|
الأحكام الشرعية المتعلقة بالتسويق الهرمي وموقف العلماء منه
ظهرت في الآونة الأخيرة ما يسمى بشركات التسويق الهرمي، وقد انتشرت انتشارًا واسعًا في البلدان العربية بعد انتشارها في العالم الغربي، وقد ساعد على ذلك معدلات البطالة المتزايدة لدى فئات الشباب، وأمثال هذه الشركات تداعب بعروضها أحلام هؤلاء الشباب، وتغمسهم في أوهام الثراء السريع، مما يستوجب وقفة لتبيان الحكم الشرعي إنقاذًا لهؤلاء الشباب من هذه الفخاخ المنصوبة.
التعريف بشركات التسويق الهرمي:
تقوم المعاملة في هذه الشركات بالتسويق لمنتجات عن طريق أسلوب التسويق الهرمي والنظام الشبكي، ويتم بيع أو تأجير برامج ومنتجات معينة، وبعد الشراء يتحول المشتري إلى سمسار يجلب المشترين إلى الشركة؛ لغرض الحصول على عمولة مالية بشروط محددة.
صورته:
أن يأتي شخص إلى الشركة بواسطة شخص آخر ليشتري منتجًا بقيمةٍ ما، وبعد الشراء يأتي بشخصين ليشتروا المنتج بنفس القيمة وهكذا، وعندما يصل الأشخاص إلى عدد معين تحت المشتري الأول، يشترطون للحصول على العمولة أن يكون المشترون الجدد موزعين على طرفين، ثلاثة على طرف وستة على الطرف الثاني مثلًا، فإذا نقص الطرف عن ثلاثة حتى وإن زاد الطرف الثاني على تسعة أو أكثر لا يعطى الجائزة.
وبالنسبة لعمولة الشركة، فإن الشركة تقوم بإعطائه مبلغًا معينًا، وهكذا، إذا اجتمع تسعة أفراد من سلسلته يحصل على نفس القيمة لمدة سنة كاملة، وتنقطع السلسلة بعد سنة، وقد تنقطع فجأة فيخسر مجموعة كبيرة من الناس دون الحصول على شيء، والعمولة التي تعطى للزبون من مجموع ربح مشتريات الذين أتى بهم إلى الشركة.
الحكم الشرعي:
- 1. القول الأول ـ الإباحة: .
وحجتهم:
- أن هذا من باب السمسرة الجائز شرعًا.
- أنه من عقود المعاملات المبنية على التراضي لوجود القبول والرضا.
- 2. القول الثاني ـ التحريم:
قال به الدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور سامي سويلم، واللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء،والدكتور أحمد الحجي الكردي
والدكتور عبدالله الفقيه، وهو الراجح:
وحجتهم:
- أنه أكل لأموال الناس بالباطل، بسبب وجود من يخسر لمصلحة من يربح، فالخسارة وصف لازم، فإذا حصل وأخذ المشترك مالًا بدون وجه حق فيكون من المحرم، والشركة تأخذ أرباحًا كثيرة بعمليات تجعلها دائمًا رابحة، تأكل المال بالباطل وبدون وجه حق، وهذا من القمار المحرم.
- أن الأكثرية تخسر ليربح فرد أو فردين أو أكثر، وهذا هو تعريف اليانصيب المحرم.
- بالنسبة للمنتج، منتج غير حقيقي ووهمي، وفيه جهالة، وكونه مبنيًّا على الغرر المحرم شرعًا لأنه مقامرة، واشتماله على الخداع والغش وبيع الوهم.
- قيمة المنتج غير حقيقية وفيها غبن على المشتري.
- تربية الناس على الكسب بالحظ والمصادفة، وهذا تشجيع على البطالة، والذي يسير في هذا الطريق ينعزل عن الحركة الاقتصادية في المجتمع، ويجمد طاقته، ويعتمد على الكسب الموهوم، وهذا ما ينتج عن القمار، وهو من أسباب تحريمه.
- القول بأنها من باب السمسرة الجائزة قول مردود؛ لأن السمسرة إما أن تكون على أساس "الجعالة"، أو على أساس "الإجارة".
- كما أن السمسار في العادة يجب أن يحصل على عمولة عن كل زبون، وهنا لا يحصل على أي عمولة قبل أن يبلغ عدد الزبائن الذين أحضرهم تسعة زبائن، وعليه فإنه يعطى عمولة من مجموع الربح المتحصل للشركة من الزبائن، أي أنه يربح من حق الآخرين،
- فالسمسرة عقد يحصل بموجبه السمسار على أجر لقاء بيع سلعة، أما التسويق الهرمي فالمسوِّق هو نفسه يدفع أجرًا لكي يكون مسوِّقًا، وهذا عكس السمسرة، كما أن الهدف من التسويق الهرمي ليس بيع بضاعة أو خدمة، بل جذب مسوِّقين جدد، ليجذبوا بدورهم مسوِّقين آخرين، وفي نهاية المطاف يتوقف فتخسر مجموعة كبيرة من الناس.
- غالبًا ما يشتري الزبون منتجات الشركة، لا بقصد الانتفاع بهذه المنتجات، بل بقصد الانتفاع بالعمولات الاحتمالية، وتكون النتيجة أن المنشأة هي الغانم الأكبر، بالإضافة إلى قلة من الزبائن يحصلون على عمولات كبيرة مغرية، أما الأكثرية الساحقة المتبقية فإما أنهم لا يحصلون على شيء، أو يحصلون على شيء قليل، معنى هذا أن هناك قلة غانمة، وكثرة غارمة، وأن القلة تغنم ما تغرمه الكثرة، وهذا هو القمار.
وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بخصوص هذا الأمر جاء فيها:
ورد إلينا أسئلة كثيرة عن عمل شركات التسويق الهرمي أو الشبكي مثل شركة (بزناس) و(هبة الجزيرة)، والتي يتلخص عملها في إقناع الشخص بشراء سلعة أو منتج على أن يقوم بإقناع آخرين بالشراء، ليقنع هؤلاء آخرين أيضًا بالشراء وهكذا، وكلما زادت طبقات المشتركين حصل الأول على عمولات أكثر تبلغ آلاف الريالات، وكل مشترك يقنع من بعده بالاشتراك مقابل العمولات الكبيرة، التي يمكن أن يحصل عليها إذا نجح في ضم مشتركين جدد يلونه في قائمة الأعضاء، وهذا ما يسمي بالتسويق الهرمي أو الشبكي.
وقد أجابت اللجنة على السؤال السابق بالتالي:
أن هذا النوع من المعاملات محرم، وذلك أن مقصود المعاملة هو العمولات وليس المنتج، فالعمولات تصل إلى عشرات الآلاف، في حين لا يتجاوز ثمن المنتج بضع مئات، وكل عاقل إذا عرض عليه الأمران فسيختار العمولات، ولهذا كان اعتماد هذه الشركات في التسويق والدعاية لمنتجاتها على إبراز حجم العمولات الكبيرة التي يمكن أن يحصل عليها المشترك، وإغرائه بالربح الفاحش مقابل مبلغ يسير هو ثمن المنتج، فالمنتج الذي تسوقه هذه الشركات مجرد ستار وذريعة للحصول على العمولات والأرباح، ولما كانت هذه هي حقيقة هذه المعاملة، فهي محرمة شرعًا لأمور:
أولًا: أنها تضمنت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة، فالمشترك يدفع مبلغًا قليلًا من المال ليحصل على مبلغ كبير منه، فهي نقود بنقود مع التفاضل والتأخير، وهذا هو الربا المحرم بالنص والإجماع، والمنتج الذي تبيعه الشركة على العميل ما هو إلا ستار للمبادلة، فهو غير مقصود للمشترك، فلا تأثير له في الحكم.
ثانيًا: أنها من الغرر المحرم شرعًا، لأن المشترك لا يدري هل ينجح في تحصيل العدد المطلوب من المشتركين أم لا؟ والتسويق الشبكي أو الهرمي مهما استمر فإنه لابد أن يصل إلى نهاية يتوقف عندها، ولا يدري المشترك حين انضمامه إلى الهرم هل سيكون في الطبقات العليا منه فيكون رابحًا، أو في الطبقات الدنيا فيكون خاسرًا؟
والواقع أن معظم أعضاء الهرم خاسرون إلا القلة القليلة في أعلاه، فالغالب إذن هو الخسارة، وهذه هي حقيقة الغرر، وهي التردد بين أمرين أغلبهما أخوفهما، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، كما في صحيح مسلم.
ثالثًا: ما اشتملت عليه هذه المعاملة من أكل الشركات لأموال الناس بالباطل، حيث لا يستفيد من هذا العقد إلا الشركة ومن ترغب إعطاءه من المشتركين بقصد خداع الآخرين، وهذا الذي جاء النص بتحريمه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
رابعًا: ما في هذه المعاملة من الغش والتدليس والتلبيس على الناس، من جهة إظهار المنتج وكأنه هو المقصود من المعاملة، والحال خلاف ذلك، ومن جهة إغرائهم بالعمولات الكبيرة التي لا تتحقق غالبًا، وهذا من الغش المحرم شرعًا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من غش فليس مني) [رواه مسلم، (295)] وقال أيضًا: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) [متفق عليه، رواه البخاري، (2079)، ومسلم، (3937)].
وأما القول بأن هذا التعامل من السمسرة، فهذا غير صحيح، إذ السمسرة عقد يحصل السمسار بموجبه على أجر لقاء بيع السلعة، أما التسويق الشبكي فإن المشترك هو الذي يدفع الأجر لتسويق المنتج، كما أن السمسرة مقصودها تسويق السلعة حقيقة، بخلاف التسويق الشبكي فإن المقصود الحقيقي منه هو تسويق العمولات وليس المنتج، ولهذا فإن المشترك يسوِّق لمن يُسوِّق، هكذا بخلاف السمسرة التي يُسوق فيها السمسار لمن يريد السلعة حقيقة، فالفرق بين الأمرين ظاهر.
وأما القول بأن العمولات من باب الهبة فليس بصحيح، ولو سُلِّمَ فليس كل هبة جائزة شرعًا، فالهبة على القرض ربا، ولذلك قال عبدالله بن سلام لأبي بردة رضي الله عنهما: (إنك في أرض، الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قَتٍّ فإنه ربا) [رواه البخاري، (3814)]،
والهبة تأخذ حكم السبب الذي وجدت لأجله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ـ في العامل الذي جاء يقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي ـ فقال عليه الصلاة والسلام: (أفلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟) [متفق عليه، رواه البخاري، (6636)، ومسلم، (4844)].
وهذه العمولات إنما وجدت لأجل الاشتراك في التسويق الشبكي، فمهما أعطيت من الأسماء، سواء هدية أو هبة أو غير ذلك، فلا يغير ذلك من حقيقتها وحكمها شيئًا.
ومما هو جدير بالذكر أن هناك شركات ظهرت في السوق سلكت في تعاملها مسلك التسويق الشبكي أو الهرمي، مثل شركة (سمارتس واي)، وشركة (جولد كويست)، وشركة (سفن دايموند)، وحكمها لا يختلف عن الشركات السابق ذكرها، وإن اختلفت عن بعضها فيما تعرضه من منتجات [اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فتوى رقم (22935)، بتاريخ 14/3/1425هـ].
المصادر:
1ـ فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
2ـ "شركة بزناس" ـ عبد الوهاب الشرعبي.
3 ـ مقال التسويق الهرمي ـ د.سامي بن إبراهيم السويلم.
لواء الشريعة
|