الصفحة الرئيسية | من الموسوعة الفقهية | زكاة الفطرة .. تعريفها ... أحكامها ...وقت وجوبها ...مصارفها  

                                                                        زكاة الفطر .

التّعريف

1 - من معاني الزّكاة في اللّغة : النّماء ، والزّيادة ، والصّلاح ، وصفوة الشّيء ، وما أخرجته من مالك لتطهّره به . والفطر : اسم مصدرٍ من قولك : أفطر الصّائم إفطارًا . وأضيفت الزّكاة إلى الفطر ; لأنّه سبب وجوبها ، وقيل لها فطرة ، كأنّها من الفطرة الّتي هي الخلقة .

قال النّوويّ : يقال للمخرج : فطرة . والفطرة - بكسر الفاء لا غير - وهي لفظة مولّدة لا عربيّة ولا معرّبة بل اصطلاحيّة للفقهاء ، فتكون حقيقةً شرعيّةً على المختار ، كالصّلاة والزّكاة . وزكاة الفطر في الاصطلاح : صدقة تجب بالفطر من رمضان .  حكمة مشروعيّتها :

2 - حكمة مشروعيّة زكاة الفطر الرّفق بالفقراء بإغنائهم عن السّؤال في يوم العيد ، وإدخال السّرور عليهم في يوم يسرّ المسلمون بقدوم العيد عليهم ، وتطهير من وجبت عليه بعد شهر الصّوم من اللّغو والرّفث . روى أبو داود عن ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال : { فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ، طهرةً للصّائم من اللّغو والرّفث ، وطعمةً للمساكين ، من أدّاها قبل الصّلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أدّاها بعد الصّلاة فهي صدقة من الصّدقات } .

 

( الحكم التّكليفيّ ) :

3 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ زكاة الفطر واجبة على كلّ مسلمٍ . واستدلّ القائلون بالوجوب بما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : { فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على النّاس صاعًا من تمرٍ ، أو صاعًا من شعيرٍ ، على كلّ حرٍّ ، أو عبدٍ ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين } . وبقوله صلى الله عليه وسلم : { أدّوا عن كلّ حرٍّ وعبدٍ صغيرٍ أو كبيرٍ ، نصف صاعٍ من برٍّ أو صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ } وهو أمر ، والأمر يقتضي الوجوب . وفي قولٍ للمالكيّة مقابل للمشهور : إنّها سنّة ، واستبعده الدّسوقيّ .

 

شرائط وجوب أداء زكاة الفطر : يشترط لوجوب أدائها ما يلي :

4 - أوّلًا : الإسلام : وهذا عند جمهور الفقهاء . وروي عن الشّافعيّة في الأصحّ عندهم أنّه يجب على الكافر أن يؤدّيها عن أقاربه المسلمين ، وإنّما كان الإسلام شرطًا عند الجمهور ; لأنّها قربة من القرب ، وطهرة للصّائم من الرّفث واللّغو ، والكافر ليس من أهلها إنّما يعاقب على تركها في الآخرة .  5 - ثانيًا : الحرّيّة عند جمهور الفقهاء خلافًا للحنابلة ; لأنّ العبد لا يملك ، ومن لا يملك لا يملّك .

6- ثالثًا : ألا يكون قادرًا على إخراج زكاة الفطر ، وقد اختلف الفقهاء في معنى القدرة على إخراجها : فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم اشتراط ملك النّصاب في وجوب زكاة الفطر .

وذهب الحنفيّة إلى أنّ معنى القدرة على إخراج صدقة الفطر أن يكون مالكًا للنّصاب الّذي تجب فيه الزّكاة من أيّ مالٍ كان ، سواء كان من الذّهب أو الفضّة ، أو السّوائم من الإبل والبقر والغنم ، أو من عروض التّجارة .

 والنّصاب الّذي تجب فيه الزّكاة من الفضّة مائتا درهمٍ . فمن كان عنده هذا القدر فاضلًا عن حوائجه الأصليّة من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ وسلاحٍ وفرسٍ ، وجبت عليه زكاة الفطر . وفي وجهٍ آخر للحنفيّة إذا كان لا يملك نصابًا تجوز الصّدقة عليه . ولا يجتمع جواز الصّدقة عليه مع وجوبها عليه .

وقال المالكيّة : إذا كان قادرًا على المقدار الّذي عليه ولو كان أقلّ من صاعٍ وعنده قوت يومه وجب عليه دفعه ، بل قالوا : إنّه يجب عليه أن يقترض لأداء زكاة الفطر إذا كان يرجو القضاء ; لأنّه قادر حكمًا ، وإن كان لا يرجو القضاء لا يجب عليه .

وقال الشّافعيّة والحنابلة : إنّها تجب على من عنده فضل عن قوته وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه ، ويشترط كونه فاضلًا عن مسكنٍ وخادمٍ يحتاج إليه في الأصحّ . واتّفق جميع القائلين بعدم اشتراط ملك النّصاب على أنّ المقدار الّذي عنده إن كان محتاجًا إليه لا تجب عليه زكاة الفطر ، لأنّه غير قادرٍ .

استدلّ الجمهور على عدم اشتراط ملك النّصاب بأنّ من عنده قوت يومه فهو غنيّ ، فما زاد على قوت يومه وجب عليه أن يخرج منه زكاة الفطر ، والدّليل على ذلك ما رواه سهل بن الحنظليّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { من سأل وعنده ما يغنيه فإنّما يستكثر من النّار ، فقالوا : يا رسول اللّه ، وما يغنيه ؟ قال : أن يكون له شبع يومٍ وليلةٍ } . 

 دلّ الحديث على أنّ من عنده قوت يومه فهو غنيّ وجب عليه أن يخرج ممّا زاد على قوت يومه . واستدلّ الحنفيّة ومن وافقهم على اشتراط ملك النّصاب بقوله صلى الله عليه وسلم : { لا صدقة إلاّ عن ظهر غنًى } . والظّهر ها هنا كناية عن القوّة ، فكأنّ المال للغنيّ بمنزلة الظّهر ، عليه اعتماده ، وإليه استناده ، والمراد أنّ التّصدّق إنّما تجب عليه الصّدقة إذا كانت له قوّة من غنًى ، ولا يعتبر غنيًّا إلاّ إذا ملك نصابًا .

 

من تؤدّى عنه زكاة الفطر :

7 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ زكاة الفطر يجب أن يؤدّيها عن نفسه من يملك نصابًا ، وعن كلّ من تلزمه نفقته ، ويلي عليه ولايةً كاملةً . والمراد بالولاية أن ينفذ قوله على الغير شاء أو أبى ، فابنه الصّغير ، وابنته الصّغيرة ، وابنه الكبير المجنون ، كلّ أولئك له حقّ التّصرّف في ما لهم بما يعود عليهم بالنّفع شاءوا أو أبوا .

وينبني على هذه القاعدة أنّ زكاة الفطر يخرجها الشّخص عن نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم : { ابدأ بنفسك ، ثمّ بمن تعول } . ويخرجها عن أولاده الصّغار إذا كانوا فقراء ، أمّا الأغنياء منهم ، بأن أهدي إليهم مال ، أو ورثوا مالًا ، فيخرج الصّدقة من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنّ زكاة الفطر ليست عبادةً محضةً ، بل فيها معنى النّفقة ، فتجب في مال الصّبيّ ، كما وجبت النّفقة في ماله لأقاربه الفقراء ،

وقال محمّد : تجب في مال الأب لأنّها عبادة محضة ، وهو ليس من أهلها ; لأنّه غير مكلّفٍ . أمّا أولاده الكبار ، فإن كانوا أغنياء وجب عليهم إخراج الزّكاة عن أنفسهم ، وعمّن يلون عليهم ولايةً كاملةً ، وإن كانوا فقراء لا يخرج الزّكاة عنهم ; لأنّه وإن كانت نفقتهم واجبةً عليه إلاّ أنّه لا يلي عليهم ولايةً كاملةً فليس له حقّ التّصرّف في مالهم إن كان لهم مال إلاّ بإذنهم . وإن كان أحدهم مجنونًا ، فإن كان غنيًّا أخرج الصّدقة من ماله ، وإن كان فقيرًا دفع عنه صدقة الفطر ; لأنّه ينفق عليه ، ويلي عليه ولايةً  كاملةً ، فله حقّ التّصرّف في ماله بدون إذنه . وقال الحنفيّة بناءً على قاعدتهم المذكورة : لا تجب عن زوجته لقصور الولاية والنّفقة ، أمّا قصور الولاية ، فإنّه لا يلي عليها إلاّ في حقوق النّكاح فلا تخرج إلاّ بإذنه ، أمّا التّصرّف في مالها بدون إذنها فلا يلي عليه .

وأمّا قصور النّفقة فلأنّه لا ينفق عليها إلاّ في الرّواتب كالمأكل والمسكن والملبس . وكما لا يخرجها عن زوجته لا يخرجها عن والديه وأقاربه الفقراء إن كانوا كبارًا ; لأنّه لا يلي عليهم ولايةً كاملةً . وذهب المالكيّة إلى أنّ زكاة الفطر يخرجها الشّخص عن نفسه وعن كلّ من تجب عليه نفقته . وهم الوالدان الفقيران ، والأولاد الذّكور الفقراء ، والإناث الفقيرات ، ما لم يدخل الزّوج بهنّ . والزّوجة والزّوجات وإن كنّ ذوات مالٍ ، وزوجة والده الفقير لحديث ابن عمر : { أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصّغير والكبير والحرّ والعبد ممّن تمونون } . أي : تنفقون عليهم .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ صدقة الفطر يخرجها الشّخص عن نفسه ، وعن كلّ من تجب عليه نفقته من المسلمين ، لقرابةٍ ، أو زوجيّةٍ ، أو ملكٍ ، وهم : أوّلًا : زوجته غير النّاشزة ولو مطلّقةً رجعيّةً ، سواء كانت حاملًا أم لا ، أم بائنًا حاملًا ، لوجوب نفقتهنّ عليه . لقوله تعالى : { وإن كنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ } ومثلها الخادم إذا كانت نفقته غير مقدّرةٍ ، فإن كانت مقدّرةً بأن كان يعطى أجرًا كلّ يومٍ ، أو كلّ شهرٍ ، لا يخرج عنه الصّدقة ; لأنّه أجير والأجير لا ينفق عليه . ثانيًا : أصله وفرعه ذكرًا أو أنثى وإن علوا ، كجدّه وجدّته . ثالثًا : فرعه وإن نزل ذكرًا أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا ، بشرط أن يكون أصله وفرعه فقراء .

وقالوا : إن كان ولده الكبير عاجزًا عن الكسب أخرج الصّدقة عنه ، وقالوا : لا يلزم الابن فطرة زوجة أبيه الفقير ; لأنّه لا تجب عليه نفقتها . وذهب الحنابلة إلى أنّه يجب إخراج الصّدقة  عن نفسه ، وعن كلّ من تجب عليه نفقته من المسلمين ، فإن لم يجد ما يخرجه لجميعهم بدأ بنفسه ، فزوجته ، فأمّه ، فأبيه ، ثمّ الأقرب فالأقرب على حسب ترتيب الإرث ، فالأب وإن علا مقدّم على الأخ الشّقيق ، والأخ الشّقيق مقدّم على الأخ لأبٍ . أمّا ابنه الصّغير الغنيّ فيخرج من ماله .

 

( سبب الوجوب ووقته ) :

8 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ وقت وجوب زكاة الفطر طلوع فجر يوم العيد ، وهو أحد قولين مصحّحين للمالكيّة . واستدلّوا بما رواه نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج النّاس إلى الصّلاة } .

 دلّ الحديث على أنّ أداءها الّذي ندب إليه الشّارع هو قبل الخروج إلى مصلّى العيد ، فعلم أنّ وقت وجوبها هو يوم الفطر ، ولأنّ تسميتها صدقة الفطر ، تدلّ على أنّ وجوبها بطلوع فجر يوم الفطر ; لأنّ الفطر إنّما يكون بطلوع فجر ذلك اليوم ، أمّا قبله فليس بفطرٍ ; لأنّه في كلّ ليلةٍ من ليالي رمضان يصوم ويفطر ، فيعتبر مفطرًا من صومه بطلوع ذلك اليوم .

وذهب الشّافعيّة في الأظهر والحنابلة ، إلى أنّ الوجوب هو بغروب شمس آخر يومٍ من رمضان ، وهو أحد قولين للمالكيّة ، لقول ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : { فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرةً للصّائم من اللّغو والرّفث ، وطعمةً للمساكين ، فمن أدّاها قبل الصّلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أدّاها بعد الصّلاة فهي صدقة من الصّدقات } .

دلّ الحديث على أنّ صدقة الفطر تجب بغروب شمس آخر يومٍ من رمضان ، من جهة أنّه أضاف الصّدقة إلى الفطر ، والإضافة تقتضي الاختصاص ، أي الصّدقة المختصّة بالفطر ، وأوّل فطرٍ يقع عن جميع رمضان هو بغروب شمس آخر يومٍ من رمضان .

ويظهر أثر الخلاف فيمن مات بعد غروب شمس آخر يومٍ من رمضان : فعند الشّافعيّة ومن وافقهم تخرج عنه صدقة الفطر ; لأنّه كان موجودًا وقت وجوبها ، وعند الحنفيّة ومن وافقهم  لا تخرج عنه صدقة الفطر لأنّه لم يكن موجودًا ، ومن ولد بعد غروب شمس آخر يومٍ من رمضان تخرج عنه صدقة الفطر عند الحنفيّة ومن وافقهم ; لأنّه وقت وجوبها كان موجودًا ، ولا تخرج عنه الصّدقة عند الشّافعيّة ومن وافقهم ; لأنّه كان جنينًا في بطن أمّه وقت وجوبها .

ومن أسلم بعد غروب الشّمس من آخر يومٍ من رمضان ، لا تخرج عنه الصّدقة عند الشّافعيّة ومن وافقهم ; لأنّه وقت وجوبها لم يكن أهلًا ، وعند الحنفيّة ومن وافقهم تخرج عنه صدقة الفطر ; لأنّه وقت وجوبها كان أهلًا .

 

( وقت وجوب الأداء ) :

9 - ذهب جمهور الحنفيّة إلى أنّ وقت وجوب أداء زكاة الفطر موسّع ، لأنّ الأمر بأدائها غير مقيّدٍ بوقتٍ ، كالزّكاة ، فهي تجب في مطلق الوقت وإنّما يتعيّن بتعيّنه ، ففي أيّ وقتٍ أدّى كان مؤدّيًا لا قاضيًا ، غير أنّ المستحبّ إخراجها قبل الذّهاب إلى المصلّى ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { اغنوهم في هذا اليوم } .

وذهب الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة إلى أنّ وقت وجوب الأداء مضيّق كالأضحيّة ، فمن أدّاها بعد يوم العيد بدون عذرٍ كان آثمًا ، وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واتّفق جميع الفقهاء على أنّها لا تسقط بخروج وقتها ; لأنّها وجبت في ذمّته لمن هي له ، وهم مستحقّوها ، فهي دين لهم لا يسقط إلاّ بالأداء ; لأنّها حقّ للعبد ، أمّا حقّ اللّه في التّأخير عن وقتها فلا يجبر إلاّ بالاستغفار والنّدامة

 

. إخراجها قبل وقتها :

10 - ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز تقديمها عن وقتها يومين لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : كانوا يعطون صدقة الفطر قبل العيد بيومٍ أو يومين . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يسنّ إخراجها قبل صلاة العيد ويكره تأخيرها عن الصّلاة ، ومحرّم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذرٍ ; لفوات المعنى المقصود ، وهو إغناء الفقراء عن الطّلب في يوم السّرور ، فلو أخّرها بلا عذرٍ عصى وقضى ،  لخروج الوقت . وروى الحسن بن زيادٍ عن أبي حنيفة أنّه يجوز تقديمها عن وقتها سنةً أو سنتين كالزّكاة . وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه يجوز تقديمها في رمضان فقط ، وهو قول مصحّح للحنفيّة .

 

( مقدار الواجب ) :

11 - اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب إخراجه في الفطرة صاع من جميع الأصناف الّتي يجوز إخراج الفطرة منها عدا القمح والزّبيب ، فقد اختلفوا في المقدار فيهما : فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إلى أنّ الواجب إخراجه في القمح هو صاع منه . وسيأتي بيان الصّاع ومقداره كيلًا ووزنًا .

واستدلّ الجمهور على وجوب صاعٍ من برٍّ بحديث أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال : { كنّا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعامٍ ، أو صاعًا من تمرٍ ، أو صاعًا من شعيرٍ ، أو صاعًا من زبيبٍ ، أو صاعًا من أقطٍ ، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت } .

وذهب الحنفيّة إلى أنّ الواجب إخراجه من القمح نصف صاعٍ ، وكذا دقيق القمح وسويقه ،

 أمّا الزّبيب فروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه يجب نصف صاعٍ كالبرّ ، لأنّ الزّبيب تزيد قيمته على قيمة القمح ، وذهب الصّاحبان - أبو يوسف ومحمّد - إلى أنّه يجب صاع من زبيبٍ ، واستدلّوا على ذلك بما روي عن أبي سعيدٍ الخدريّ - رضي الله عنه - : { كنّا نخرج إذ كان فينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كلّ صغيرٍ وكبيرٍ ، حرٍّ أو مملوكٍ ، صاعًا من أقطٍ ، أو صاعًا من طعامٍ ، أو صاعًا من شعيرٍ ، أو صاعًا من تمرٍ ، أو صاعًا من زبيبٍ ، فلم نزل نخرج ، حتّى قدم علينا معاوية حاجًّا أو معتمرًا ، فكلّم النّاس على المنبر ، وكان فيما كلّم به النّاس أن قال : إنّي أرى أنّ مدّين من سمراء الشّام يعني القمح تعدل صاعًا من تمرٍ ، فأخذ النّاس بذلك ، أمّا أنا فلا أزال أخرجه أبدًا  ما عشت ، كما كنت أخرجه } .

دلّ الحديث على أنّ الّذي كان يخرج على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صاع من الزّبيب .

استدلّ الحنفيّة على وجوب نصف صاعٍ من برٍّ بما روي { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خطب قبل الفطر بيومٍ أو يومين ، فقال : أدّوا صاعًا من برٍّ بين اثنين ، أو صاعًا من تمرٍ ، أو شعيرٍ ، عن كلّ حرٍّ ، وعبدٍ صغيرٍ أو كبيرٍ } .

 

( نوع الواجب ) :

12 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجزئ إخراج زكاة الفطر القيمة من النّقود وهو الأفضل ، أو العروض ، لكن إن أخرج من البرّ أو دقيقه أو سويقه أجزأه نصف صاعٍ ، وإن أخرج من الشّعير أو التّمر أو الزّبيب فصاع ، لما روى ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال : { كان النّاس يخرجون على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صاعًا من شعيرٍ أو تمرٍ أو سلتٍ أو زبيبٍ } .

قال ابن عمر : فلمّا كان عمر ، وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطةٍ ، مكان صاعٍ من تلك الأشياء . ثمّ قال الحنفيّة : ما سوى هذه الأشياء الأربعة المنصوص عليها من الحبوب كالعدس والأرز ، أو غير الحبوب كاللّبن والجبن واللّحم والعروض ، فتعتبر قيمته بقيمة الأشياء المنصوص عليها ، فإذا أراد المتصدّق أن يخرج صدقة الفطر من العدس مثلًا ، فيقوّم نصف صاعٍ من برٍّ ، فإذا كانت قيمة نصف الصّاع ثمانية قروشٍ مثلًا ، أخرج من العدس ما قيمته ثمانية قروشٍ مثلًا ، ومن الأرز واللّبن والجبن وغير ذلك من الأشياء الّتي لم ينصّ عليها الشّارع ، يخرج من العدس ما يعادل قيمته .

وذهب المالكيّة ، إلى أنّه يخرج من غالب قوت البلد كالعدس والأرز ، والفول والقمح والشّعير والسّلت والتّمر والأقط والدّخن . وما عدا ذلك لا يجزئ ، إلاّ إذا اقتاته النّاس وتركوا الأنواع السّابقة ، ولا يجوز الإخراج من غير الغالب ، إلاّ إذا كان أفضل ، بأن اقتات النّاس الذّرة فأخرج قمحًا . وإذا أخرج من اللّحم اعتبر الشّبع ، فإذا كان الصّاع من البرّ يكفي اثنين إذا خبز ، أخرج من اللّحم ما يشبع اثنين .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يخرج من جنس  ما يجب فيه العشر ، ولو وجدت أقوات فالواجب غالب قوت بلده ، وقيل : من غالب قوته ، وقيل : مخيّر بين الأقوات ، ويجزئ الأعلى من الأدنى لا العكس . وذهب الحنابلة إلى أنّه يخرج من البرّ أو التّمر أو الزّبيب أو الشّعير ، لحديث أبي سعيدٍ السّابق وفيه : { كنّا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعامٍ ، أو صاعًا من شعيرٍ ، أو صاعًا من تمرٍ ... } الحديث ويخيّر بين هذه الأشياء ، ولو لم يكن المخرج قوتًا . ويجزئ الدّقيق إذا كان مساويًا للحبّ في الوزن ، فإن لم يجد ذلك أخرج من كلّ ما يصلح قوتًا من ذرةٍ أو أرزٍ أو نحو ذلك .

13 - والصّاع مكيال متوارث من عهد النّبوّة ، وقد اختلف الفقهاء في تقديره كيلًا ، واختلفوا في تقديره بالوزن . وينظر تفصيله في مصطلح ( مقادير ) .

 

مصارف زكاة الفطر :

14 - اختلف الفقهاء فيمن تصرف إليه زكاة الفطر على ثلاثة آراءٍ :

 ذهب الجمهور إلى جواز قسمتها على الأصناف الثّمانية الّتي تصرف فيها زكاة المال ، وينظر مصطلح : ( زكاة ) .

وذهب المالكيّة وهي رواية عن أحمد واختارها ابن تيميّة إلى تخصيص صرفها بالفقراء والمساكين .

وذهب الشّافعيّة إلى وجوب قسمتها على الأصناف الثّمانية ، أو من وجد منهم .

 

( أداء القيمة ) :

15 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجوز دفع القيمة ، لأنّه لم يرد نصّ بذلك ، ولأنّ القيمة في حقوق النّاس لا تجوز إلاّ عن تراضٍ منهم ، وليس لصدقة الفطر مالك معيّن حتّى يجوز رضاه أو إبراؤه .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر ، بل هو أولى ليتيسّر للفقير أن يشتري أيّ شيءٍ يريده في يوم العيد ; لأنّه قد لا يكون محتاجًا إلى الحبوب بل هو محتاج إلى  ملابس ، أو لحمٍ أو غير ذلك ، فإعطاؤه الحبوب ، يضطرّه إلى أن يطوف بالشّوارع ليجد من يشتري منه الحبوب ، وقد يبيعها بثمنٍ بخسٍ أقلّ من قيمتها الحقيقيّة ، هذا كلّه في حالة اليسر ، ووجود الحبوب بكثرةٍ في الأسواق ، أمّا في حالة الشّدّة وقلّة الحبوب في الأسواق ، فدفع العين أولى من القيمة مراعاةً لمصلحة الفقير ، وينظر التّفصيل في الزّكاة .

 

مكان دفع زكاة الفطر :

16 - تفرّق زكاة الفطر في البلد الّذي وجبت على المكلّف فيه ، سواء أكان ماله فيه أم لم يكن ; لأنّ الّذي وجبت عليه هو سبب وجوبها ، فتفرّق في البلد الّذي سببها فيه .

 

نقل زكاة الفطر :

17 - اختلف في نقل الزّكاة من البلد الّذي وجبت فيه إلى غيره ، وتفصيله ينظر في مصطلح : ( زكاة ) .

من الموسوعة الفقهية الجزء الثالث والعشرون