذه المسألة. على ذلك لا يظهر لنا أن القول بجواز تعويض المدين للدائن بالزيادة على أصل الدين سوف تحقق مقصود الشريعة من الزجر والردع، بل الأجدى أن نسعى إلى تبني إجراء مماثلاً لما ذكر أعلاه يتم فيه مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء .

ج- كما تمتد مسألة التعاون المذكورة إلى إنشاء قواعد معلومات خاصة بالأصول المرهونة وتلك التي توثق بها الديون من كل نوع، فإذا باعت الشركة أو البنك سيارة أو منزلاً إلى شخص بالدين، وجعلت هذا الأصل المباع أو غيره مرهوناً لتوثيق الدين فلا يلزم أن تحتفظ بصك ملكيته أو أن تسجله باسمها بل تقوم، بعد الاتفاق معه على ذلك، بإدخال الرقم التسلسي أو العنوان والموقع ورقم قطعة الأرض ...الخ، في قاعدة المعلومات الالكترونية مع الاشارة إلى أنها مرهونة، فإذا تم تسديد الدين قامت برفع تلك الاشارة ليدل على أنه لم يعد ذلك الأصل  رهناً مقابل الدين. فإذا حاول المدين بيع ذلك الأصل المرهون خلال تلك المدة أي قبل تسديده الدين، لم يستطع، لأن العرف قد جرى على أن أي مشترٍ لمثل تلك الأصول لا بد أن يراجع قاعدة المعلومات المذكورة ليتأكد من تحرره من الرهن. وأضحت المحاكم عندهم تعتبر هذا وتعمل به، فلا تعذر من اشترى دون أن يتأكد من ذلك بمراجعة قاعدة المعلومات. فزاد هذا من إحكام ترتيبات منع المماطلة، وتوثيق الديون وحسن وفاء المدينين وحفظ الحقوق والاستقرار في المعاملات .

 

6-  عرض وتقويم أهم المعالجات المعاصره لدى المؤسسات المالية اللاربوية لمسألة المماطلة في سداد الديون:

    لا ريب أن المماطلة في سداد الدين تعد أهم مشكلة تواجهها البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حالياً ([18]). ولذلك فقد سعت البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية إلى إيجاد طرق ووسائل لمعالجة مشكلة المماطلة في سداد الدين تحقق غرض الزجر أو التعويض أو كليهما وتكون مقبولة من الناحية الشرعية. وقد نجحت في ذلك أحياناً وأخفقت أحياناً أخرى. وسنعرض أدناه لأهم هذه المعالجات التي يجري العمل ببعضها فعلياً ، وتلك التي لا زالت محل نظر ودراسة .

 

من ذلك:

أ- توثيق الدين بالرهون والضمانات :

    لا ريب أن توثيق الدين بأنواع الرهون كالعقار والمنقولات والأسهم، والضمانات العينية والشخصية وضمانات الطرف الثالث والأوراق التجارية ...الخ. من أهم سبل سد الذريعة إلى المماطلة في التسديد. وفي هذه الحالة يكون في يد الدائن (أي البنك الإسلامي مثلاً) ما يمكن التنفيذ عليه في حالة التأخر في السداد أو الإفلاس، ولا يتيسر لهذه المؤسسات دائماً حيازة هذه الأصول ولا تسجيلها كرهن.

ولذلك فان الإجراءات المعتادة في هذه الرهون والضمانات أن يتنازل المدين عن الأصل المرهون لصالح البنك بوثيقة بيع صوري بحيث لا يحتاج التنفيذ عليه في حالة المماطلة إلى حكم قضائي. فإذا كان المرهون عقاراً على سبيل المثال سجل باسم الدائن بحيث لا يكون مسلطاً عليه فحسب بل مالكاً من الناحية الشكلية ويعطيه ذلك الحق في بيعه وإسترداد ما بذمة المدين من ثمنه([19]) .

وفي ذلك اختصار للإجراءات لأن مراجعة المحاكم لاستصدار حكم قضائي يتضمن تكاليف باهظة . وهذه الوسيلة مفيدة في معالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون إلا أنها لا تتيسر في كل دين ، ولا سيما في الديون الاستهلاكية التي قلما يتوافر على المدين أصول تصلح للرهن وإنما يكتفي المصرف بالكفالات . وتقوم بعض البنوك بالاحتفاظ بوثائق الملكية وبخاصة في السيارات مسجلة باسم البنك حتى يقوم المشتري بدفع كامل الثمن ثم عندئذ إصدار وثيقة البيع ونقل سجل الملكية إلى إسمه . فإذا ماطل في السداد كان بيدها إسترداد ذلك الأصل المباع وبيعه لاستيفاء ما بقي من الدين في ذمة العميل.

 

ب- رفع معدل الزيادة في الثمن الآجل  :

    ان حدوث المماطلة في السداد دون أن يكون لدى المصرف الإسلامي وسيلة للتعويض عن فوات الربح سيترتب عليه زيادة في تكاليف الأعمال مقارنة بالمصارف التقليدية. ذلك أن الخسارة الناتجة عن مماطلة العميل في عملية واحدة لا بد من تحميلها ، من الناحية المحاسبية، على العمليات الأخرى المربحة. يترتب على ذلك أن الثمن في البيوع التي تجريها البنوك الإسلامية سيرتفع مقارنة بتكاليف التمويل لدى البنوك الأخرى . وما لم يفعل المصرف ذلك ، سيضطر إلى توزيع قدر أدنى من الأرباح لأرباب أمواله الأمر الذي سيصرفهم منه .

ولذلك يلاحظ عملاء البنوك الإسلامية أن المرابحة ـ مثلا ـ أعلى كلفة من الاقتراض بالفائدة([20]) . لا ريب أن جزءاً من السبب يعود إلى أن المصرف يتحمل مخاطرة أعلى في المرابحة لأنها عملية تتضمن الشراء ثم البيع وتحمل تبعة الهلاك والعيوب في إبان ذلك ...الخ . ولذلك فإن للزيادة النسبية المذكورة مبررات أخرى .  إلا أن جزءاً من تلك الزيادة إنما مرده عدم وجود وسيلة يمكن بها للمصرف فرض الغرامة التعويضية على العميل المماطل ، ولذلك جاءت الأسعار مرتفعة نسبياً لمواجهة هذه المشكلة . والنتيجة هي أن العميل الذي واظب على السداد في مواعيده سوف يتحمل التكاليف التي ولدها مطل غيره من المدينين . وربما ساعدت هذه الطريقة على تقليل الخسار الذي يتحمله البنك بسبب المماطلة في السداد .

 

ج- الحسم من القسط إذا سدد الدين في الأجل المحدد للسداد :

    تقوم هذه الطريقة على إفتراض أن العميل المشتري بالدين سوف يتأخر في السداد لأن هذا هو الاحتمال الأرجح إذا لم يتوافر وسائل لردعه عن المماطلة ،

وبناءً على ذلك الافتراض يجري حساب الزيادة في البيع الآجل بإدخال الغرامات التعويضية ضمن سعر البيع المتفق عليه . والبنك لا شك راغب في أن لا يكون الأمر كذلك وأن يقوم هذا العميل بالتسديد في التاريخ المحدد للسداد بدون تأخر أو مماطلة . ولذلك فهو يعده عند إبرام عقد البيع بالحطيطه إن هو سدد في الوقت .

فمثلاً يكون القسط 150 درهماً، ولكنه يقول له إن أنت سددت في التاريخ المحدد لا يلزم أن تدفع أكثر من 130 درهماً مثلاً وهكذا . عندئذ إذا تأخر في السداد عن ذلك التاريخ  كان ملتزماً ضمن العقد بدفع المبلغ الأكبر (150 درهماً) الذي يتضمن التعويض الجزئي عن ضرر المماطلة . وهي طريقة ينتشر العمل بها في المؤسسات المالية في بعض البلاد الإسلامية . وعلى هذه الطريقة ملاحظات ، منها أن فيها جهالة الثمن فلا يعرف هل الثمن هو المبلغ الأول أم المبلغ الثاني الأقل، ومنها إنها شبيه بصيغة ضع وتعجل .

وقد صدر قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره السابعة في جدة 1410هـ ([21]) . بجواز هذه الحطيطة إذا لم تكن مشروطة في أصل العقد، والذي يظهر في الصيغة المذكورة إنها أقرب إلى الحطيطة بشرط لأن لسان حال الدائن يقول للمدين أن تعجلت الدفع وضعت عنك جزءاً من الثمن إذ تدفع 130 وليس 150 درهماً . على أنه يمكن النظر إلى هذه الصيغة على أنها تتضمن ثمناً واحداً هو الأعلى ، وهو المتفق عليه فلا تردد فيه بين ثمنين، وان فيها وعداً بالحطيطة وليس ضع وتعجل إن  هو سدد في الوقت لا قبله .

 

د- فرض الغرامات على المماطل ثم توجيهها لأغراض البر والخير :

    ومن المعالجات التي إنتشر العمل بها لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية، فرض الغرامات المالية على المدين المماطل وتحصيلها منه عند المماطلة مع أقساط الدين المتأخرة أو عند  التنفيذ على رهونه وضماناته لهذا الغرض ، ثم توجيهها (أي الغرامات) لحساب الخيرات والبر . وينص على ذلك في العقد الذي تولد الدين منه فيوافق المدين على دفع هذه الغرامات إن هو تأخر في السداد عن التاريخ المحدد لكل قسط . وهذه المبالغ لا تذهب لتعويض الدائن عما فاته من الربح ولا ينتفع بها من أي وجه بل توجه للجمعيات الخيرية والمؤسسات التي تعني بالفقراء وما إلى ذلك .

    وعلى أية حال فإن أكثر المصرفيين لا يرى في هذه الصيغة حلاً ناجعاً  لمشكلة المطل لأنها لا تتضمن تعويض الدائن عما ضاع من فرصة الاسترباح بالأموال المتأخرة.

    ولعل أهم ميزات هذه الطريقة هو الردع فإنها بلا شك تحقق الغاية المطلوبة من هذه الناحية . وسهولة التطبيق ، وانخفاض تكاليف الإجراءات .وسيأتي تفصيلها فيما بعد .

 

هـ- إنشاء صندوق للتأمين تحال عليه الديون المتعثرة :

    اقترح بعض الكتاب إنشاء صندوق تأمين تساهم البنوك الإسلامية فيه بأقساط  مالية تكون مهمته التأمين ضد المماطلة وإفلاس المدينين . وكلما تعثر الدين([22]) بالمماطلة . يتعثر الدين بمماطلة المدين فما على المصرف الذي يكون عضواً في الصندوق إلا أن يسترد دينه من ذلك الصندوق ويحيل ذلك الصندوق على المدين المماطل بمبلغ الدين . عندئذ فإن الصندوق سيلاحق هذا المدين المماطل وسيفرض عليه الغرامات التعويضية المرتبطة بطول مدة المطل والتي تضاف إلى أموال الصندوق فيقوى ويزداد قدرة على مواجهة مشكلة المماطلة في الدين. أما المصرف فإنه يسترد دينه الذي حل أجله بلا زيادة لأنه إستلمه عند الأجل أو بعيده .

    ولمثل هذه الفكرة صيغة مطبقة فعلاً في بعض البنوك الإسلامية مثل صندوق التأمين التبادلي لدى البنك الإسلامي الأردني . ويلزم هذا البنك ، ضمن ذلك الترتيب ، مدينيه بتسديد نسبة معينة من الدين في حساب خاص على سبيل التبرع ليس له إسترداده ، فإذا وقع المكروه كالموت والإعسار دفع الصندوق ما نسبته 50% من رصيد دين المشترك بحد أقصى قدره 5000 دينار أردني . وهو مخصص للديون الصغيرة وللأشخاص الطبيعين .

    وعلى هذه المعالجة ملاحظات، منها : أن وجود مثل هذا الصندوق سوف يدفع المصارف إلى عدم الاكتراث بتمحيص القدرة المالية للعميل قبل حدوث المداينة لأن مخاطرة الخسارة لم تعد موجودة ، الأمر الذي يعني زيادة حدة المشكلة لا زياد عدد من يحصلون على التمويل وهم من أهل المطل ثم عجز هذا الصندوق مهما بلغ من قوة عن معالجتها([23])، ومنها أن الزيادة في الدين على صفة غرامة تعويضية إن كانت محرمه على المصرف فكيف تكون جائزة للصندوق وكلاهما دئان بل إن لها نفس الحكم .

 

و- القروض المتبادلة كوسيلة للتعويض :

    كما اقترح البعض([24]) وجرى تطبيقه في حالات متعددة كوسيلة لتعويض الدائن ما فاته من فرص الربح بسبب مماطلة المدين ، أن يقرضه المدين (أو يودع في الحساب الجاري إذا كان الدائن مصرفاً )، مبلغاً مساوياً لذلك الذي تأخر في تسديده لعدد من الأيام أو الأشهر مساوياً لمدة المماطلة في السداد . عندئذ يستطيع ذلك الدائن أن يستثمر المبلغ ويحقق منه عوائد تقارب ما فاته بسبب المماطلة .

إن من أهم مميزات هذه الطريقة هي معاقبة المماطل بعقوبة هي من جنس ما اقترف من مخالفة ، وهي خارجه عن تعريف ربا الجاهليه ، وإن كان وجود مثل هذا الشرط في أصل العقد الذي ولّد الدين وكذا جريان عرف التعامل بين الناس عليه ربما أدخله فيما نُهي عنه من بيع وسلف إذا كان أصل الدين بيعاً بالأجل كالمرابحة . كما أن مما يؤخذ على هذه الطريقة أنها لا تعوض الدائن فعلاً عما فاته من ربح إذ ليس مضموناً أن يحقق المبلغ نفسه (أي القرض البديل) نفس مستوى الربح الذي فات الدائن بسبب المماطلة .

 

ز- فرض الزيادة على الدين الممطول لتعويض الدائن :

    وتقوم قله من البنوك الإسلامية بفرض الغرامات على المدين المماطل لتعويض البنك عما فاته من ربح وعائد استثماري بسبب تأخر ذلك المدين في تسديد ما عليه. وجلي أن لا إختلاف بين هذه الزيادة وبين ربا الجاهلية. إلا أن القائلين قاسوا المسألة على الغصب، وما قرره فقهاء الشافعية والحنابلة من أن منافع المغصوب مضمونة على الغاصب كعين المال المغصوب أو أن ذلك شرط جزائي([25]). بناءً على ذلك يقوم المصرف باحتساب الزيادة الشهرية على المدين المماطل كنسبة من الدين بطريقة شبيهة بما تفعله البنوك التقليدية .

وربما سعى ذلك البنك الإسلامي إلى بعض الاحترازات لكي لا تكون هذه الطريقة تامة المطابقة لما تفعله البنوك التقليدية، ومن ذلك أن لا ينص في أصل العقد المولد للدين على مبلغ الزيادة ولا نسبتها بل يكتفي بالنص على أن عقوبة مالية ستوقع على ذلك العميل في حال المماطلة، ومنها العمل على أن يقتصر التعويض عن الضرر المادي الفعلي الذي وقع على المصرف بسبب المطل([26])  وسيأتي التعليق على هذه الطريقة لاحقاً.

وقال الذين افتوا بمثل ذلك أنها تختلف عن الصيغة الربوية المشهورة بعبارة "أتقضي أم تربي" ، أي أن يزيد له في الأجل في مقابل الزيادة في الدين بأن الأخيرة تكون إتفاقاً بين الطرفين يتعلق بالمستقبل وترتيبٍ يدخلان فيه هو من المعاملات الربوية، أم تلك فإنها تعويض عن الماضي في المماطلة إذ ان الدائن لا يرغب في مد الأجل بل في إسترداد أمواله([27]) .

 

ح- إحتياطي الديون المتعثرة :

    تقوم جميع البنوك بما فيها البنوك الإسلامية برصد الإحتياطيات للتعويض عن الخسارة التي قد تقع بسبب إفلاس المدينين أو عجزهم عن دفع ما عليهم من إلتزامات، ويكون ذلك بإقتطاع جزء من الربح سنوياً يرفع في حسابات خاصة ثم يستخدم في السنة التالية أو ما بعدها لتخفيف أثر الإفلاس على مستوى أرباح المؤسسة المالية . ويكون هذا الإقتطاع معتمداً على حجم العمليات ولذلك تتبنى البنوك بصفة عامة معادلات ثابتة للربط بين حجم الديون ونسبة الإقتطاع من الدخل ، معتمدة على خبرة ذلك المصرف وطبيعة الظروف الإقتصادية التي يعمل فيها . ولا ريب أن تعرض المؤسسات امالية الإسلامية لمشكلة مطل الديون سيرغمها على إقتطاع حجم أعلى من الإحتياطيات الأمر الذي يقلل من العائد على رأس مال المصرف .

 

ط- الدخول في عمليات جديدة لتعويض الخسار في عمليات سابقة :

    تحرص المصارف على بناء علاقات متينة من عملائها تقوم على الثقة وعلى تثمين كليهما لتلك العلاقة والعمل على تنميتها وتطويرها . ولذلك فان هذا النوع من العملاء الذي يفطر لظروف مؤقته إلى تأخير سداد الديون المستحقة يدرك ما يسببه ذلك للبنك من خسار ،وربما  قبل مبدأ التعويض عن هذا الضرر رغبة في استبقاء تلك العلاقة . ولذلك اتجهت بعض الممارسات في هذه المسألة إلى :-

أ- قيام البنك بإعفاء العميل من أية غرامات عن التأخير بزيادة الأجل بدون زيادة الدين. ثم ان العميل يقبل دون على مثل ذلك في أية وثيقة مكتوبة - ثمناً أعلى في عمليات مرابحة أخرى . هذه الزيادة في الثمن التي ارتضاها العميل ، وكان يمكن له شراء السلعة من جهة أخرى بثمن أقل ، انما الغرض منه تعويض المصرف عما تكبده من ضياع فرصة الاسترباح في العمليات السابقة . وربما رأى البعض ان هذه حيلة قبيحة لا تخفى حقيقة ان جزءاً من الثمن الحالي هو زيادة في الدين الذي حدث فيه المطل ، لا سيما ان تحديد نسبة الزيادة لا ريب ستكون موضع نقاش ومفاوضات بين الطرفين . ولكنها تحتاج إلى نظر ودراسة ، لأنها من الناحية الشكلية على الأقل - خلو من الربا.

ب- شراء السلع التي سبق للمصرف بيعها إلى العميل بثمن يتضمن التعويض عن الضرر إذ يحدث كثيراً أن تكون السلع أو المعدات التي اشتراها العميل مرابحة ممن المصرف ما زالت في مستودعاته أو تحت عهدته . فاذا حدث المطل من عميل استمرار علاقته مع البنك ، فربما اتجها إلى شراء البنك لتلك السلع بثمن أقل مما كان لها ان تباع به في السوق (ثمن المثل) . والفرق بينهما تعويض عما فات المصرف من فرص الاسترباح. ثم يقوم البنك ببيع تلك السلع لطرف ثالث أو تأجيرها (وليس بيعها) إلى نفس العميل، وليست هذه من العينة في شىء لأن المصرف عندما باع تلك السلع إلى العميل لم يحدث التواطؤ على إعادة الشراء ، كما ان الفارق الزمني بينهما يبعد الصيغة عن صفة بيع العينة .

وقد أفتت ندوة البركة الفقهية بمثل ذلك في فتواها رقم 8/5 (ص 137) فذكرت : "إذا لم يقم المشتري بالمرابحة بسداد مديونيتها في حينه يجوز للبنك شراء ما باعه مرابحة للعميل أو جزء منه بثمن حال يستحق في ذمة البنك وذلك إذا مضى بعد بيع المرابحة زمن تتغير فيه الأسعار عادة بحسب السلعة ..." .في حالات هي تلك التي يترتب اعادة شراء تلك السلع من المصرف من قبل شركة للعميل المماطل ثم يتم بيع آخر تعود منه تلك السلع إلى ذلك على مما يجعلها  قبيحة .

 

ي- تجديد الدين :

    إذا عجز المدين عن الدفع ، يمكن له ، في ظل النظام الربوي تجديد المديوينة وذلك بدفع الفائدة على الدين ، وإستئناف أجل جديد بفائدة جديدة . وتسمى هذه العملية في الإصطلاح الفني "طي الدين" ([28]) . وحقيقة هذه المعاملة هو "أتقضي أم تربي" ، وذلك أن الأجل زيد للمدين مقابل الفائدة الجديدة ، ولا يغير في المسألة دفع هذه الزيادة مقدماً .

    وتمارس البنوك الربوية هذه الطريقة في الديون ومنها ديون بطاقات الائتمان . وأكثر البنوك الإسلامية بمنجاة من هذه الطريقة التي لا يخفى فيها المحظور .

 

6/1- تقويم المعالجات المذكورة والترجيح بينها  :

    بعد عرض الطرق والوسائل التي تستخدمها المؤسسات المالية الإسلامية في معالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون يحسن بناء الترجيح بين هذه الطرق لاختيار الأفضل منها . ولا بد لنا أولاً من بيان معايير الترجيح التي نراها مناسبة لهذا الغرض وهي :-

 (أ) - المشروعية ، إذ كلما اعتمدت الطريقة على أدله أقوى وأوثق كان ذلك  أفضل فالرأي المجمع عليه خير من ذلك المفتي بجوازه وإن كان الأخير مما يعول عليه في ظروف معروفة عند الأصوليين، وكلما ابتعدت الطريقة المقترحة عن شبهات الربا كان ذلك أحسن وأسلم .

(ب) - سهولة التطبيق ويسره وانخفاض تكاليفه ، ذلك أن الباعث على البحث عن صيغ بديله لمعالجة مشكلة المطل هو ما يكتنف الأساليب القديمة المعتمدة على التعزير بالعرض أو الجسد من صعوبات وتوقف ذلك على حكم القاضي وعلى تنفيذ ولي الأمر وكل ذلك يستغرق الوقت والمال .

(ج) - كفاءة تحقيقها للغرض وهو الردع عن المماطلة ، أما  تعويض الدائن عن فوات الربح فليس جائزاً ابتداءً ومن ثم لا يمكن أن يكون ذلك معياراً للترجيح عندنا ، أما تعويضه عن تكاليف الشكاية وما إلى ذلك فلا بأس .

6/1/1- الطرق التي تتضمن تعويض الدائن عن فوات الربح وتلك التي تعتمد على بيع الدين تئول إلى الربا :

    إن الأمور بمآلاتها ، ولا ريب أن النظر في المآلات هو من أهم ما يجب أن يعنى به الفقيه المتصدي للفتوى في النوازل والأمور المستجدة. فمن المفيد والأمر كذلك أن نحاول استقصاء المآلات الشرعية والاقتصادية للقول بجواز تعويض الدائن عن أضرار المماطلة في الدين ، سواء كان ذلك بناءً على نظرية الشرط الجزائي ، أو إعمال حكم الغصب في المسألة أو غير ذلك من الأقيسه  .

أ- إن جل معاملات المؤسسات المالية اللاربوية في مجال التمويل معتمدة على الدين سواء كان ذلك في بيع التقسيط أو المرابحة للآمر بالشراء أو الإيجار المنتهي بالتمليك أو الاستصناع وتلك هي أكثر الصيغ انتشاراً . والزيادة من أجل الأجل في هذه الصيغ محسوبة على أساس سعر الفائدة السائد عند التعاقد (حيث تُعتمد الفائدة كمؤشر لتحديد ربح البنك([29])).

ولذلك فإن الضرر الواقع على المصرف من جراء المماطلة إذ إفترض أنه فوات الربح فإنه لن يكون محسوباً إلا بالاعتماد على سعر الفائدة كمؤشر . ذلك لأن أصل الربح قد حسب على أساس الفائدة فلا سبيل لحساب ما فات من ربح إلا على نفس الأساس . فلا فرق والحاله هذه بين المصرف الإسلامي والمصرف الربوي الذي يستخدم الفائدة التعويضية يوقعها على المدينين المتأخرين عن السداد؟  وستئول المسألة إلى عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بالفائدة في الديون فتقع في ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

ب- فإذا قلنا بجواز هذا التعويض إعتماداً على أن المماطلة قد فوتت فرصة الربح على المصرف في ديون ناتجة عن عمليات بيع بالمرابحة أوالتقسيط أوالاستصناع ...الخ ، كيف لنا أن ندعي ذلك ثم ننكر أن المماطل في سداد القرض يفوت على المصرف أيضاً فرصة الربح وان الدائن (المقرض في هذه الحالة وليس البائع بالأجل) يستحق التعويض عما فاته من فرص الاسترباح . عندئذٍ ربما قدم المصرف لعميله قرضاً بلا فائدة (قرض حسن) على أن يسدده بعد شهر أو أقل أو أكثر . ثم ما عليه إذا أراد التأخر في الرد إلا دفع ذلك التعويض للمصرف (لأن مبدأ تفويت فرصة الربح يرد في القرض كما ذكرنا كما ورد في الدين ) . هذا التعويض ليس إلا سعر الفائدة السائد كما أسلفنا فآلت معاملات البنوك الإسلامية إلى الربا ، ولم يعد المصرف الإسلامي متميزاً عن نظيره الذي يعمل بالفائدة .

بل أن من الثابت تاريخياً أن استباحة النصارى للفائدة المصرفية في زمن من يسمونهم المصلحين الدينين وهم مارتن لوثر وكالفن قد بدأت بهذه الطريقة ، إذ قالوا ان الزيادة المشروطة لا تجوز في القرض لأنها ربا ، ولكن العدالة تقتضي التعويض عن الضرر عند التأخر في السداد . فصاروا يقرضون لمدد قصيرة جداً مع الاتفاق على عدم السداد عند حلول الأجل بل دفع التعويض عن فوات الربح الذي كان يحسب عندئذ اعتماداً على ما يحققه المدين من ربح في تجارته([30]) ، حتى اتسع الخرق فآلت الأمور إلى ما نراه اليوم .

ج- لا يمكن أن تستقر أمور المجتمع وتستقيم شئونه المالية والاقتصادية إلا بالتفريق في المعاملة بين المحسن والمسيء ، بين الملتزم برد حقوق الناس وأداء ديونهم وأولئك الذين يمتهنون أكل أموال الناس بالباطل . ولذلك يترتب على المصارف والمؤسسات المالية أن تمتنع عن تمويل الأفراد والشركات التي اشتهر عنها المطل وعدم الاكتراث بحقوق الآخرين. ولا يحصل ذلك إذا سمح للدائن أن يحصل على التعويض المالي في كل مرة تأخر المدين عن السداد بل لا يحصل إلا إذا علمت المؤسسة المالية أن تقديم الائتمان لمثل هذه الفئات سيترتب عليه خسارة حقيقية عليها لا مجال لتغطيتها بالتعويض عن الضرر .

ولذلك فان جميع الحلول التي تستهدف ابتداءً التعويض عن فوات الربح تهمل جانب الحوافز لدى إدارة المؤسسة المصرفية . ذلك لأنه لن يكون لدى تلك المؤسسة المصرفية حافز مؤثر على سلوكها يتضمن تفضيل ذوي الالتزام على المستهترين بحقوق الناس . ولن يترتب على ذلك إلا تشجيع أنماط السلوك غير الحسنة بين الناس . ومخالفة الحكمة البالغة التي تضمنتها التوجهات النبوية والتي تؤدي إلى ردع المماطلين .

6/1/2-  القروض المتجددة تختلف عن المماطلة في السداد :

    ان المطل في تسديد الديون أمر ممقوت غير مرغوب حتى عند أولئك الذين يعملون بالربا ويستخدمون الفائدة في القروض. والدائن الذي حل أجل دينه إنما يحب أن يرى المدين قادراً على السداد ومبادراً إليه في التاريخ المحدد لذلك. وهو يعرف أن فرض الغرامات عليه لن يفيد لأنه إذا عجز عن تسديد أصل الدين فهو عن تسديد تلك الغرامات أكثر عجزاً.

ولذلك فان عمل النظام المصرفي بالفائدة في بلاد الغرب لم يعن أبداً ان مشكلة المطل قد تم القضاء عليها لمجرد استخدام هذه الأداة.ويجب أن نعرف هنا من القروض المتجددة REVOLVING CREDIT وأشهرها تلك القروض التي يحصل عليها حامل بطاقة الائتمان من البنك المصدر لتلك البطاقة ، هذه القروض لا تعد ، لأنها تتجدد ، علاجاً لمشكلة المماطلة في السداد . وصفة تلك القروض ان المدين غير مطلوب منه التسديد في تاريخ محدد ، بل قد جعل له تواريخ شهرية إذا شاء سدد عندها وإذا رغب مدَّ اجل السداد ودفع الفوائد فحسب "أمهلني أزدك" . هذه القروض المتجددة هي إتفاقات تتضمن تجديداً للقرض بمد أجله وليست غرامات تأخير. وكذلك شأن كثير من القروض البنكية التي تتصف بهذه الصفة .

 

7- الطريقة المثلى لمعالجة مشكلة المماطلة في سداد الديون في ظل النظام المصرفي الإسلامي : 

    قد سبق الإشارة إلى ما قررته الشريعة الغراء من تحريم المطل على القادر على السداد ، واستحقاق من يفعل ذلك للعقاب . وكذا التنويه إلى أن الزيادة على الدين التي تكون للدائن هي عين ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

    فكيف يمكن تحقيق مقصود الشارع في معاقبة المدين المماطل بالطريقة التي تحقق الزجر عن المطل، ومعاقبة المذنب حتى يفئ إلى جانب العدالة بطريقة قابلة للتطبيق بيسر وسهولة وبدون تدخل مباشر من الجهات القضائية . فكان الطريقة إلى ذلك فرض الغرامات التأخيرية على هذا المدين لأن ذلك هو السبيل إلى تحقيق الردع والعقاب ولمنع الوقوع في الربا المحرم توجه هذه الغرامات إلى أغراض البر والخير والجمعيات التي تعني بحاجات الفقراء ..الخ . لا ريب أن هذه الزيادة على المدين حتى لو كانت مشروطة لا ينطبق عليها تعريف ربا الجاهلية ، ولما كانت غرماً تحقق منها الدرع والعقاب المطلوبين في معالجة مشكلة المماطلة .

المشروعية :

          أ) هل تكون هذه الزيادة من ربا الديون :

          ب) ما هو التصور الصحيح لهذه الغرامة ؟

    يمكن تخريج شرط الغرامة المذكور على ثلاثة أوجه : الأول مسألة إلزام المدين بالصدقة للفقراء إذا لم يوف ما عليه في التاريخ المحدد لذلك وصفته إشتراط الدائن على المدين عند إبرام العقد الذي تولد منه الدين أنه إذا لم يوف ما عليه في التاريخ المتفق عليه تصدق على الفقراء بمبلغ محدد في ذلك العقد .

وقد أورد الحطاب في تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص 176) فتوى بعض المالكية بجواز هذا الشرط وان كان المشهور في المذهب كما ذكر عدم ذلك . ثم نُص على جوازها في فتاوى البركة ذوات الأرقام 44،46،47 ([31]) فإذا ألزم المدين نفسه بهذا الشرط لزمه

وقد لخص د. حسن الشاذلي في كتاب نظرية الشرط في الفقه الإسلامي مسألة إشتراط تصرف في العقد فيه معنى من معاني البر والخير . "إذا إشترط أحد المتعاقدين على الآخر إيقاع تصرف فيه معنى من معاني البر والخير فلا يخلو من أن يكون التصرف المشترط مطلوباً في محل العقد أو في غيره فإن كان في محل العقد كما لو باعه عبداً بشرط عتقه أو تدبيره أو باعه أرضاً بشرط أن يجعلها مسجداً أو مقبرة للمسلمين أو باعه طعاماً بشرط أن يتصرف به أو باعه شيئاً بشرط أن يهبه أو يقفه فإن جمهور الفقهاء المالكية والشافعيه والحنابلة ... وفي رأي لأبي حنيفه يرون جواز هذا الشرط ... وإن كان هذا الشرط في غير محل العقد ] فجوازه[  هو ظاهر قول ابن تيميه وابن القيم من الحنابلة ولم ير جمهور الفقهاء ضمن هذا النوع من الشرط" (حسن علي الشاذلي نظرية في الفقه الإسلامي - القاهرة ، دار الكتاب الجامعي ، د.ت ص490/491) .

وجماع المسألة رأي ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى حيث قال : "القياس المستقيم الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث هو أن إشتراط زيادة على مطلق العقد وإشتراط النقص جائز ما لم يمنع الشرع فإذا كانت الزيادة في العين والمنفعة المعقود عليها والنقص من ذلك على ما ذكرته فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك . فإن أشترط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو يقبض بالعين ديناً عليه لمعين أو غير معين أو ان يصل به رحمه أو نحو ذلك هو إشتراط تصرف مقصود ومثله التبرع المفروض والتطوع وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي تشوفه الشارع فضعيف فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه فإن صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق كما نص عليه أحمد فإن ميمونة زوج النبي  أعتقت جارية لها فقال النبي "لو تركتيها لأخوالك لكان خيراً لك" ... فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله بإختصاصه بمزيد الفضلية" (فتاوى ابن تيميه ج3 ص347)

والثاني: هو الشرط الجزائي والثالث : هو الصدقة والواقع هذا الترتيب فيه من معنى الآية الكريمة {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} إذ جعلت الصدقة وسيلة للنهوض بما كان يقوم به الربا في المعاملات المحرمة . هل يئول هذا الترتيب إلى الربا؟ سواء كان  تخريج هذا الشرط على مسألة الإلزام بالصدقة التي أشار إليها الحطاب أم على أنها من أنواع الشرط الجزائي فهي لا تئول إلى الربا بحال إذ ان المحظور لا يتحقق إلا بإنتفاع الدائن من الزيادة وليس هذا جزء من الترتيب المذكور .

 

الجوانب التطبيقية :

    إن من أهم ما إمتازت به هذه الطريقة ، سهولة التطبيق إذ يمكن أن ينص على هذا الشرط في أصل العقد الذي ولَّد الدين . فإن كان بيعاً مؤجلاً ، اتفق الطرفان على أن المدين كلما تأخر في تسديد قسط عن أجله المحدد فرض عليه غرامة مالية بقدر تأخره. ويمكن أن تحدد هذه الغرامة في ذلك العقد كمبلغ مقطوع ، كما يمكن أن تعين كنسبة مئوية من الدين أو من القسط الذي تأخر في سداده .

    ورب قائل ان المدين الذي عجز عن تسديد أصل الدين هو عن دفع الغرامة أعجز. الجواب عن ذلك أن أكثر المدينين يحرص على بناء علاقة قابلة للاستمرار مع المؤسسات المالية ولذلك فان المماطلة تكون في الغالب بسبب أزمة سيولة مؤقتة . ولكن عدم وجود مثل هذه الغرامة سيعني أن المدين سيماطل في ديون المؤسسات المالية الإسلامية ويسارع خوفاً من الغرامات بتسديد قروض البنوك الربوية .

 

طريقة الحساب :

    يمكن أن ينص العقد الذي انشأ الدين ، كعقد البيع بالأجل أو السلم أو الإستصناع ، على مبلغ محدد أو على نسبة مئوية من جملة مبلغ الدين أو من المتأخر من الأقساط يدفعها المدين عند تأخره في السداد عن التاريخ أو التواريخ المحددة في ذلك العقد . كما يمكن لهذه النسبة أن تزيد بمرور الوقت كأن تكون 5% من أصل الدين في الشهر الأول للتخلف عن الدفع ثم 6% في الثاني وهكذا .

 

الإعسار :

    إن على الدائن إمهال المدين المماطل الذي يكون معسراً إلى ميسره إذ الممنوع هو مطل الغني وليس مطل المعسر . والإعسار له في الشريعة معناً خاصاً وهي أن يكون المدين معدماً قد نفد كل ماله فلم يبق عنده ما ينفقه على نفسه وعياله في الحوائج الأصلية([32]) . وذلك لا يتحقق في يوم الناس هذا إلا نادراً ولا سيما ان عملاء البنوك هم فئة الموسرين في الغالب . ولا يعني إتباع الطريقة المشار إليها أعلاه أن ليس لهذا التوجيه القرآني مكان مع ندرة حدوث حالات الاعسار .

إذ يمكن النص في الشرط الذي أوجب الغرامة على أن المدين إن كان معسراً عند حلول أجل الدين لا تفرض عليه تلك الغرامات ولا يطالب بالسداد بل يمهل إلى ميسره . كما يمكن ، لغرض التيسير ، جعل عبء الإثبات على المدين ، إذ يكون عليه أن يقدم إلى المؤسسة المالية الدليل على أنه في وضع الإعسار المشار إليه أعلاه .

فإذا فعل ذلك ألغى عنه البنك هذه الغرامات وردها إليه أن كان أقتطعها وهو في تلك الحال . وكل ذلك موافق لقواعد الشريعة في ذلك فقد إتجه جمهور الفقهاء ان الدين ان كان ناتجاً عن بيع فالأصل ايسار المدين لا إعساره يقول الجصاص في أحكام القرآن "... أما الديون التي حصلت ابدالها في يده فقد علمنا يساره بأدائها يقيناً ولم نعلم إعساره بها فوجب كونه باقياً على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار " ([33]) .

فالمؤسسة المالية التي تشتغل بالبيوع أن تفترض بقاء حال عملائها على أصل الملاءة التي كانت تتوافر عليهم عند شرائهم منه لا سيما أنه قد تحقق من ذلك عند التعاقد معهم لأن هذه المؤسسات لا تبيع بالأجل إلا بعد التحقق من حال المدين والتأكد من قدرته على السداد ، فإن حدث الإفلاس فهو طارىء وعلى المدين نفسه اثبات ذلك لدى القضاء ، ومنها أن المدين لا يكون معسراً وقد قدم الرهن لتوثيق دينه إذ أن ذلك يخرجه من وصف الإعسار . ولما كان غالب المدينين يفعل ذلك دل على أن حال الإعسار لا تنطبق على هذه الفئة .

 

هل يجوز للدائن أن يباشر بنفسه عقوبة المماطل بدينه :

    من الجلي أن الغرامة المذكورة هي عقوبة ، ومعلوم أن العقوبات لا توقع إلا بحكم حاكم فكيف يجيز للدائن أن يعاقب مدينه وأن يباشر ذلك بنفسه دون الرجوع إلى القضاء .

والجواب عن ذلك من شقين .

الأول: إن هذا شرط قد إرتضاه المدين على نفسه .

والثاني: ان تدخل القضاء في العلاقة بين الدائن والمدين إنما هو أمر حادث لم يكن معروفاً في عهد رسول الله r ولا الخلفاء الراشدين . لم يحبس رسول الله r ولا الخلفاء الراشدون بالدين([34]) ، وإنما كان الدائن يلازم مدينه حتى يسترد منه الدين . والملازمة كما قال الجصاص "أن يكون مع المدين من قبل الدائن من يراعي أمره في كسبه فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه" (أحكام القرآن 1/478) .

    وقد تواترت الآثار في ذلك ، فعن هرماس بن حبيب عن أبيه قال أتيت النبي r بغريم لي فقال : "إلزمه ثم قال يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك ؟ ثم مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا تميم ؟ "([35]).

وقد أجمع الفقهاء على جواز أن يلازم الدائن مدينه إذا حل الأجل وكان موسراً وإمتنع عن الأداء([36]) .

وقال محمد بن الحسن "للمدعي أن يحبسه في مسجد حيه أو في بيته لأنه ربما يطوف في الأسواق والسكك بغير حاجة فيتضرر المدعي"([37]) . بل أجازوا للرجل إذا دان المرأة أن يلازمها قال بعض الحنفية "رجل له على إمرأة حق فله أن يلازمها ويجلس معها ويقبض على ثيابها لأن هذا ليس بحرام فان هربت ودخلت خربه لا بأس بذلك إذا كان يأمن على نفسه ويكون بعيداً عنها يحفظها بعينه لأن هذه الخلوة ضرورة "([38]) .

    أما الحبس فإنه إجراء لم يظهر إلا في القرون التالية للخلافة الراشدة يقول ابن رشد "وإنما صار الكل بالقول بالحبس في الديون وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح لأن ذلك ضروري في إستيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض وهذا دليل على القول بالقياس الذي تقتضيه المصلحة وهو الذي يسمى القياس المرسل"([39]) . وذكر صاحب المغنى ان عمر بن عبدالعزيز كان يقول "يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس"([40]).

    فالغرض الأساسي من الإجراءات التي تتبع ضد المدين هو إستيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض . فالحبس بالدين له فيه نص بل هو من إجتهاد الفقهاء وكذلك الضرب وما شاكله من العقوبات التي إنتشر العمل في بلاد المسلمين قديماً .

    نخلص من ذلك إلى أن الدين علاقة بين طرفين الأصل فيها تبني الترتيبات التي تحفظ لكل ذي حق حقه بدون تدخل الجهات الحكومية أو الفقهاء . وان السيرة النبوية وما ورد من آثار في هذه المسألة تدل على أنه ذلك كان هو الحال في عهده r والخلفاء الراشدين من بعده . ولما كانت العقوبات المالية هو أكثر العقوبات فاعلية في الوقت الحاضر وأقلها تكلفة اجتماعية، وأقلها ضرراً مع فاعليتها على المدين . دل ذلك على أن القياس يقول بها ويرمي إليها .


الخاتمة :

    إن مسألة المماطلة في سداد الديون قضية بالغة الأهمية في اقتصاديات اليوم . وهي مشكلة، إذا تركت بدون علاج ، سببت أضراراً فادحة للعلاقات التجارية بين الناس وللنشاط الاقتصادي برمته . وما ذلك إلا لأنها تنخر في كيان الثقة الذي هو استقرار العلاقات بين أفراد المجتمع .

وقد عرضنا في هذه الورقة لأنواع من المعالجات المختلفة لهذه المشكلة . وخلصنا إلى أن الزجر عن المماطلة لا يتحقق إلا بوجود العقاب الذي يعرف معه المليء المماطل انه يدفع ثمناً لمطله ، وتوصلنا إلى أن العقوبة المالية هي الممكن الوحيد في عالم اليوم الذي أصبح فيه المدينون ومن ثم المماطلون منهم يعدون بمئات الآلاف . أما السجن والضرب ونحو ذلك فهو مكلف جداً وغير قابل للتطبيق .

كما أن أي وسيلة يحتاج معها إلا مراجعة المحاكم تكون غير عملية . ولذلك قررنا ان الالتزام بالصدقة عند المطل هو أنجع السبل وأيسرها وأكثر فعالية لتحقيق مطلب الزجر دون الوقوع في الربا بتعويض الدائن على فوات فرص الاسترباح . وعلى أية حال فان الورقة قد أكدت ان لا سبيل إلا قطع دابر المماطلة إلا بالتعاون بين أفراد المجتمع ولا سيما الدائنون بتبادل المعلومات الصحيحة التي يمكن من خلالها عزل فئة المماطلين ومعاقبتهم بوضع أسمائهم على قائمة سوداء ومكافأة ذوى الالتزام بالنهوض بحقوق الآخرين المترتبة عليهم بتوفير التمويل لهم بتكاليف متدنية .


 

المراجع

- ابن قدامه المقدسي ، المغني على الشرح الكبير .

- البهوتي ، كشاف القناع .

- ابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد .

- الكمال ابن الهمام ، فتح القدير على الهداية .

- الكاساني ، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع .

- الجصاص ، أحكام القرآن .

- ابن حجر الهيثمي ، تحفة المحتاج على المنهاج .

- الشوكاني ، نيل الأوطار .

- نزيه حماد ، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ، شركة الراجحي ، 1414هـ .

- نزار الحمداني ، مشكلة إفلاس المدين ، دار المجتمع جدة 1411هـ .

- ROLL-OVER .

- الاحتياطيات صندوق المخاطر .

- ماجد أبو رخيه

حكمالتعزير بأخذ المال (ص 255-268) في مسائل في الفقه المقارن ، عمان ، دار النفائس 1416هـ .


 

 الحواشي

1- وتقع كل الأموال التي يتلقاها المصرف (عدى تلك التي توضع في الخزائن الحديدية التي يستأجرها العملاء) في تعريف القرض ، وهي تسمى ودائع مجازاً ولأسباب تاريخية ، ولذلك فالزيادة عليها من الربا ، أنظرنا بحثنا المعنون "الودائع المصرفية " المعروض في الدورة التاسعة لمجمع الفقه الاسلامي في أبوظبي ، والمنشور في مجلة المجمع الفقهي العدد التاسع .

2- مثال ذلك المضاربة ، فهي شركة في الربح بين المصرف (رب المال) والعامل ولا يضمن العامل (وهو عميل المصرف هنا) رأس المال ولا الربح . لكن يحدث أحياناً أن يماطل هذا العامل في رد رأس المال والربح بعد القسمة وتصفية عملية المضاربة فتحتاج المصارف إلى أداة تعاقب هذا العامل بقدر تأخره في الرد وتردع غيره عن فعل ذلك.

3- وتوصف أحياناً بأنها مسألة "أمهلني أزدك" أو "زد لي في الأجل أزيدلك في الدين" وكل ذلك من ربا الجاهلية المقطوع بحرمته .

4- في رأي جمهور الفقهاء وسيأتي الحديث عن هذه المسألة لاحقاً .

5- ابن حجر الهيثمي ، الزواجر عن إقتراف الكبائر 1/249 نقله نزيه حماد ، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء .

6-  متفق عليه من رواية أبي هريرة .

7- أخرجه ابن ماجه .

8-  وقد أجاز ذلك المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان ، وقال أبوحنيفة لا يجوز إلا برضاه (بدائع الصنائع 7/174) .

9- والإعسار في المصطلح الشرعي يعني عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال ، ولا يلزم أن يكون المعسر معدماً .

10- قال في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/355) "لا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعاً" وقال الشافعي "إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال" (نقله أبورخيه عن البيهقي 8/279) ، وقال في المغني "والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز بقطع شىء منه لا جرمه ولا أخذ ماله ..." (المغني 8/336) . وقد ذكر بعض الفقهاء ان العقوبة بالمال كانت في الاسلام ثم نسخت ، وقد إنتصر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (ج2 ص 98) لرأي من قال أن لا دليل على نسخ حكم العقوبة بالمال فقال "والصواب انه (أي التعزير بالمال) يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى إجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة إذ لا دليل عل النسخ ..." وقال في الطرق الحكمية (ص 266) "وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضاً في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي " .

11- نقله عبدالله بن سليمان بن منيع عن ابن تيميه في الاختيارات والمرداوي في الانصاف والشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ في فتاوى ومسائل . أنظر "بحوث في الاقتصاد الاسلامي" للشيخ بن منيع (ص 405) .

12- والملازمة كما ذكر الجصاص في أحكام القرآن "أن يكون مع المدين من قبل الدائن من يراعي أمره في كسبه فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه " (الجصاص ، أحكام القرآن 1/478) .

13- والبديل هو أن يدخر الشاب طول عمره ليتمكن في شيبته أن يشتري المنزل ، ولكن عندئذٍ تكون الأسعار قد إرتفعت بحيث لا تطولها مدخراته .

14-

15- أخرجه ابن ماجه .

16- يمكن الحصول في بريطانيا مثلاً على معلومات جاهزة تغطي ما لايقل عن 80% من سكان ذلك البلد ، وتشمل حالتهم المالية وسجلهم الائتماني وملائتهم وإعسارهم  .

17- وإذا حصل عليها فان ذلك يكون بتكاليف باهظة جداً لأن المقرض له يفترض أنه مضنه المطل يزيد عليه في الربح في البيع أو الفائدة في القرض في البنوك الربوية  زيادة تعوضه عن ذلك .

18- أنظر بحثنا "عرض لبعض مشكلات البنوك ومقترحات لمواجهتها " المعروض في ندوة مشكلات البنوك الإسلامية التي نظمها المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب في البنك الاسلامي للتنمية والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي ، ثم نشرت في مجلة الأموال في اعداد متتالية سنة  1418هـ .

19- وفي مثل هذا الإجراء إشكالات بالغة والذي ظهر من بعض الحالات التي أحيلت إلى القضاء أن المحاكم في المملكة العربية السعودية لا تعتبر هذا البيع ولا تجري عليه أثاره .

20- فلو إشترى أحد العملاء عمارة ثمنها مليون ريال مرابحة من المصرف ربما زاد عليه الثمن الآجل 9% عن الثمن النقدي، بينما لو أنه اقترض مليون ريال ثم اشتراها نقداً بمليون ودفع على القرض الزيادة الربوية ما بلغت 9% .

21- ونص القرار

22-  وهو تعبير يستخدمه المصرفيون إذ يسمون الديون التي لا تسدد في آجالها متعثرة ، وفي التعبير وجاهة لا تخفى .

23- وقد أثبتت دراسات كثيرة أن وجود مؤسسة للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة قد دفع البنوك إلى قدر أقل من التمحيص في الجودة الائتمانية للمقترضين نظراً إلى أن الخسارة التي ستقع على الودائع الجارية سوف تتحملها مؤسسة التأمين على الودائع .

24- أنظر : د. أنس الزرقا ود. محمد علي القري "التعويض عن ضرر المماطلة في الدين بين الفقه والإقتصاد مجلة أبحاث الإقتصاد الإسلامي م2 ص 25-57 1411هـ " .

25- وممن أفتى بجواز مثل ذلك الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع ، أنظر كتابه بحوث في الاقتصاد الاسلامي ، الناشر المكتب الاسلامي بيروت 1416هـ الصفحات 391 - 427 بعنوان بحث في مطل الغني وإنه ظلم يحل عرضه وعقوبته وقد بنى رأيه على ما ذكره العلماء بضمان منفعة محقق ضياعها وتكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه وضمان منفعة مظنونة الوقوع كبيع العربون ، وضمان نقص السعر على الغاصب ، وعلى مسألة الشرط الجزائي الصادر فيها قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في 12/8/1394هـ . وان العلماء وان لم يقولوا بتضمين المماطل ما فات من ربح على الدائن لقاء مطله إلا أنه لم يرد أن أحداً منهم منع ذلك . وإشترط فيها ان لا توقع على مدين معسر أو على مدين بذل لدائنه الرهن الضمان مما يستطيع استيفاء حقه منه .

26- وقد نصت فتوى المراقب الشرعي لبنك البركة السوداني وهو الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير على ما يلي : "يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً من الضرر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء شريطة أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً فعلياً وان يكون العميل موسراً ومماطلاً وخير وسيلة لتقرير هذا التعويض هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء ..." فتوى غير منشورة موجودة في سجلات البنك المذكور على صفة خطاب موجه إلى المدير العام بتاريخ 3/6/1405هـ .

27- أنظر بحث الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع عن المطل المنشور في كتابه المشار إليه آنفاً .

28- ROLL-OVER.

29- حول استخدام المصارف الاسلامية للفائدة الربوية كمؤشر كلام كثير ليس هذا مكان بسطه ، على أننا يجب أن نوضح انها تستعمل كطريقة حساب يتوصل به إلى تحديد الثمن في أنواع البيوع ، ولا تستخدم كزيادة على القروض أو الديون.

30- أنظر في تفصيل هذه الأمور 

JOHN T. NOONAN, JR. THE SCHOLASTIC ANALYSIS OF USURY      

HARVARD UNIV. PRESS . CAMBRIDGE , MASS. D 57                                 

31- أنظر في ذلك البيع المؤجل لعبدالستار أبوغده .

32-

33- أحكام القرآن للجصاص 1/475 ، واجمعوا إنه يجوز حبس مجهول العسر واليسر حتى يتبين أمره ، أنظر بداية المجتهد 2/317 ، المغني 4/339 ، كشاف القناع 3/408 .

34- فان قيل أن رسول الله r لم يحبس أحداً بدين ولا سواه رد على ذلك بما روى البخاري في صحيحه عن سعيد ابن أبي سعيد عن أبي هريرة أنه حبس ثمامة ابن أثال ، وما رواه عبدالرزاق في مصنفه والخمسة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي r حبس رجلاً في تهمة ساعة ثم خلا سبيله .

35- (رواه أبوداؤد وابن ماجه ) .

36- (المغني 4/341، كشاف القناع 3/405 ، 408 ، تحفة المحتاج 5/142) .

37- (العناية 9/278 نقله نزار الحمداني ص 89) .

38- (نقله نزار الحمداني عن الفتاوى البزازية 5/227 مشكلة إفلاس المدين ص 90) .

39- (بداية المجتهد 2/317) .

40- (المغني 4/339) . 

موقع الدكتور محمد القري ©

 

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com