|
الندوة الثامنة عشرة
لقضايا الزكاة المعاصرة
الاحتفاظ بالأسهم المحرمة
لحين ارتفاع سعرها
والحصول على رأس المال
إعداد
أ.د. عبد العزيز خليفة القصار
أستاذ المقارن - كلية الشريعة - جامعة الكويت
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين على نعمه التي لا تحصى، الذي شرع الحلال وأمر به، ونهى العباد عن أكل الحرام والقرب منه، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين خير من طلب الحلال وسعى به، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد....
فبدعوة كريمة من رئيس الهيئة الشرعية العالمية للزكاة كلفت بكتابة ورقة مختصرة حول "الاحتفاظ بالأسهم المحرمة لحين أرتفاع سعر ها و الحصول على ر أس المال" و ذلك لعرضها في لقاء في الندوة الثامنة عشر لقضايا الزكاة المعاصرة.
وهو موضوع مهم يكثر السؤال عنه رغم محدودية مصادره ومراجعه، حيث يعتمد تشكيل الحكم الفقهي فيه على رأي الفقهاء المتخصصين على شكل فتاوى فردية، كل لها وجهتها وتقديرها.
ونظراً لمقصود هذه الورقة، وهو التحديد والاختصار، فقد تناولت الموضوع مباشرة واستغنيت عن المقدمات والبسط في التعريفات إلا ما يحتاج إليه القارئ للاستجماع الذهني للموضوع، حيث بينت معنى الأسهم وحقيقتها، ثم حكم تداولها والإسهام فيها، ثم بيان محل مشكلة البحث، حيث جاء العنوان المقترح في الأسهم المحرمة، غير أني آثرت التفصيل في نوعية الأسهم، فأدخلت في التعليق والحكم أسهم الشركات التي يكون أصل نشاطها مباحاً غير أنها قد تتعامل بالربا قرضاً واقتراضا، لكونها يكثر السؤال عنها في ذات الموضوع وبذات الشكل، من حيث جواز الاحتفاظ بها وعدمه، لذا كانت الورقة منصبة على الأسهم المحرمة، والأسهم التي يكون أصل نشاطها مباحاً غير أنها قد تودع أو تقترض بفائدة.
فشرعت في المقصود وأسأل الله تعالى أن يوفقنا للصالح من القول والعمل، وأن يسدد خطأنا وأن يغفر لنا الزلل، هو ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المطلب الأول
بيان معنى الأسهم
لقد تناول فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مبحث الشركات بالدراسة والتحليل والتفصيل والحكم، وتناولوا بالبحث والتعليل جوانب الجواز منها والحرام،
والشركة عند الفقهاء إجمالاً على أربعة أنواع:
شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه،
وأهمها شركة العنان: وهي التطبيق العملي للشركات المساهمة اليوم مع شيء من التطور والإضافة، وهذه الشركات التي تناولها العلماء بالبحث والدراسة والتأصيل هي الأساس الذي انطلقت منه الشركات الحديثة والتي استجدت في عصرنا الحالي، كالشركات المساهمة التي لا ينظر فيها إلى شخص الشريك، ولكن ينظر إلى حصص الإسهام في الشركة، ويكون التعويل فيها على الشخصية الاعتبارية([2]).
وفد عرف قانون الشركات التجارية الكويتي في المادة (63) الشركة المساهمة بأنها: "الشركة التي تتألف من عدد من الأشخاص يكتتبون فيها بأسهم قابلة للتداول، ولا يكونون مسئولين عن التزامات الشركة إلا بمقدار القيمة الاسمية لما اكتتبوا به من أسهمها"([3]).
ومن طبيعة هذه الشركات أنها تنقسم إلى حصص وتسمى الأسهم، وهي حصص متساوية قابلة للتداول.
بيان معنى الأسهم:-
فالأسهم هي جمع سهام وهو في اللغة له عدة معان منها: النصيب، والحظ، والشيء من أشياء([4]).
وأما السهم في اصطلاح علماء القانون التجاري فيطلق على أمرين:
الأول: الحصة التي يقدمها الشريك في شركة المساهمة، وهي تمثل جزء من رأس مال الشركة، ويتمثل السهم في صك يعطى للمساهم.
الثاني: الصك الذي يعطى للمساهم إثباتاً لحقه.
فالسهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال، وللسهم خصائص وحقوق متعددة تناولها العلماء بالتفصيل والشرح([5]).
وعليه فالسهم هو جزء من رأس المال، والاستثمار فيه يمثل ملكية جزئية في الشركة، والمبلغ الإجمالي من رأس المال المطلوب لمشروع الأعمال يقسم إلى عدد من الأسهم ذات القيم المتساوية([6]).
ومجموع هذه الحصص يكون رأس المال، ويطلق عليه الاقتصاديون: رأس المال الأصلي (Original Capital): وهي الأموال التي يسهم بها المالكون في المنشأة عند التأسيس، فإذا ما بدأ التشغيل، فإن رأس المال (Capital) يطلق على أحد عناصر الإنتاج، وهو مجموع الموارد التي تستثمرها الشركة في عملياتها الإنتاجية([7]).
المطلب الثاني
حكم تداول الأسهم والإسهام فيها
بينا سابقا أن السهم هو حصة شائعة في رأس مال الشركة، كما يمثل حصة شائعة في موجوداتها، وما يترتب عليها من حقوق عند تحول رأس المال إلى أعيان ومنافع وديون والتزامات وغيرها، وعليه فإن حكم التداول في الأسهم يكون تابعاً لنوعية ذلك النشاط الذي يحول رأس المال إلى تلك الموجودات الحسية والمعنوية، ولذا فقد تعدد الحكم الفقهي بالنسبة لهذا الموضوع بحسب النشاط القائم مبينة على النحو الآتي:-
أولاً: إذا كان نشاط الشركة مباحاً دون وجود أية أنشطة مخالفة لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، فإنه يجوز شراء أسهم هذه الشركات وبيعها سواء أكان استثمارا (أي اقتناء السهم بقصد ربحه) أم متاجرة (أي بقصد الاستفادة من فروق الأسعار والزيادة الرأسمالية).
ثانياً: إذا كان أصل نشاط الشركة مباحاً، ولكنها تودع أو تقترض بفائدة، فقد اختلف العلماء المعاصرون في حكمها، ما بين مانع ومبيع بشروط وضوابط([8]).
فمن يرى جواز التداول بهذه الأسهم والاستثمار فيها، فإنه لا يعدها من ضمن الأسهم المحرمة، وإن كان الأصل عندهم هو الاستثمار في الأسهم التي يكون أغراضها وأنشطتها متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بشكل عام، وقد وضع المعيار الشرعي الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ضوابط التعامل بهذه الأسهم، وهي على النحو الآتي:-
3/4 المساهمة أو التعامل (الاستثمار والمتاجرة) في أسهم شركات أصل نشاطها حلال، ولكنها تودع أو تقترض بفائدة.
الأصل حرمة المساهمة والتعامل (الاستثمار أو المتاجرة) في أسهم شركات تتعامل أحياناً بالربا أو نحوه من المحرمات مع كون أصل نشاطها مباحاً، ويستثنى من هذا الحكم المساهمة أو التعامل (الاستثمار أو المتاجرة) بالشروط الآتية:-
3/4/1 أن لا تنص الشركة في نظامها الأساسي أن من أهدافها التعامل بالربا، أو التعامل بالمحرمات كالخنزير ونحوه.
3/4/2 ألا يبلغ إجمالي المبلغ المقترض بالربا، سواء أكان قرضاً طويل الأجل أم قرضاً قصير الأجل، 30 % من القيمة السوقية (Market Cap) لمجموع أسهم الشركة علماً بأن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه.
3/4/3 ألا يبلغ إجمالي المبلغ المودع بالربا، سواء أكانت مدة الإيداع قصيرة أو متوسطة أو طويلة 30 % من القيمة السوقية (Market Cap) لمجموع أسهم الشركة علما بأن الإيداع بالربا حرام مهما كان مبلغه.
3/4/4 أن لا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم نسبة 5 % من إجمالي إيرادات الشركة، سواء أكان هذا الإيراد ناتجاً عن ممارسة نشاط محرم أم عن تملك لمحرم. وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها ويراعى جانب الاحتياط.
3/4/5 يرجع في تحديد هذه النسب إلى آخر ميزانية أو مركز مالي مدقق.
3/4/6 يجب التخلص مما يخص السهم من الإيراد المحرم الذي خالط عوائد تلك الشركات وفقا لما يأتي:-
3/4/6/1 يجب التخلص من الإراد المحرم- سواء أكان ناتجاً من النشاط أو التملك المحرم، أم من الفوائد- على من كان مالكاً للأسهم سواء أكان مستثمراً أم متاجراً حين نهاية الفترة المالية، ولو وجب الأداء عند صدور القوائم المالية النهائية، سواء كانت ربعية أم سنوية أم غيرها. وعليه فلا يلزم من باع الأسهم قبل نهاية الفترة المالية التخلص.
3/4/6/2 محل التخلص هو ما يخص السهم من الإيراد المحرم، سواء أوزعت أرباحاً أم لم توزع، وسواء أربحت الشركة أم خسرت.
3/4/6/3 لا يلزم الوسيط أو الوكيل أو المدير التخلص من جزء من عمولته أو أجرته، التي هي حق لهم نظير ما قاموا به من عمل.
3/4/6/4 يتم التوصل إلى ما يجب على المتعامل التخلص منه بقسمة مجموع الإيراد المحرم للشركة المتعامل في أسهمها على عدد أسهم تلك الشركة، فيخرج ما يخص كل سهم ثم يضرب الناتج في عدد الأسهم المملوكة لذلك المتعامل- فرداً كان أو مؤسسة أو صندوقاً أو غير ذلك- وما نتج فهو مقدار ما يجب التخلص منه.
3/4/6/5 لا يجوز الانتفاع بالعنصر المحرم- الواجب التخلص منه- بأي وجه من وجوه الانتفاع ولا التحايل على ذلك بأي طريق كان ولو بدفع الضرائب.
3/4/6/6 تقع مسئولية التخلص من الإيراد المحرم لصالح وجوه الخير على المؤسسة في حال تعاملها لنفسها أو في حال إدارتها، أما في حالة وساطتها فعليها أن تخبر المتعامل بآلية التخلص من العنصر المحرم حتى يقوم بها بنفسه، وللمؤسسة أن تقدم هذه الخدمة بأجر أو دون أجر لمن يرغب من المتعاملين.
3/4/7 تطبق المؤسسة الضوابط المذكورة سواء أقامت بنفسها بذلك أم بواسطة غيرها، وسواء أكان التعامل لنفسها أم لغيرها على سبيل التوسط أو الإدارة للأموال كالصناديق أو على سبيل المثال الوكالة عن الغير.
3/4/8 يجب استمرار مراعاة هذه الضوابط طوال فترة الإسهام أو التعامل، فإذا اختلت الضوابط وجب الخروج من هذا الاستثمار. انتهى النقل من المعيار.
ثالثاً: إن كان نشاط الشركة محرماً وغرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات فإنه يحرم شراء وتداول أسهمها، إلا لمن يدخل فيها بقصد التغيير وأسلمتها وهو قادر على ذلك([9]).
وقد جاء قرار مجمع الفقه الدولي قرار رقم 63 (1/7) ما يلي:-
- أ- بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز.
- ب- لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها([10]).
وقد جاء حكم التعامل بالأسهم كما ورد في دليل الإرشادات لمحاسبة الزكاة بأنه: يحكم على السهم من حيث جواز تملكه وعدم جوازه تبعاً لنشاط الشركة المساهم فيها، فتحرم المساهمة في الشركة ويحرم تملك أسهمها إذا كان الغرض من الشركة محرماً كالربا، والخمور والقمار، أو كان التعامل فيها بطريقة محرمة([11]).
وتداول الأسهم المحرمة إما أن يكون استثمارا (أي اقتناء السهم بقصد ربحه والحصول على التوزيعات الدورية سواء النقدية منها أم أسهم المنحة) وإما أن يكون متاجرة، أو ما يعرف بالمضاربة في المصطلح لأسواق الأوراق المالية، فهو الشراء من أجل تحين فرصة لارتفاع سعر السهم وبالتالي بيعه للاستفادة من فروق الأسعار.
وقد جاءت الفتاوى السابقة محرمة التعامل في الأسهم المحرمة بأي شكل من الأشكال بصورة عامة، سواء للاستثمار أم للمتاجرة.
المطلب الثالث
الأسـهم المحـرمة
مثار مشكلة البحث هو أمران:-
الأمر الأول: الأسهم المحرمة والتي يكون نشاطها محرماً، فهل يجوز الاحتفاظ بتلك الأسهم المحرمة لحين ارتفاع سعرها والحصول على رأس المال؟؟ وقد يتصور هذه المشكلة فيمن اشترى سهماً من هذه الشركات المحرمة بسعر معين، ثم تاب بعد ذلك وأراد التخلص من ذلك الإثم، وقد حدث أن انخفض سعر السهم المحرم عن السعر الذي اشترى به، فهل يجوز له الاحتفاظ به لحين الحصول على رأس ماله ثم التخلص منه.
الأمر الثاني: الأسهم التي يكون نشاطها مباحاً وقد تودع أو تقترض بفائدة، فلو حصل أن كانت ضمن الضوابط، حين تم الاستثمار فيها، ثم بعد ذلك تغير وضعها، واختلت الضوابط وحصل أن انخفضت قيمتها عن وقت شرائها، فهل يجوز الاحتفاظ بها لحين استرداد رأس المال؟
أما المسألة الأولى: وهي الأسهم المحرمة والتي يكون أصل نشاطها محرماً فالمسألة تحتمل وجهتي نظر:-
الأولى: لا مانع من الاحتفاظ بذلك السهم لحين استرداد رأس المال.
الثانية: يجب التخلص فوراً من الأسهم المحرمة وإن كان هناك انخفاض في سعرها عن اليوم الذي اشتريت به.
ويمكن أن يوجه استدلال الأول بما يلي:
قوله تعالى: " وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ " سورة البقرة من الآية 279.
وجه الدلالة:
هذه الآية تبين الحكم فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب، وهو أنه يأخذ رأس ماله، فلا يظلم ولا يظلم. وقد ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله في فصل فيمن أوقع العقود المحرمة ثم تاب هذه الآية الكريمة وذكر صوراً تطبيقاً لها([12]).
الثاني: استنادا إلى القاعدة الفقهية التي تنص على أنه: "لا ضرر ولا ضرار" والمأخوذة من الحديث النبوي الشريف([13]).
وتكليف الشخص بيع الأسهم المحرمة مع الخسارة فيه إضرار به والشريعة الإسلامية تمنع من الضرر، لاسيما وأن المال مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد جاءت الشريعة بحفظه، والتخلص منه بهذه الطريقة فيه تضييع للمال.
وقد يستدل لهذا الوجه بغير ما ذكر، حيث إني حسب إطلاعي القاصر لم أعثر على قول منسوب لأحد الفقهاء المعاصرين في هذا الشأن، وربما وُجد لكن لم يصل إلى علمي.
الوجهة الثانية:
وجوب التخلص من الأسهم المحرمة فورا، ولو لم يحصل استرداد لرأس المال. ولعلي أميل إلى هذا الرأي، وذلك لعدة اعتبارات فقهية وهي:-
1- الآيات والأحاديث العامة التي تدعوا إلى التوبة، ووجوبها على الفور دون تأخير، والتخلص من الحرام، ومنها قوله تعالى: " وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" سورة النور من الآية 31، وقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً " سورة التحريم- من الآية 8، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة([14]).
فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب التوبة والمسارعة فيها، وعدم التأخر في التخلص من الحرام([15]).
قال النووي رحمه الله: قال العلماء: "التوبة واجبة من كل ذنب"([16]).
قال الشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي في شرحه (رياض الصالحين) عند ذكر النووي شروط التوبة: "فلها ثلاثة شروط أحدهما: أن يقلع، أي يكف وينقطع عن المعصية التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب"([17]).
وعليه فيجب على من يمتلك سهماً محرماً التخلص منه مباشرة إن تمكن من ذلك ولو لم يحصل على رأس ماله الذي اشتراه به، فلو تداركه الموت وهو محتفظ بذلك السهم المحرم، فإن الوصف الذي ينطبق عليه هو أنه بحوزته مال محرم، وهذا مما لا تقره الشريعة الإسلامية. فالمال الحرام هو: كل ما حرم الشرع دخوله في ملك المسلم([18]).
2- بالنظر إلى حقيقة السهم وطبيعته، نجد أنه جزء من رأس المال، والاستثمار فيه يمثل ملكية جزئية في الشركة، فعندما تشتري سهماً فإنه يكون لك حصة في ملكية تلك الشركة، وتكون مخولاً لجزء من مكاسب الشركة وأصولها عند التصفية، كما يملك المساهمون والملاك جزء من التدفق النقدي الناتج من استخدام هذه الأصول واستثمارها، وكلما حققت الشركة المزيد من الربح فإن قيمة الشركة الدفترية وحقوق الملكية سترتفع، وفي الغالب زيادة أسعار أسهمها في السوق، وهو الشأن الطبيعي لارتفاع الأسعار حيث الأداء الجيد لتلك الشركات والنتائج المرتفعة، بخلاف التقلبات التي تحدث نتيجة الأخبار والشائعات وغيرها، فهذا ليس هو الأصل في سوق يتعامل بالشفافية ووضوح في القوانين والتنظيمات،
فإذا ما اعتبرنا أن الأداء هو معيار النمو والزيادة الرأسمالية وبالتالي الزيادة في القيمة السوقية، فهو نتيجة طبيعية لأداء رأس المال العامل (Working Capital) وهو في العرف الاقتصادي يتولد من صافي الربح والزيادة في حقوق الملكية. وهو يستخدم كمقياس لسيولة الشركة([19]).
وهناك علاقة متشابكة بين السيولة (Liquidity) والربحية (Profitability) فالشركات المحرمة والتي يقوم أساس نشاطها على الإقراض والاقتراض بالربا، كالبنوك التقليدية تسعى لتحقيق أكبر ربحية وفائض ممكن لينعكس إيجابا على حقوق الملكية وسعر السهم، والفائض هو الفرق بين الإيرادات الإجمالية والنفقات الكلية، وتتحقق الإيرادات الإجمالية من عمليات الاستثمار والإقراض التي يقوم بها البنك وغيرها من الخدمات المصرفية التقليدية، علماً بأن الأرباح الرأسمالية قد تنتج عن ارتفاع القيمة السوقية لبعض تلك الاستثمارات والتي قد تكون محرمة نظراً لأن البنك التقليدي لا يراعي التعامل وفق القواعد الشرعية([20]).
ومن المعلوم في علم الاقتصاد أن أسعار الأسهم تتأثر بعدة عوامل منها: إعلان الربحية، والأرباح الموزعة، و غيرها([21]).
والخلاصة من السرد السابق هو أن أداء الشركة يرتبط ارتباطا لصيقا في سعر أسهم الشركة، والأداء إن كان محرماً لأنه نتيجة عمل غير مشروع، فإن نتيجة تلك الزيادة هي النشاط غير المشروع، فلو حصل أن انخفض سعر السهم المحرم لأسباب منطقية متعلقة بالعوامل السابق ذكرها، فتعتبر خسارة رأسمالية، تأثرت بها حقوق الملكية،
وعليه فلو ارتفعت مرة أخرى فكأنه كسب غير مشروع وبالتالي فلا يجوز الاستفادة منه، بل الواجب على من ملك سهماً محرماً أن يتخلص منه دون مراعاة لانتظار زمن يسترد فيه قيمة رأس المال الذي دفعه، لأنه بشرائه للسهم قد دخل شريكاً في جزء من استثمارات وموجودات تلك الشركة وهي محرمة كما أسلفنا، فانخفاض أسهمها هو خسارة لماله، فلا يعوضه من زيادة رأسمالية محرمة،
ويكاد لا يختلف الاقتصاديون في علم التحليل الأساسي (Fundamental Analysis) على أن القيمة الحقيقية للسهم والتي تؤثر على سعر السهم من جملة أمور من أهمها الربحية، والنمو والتدفقات النقدية والتشغيل([22]) وأما العرض والطلب فنتيجة تلك العوامل السابقة.
فإذا كان السبب الرئيس لارتفاع السعر هو تلك العوامل وهي ضمن الشركات التقليدية المحرمة ذات أنشطة غير مشروعة، وهي نتاج عمل غير مشروع، فلا يصح الاستفادة من أي زيادة رأسمالية حتى بعد انخفاض القيمة عن المبلغ الذي اشتريت به.
مناقشة واختيار:
باستعراض الاحتمالين الفقهيين السابقين وتوجيههما يمكن أن نناقش الاحتمال الأول بما استدل به بما يلي:-
- أ- الآية الكريمة: " وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ".
المناقشة: هذه الآية قد وردت في الاقتراض بفائدة، حيث من أقرض بفائدة يجب عليه التخلص من الحرام، باسترجاع رأسماله فقط، دون الزيادة ويتصور الفصل بين أصل الدين والفائدة، وأما في مسألتنا فالوضع مختلف، حيث إن الفعل هو من قبيل الاستثمار المحرم، والذي انتقلت فيه الأموال من صفة إلى صفة أخرى، حيث تم استعمال هذه الأموال في توظيفات محرمة، فما نتج عنها محرم، وبالتالي لا يمكن الاستدلال بهذه الآية في هذا الموضع.
- ب- وأما الاستدلال بعدم الضرر والشريعة رفعت الضرر، فهذا الاستدلال في غير محله أيضاً، لكون الضرر يرفع في حال عدم المعصية، أما في حال الإقدام على المحرم فلا رخصة، وكما قال الفقهاء: "الرخص لا تناط بالمعاصي"([23]).
وعليه فهذه الخسارة قد حصلت بسبب دخوله في المحرم، فيكون الهلاك عليه.
- ج- ذكر الفقهاء أن الكسب الحرام كالعدم([24]).
وعليه، فإن الكسب المتحصل من استرداد ذلك الاستثمار المحرم هو كالعدم، فلا يستحقه لكون أصل النشاط محرماً.
وقد يقال: بأن أسعار الأسهم في أسواق الأوراق المالية كثيرا ما يرتبط بالمتغيرات السياسية والأقاويل وغيرها مما لا يعتمد على العوامل المذكورة سابقا!!
فأقول: وإن يكن ذلك ولم نسلم بتلك التوجيهات لتلك الزيادة؛ فحسبنا عدم جواز الإبقاء على ما كان محرما بأصله ووجوب التوبة بالتخلص منه.
وبعد هذه التوجيهات فالذي أختاره هو عدم جواز الاحتفاظ بالأسهم المحرمة الأصل والنشاط، بل لابد من التخلص منها، حتى ولو انخفضت أسعارها عن يوم شرائها.
المطلب الرابعة
أسهم الشركات التي يكون
أصل نشاطها مباحاً وقد تودع وتقترض بالربا
ذكرنا سابقاً أن من العلماء المعاصرين من ذهب إلى جواز الاستثمار والمضاربة في هذه الأسهم بالضوابط سابقة الذكر.
وعليه، فلو استثمر الشخص بناء على فتوى الإجازة وحصل أن اختلت هذه الضوابط أثناء فترة الاحتفاظ بهذه الأسهم، فالأصل أن يتم التخلص من هذه الأسهم، فلو تغير سعر هذه الأسهم بالنقص فهل يجوز له الاحتفاظ بها لحين استرداد رأس ماله أم يجب التخلص منها فوراً كالأسهم المحرمة الأصل والنشاط؟؟
الذي أختاره هو أنه يجوز له الاحتفاظ بالأسهم لحين استرداد رأسماله، وذلك للأسباب الآتية:-
- 1- أن أصل عمل هذه الشركات مباح، فالأصل فيها أنها تستثمر أموالها حسب نظامها الأساسي بشيء مباح، وعليه فإن المفروض أن العوائد التشغيلية ناتجة من ذلك الاستثمار المباح، فأي زيادة رأسمالية فالأصل فيها أنها زيادة مباحة، ولكن كون أنها قد تودع أموالها في بنوك ربوية،
- فهذا يعني أن جزء من مدخولها محرم، وهذه النسبة واجبة التطهير كما ذكرنا سابقاً في المعيار لتداول هذه الأسهم، وكون هذا العمل ليس هو أصل النشاط، فأصل النشاط مباح، وعليه فلا يتأتى ما ذكر في الأسهم المحرمة كون أصل نشاطها هناك محرم، وهنا مباح، فلا مانع من الاحتفاظ بها لحين لاسترداد رأس المال ومن ثم البيع، مع مراعاة وجوب تطهير النسبة المحرمة على التفصيل الذي ورد في المعيار الشرعي للأسهم.
- 2- الشخص الذي استثمر في هذه الأسهم قد دخل بناء على قول مبيح في الاستثمار بهذه الأسهم، فهو عندما استثمر فيها قد استثمر في أسهم مشروعة مباحة حسب الاجتهاد القائل بالصحة، وعليه فإن هذا السهم حلال حسب معتقد قائله وفاعله،
- يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في ذكره لقاعدة: المقبوض بعقد فاسد: "وذلك أنه لا يخلو: إما أن يكون العاقد يعتقد الفساد ويعلمه، أو لا يعتقد الفساد..... إلى أن قال: وهكذا كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير مثل المعاملات الربوية التي يبيحها مجوزوا الحيل، ومثل النبيذ المتنازع فيه عند من يعتقد صحته، ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من يجوز بعضها، فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة لم تنقض بعد ذلك، لا بحكم، ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد"([25]).
فالشخص قد استثمر في سهم مشروع حسب اجتهاده، فلو حصل أن اختلت الضوابط، والحال أن سعر السهم قد انخفض عن السعر الذي قد اشترى به. فالأصل أن يتخلص منه، لكن يجوز له الاحتفاظ به لحين الحصول على رأس المال.
- 3- استنادا للقاعدة الفقهية: "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها"([26])، وعبر عنها الزركشي بلفظ "يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء"([27])، فاغتفر الفقهاء في الاستمرار ما لم يغتفروا في الابتداء، وعليه فلو كانت هذه الأسهم محرمة ابتداء لما جاز أن يستثمر بها، أما وأنها قد كانت جائزة ابتداء فيغتفر الاحتفاظ به لخلل لحين حصول مقصود آخر، على أن يتخلص منها بمجرد الحصول على رأسماله.
والفرق بين هذه الحالة وحالة السهم المحرم هو أن السهم المحرم لا يجوز الدخول فيه ابتداء وهو محرم ابتداء، خلاف الحال هنا، فالسهم في أصله جائز.
الخـاتمـة:
بعد هذه الدراسة المختصرة فالذي أميل إليه هو ما يلي:-
- 1- عدم جواز الاحتفاظ بالأسهم المحرمة لحين استرداد رأس المال في حال انخفضت قيمة الأسهم عن وقت الشراء.
- 2- جواز الاحتفاظ بالأسهم التي يكون أصل نشاطها مباحاً وقد تودع وتقترض بالفائدة بضوابط تداولها المذكورة وذلك لحين استرداد رأس المال في حال انخفضت قيمة الأسهم عن وقت الشراء.
هذا ما وفقنا الله تعالى للكتابة فيه حول هذا الموضوع، فإن كان في ما ذكر صواب فمن الله تعالى وحده، وإن كان فيه غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان. والله ورسوله بريئان منه. وصلى الله وسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أ.د. عبد العزيز خليفة القصار
أستاذ الفقه المقارن- كلية الشريعة
جامعة الكويت
الهوامش
([1]) أستاذ المقارن - كلية الشريعة - جامعة الكويت.
([2]) انظر المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعيار رقم 12 ص225.
([3]) انظر: أسواق الأوراق المالية د. سمير عبد الحميد رضوان ص243، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي الطبعة الأولى 1996 -قانون الشركات التجارية-مجموعة التشريعات الكويتية- ص25 الجزء السابع الطبعة الخامسة 1998م.
([4]) انظر: مختار الصحاح ص319، المصباح المنير 1/398.
([5]) انظر: حكم الاستثمار في الأسهم أ.د. علي محيي الدين القره داغي ص26، المعاملات المالية المعاصرة د. محمد عثمان شبير ص201 وما بعدها، بورصة الأوراق المالية د. شعبان محمد ص87.
([6]) انظر: الزغبي والقباني للإستشارات المالية ص5، دليل المستثمر.
([7]) انظر: قاموس شابيان ص158، 607 ط2004.
([8]) انظر المعايير الشرعية ص356، الاستثمار في الأسهم أ.د علي القره داغي ص52.
([9]) انظر: الاستثمار في الأسهم ص52 د. علي القره داغي وما بعدها، المعاملات المالية المعاصرة د. عثمان شبير ص212 وما بعدها، بورصة الأوراق المالية د. شعبان محمد ص113 وما بعدها، المعايير الشرعية ص355، نوازل فقهية معاصرة -خالد سيف الله الرحماني ص337 ، مكتبة الصحوة، الكويت.
([10]) انظر: الاستثمار في الأسهم - د. علي القره داغي ص53.
([11]) أبحاث وأعمال الندوة الحادية عشرة، والثانية عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة ص184.
([12]) انظر الفتاوى الكبرى 29/420.
([13]) الحديث أخرجه ابن ماجة في السنن حديث رقم 234، والبيهقي في السنن الكبرى باب: لا ضرر ولا ضرار حديث رقم 11166، والإمام مالك مرسلا في الموطأ حديث رقم 11 باب: مالا يجوز من عتق المكاتب.
([14]) رواه مسلم باب: استحباب الاستغفار حديث رقم 2702.
([15]) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح 1/55 -ط عالم الكتب.
([16]) انظر: رياض الصالحين ص9 - ط دار نهر النيل - القاهرة.
([17]) انظر: دليل الفالحين 1/78 - ط مصطفى البابي الحلبي- مصر.
([18]) انظر: أحكام المال الحرام د. عباس أحمد الباز ص39 - ط دار النفائس -الأردن- الطبعة الثانية 1999م.
([19]) انظر: قاموس شيبان ص841.
([20]) النقود والبنوك د. صبحي تادرس ص109 ط-دار النهضة- بيروت 1984م.
([21]) انظر: دليل المستثمر -الزغبي والقباني- ص53.
([22]) انظر: دليل المستثمر- الزغبي والقباني- 53.
([23]) انظر: المنثور في القواعد- للزركشي- 2/167- طبعة وزارة الأوقاف الكويتية- الطبعة الثانية 1985 م.
([24]) انظر: حاشيتا قليوبي وعميرة- 4/82- ط. مكتبة زهران- القاهرة.
([25]) انظر: الفتاوى لابن تيمية- 29/412- 413.
([26]) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي- ص120-ط. دار الكتب العالمية- الأشباه والنظائر لابن نجيم ص121- ط. دار الكتب العالمية- الجيز في إيضاح قواعد الفقه- د. البورنو ص284.
([27]) انظر: المنثور في القواعد للزركشي- 3/374- ط. وزارة الأوقاف الكويتية- الطبعة الثانية 1985م.
|