البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه الربا والمعاملات المحرمة | الفائدة والربا شبهات وتبريرات معاصرة 

الفائدة والربا

شبهات وتبريرات معاصرة

الدكتور/ خالد بن عد الرحمن المشعل([1])

1/مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

فيعتبر سعر الفائدة من العناصر المهمة في النظرية الاقتصادية التقليدية. وقد تركزت الجهود منذ زمن طويل لمحاولة تفسير وتبرير الفائدة وظهرت عشرات النظريات في هذا المجال([2]). وانتقل هذا المنهج إلى بعض كتاب الاقتصاد الإسلامي محاولة منهم أيضا تبرير وتفسير الفائدة بما يتفق في نظرهم مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

ويعتبر هذا الموضوع من أكثر الموضوعات الاقتصادية جدلا في الماضي والحاضر، وعلى الرغم من أن الكتابات حول بعض عناصر هذا الموضوع قد بدأت قبل حوالي نصف قرن الزمان إلا أن الملاحظ تجدُّد طرح هذه الآراء والأفكار بصيغ مختلفة في العصر الحاضر، فلا تكاد تمر مناسبة علمية اقتصادية تناقش قضايا الاقتصاد الإسلامي إلا وتعرض صورة من صور هذا الموضوع للنقاش.

ولهذا يهدف هذا البحث إلى جمع هذه الآراء والنظريات وتقييمها من أجل تقديمها إلى الباحثين الجدد -على اختلاف خلفياتهم العلمية- بأسلوب مناسب يخدم مناقشة هذا الموضوع ويوضح الإطار العام له.

وسيركز هذا البحث -وبشكل موجز- على عرض بعض هذه النظريات والآراء والتبريرات ومناقشة فروض هذه الآراء والنظريات. حيث يتناول القسم الثاني من البحث توضيح العلاقة بين الفائدة والربا، وفي القسم الثالث عرض مفصل للشبهات والنظريات المطروحة، أما القسم الرابع فيعرض الملامح الرئيسة والإطار العام للنظرية الإسلامية.

2/العلاقة بين الفائدة والربا:

إن معرفة العلاقة بين الفائدة والربا تتطلب تعريف كل من الفائدة والربا والألفاظ ذات الصلة بهما. فالفائدة لغة: هي ما استفدته من علم أو مال([3]) والجمع فوائد وأفدت المال استفدته وأعطيته ضد. وهما يتفايدان والمال يفيد كل صاحبه([4]).وإذا أردنا أن نتعرف على مفهوم الفائدة في اصطلاح الفقهاء فلا بد من معرفة بعض الكلمات ذات العلاقة والصلة بموضوع المال ونمائه وربحه ومن أهم هذه الكلمات الربح والغلة والفائدة، وبالتعريف الدقيق لكل هذه المصطلحات يمكن أن نصل إلى الإجابة على العلاقة بين الفائدة والربا، وبالتالي إلى الحكم الشرعي للفائدة.

2/1 الربح:

الربح: الربح في عرف الفقهاء هو زائد ثمن مبيع نتج على ثمنه الأول([5]).

ويتضح من هذا التعريف أن الربح هو ما نتج عن عملية تبادل تجاري تتقلب فيه النقود إلى عروض تجارية ثم تباع بأزيد من ثمن شرائها، فهذه الزيادة تسمى في العرف الفقهي ربحا وهو ما عبر عنه ابن  قدامة بقوله وإن النماء في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب([6]) ولهذا لا يدخل تحت مفهوم الربح ما يحصل عليه الإنسان من غير عملية تجارية.

2/2 الغلة:

الغلة: الغلة في اللغة يقال: أغَلًّت الضيعة فهي مُغِلة إذا أتت بشيء وأصلها باق([7]) والغلة الدخل من كراء دار وأجر غلام وعائد أرض من ريعها أو كرائها، والغلة واحدة الغلات([8]).

وتستعمل في عرف الفقهاء للدلالة على إنتاج ما أصله جامد، ولهذا تطلق الغلة على ما تخرجه الأرض وما ينتجه العبد وما يدره الحيوان من لبن وصوف وغيرهما وجاء في دستور العلماء: غلة الشيء حاصلة كأجرة الدار المستأجرة والزراعة الحاصلة من زرع الأرض([9]).

كما تطلق على ما تجدد -نتج- من سلع التجارة قبل بيع رقابها كغلة العبد وثمر النخل المشترى للتجارة([10]).

وتتخذ الغلة شكل النقود أو السلع أو الخدمات، بخلاف الربح الذي لا يتخذ إلا شكل النقود.

2/3 الفائدة:

تطلق الفائدة في عرف الفقهاء -كما عرفها الدسوقي- على ما تجدد -نتج- لا عن مال أو عن مال غير مزكى كميزات أو عطية أو هبة وثمن عروض القنية([11])

وتخرج بهذا التعريف الغلة والربح؛ لأنها حصلت عن مال، ويقصد بثمن عروض القنية ما إذا اشترى سلعة للاقتناء لا للإيجار بعشرة ثم باعها بعشرين فلا يسمى هذا ربحاً بل فائدة. ويمكن أن نضع ضابطاً للفائدة من خلال هذه التعريف أنها ما يحصل عليه الإنسان دون عمل أو جهد أو قصد التجارة.

والمبدأ المقرر في الإسلام أن النقود لا تلد النقود بمفردها ولا نماء لها بحد ذاتها فالفائدة في التعريف الفقهي تقتصر على نماء العروض والسلع المعدة للقنية -الأصول الثابتة- دون الأموال النقدية التي يشترط لشرعية نمائها أن تدخل في دورة بيع وشراء وتنتقل بها من نقد إلى عروض تجارية -سلع- ثم تعود نقوداً مرة أخرى فإن النماء الناتج عنها في هذه الحالة يعتبر ربحاً مشروعاً، لالتقاء المال مع العمل في هذه الدورة وتقليبه من حال إلى حال ولتوفر عنصر المخاطرة فيه بتعرضه لاحتمال الربح والخسارة.

وهذا الأمر بعكس الحال تماماً في العرف الاقتصادي الذي يسمى فيها نماء المال بذاته ربحا رأسمالياً سواء أكان المال نقداً أم غيره، بل إن التسمية تكاد تنحصر في نماء المال النقدي وهي الفائدة في العرف المصرفي([12]).

وبعد أن تم تعريف كل من الربح والغلة والفائدة في العرف الفقهي بقي أن نتعرف بشكل دقيق على مفهوم الفائدة في العرف المصرفي، حتى يمكن التعرف على العلاقة بين الفائدة والربا.

الفائدة في العرف المصرفي هي الثمن المدفوع نظير استخدام النقود([13]) أو هي الثمن النقدي لاستعمال مبلغ نقدي.

ومن هنا يتضح أن معنى الفائدة في عرف الفقهاء يختلف عن معناها في العرف المصرفي والاقتصادي، كما أن معنى الفائدة في كلتا الحالتين يختلف عن معنى الربح في الفقه الإسلامي.

وإذا كان الأمر كذلك يتبقي سؤال مهم وهو: هل يختلف معنى الفائدة في العرف المصرفي عن معنى الربا المحرم في الفقه الإسلامي كما اختلف الربح أو لا؟

والإجابة على هذا السؤال المهم تتطلب تعريف الربا لكي نتمكن من معرفة أوجه التشابه والاختلاف بينهما.

2/4 الربا:

الربا في اللغة من ربا الشيء إذا زاد قال الفراء في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً)([14]). أي زائدة كقولك أرأيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت([15]). فالربا في اللغة هو الزيادة مطلقاً قال تعالى: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)([16])0 أي نمت وزادت.

وفي الاصطلاح الشرعي: الزيادة في أشياء مخصوصة([17]). أو هو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما([18]).

والربا في الشريعة الإسلامية نوعان:

النوع الأول: ربا الديون -

وقد اشتهر باسم ربا النسيئة- وهو ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن الكريم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)([19]). وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([20]). وحرمه النبي صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله)([21]).

وربا الديون هذا يتخذ صورتين:

  • 1- الزيادة على القرض في صلب العقد أي القرض بزيادة مشروطة عند العقد، وبالتالي أخذ هذه الزيادة مع القرض عند حلول الأجل.
  • 2- الزيادة على الدين نظير تأجيله مرة ثانية عند حلول أجل السداد وعجز المدين عنه سواء كان البيع ناشئاً عن البيع بثمن مؤجل أم عن قرض.

وربا الديون هذا هو ما تعارف أهل الجاهلية عليه وهو ما يسمى بالربا الجلي([22]).

أما النوع الثاني: فهو ربا البيوع وهو الربا الذي يكون في المبيعات ويسميه الفقهاء: ربا الفضل: تغليباً؛ لأنه في حقيقته ربا فضل وربا نسيئة، وهو خاص بالأشياء الستة: الذهب والفضة والتمر والبر والشعير والملح وما قيس عليها عند جمهور الفقهاء([23]).

يقول عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)([24]).

وهذا النوع من الربا لم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية بكونه ربا أي أنهم وإن كانوا يتعاملون به إلا أنهم لم يكونوا يطلقون عليه اسم الربا ولم يعرف بهذا الوصف، فليس داخلاً في معنى الربا العرفي عندهم وإنها ذكرته السنة وجعلته محرماً وكله يتعلق بالبيوع([25]). وهو الربا الخفي وحرم لأنه ذريعة إلى الجلي كما يقول ابن القيم([26]).

وبعد هذا التعريف الموجز للربا يمكن أن نقارن بين هذا المعنى وبين معنى الفائدة في العرف المصرفي التي سبق أن ذكرنا أنها تعني الثمن المدفوع نظير استخدام النقود أو هي الثمن النقدي لاستعمال مبلغ نقدي.

وإذا علمنا أن المبالغ النقدية التي تستعملها المصارف وتدفع في مقابل استعمالها مبلغاً من النقد يسمى الفائدة ما هي إلا الودائع لأجل أو ودائع الادخار من جهة وأن المبالغ النقدية التي تقرضها البنوك للمستثمرين والمقترضين من جهة أخرى وتتقاضى في مقابل ذلك مبلغاً من النقد عليها وباسم الفائدة ما هي في الحقيقة إلا المبالغ المتحصلة من الودائع مع رؤوس أموال تلك البنوك الخاصة -والتي لا تمثل إلا نسبة صغيرة من المبالغ النقدية المتوفرة لديها-

ثم إذا علمنا مرة أخرى أن الفقه القانوني والتشريع قد استقر على اعتبار الودائع المصرفية النقدية بأنواعها المختلفة قروضاً يملكها البنك ويلتزم إزاء المودعين بردها مع فوائدها إن كانت مؤجلة أو للادخار إذا علمنا ذلك يتبين لنا دون أدنى شك أن معنى الفائدة على ضوء ما تقدم يلتقي تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد وهذه إحدى صورتي ربا الجاهلية التي حرمها القرآن الكريم والسنة النبوية.

فالفائدة إذن ما هي إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالة الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار كما أنها زيادة في قرض مؤجل أيضا لمصلحة البنك في حالة إقراضه لشخص أخر([27]).

3/ شبهات حول الفائدة:

بعد هذه العرض الموجز للعلاقة بين الفائدة في العرف المصرفي والربا في الفقه الإسلامي والذي تبين من خلاله أنهما شيء واحد، نعرض بعض الشبهات والتبريرات التي ذكرت لتفسير وتبرير الفائدة من قبل علماء الاقتصاد أو من قبل بعض الاقتصاديين المسلمين ونحاول مناقشة هذه الآراء.

3/1 الفائدة المركبة والفائدة البسيطة:

يرى بعض كتاب الاقتصاد الإسلامي أن التحريم في الفائدة الربوية قاصر على الربا المضاعف دون غيره واستندوا إلى ما يأتي:

  • 1- يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([28]).
  • 2- فهذه الآية تقصر التحريم على الربا المضاعف دون البسيط.
  • 3- إن حقيقة الاستغلال تتحقق مع الربا المضاعف أما الزيادة البسيطة فلا تكون محرمة؛ لأنها لا تحقق الاستغلال ولا تنمي الثروات بطريقة ظالمة.

وممن ذهب إلى هذا الرأي عبد العزيز جاويش حيث أجاز الفائدة القليلة وكان الدافع إلى إجازة جاويش للفائدة البسيطة هو أنه حدثت أزمة مالية في مصر وامتنعت المصارف الأجنبية عن إقراض مصر وتمويلها بالمال فاتجهت الأنظار إلى إنشاء شركة مالية تتعامل بالفائدة ودارت مناقشات عديدة إزاء هذا الاتجاه. إلا أن جمهور الفقهاء وقف ضد هذا الرأي وأكد على حرمة الربا قليله وكثيره.

وكان العلماء في الدولة العثمانية قد أفتوا بجواز الفائدة القليلة حينما سئلوا عن إنشاء مصرف إسلامي، وقد أباحت الدولة العثمانية للقضاة أن يحكموا بالفائدة على أن لا تبلغ هذه الفائدة مثل الدين الأصلي: أي لا تبلغ ضعف القرض؛ لأن الضعف فأكثر يعتبر حراماً، أما أقل من الضعف فإنه يعتبر مباحاً وكان نص الفتوى كالتالي:

إن مشايخ الإسلام قرروا أنه مادامت الأموال المودعة بهذا المصرف والتي تستقرض أو ترد، والمبالغ التي تؤخذ أو تترك بأي صورة ما دامت تعود بربح قليل وتسير حسب إحدى الطرق التي نص عليها فقهاؤنا فهي والحالة هذه محللة([29]).

ويمكن الرد على هذه الشبهة بالآتي:

- إن قول الله تعالى: (لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً) يمكن أن يخرج على أنه يمثل مرحلة أولى من مراحل تحريم الربا، فالشريعة الإسلامية تدرك طبيعة المجتمع وطبيعة العمل المحرم فقد كان الربا سائداً في الجاهلية فكان من الحكمة أن لا يحرم مرة واحدة بالكلية، بل لا بد من التدريج في التحريم حتى لا يصطدم الحكم بالواقع مما يترتب عليه إهمال الحكم الشرعي بالكلية. وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في مثل هذه الأمور فالخمر مثلا لم يحرم دفعة واحدة وإنما حرم بالتدريج فكانت النتيجة أن تُقُبِّل هذا الحكم من قِبَل أفراد المجتمع.

جاء في تفسير آيات الأحكام: لقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار كما حدث في تحريم الخمر وذلك تمشيا مع قاعدة التدريج.

الدور الأول: نزل قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)([30]).

وهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي كما يظهر ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا وإنما هي إشارة إلى بغض الله للربا وأن الربا ليس له ثواب عند الله فهي إذن موعظة سلبية.

الدور الثاني: نزل قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً)([31]). (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ)([32]). وهذه الآية المدنية وهي قصة ذكرها الله سبحانه وتعالى علينا من سيرة اليهود الذين حرم الله عليهم الربا فأكلوه واستحقوا عليه اللعنة والغضب وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح لأنه حكاية عن جرائم اليهود وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرم على المسلمين. وهذا نظير الدور الثاني في تحريم الخمر؛ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)([33]). حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح.

الدور الثالث: نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)([34]). وهذه الآية مدنية وفيها تحريم صريح ولكنه تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من أنواع الربا الذي يسمى الربا الفاحش وهو الربا الذي بلغ من الشناعة والقبح والإجرام الذروة العليا حيث كان الدين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافاً مضاعفة يضعف عن سداده كاهل المستدين الذي استدان لحاجة وضرورة وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة: حيث كان التحريم جزئيا لا كليا في أوقات الصلاة.

الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرق فيه القرآن الكريم بين قليل أو كثير والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد تم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا. فقد نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)([35]). (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([36]).

وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منها حيث حرمت الخمر تحريماً قاطعاً جازماً في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([37]). وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج([38]).

ويمكن أن تخرج هذه الآية بتخريج آخر وهو كما يقول الشيخ محمود شلتوت في تفسير القرآن الكريم: بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير، هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة، وتخريجها على أساس فقهي إسلامي، ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجددوا تخريجها للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو في صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها، ويلتمسون السبيل إلى ذلك، فمنهم من يزعم أن القرآن الكريم إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله تعالى (أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً) فهذا قيد في التحريم لا بد أن يكون له فائدة، وإلا كان الإتيان به عبثاً، تعالى الله عن ذلك، وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ بمفهومه، وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا.

وهذا قول باطل، فإن الله سبحانه وتعالى أتى بقوله (أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)  توبيخا لهم على ما كانوا يفعلون، وإبرازاً لفعلهم السيئ، وتشهيرا بهم، وقد جاء مثل هذا الأسلوب في قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ)([39]).

فليس الغرض أن يحرم عليهم إكراه الفتيات على البغاء في حالة إرادتهن التحصن، وأن يبيحه لهن إذا لم يردن التحصن ولكنه يبشع ما يفعلونه ويشهر به. ومعنى الآية: لقد بلغ الأمر أنكم تكرهون فتياتكم على البغاء وهن يردن التحصن، وهذا أفظع ما يصل إليه مولى مع مولاته، فكذلك الأمر في آية الربا فمعنى الآية: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافاً مضاعفة فلا تفعلوا ذلك([40]).

جاء تحريم الربا في غير هذه الآية مطلقاً وصريحاً حيث يقول تعالى: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([41]).

ويقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)([42]). (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([43]). فهذه الآيات لم تفرق بين قليل الربا وكثيره بل حرمت الجميع وجعلت للمرابي رأس ماله دون زيادة أو نقص ولو قليلين.

كما جاءت السنة المطهرة الشريفة بتحريم الربا قليله وكثيره منها:

  • _ لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء([44]).
  • _ الربا بضع وسبعون حوبا أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه.

3/2 الفائدة والقروض الاستهلاكية:

يفرق بعض الكتاب([45]) بين الربا والفائدة ويرون أن الإسلام حرم الربا ولم يحرم الفائدة، والربا في نظرهم هو ما يؤخذ في القروض الاستهلاكية أما الفائدة فهي ما يحصل عليه المقترض لأغراض إنتاجية (استثمارية). ويستندون في هذا الرأي إلى ما يأتي:

  • _ إن العرب في الجاهلية لم تكن تعرف سوى القروض الاستهلاكية فقط ولهذا فإن تحريم الإسلام للربا جاء متفقاً مع ما كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، أما القروض الإنتاجية فلم تكن معروفة لديهم وإنما هي من الأمور التي جدت على مر الأيام.
  • _ أنه يترتب على القروض الإنتاجية أن يحصل المقترض على عوائد وأرباح هذه الأموال، وليس من العدل أن يحرم المالك الحقيقي لهذه الأموال -المقرض- من عائد نظير استفادة المقترضين من هذه الأموال.

أما القروض الاستهلاكية: فهي الحالة التي تحرم فيها أخذ فائدة ربوية وذلك لأن المقترض لا يقدم على الاقتراض إلا لحاجته الاستهلاكية الملحة.

  • _ في العصر الحديث تغير المفهوم بتغير الطبيعة في القروض بعد انتشار المصارف فلم يعد المقترض -وهو المصرف هنا- هو ذلك الطرف الضعيف الذي يخضع لاستغلال المقرض وشروطه ولم يعد المقرض هو ذلك الطرف الجبار الذي يستغل حاجة المقترض، بل انعكس الوضع تماماً فأصبح المقترض -المصارف- هي صاحبة الرأي والقوة وتفرض على المقرض -المودع- الشروط التي تمليها عليه حيث إنها تحدد نسبة الفائدة وطريقة التعامل معها.

ولما كانت الطريقة انعكست الآن تماما فلا بد من التفريق بين القرض الإنتاجي والقرض الاستهلاكي من حيث جواز الفائدة في الأول وتحريمها في الثاني، يقول الدكتور الدواليبي وهو من المؤيدين لهذا الرأي: إن القرض المحرم لم يكن له صفة القرض الإنتاجي وأن القرض الذي حرمه المشرع الإسلامي لم يكن يصلح إلا للاستهلاك لأن الفائدة فيه لم تكن إلا شكلاً من أشكال استثمار عون المحتاجين الذين هم أولى بالعطف والرعاية([46]).

وهذه الشبه ضعيفة لا تحتاج لبيان ضعفها إلى أكثر من التأمل في الآية القرآنية (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، أليس فيها ما يشعر بأن العرب كانت تتعامل بالربا للأغراض التجارية، ثم ألم يكن العرب تجاراً فما المانع لهم من التعامل بالربا في التجارة وهم الذين حاولوا تشبيه البيع بالربا زعماً منهم بأن البيع مثل الربا([47]).

ثم إن يهود المدينة كانوا يقدمون المال ليس من أجل أغراض استهلاكية فحسب وإنما من أجل التجارة أيضا فوجود المضاربة والمشاركة بين العرب لا يدل على أن الفائدة الإنتاجية لم تكن منتشرة بينهم([48]).

ثم إن الحكمة الرئيسية لتحريم الفائدة في القروض الممنوحة لأغراض إنتاجية تشتق من فكرة العدالة بين الإنسان وأخيه وهي الفكرة التي تعتبر حجر الزاوية في نظرة الإسلام للحياة الاجتماعية، فلا ريب أن عدم التيقن حاصل في أي مشروع استثماري كما أنه لا يمكن تحديد الربح أو الخسارة مسبقاً وعلى ذلك يكون مجافياً للعدالة إلى حد بعيد أن يتوفر للطرف الذي يقدم رأس مال نقدياً ضمان الحصول على عائد ثابت ومحدد سلفاً في حين أن الطرف الذي يقدم عنصر التنظيم في المشروع يلقى على عاتقه وحده عبء عدم التيقن من مصير نشاطه في هذا المشروع.

ومن جهة أخرى فإن تحديد سعر ثابت للفائدة يمكن أن لا يكون عادلاً أيضاً حتى في حق صاحب المال إذا ما تحصل المقترض على الربح يفوق بكثير حدود ما يدفعه إلى المقرض عن طريق الفائدة([49]).

وفي الحقيقة يمكن القول أنه لا فرق بين الربا في القرآن الكريم وبين الفائدة في النظرية الاقتصادية التقليدية فهو فرق في الدرجة وليس في النوع؛ لأن الربا والفائدة يمثلان الزيادة في رأس المال المقترض ولا يترتب على تسمية الربا بالفائدة تغيير في خصائص كل منهما ثم إن الضرر لا يقتصر على الفائدة في القروض الاستهلاكية فحسب بل إن فائدة القروض الإنتاجية ضارة أيضاً؛ لأنها ستدخل في التكاليف وبالتالي في السعر ومن ثم يتضرر المستهلك.

وخلاصة القول أن الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي وكثير الربا وقليله حرام والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة وكل امرئ متروك لدينه في تقرير الضرورة([50]).

3/3 سعر الفائدة ومكافأة الادخار:

يرى الاقتصاديون التقليديون أن سعر الفائدة ليس سوى مكافأة للمدخرين على الادخار، وارتفاع سعر الفائدة يؤدي إلى زيادة عرض المدخرات من قبل الأفراد للاستفادة من هذه المكافأة. غير أن هذه النظرة قد انتقدت من قبل كثير من الاقتصاديين ومن بينهم كينز الذي أكد على أن الادخار ليس دالة في سعر الفائدة فقط وإنما يتوقف بدرجة رئيسة على الدخل القومي([51])، كما أن سعر الفائدة ليس هو الأداة التي تحفظ التوازن بين الادخار والاستثمار كما قرر الاقتصاديون التقليديون. ومن جهة أخرى فان ادخار الأفراد يتوقف أساسا على عوامل نفسية واجتماعية وسياسية كالرغبة في تكوين احتياطي لظروف المستقبل أو غيرها من العوامل التي هي أبعد ما تكون عن التغير في سعر الفائدة([52]).

3/4 الفائدة والتضحية والحرمان والامتناع:

من النظريات التي ظهرت في تفسير الفائدة ما يعرف بنظرية الحرمان عن الاستهلاك الحاضر ونظرية الانتظار والامتناع، وتحاول هذه النظريات تفسير الفائدة على أنها تعويض للمدخر عن تضحيته وحرمانه من الاستهلاك في الوقت الحاضر. ومع ذلك فمن البديهي أن التضحية الناتجة عن الحرمان تتناسب عكسيا مع مستويات الدخل. ومن هذا المنطلق ينشأ السؤال التالي: لماذا إذن يفرض الأغنياء أسعارا باهظة للفائدة عن مدخراتهم على الرغم من أن تضحيتهم أو حرمانهم لا يقارن بتضحية وحرمان الفقراء؟

ولهذا يقرر لاسآل (Lassale) وهو اقتصادي اشتراكي بسخرية من هذا التفسير: فائدة رأس المال هي مكافأة الحرمان كلام عجيب كلام يعدل وزنه ذهبا إن أصحاب الملايين من الأوروبيين وكذلك الزهاد والتائبون والنساك على ساق واحدة، أذرعهم ممدودة، وأجسامهم منحنية وسحناتهم شاحبة يمدون إلى الشعب قصعاتهم ليجمعوا مكافأة حرمانهم. وفي وسط هؤلاء وعلى رأس كل التائبين محلات روتشيلد. وفي الواقع إن تجميع الأموال إنما هو عمل الأغنياء الذي لا يخضعون إلى الحرمان أو التضحية([53]). ولهذا حاول مارشال أن يغير لفظ الحرمان والتعفف إلى لفظ الانتظار (waiting).

والانتظار هو عملية الامتناع عن التصرف بالسلع خلال زمن ما، فامتناع البعض -المدخرين- يجعل من الممكن للآخرين (المستثمرين) أن يقوموا بعملية الاستثمار لهذا الادخار ولهذا فإنه لا بد من تأجيل بعض النفقات الاستهلاكية إلى زمن تال أي لابد من الانتظار وعلى هذا الأساس فإن معدل الفائدة ليس إلا مكافأة للادخار.

وفي الحقيقة إن هذا الرأي الذي عبر عنه مارشال ليس إلا نظرية التعفف أو الحرمان نفسها بعد أن صاغها بمزيد من العناية والتحسين من حيث التعبيرات والمصطلحات المستخدمة أما من حيث فكرتها الرئيسية فهي تتفق مع فكرة نظرية الحرمان والتضحية وهي التأخير في التمتع بالسلع والمقترن باستثمار رؤوس الأموال واختلاف التعبير لا يغير من حقيقة المشكلة([54]). ثم إن هذه النظريات لا تستطيع تفسير كيفية إيجاد معيار يحدد لنا سعر الانتظار هذا.

ومن جهة أخرى فإن الواقع يخالف ما تنص عليه هذه النظريات التي تفسر الفائدة على أنها تضحية وحرمان، حيث نجد أن أكثر الناس لا ينفقون كل ما يكسبون اليوم على الفور بل يؤثرون أن يدخروا نصيبا منه لمستقبلهم بل إن الغالبية العظمى من الناس على الأقل يضيقون على أنفسهم ويقللون من حاجاتهم ويريدون أن يدخروا جانبا من أموالهم لقضاء حاجاتهم في المستقبل. ولهذا يمكن القول إن الفرق المذكور بين القيمة في الحاضر والمستقبل من الوجهة النفسية لا يعدو أن يكون مغالطة ليس إلا([55]).

3/5 الفائدة وإنتاجية رأس المال:

من النظريات التي قدمت لتفسير وتبرير الفائدة ما يعرف بنظرية إنتاجية رأس المال التي تنطلق من حقيقة إنتاجية الطبيعة. فهذه النظرية تقوم على أساس أن في حين أن مالك الأرض يحصل على عائد وهو أجر الأرض دون عمل أو مخاطرة، فالمالك نظرا لتنازله عن شي منتج استحق هذا العائد وفعلا فإن الذي يملك رأس مال يريد أن يقرضه، لو لم يحصل على فائدة لكان من الأصلح له أن يشتري قطعة من الأرض تؤمن له ريعا دون عمل أو مخاطرة أيضا.

فبناء على هذه النظرية فمن حق صاحب رأس المال أن يأخذ الفائدة والتي هي تعبير عن حقه في جزء من الأرباح التي جناها المقترض بواسطة ما قدم إليه من مال، فرأس المال يشارك في الناتج لأن له إنتاجية([56]).

ومن هذا المنطلق نشأ السؤال التالي: لماذا يجوز الربح في الشركة ولا يجوز فائدة المال في القرض مع أن الفائدة ليست إلا مبلغا محدودا؟ نعم هي مضمونة ولكنها قليلة محدودة، أما الربح فهو غير مضمون ولكنه أكثر. فلماذا لا يخير المال بين الصنفين فالدائن عندما يقبل فائدة محدودة إنما يتنازل عن حصة من الربح مقابل تأمين لدى المدين من الخسارة([57]).

ولكن -في الحقيقة- فشلت تلك النظرية قي تبرير الفائدة من خلال الآتي:

  • _ مع تسليمنا بأهمية عنصر رأس المال وبدوره في زيادة الإنتاج ولكن هذه الحقيقة لا تفسر لماذا يكون هناك سعر محدد للفائدة، فلو كانت الفائدة تدفع بسبب إنتاجية رأس المال لتطلب الأمر أن تكون هذه الفائدة متغيرة حسب تغير إنتاجية رأس المال من صناعة إلى أخرى. ثم إن إنتاجية رأس المال قد تنتهي إلى كمية سالبة ويرجع ذلك مثلاً إلى الهبوط غير المتوقع في أسعار المنتجات فحينئذ لا تستطيع هذه النظرية الإجابة على أسباب فرض الفائدة على مثل رأس المال هذا([58]).
  • _ ثم إن هذه النظرية لا تستطيع تفسير وتبرير الفائدة على القروض الاستهلاكية، حيث لا وجود لإنتاجية رأس المال في مثل هذه الحالات ومع ذلك توجد الفائدة على القروض الاستهلاكية.
  • _ ثم إن التعريف العلمي لرأس المال الحقيقي: هو الكمية المتجمعة من الأجهزة والمعدات والآلات والمباني التي يملكها قطاع الأعمال، وعند السؤال عن سعر رأس المال تكون الإجابة الفائدة. فكيف تعطى الآلة أو المبنى فائدة؟

فمعلوم أن الفائدة إنما تعطى على القروض فقط -أي رأس المال النقدي فقط- قد يبرر ذلك بأن النقود هي الوسيلة لشراء رأس المال إلا أن هذا المبرر غير كاف؛ لأن النقود وسيلة لشراء السلع الاستهلاكية أيضا ومعنى ذلك أنه لابد من النظر إلى هذه القضية بدقة فرأس المال ضروري في العملية الإنتاجية ويساهم بشكل فعلي فيها بينما النقود لا تساهم في عملية الإنتاج مطلقا فهي عقبة بذاتها.

ومن هنا لابد لنا من أن نميز بين رأس المال والقرض، فإذا كانت الفائدة مكافأة القرض فلنقل إن الأجر أو الربح هو مكافأة رأس المال، وهذا التمييز لا بد منه حتى في الاقتصاد التقليدي. ولهذا فإنه لا يمكن إنكار رأس المال وعدم اعتباره عنصرا من عناصر الإنتاج خوفا من أن يعتبر سعره هو الربا المحرم، ولا يصح أن يحمل تحريم الفائدة في الإسلام على أنه يستدعي إنكار كون رأس المال عنصرا من عناصر الإنتاج، فلكل حقه ومكافأته فرأس المال له الإيجار والربح والقرض ليس له فائدة.

ومعنى هذا أن رأس المال في حد ذاته غير منتج، إنما تطبيق ومشاركة الجهود الإنسانية على رصيد من رأس المال هو الذي يولد الناتج والدخل، ولا يمكن إذن للعائد على رأس المال أن يتحدد مسبقا وبصورة غير مشروعة على خلاف حالة الفائدة، ولكن يمكن أن يتحدد فقط بالعودة على نتائج النشاط اعتمادا على ما يتحقق من أرباح أو خسارة([59]) وبهذا الرد يمكن الإجابة على من يرى أن الفائدة بمثابة تعويض عن تعطيل استثمار المال حيث إن الشطر الأعظم من الأموال المتاحة للإقراض هي نتيجة مدخرات، والمدخرات لا تتغير كذلك إلا إذا شاركت إيجابيا في عملية الإنتاج وليس هناك ما يقطع بأن البديل عن إقراض هذه الأموال بفائدة هو استثمارها على هذا النحو كبديل مُتاح بل قد يتم استهلاك هذه المدخرات استهلاكا كماليا([60]).

3/6 الفائدة وندرة رأس المال:

ترى نظرة ندرة رأس المال أنه لا يمكن أن يتصور أن هناك كمية لا نهائية أو غير محدودة من رأس المال، ولو كان سعر الفائدة صفرا لكان الطلب على رأس المال غير محدود أيضا. والندرة النسبية لرأس المال تتوقف هي نفسها على عدم كفاية الميل إلى الادخار، الأمر الذي يشكل السبب الرئيسي لوجود معدل الفائدة.

وترى هذه النظرية أن السبب في محدودية عرض رأس المال هو أن الادخار يحتاج إلى جهد، والمقرضون يطالبون بفائدة لأن رأس المال نادر بالنسبة لاحتياجات الإنتاج، ويطلب رجال الأعمال رأس المال -على الرغم من ذلك- لأنه منتج وهم يرضون بدفع الفائدة لأن معدل الربح الذي يحصلون عليه من استثماراتهم هو أعلى من الفائدة التي يدفعونها، وهكذا فإن الإنتاجية والامتناع كل منهما ضروري لتفسير الفائدة فإنتاجية رأس المال هي أساس الطلب عليه وإذا ازداد هذا الطلب فلا بد أن يزداد الحرمان ويرتفع ثمن عرض الادخار([61]).

ويعترض على هذه النظرية بأنه لا توجد ندرة نسبية في رأس المال على نحو ما في الأرض الزراعية لأن الأموال نتاج التفاعل بين الجهد الإنساني والموارد الطبيعية، ومن هذا التفاعل تتولد الثروة الاقتصادية، ومن هذه الثروة يستهلك المجتمع ما يحتاجه ويدخر قدراً آخر.

وبتوظيف هذه المدخرات تزيد رؤوس الأموال المتاحة للنشاط الاقتصادي وهكذا لا يكون هناك ندرة نسبية وحين تتوفر رؤوس الأموال المتاحة للاستثمار في صورة مدخرات خاصة أو حكومية فإن سعر الفائدة يهبط بطبيعته إلى الصفر ولا يبقى هناك مجال يعيش فيه المستثمر المتبطل (functionless investor) على حساب المجتمع بما يقتضيه من فائض ربوي في صورة فائدة([62]). ويرى كينز أن من واجب الدولة أن تعمد على تحقيق وفرة المدخرات ومن ثم وفرة رؤوس الأموال المتاحة للتوظيف في النشاط الاقتصادي وبهذا يتحقق العمالة الكاملة وتنتفي ندرة رأس المال ويهبط سعر الفائدة إلى الصفر([63]).

ومن جهة أخرى تبرر هذه النظرية قيمة رأس المال وضرورة مكافأته ولكنها للأسف تقترح الفائدة كشكل من أشكال المكافأة وهذا الاقتراح الذي هو عقدة المشكلة وصلبها يبقى بدون سند([64]).

3/7 سعر الفائدة وتفضيل السيولة:

تفسر نظرية كينز سعر الفائدة بأنه المقابل الذي يحصل عليه الأفراد مقابل تنازلهم عن السيولة، فالفرد يفضل أن يحتفظ بالنقود في شكل سائل حتى يمكنه استعماله في كل مناسبة ودون تمهل أو انتظار وهذه النظرة لا ترجع فقط إلى عوامل نفسية في تفضيل السلع الحاضرة على المؤجلة كما يرى بعض الاقتصاديين، بل ترجع أيضا إلى أن النقد يمكن حفظه بدون مصاريف تذكر وذلك لتلبية كل الحاجات الممكنة أو المحتملة أو الطارئة.

ومع ذلك يجب أن نشير إلى أن تكلفة هذا الاحتفاظ تتعلق أيضا بعامل خارجي ذي طابع اقتصادي كلي ألا وهو سياسة الإصدار النقدي فيرى كينز أن معدل الفائدة هو الثمن الذي تلتقي عنده الرغبة بالاحتفاظ بالثروة في صورتها السائلة مع كمية النقد الجاهز، إذ إن النقد كما يرى كينز هو ليس مجرد أوراق أو قطع لها قيمة قانونية وإنما يلعب دوراً فعالا في الحياة الاقتصادية، فهو السيولة في أحسن صورها فهو أصل ممتاز يحرص عليه الأفراد لأنه يعود عليهم بالفوائد في تلبية الدوافع التالية:

  • _ دافع المعاملات.
  • _ دافع الاحتياط.
  • _ دافع المضاربة([65]).

ولكن من الممكن القول إن على الفرد حتى ولو كان سعر الفائدة صفراً- أن يرتب نفسه بحيث يحتفظ بكمية من الأموال السائلة لسد حاجاته دون أن يهمل استغلال أو استثمار باقي موجوداته، وذلك لزيادة ثروته أو المحافظة عليها على الأقل فلا شك أن هناك منافع للسيولة ولكن هناك أيضا منافع للاستثمار فالسيولة تواجه بها حاجات الإنفاق والاستثمار تحقق به الرغبة في الربح وتنمية الثروة. ومما لا شك فيه أن الربح مهم في عملية الاستثمار فبدونه لا يمكن القيام بأي مشروع من قبل الأفراد ولكن الربح والفائدة ليسا شيئا واحدا([66]).

ومن جهة أخرى فإن نظرية كينز التي تقوم على فكرة التفضيل النقدي تقوم في أساسها على المضاربة. والمضاربة في حد ذاتها ظاهرة لا يقرها الإسلام بهذا المفهوم إذ إنها عادة ما تكون مصحوبة بالاكتناز والمقامرة وصور الاسترباح غير المشروع التي تضر بالمجتمع([67]). ومن هنا فإن الإسلام يدحض تأسيس الفائدة على اعتبار نفسي ويؤكد أن السعر العادي للفائدة هو -حقا- السعر المساوي للصفر([68]).

3/8 الفائدة وتغطية نفقات المصرف:

من الآراء التي ظهرت لتبرير الفائدة أنها بمثابة تغطية النفقات الكتابية والإدارية للمصرف، والشريعة الإسلامية تجعل النفقة مشروعة ولكن لا تجعلها في إطار الفائدة والربا. فنفقة سداد القرض في مكان غير المكان الذي تم فيه الإقراض يتحملها طالب النقل سواء كان المدين أو الدائن. وقد فرع الفقهاء على ذلك جواز أجرة كتابة الوثائق والخطابات وإمساك الدفاتر والسجلات. والفقه الإسلامي يقر أن أخذ النفقة والأجرة أمر مشروع؛ فعن مالك أنه بلغه أن عمر رضي الله عنه سئل في رجل أسلف طعاماً على أن يعطيه إياه في بلد أخر فكره عمر وقال: أين كراء الحمل؟([69]).

كما ورد الحكم بإباحة الأجر على كتابة الوثائق والسجلات جاء في حاشية ابن عابدين: يستحق القاضي الأجر على كتب الوثائق والمحاضر والسجلات قدر ما يجوز لغيره كالمفتي فإنه يستحق أجر المثل على كتابه الفتوى. وجاء في جامع الفصولين: للقاضي أن يأخذ ما يجوز  لغيره، وما قيل في كل ألف خمسة دراهم لا نقوم به ولا يليق ذلك بالفقه وإنما يأخذ مثله بقدر مشقته أو بقدر عمله في صنعته([70]). وجاء في المغنى: يجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه، أو سجلات ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل([71]).

ويختلف سعر الفائدة عن الأجرة في القياسين السابقين: فعلى أساس أن سعر الفائدة يتحدد بالنظر إلى نوع القرض ومدته والمركز المالي للمقترض والظروف الاقتصادية السائدة، فضلا عن أنه إذا كانت الفائدة تقابل النفقة أو الأجرة، فإنه يتعين أن يكون سعرها موحداً، وسواء كان البنك تجارياً أو صناعيا أو زراعيا (متخصصا) ولأصبحت واجبة الأداء للبنك مرة واحدة عند عقد القرض وليس كل عام طوال فترة القرض.

وفضلا عن ذلك فإن الفائدة التي يدفعها البنك على الوديعة التي يأخذها من المقترض تختلف عن تلك التي يتلقاها لقاء قيامه هو بالإقراض([72]).

وعلى ذلك يبطل اعتبار الفائدة بمثابة أجرة البنك على أعماله فالأجرة مشروعة أما الفائدة فحرام.

وفي ضوء ما تقدم بجواز أن يستوفي المصرف من عميله مقترضا كان أو غيره أجرا مقابل الأعباء الإدارية بما فيها الأعباء الكتابية الناشئة المتعلقة بالقرض أو غيره فمن المعروف أن الأجر يستقضى مقابل منفعة، ويشترط في المنفعة المقابلة للأجر أن تكون معلومة القدر وذلك إما بغايتها أو بتحديد مدتها، أي أن يتم ربط الأجر بوجود خدمة فعلية أو منفعة مقصودة ومتقدمة في النظر الشرعي([73]).

ولكن نعود فنقول إنه ينبغي التحديد هنا بعدم توسيع مفهوم الأجر وإساءة فهمه لكيلا يكون هذا الأجر ستارا للربا (الفائدة) ولهذا يجب أن يكون الأجر مبلغا مقطوعا لا يتكرر إلا بتكرر الخدمة أو المنفعة. فاستحقاق المصرف للأجر نظير قيامه بأعمال إعداد العقد وفتح الحساب وتسجيل الاتفاق وما إلى ذلك يجب أن يكون على أساس مبلغ مقطوع وليس على أساس نسبة من قيمة القرض حتى نسلم من الوقوع في شبهة الربا.

3/9 الفائدة ومخاطر الإقراض:

ترى نظرية المخاطر أن الفائدة لا تشكل إلا تعويضا عن المخاطر من كل نوع والتي يتعرض لها الدائن.

ويمكن الرد على هذه النظرية بأنه إذا كان صحيحا أن الفائدة تعد ثمنا للمخاطر، فإن الذي يضمن أصل القرض ليس هو الفائدة، حيث يكون الأخير معرضا أيضا لذات المخاطر تبعا لأصل الدين وإنما هو ما يضمن زوال الخطر ومبرراته بالضمان الشخصي والمادي([74]).

ثم إن هذه النظرية لم تراع الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها المقترض، وأخيراً فإن هذه النظرية تريد أن يكون هناك معدلا محددا على مستوى الأخطار والحاجات وبمعنى آخر تريد أن تقول لا إقراض إلا للأغنياء؛ ومن هنا لا يمكن اعتبار الفائدة ثمنا للمخاطر على هذا الأساس([75]).

فالحقوق التي يستحقها الدائن -المقرض- على أساس الخطر بطريق معقول لا تعدو أن يرتهن من مدينه شيئا أو يقرضه على كفالة أو يطالبه بمن يضمن له سلامة ماله أو لا يعرض ماله للخطر أصلا فيأبى أن يقرضه شيئا أبدا وليس الخطر سلعة يساوم في قيمتها ولا منزلا ولا أثاثا تؤخذ أجرته فهذا من قبيل الإيثار إذا لم يكن أداة للكسب، فمن أراد الإيثار فعليه بالاقتناع بما لهذا العمل الخلقي من الفوائد المعنوية([76]).

3/10 الفائدة وسعر الخصم:

يعتبر موضوع القيمة الحالية وسعر الخصم أحد المتغيرات المهمة في صياغة دالة الاستثمار وتعتبر طريقة القيم الحالية من أهم طرق التقويم المالي للمشروعات الاستثمارية ولهذا لقيت هذه الطريقة مزيدا من البحث والتحليل في الاقتصاد التقليدي. ويمثل سعر الفائدة الأداة الأشهر المستخدمة كسعر خصم تخصم بها للقيم الآجلة لتقدير ربحية المشروعات الاستثمارية.

وفي هذا الإطار قدمت عدة دراسات للتعرف على موقف الاقتصاد الإسلامي من التفريق بين القيم الحاضرة الحالية والقيم الآجلة وهل هناك معيار للتفريق بينهما؛ وما هي طبيعة سعر الخصم المستخدم؛ وبخاصة إذا كنا ندرك تماما موقف الاقتصاد الإسلامي من سعر الفائدة وهو التحريم. وخلصت هذه الدراسات إلى ما يلي:

  • _ أن سعر الخصم (الكفاية الحدية لرأس المال) قد يقوم على عوامل لا تخالف المبادئ الشرعية، وبالتالي يمكن قبولها إسلاميا.
  • _ يفرق الاقتصاد الإسلامي بين القيم الحاضرة والقيم الآجلة للمبالغ النقدية، ويقيم للزمن قيمة مالية في غير باب القرض والاقتراض.
  • _ يعتمد الاقتصاد الإسلامي على بيع السلم والبيع الآجل ومسألة (ضع وتعجل) كأدلة شرعية صريحة على ضرورة التفريق بين الحاضر والمؤجل.
  • _ لا يقر الاقتصاد الإسلامي استخدام سعر الفائدة كسعر تخصم به المبالغ الآجلة لإيجاد قيمتها الحاضرة، ولا يمانع من استخدام أدوات أخرى.
  • _ إن سبب الخطأ القائم هو: الاعتقاد بأن سعر الخصم وسعر الفائدة هما شيء واحد، والحقيقة أنهما سعران مختلفان ومعرفة كل واحد منهما لا تعتمد على معرفة الآخر.

وعلى ضوء ما تقدم من نتائج يمكن أن نقر مصطلح الكفاية الحدية لرأس المال. وقد قدمت عدة دراسات وأبحاث تتناول البديل المقترح للخصم وأهم هذه المقترحات:

  • _ معدل العائد على الودائع المركزية قصيرة الأجل (المعام).
  • _ معدل العائد من أفضل استثمار بديل يتصف بنفس مواصفات المشروع تحت الدراسة.
  • _ متوسط المعدل المتوقع مقدرا بأوزان نسبية لعوائد الاستثمارات المثيلة التي تتصف بنفس درجة المخاطرة للمشروع تحت الدراسة([77]).

3/11 الفائدة كمؤشر مالي:

قدم بعض الاقتصاديين اقتراحا يقوم على أساس أنه طالما أن: (id=f(iw)) حيث: (id)هو سعر الفائدة المحلي و (iw) هو سعر الفائدة العالمي، وأنه نظرا لأن الاقتصاديات الإسلامية هي جزء من منظومة الاقتصاديات العالمية وأنه طالما أن أسعار الفائدة تعطي مؤشرا عن أداء الاقتصاد العالمي ككل فيمكن استخدامها كمؤشر وليس كمحدد لحرمتها وذلك قياسا على معدلات الأرباح التي تستخدمها المؤسسات المالية الإسلامية في الوقت الحاضر في عقود التورق والمرابحة وبيوع التقسيط التي تتأثر ارتفاعا وانخفاضا بأسعار الفائدة.

ولعل من أهم الأمثلة التي قدمت في هذا السياق معدلات ليبور (LIBOR) وليبور هو معدل سعر الفائدة على القروض المتبادلة بين البنوك في سوق لندن. ويعتبر الآن هو سعر الفائدة المرجعي الأوسع استخداما على النطاق الدولي للقروض قصيرة الأجل. ويحسب يومياً بواسطة جمعية البنوك البريطانية (BBA)، ويعد علامة تجارية مملوكة للجمعية، وقد تعاقدت الجمعية مع رويتر لإدارة عملية حساب ليبور وبثه عالميا بشكل يومي بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً بتوقيت لندن([78]).

4/ ملامح النظرة الإسلامية:

يعترف الاقتصاد الإسلامي بأهمية رأس المال وبدوره في العملية الإنتاجية كما لا ينكر الاقتصاد الإسلامي أن الادخار تضحية أو تنازل عن الاستهلاك وأن الإنسان يفضل السلع الحاضرة.

كما لا يمكن إنكار حقيقة أن رأس المال المقترض يمكن أن يكون منتجا إلا أنه من جهة أخرى يجب الاعتراف أيضا بأن حب الربح أو التعلق بالثروة أو الخوف من المستقبل يدفع إلى الادخار ويحرض على الاستثمار حتى في حال غياب الفائدة وعدم الاعتراف بها([79]).

ولكن ليس معنى هذا أن الاقتصاد الإسلامي يقبل تفسير وتبرير الفائدة بأنها نظير المخاطرة أو الحرمان أو تفضيل السيولة وعلى الرغم من اعتراف الاقتصاد الإسلامي بنظرية إنتاجية رأس المال إلا أنه لا يتفق معها في النتيجة، فالاقتصاد الإسلامي لا يبرر الفائدة كعائد مقابل إنتاجية رأس المال وإنما يرى أن عائد رأس المال لا يخلو من حالتين:

1- بالنسبة لرأس المال الحقيقي كالآلات والمعدات فيمكن أن يكون الإيجار هو عائد هذا النوع من رأس المال مقابل اشتراكه في العملية الإنتاجية ومعلوم أن الإيجار يمكن تحديده مسبقا. جاء في الكافي: ويجوز استئجار الغنم لتدوس الزرع([80])، وجاء في المدونة جواز استئجار القدور والآنية([81]).

- ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على جواز أن يكتري الرجل رحاء الماء بالنهار بأجر معلوم وكذلك استئجار الخيم والمحامل والمعماريات([82]).

ففي هذه النصوص دليل على جواز تأجير الآلة والمعدات والأصول الإنتاجية بإيجار معلوم؛ لأن هذه الأشياء السابقة تعتبر من أهم آلات الإنتاج في السابق.

وعلى هذا نعتبر الإيجار كعائد على رأس المال الحقيقي من الأمور المتفق عليها، كما يمكن أن يأخذ عائدا في صورة ربح كما لو دفع الآلة كمشاركة أو مضاربة على أن له جزءا معينا من الناتج وذلك عند بعض الفقهاء الذين لا يشترطون لصحة الشركة أن يكون رأس المال نقديا فقد جاء في المغني عن الشركة والمضاربة بالعروض:

وذهب أحمد في رواية أن المضاربة تجوز بالعروض وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال.

واختار هذا الرأي أبو بكر وأبو الخطاب، وهو قول لمالك وابن أبي ليلى وطاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في الماليين جميعا وكون ربح المال بينهما وهذا حاصل في العروض كحصوله في الأثمان فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها([83]).

وجاء فيه أيضا: وتصح الشركة على قياس ما نقل عن أحمد فيمن دفع شبكة إلى صياد ليصيد بها والسمك (الناتج) بينهما نصفين لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصحت الشركة بها([84]).

وكذلك يصح على قياس أحمد لو اشترك ثلاثة من أحدهما دابة ومن الآخر راوية (قربة) ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله بينهم. ومن هذا يتضح أن رأس المال الحقيقي (الآلات والمعدات كالشبكة والقربة وغيرها) يمكن أن يكون عائدها الربح وليس الإيجار.

2- أما بالنسبة لرأس المال النقدي فلا يعترف الاقتصاد الإسلامي له بالأجر المحدد مسبقا سواء أقرض لأغراض إنتاجية أو استهلاكية وإنما يقر له نصيب من العائد المتحقق من العملية الإنتاجية.

5/ خاتمة:

بعد هذا العرض المفصل لحقيقة كل من الربا والفائدة والشبهات والتفسيرات والتبريرات الاقتصادية تبين أن سعر الفائدة وإن اختلفت صوره ومسمياته ما هو إلا صورة من صور الربا المحرم. وهذا كله يؤكد أن الطريقة الإسلامية لاستغلال رأس المال النقدي، وهي المضاربة أو المشاركة، هي الطريقة الوحيدة المناسبة لمكافأة الأموال المقدمة للإنتاج حيث يتعرض صاحب رأس المال بالضرورة إلى خطر الخسارة مثله في ذلك مثل رب العمل. وتثبت في الوقت نفسه مجانية القرض للاستهلاك لكونه عقدا من عقود الارتفاق وليس الاستثمار.

 ثم إن الصور المختلفة والمتنوعة لأسلوب المضاربة أو المشاركة -عكس الفائدة- تشجع المبادرات الاقتصادية وتؤمن وفرة فرص الاستثمار والعمالة، وتستبعد الصورة الربوية للمقرضين ولا تزيد من تكاليف الإنتاج ولا في المستوى العام للأسعار مما يسهم في التقليل من الآثار التضخمية وتقضي على عملية المقامرة والميسر وما قد تسببه من الصراع بين الطبقات.

إن النظريات التي ترى مكافأة رأس المال الحالي المقدم للإنتاج يمكن أن تتم بواسطة الفائدة المسبقة لم تدرك أن هذه المكافأة قد تكون صورة ضارة وغير ملائمة إن تبدو هذه الفائدة وهمية بل سالبة بالنسبة لصغار المدخرين والمودعين عندما يكون معدل التضخم أسرع من معدل الفائدة، وبالنسبة لكبار الممولين تشكل الفائدة وسيلة من وسائل تجميع الثروات وتركيزها في أيد قليلة([85]).

خلاصة القول: يقر الاقتصاد الإسلامي لرأس المال النقدي بالفائدة الملحقة (الربح) ولا يعترف له أبدا بالفائدة المسبقة ولا يسلبه حقه كما هو الحال في بعض النظم الاقتصادية الاشتراكية. ولهذا فليس بمستغرب أن تتجه البنوك والمؤسسات المالية التقليدية إلى فتح نوافذ إسلامية وعرض العديد من المنتجات المالية الإسلامية القائمة على ما قررته الشريعة الإسلامية من صور المشاركة والمرابحة.



أهم المراجع والمصادر

المراجع العربية

  • _ أبو الأعلى المودودي، الربا، مؤسسة الرسالة طبعة عام 1404هـ.
  • _ الإمام مالك، المدونة، دار صادر بيروت.
  • _ مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان: إلغاء الفائدة من الاقتصاد الناشر: المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي جدة الطبعة الثانية 1404هـ.
  • _ حسن بن عبد الله الأمين، الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام، دار الشروق الطبعة الأولى 1403هـ.
  • _ حسن عبد الله الأمين، الفوائد المصرفية والربا، الناشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.
  • _ د. خالد المشعل، صياغة وتقدير دالة الادخار العائلي في المملكة العربية السعودية. بحث منشور في مجلة أفاق اقتصادية العدد 80 للعام 1999م.
  • _ د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي (مطبوعات جامعة الإمام) عام 1410هـ.
  • _ د. خالد المشعل، القيم الحالية وسعر الخصم في اقتصاد إسلامي، بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007م.
  • _ الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير دار الفكر للطباعة والنشر.
  • _ الرازي، مختار الصحاح.
  • _ ابن الربيع الشيباني، تيسير الوصول إلى جامع الوصول من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المكتبة التجارية الكبرى مصر 1386هـ.
  • _ ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة الطبعة السادسة 1402هـ.
  • _ د. رفيق المصري: النظام المصرفي خصائصه ومشكلاته: دراسات في الاقتصاد الإسلامي بحوث مختارة من المؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي، الناشر المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي ط1 1405هـ.
  • _ الزبيدي، تاج العروس من القاموس.
  • _ أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي، دار الاعتصام القاهرة.
  • _ سيد الهواري، الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية 1402هـ.
  • _ ابن عابدين، حاشية بن عابدين، الناشر مصطفى البابي الحلبي- مصر الطبعة الثانية 1386هـ.
  • _ عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند الطبعة الثانية 1395هـ.
  • _ الفيروز آبادي، القاموس المحيط.
  • _ د. عبد الهادي علي النجار، الإسلام والاقتصاد دارسة من المنظور الإسلامي لأبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت سلسلة عالم المعرفة 63 عام 1403هـ.
  • _ د. عمر بن سليمان الأشقر، الربا وأثره على المجتمع الإنساني الناشر دار الدعوة الطبعة الأولى 1404هـ.
  • _ د. عيسى عبده/وضع الربا في البناء الاقتصادي، دار الاعتصام.
  • _ ابن قاسم، حاشية الروض المربع.
  • _ ابن قدامة ، المغني مكتبة الرياض الحديثة 1401هـ.
  • _ ابن قدامة الكافي المكتب الإسلامي ط2 1399هـ.
  • _ محمد أبو زهرة: تحريم الربا تنظيم اقتصادي: الطبعة الثانية 1405هـ - الدار السعودية.
  • _ محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، دار الفكر.
  • _ د. محمد السحيباني، آلية تحديد معدلات ليبور بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007.
  • _ محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، دار الشروق، الطبعة السادسة 1394.
  • _ د. محمد عارف: السياسة النقدية في اقتصاد إسلامي لا ربوي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي- جدة، 1402هـ.
  • _ محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، منشورات مكتبة الغزالي، دمشق- الطبعة الثانية 1397هـ.
  • _ د. محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل: دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، دار البشير للنشر، عمان، 1990.
  • _ د. محمد قحف الاقتصاد الإسلامي، دار القلم- الكويت، الطبعة الأولى 1399هـ.
  • _ د. محمد منان، الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق. ترجمة د. منصور التركي، المكتب المصري الحديث.
  • _ المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، المكتبة الإسلامية.
  • _ ابن المنذر الإجماع، دار طبية للنشر ط1.
  • _ ابن منظور لسان العرب.

المراجع الأجنبية:

  • _ Hillier, Braian, The Macroeconomic debate, Blackwell, Oxford, 1991.
  • _ Parkin, Michael & Bade, Robin, Modern Macroeconomics, Philip Allan, 1988.
  • _ Iqbql, Munawar &Ahmad, Ausaf, Islamic Finance and Economic Development, Palgrave Macmillan,2005.

 

 


([1])  عميد الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وأستاذ الاقتصاد الإسلامي المشارك.

([2])  انظر: علي/ سبيل المثال

- Hillier, Braian, The Macroeconomic debate, Blackwell, Oxford,1991

- Parkin, Michael & Bade, Robin, Modern  Macroeconomics, Philip Allan, 1988.

- lqbql, Munawar Ahmad, Ausaf, Islamic Finance and  Economic Development, Palgrave Macmillan, 2005.

 

([3])  الرازي، مختار الصحاح مادة (فيد).

([4])  الفيروز أبادي، القاموس المحيط فصل (الفاء) باب (الدال).          

([5])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 1/461.

([6])  ابن قدامة، المغني 3/34.

([7])  ابن منظور، لسان العرب مادة (غلل).

([8])  الزبيدي، تاج العروس من القاموس مادة (غلل).

([9])  عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء 3/7.

([10])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/461.

([11])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/461.

([12])  انظر: حسن بن عبد الله الأمين، الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام ص254.

([13])  حسن عبد الله الأمين، الفوائد المصرفية والربا ص3، 6.

([14])  سورة الحاقة الآية 10.

([15])  انظر: الرازي، مختار الصحاح مادة (ربا).

([16])  سورة الحج الآية 5.

([17])  ابن قدامة، المغني مكتبة الرياض الحديثة 3/4.

([18])  محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج 2/21.

([19])  سورة آل عمران الآية 130.

([20])  سورة البقرة الآية 275.

([21])  أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه بن ماجة في سننه في كتاب المناسك عنه أيضا رقم الحديث 3074، وأخرجه الدارمي في سننه عن جابر أيضا في كتاب مناسك الحج رقم الحديث 1857.

([22])  ابن قاسم، حاشية الروض المربع 4/492.

([23])  انظر: المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدئ 3/61، ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/129، الشربيني، مغني المحتاج 2/22 وما بعدها، ابن قدامة، المغني 4/4 وما بعدما.

([24])  أخرجه مسلم في صحيحه بما أخرجه الترمذي في الجامع عن عبادة في كتاب البيع برقم 1240 وأحمد في المسند عنه 5/314.

([25])  حسن الأمين الفوائد المصرفية والربا ص6.

([26])  ابن قاسم 4/492.

([27])  حسن الأمين، ص 6-8.

([28])  سورة آل عمران الآية 130.

([29])  أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي دار الاعتصام القاهرة، ص، 156/157 نقلاً عن: محمد أبو زهرة، مقال عن الربا في مجلة العربي الكويتية عدد 59 عام 1963م فتوى الدولة العثمانية الصادرة في 10 شوال سنة 1328هـ.

([30])  سورة الروم الآية 39.

([31])  سورة النساء الآية 160.

([32])  سورة النساء الآية 161.

([33])  سورة البقرة الآية 219.

([34])  سورة آل عمران الآية 130.

([35])  سورة البقرة الآية 278.

([36])  سورة البقرة الآية 279.

([37])  سورة المائدة الآية 90.

([38])  محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، ص390-391.

([39])  سورة النور الآية 33.

([40])  محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم. ص150-151.

([41])  سورة البقرة الآية 275.

([42])  سورة البقرة الآية 278.

([43])  سورة البقرة الآية 279.

([44])  أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في باب الربا انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 11/26.

([45])  منهم معروف الدواليبي: وقد نقل رأيه عن هذا الموضوع لبيب شقير في كتابه تاريخ الفكر الاقتصادي ص81.

([46])  انظر: أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي ص153-154، أما نص الدواليبي فهو قد نقله عن أبحاث مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد في باريس يوليه سنة 1951م.

([47])  د. عمر بن سليمان الأشقر، الربا وأثره على المجتمع الإنساني ص72-75.

([48])  محمد منان، الاقتصاد الإسلامي، من النظرية والتطبيق ترجمة د.منصور التركي ص136.

([49])  تقرير مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان: إلغاء الفائدة من الاقتصاد ص24.

([50])  الفتوى التي أصدرها مؤتمر الفقه الثاني شهر محرم 1385هـ وانظر لمزيد من التفاصيل حول الفرق بين الربا والفائدة: محمد أبو زهرة تحريم الربا تنظيم اقتصادي ص53-61.

([51])  انظر: د.محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل: دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، ص168.

([52])  انظر: لمزيد من التفصيل: د. خالد المشعل، صياغة وتقدير دالة الادخار العائلي في المملكة العربية السعودية بحت منشور في مجلة أفاق اقتصادية العدد 80 للعام 1999م.

([53])  د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص289.

([54])  المرجع سابق ص290.

([55])  أبو الأعلى المودودي؛ الربا، مؤسسة الرسالة طبعة عام 1404هـ ص20.

([56])  انظر: رفيق المصري؛ مصرف التنمية الإسلامي ط1 ص286.

([57])  انظر رفيق المصري: النظام المصرفي خصائصه ومشكلاته: دراسات في الاقتصاد الإسلامي: بحوث مختارة من المؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي الناشر المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي ط1 1405هـ ص176.

([58])  انظر: د. محمد عارف: السياسة النقدية في اقتصاد إسلامي لا ربوي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي- جدة، 1402هـ ص17-20. د. محمد منان، الاقتصاد الإسلامي ص138-140.

([59])  انظر: د. محمد قحف الاقتصاد الإسلامي، ص65-68. د محمد عارف: السياسة النقدية، ص19-20. د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي.

([60])  د. عبد الهادي علي النجار الإسلام والاقتصاد دارسة من المنظور الإسلامي لأبرز لقضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة ص109-110.

([61])  انظر: رفيق المصري: مصرف التنمية الإسلامي، الطبعة الثانية ص311.

([62])  د. رفيق المصري المرجع السابق ص311.

([63])  د. عيسى عبده/ وضع الربا في البناء الاقتصادي ص183-186، وانظر أيضا في هذه النقطة: فكري أحمد نعمان، النظرية الاقتصادية في الإسلام ص232-233.

([64])  د. رفيق المصري: المرجع سابق ص311.

([65])  انظر: لمزيد من التفصيل د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي (مطبوعات جامعة الإمام) عام 1410هـ.

([66])  د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص304-305.

([67])  انظر: د. منان؛ الاقتصاد الإسلامي ص139-141.

([68])  انظر: د. محمد عارف، السياسة النقدية ص19-20.

([69])  ابن الربيع الشيباني، تيسير الوصول إلى جامع الوصول من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المكتبة التجارية الكبرى مصر 1386هـ 1/77.

([70])  ابن عابدين، حاشية بن عابدين، 6/92.

([71])  ابن قدامة، المغني، 5/463.

([72])  د. عبد الهادي علي النجار، الإسلام والاقتصاد ص107-109.

([73])  سيد الهواري، الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، ص1 ص31.

([74])  انظر: د. محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، ص173.

([75])  انظر لمزيد من التفصيل: عبد الهادي النجار، الإسلام والاقتصاد 107-110. د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ، ص286.

([76])  أبو الأعلى المودودي، الربا ص10.

([77])  انظر لمزيد من التفصيل: د. خالد المشعل، القيم الحالية وسعر الخصم في اقتصاد إسلامي، بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007).

([78])  انظر: د. محمد السحيباني، آلية تحديد معدلات ليبور بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007.

([79])  د. رفيق المصري، مصرف القمة الإسلامي ط2 ص315.

([80])  ابن قدامة الكافي ص2 ص301.

([81])  المدونة ص4 ص414.

([82])  ابن المنذر، الإجماع، ط1 ص129.

([83])  المغني 5/17.

([84])  ابن قدامة، المغني 5/11، 12، 13.

([85])  انظر: د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص2 ص315-318، محمد منان، الاقتصاد الإسلامي ص141.

 

الفائدة والربا

شبهات وتبريرات معاصرة

الدكتور/ خالد بن عد الرحمن المشعل([1])

1/مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

فيعتبر سعر الفائدة من العناصر المهمة في النظرية الاقتصادية التقليدية. وقد تركزت الجهود منذ زمن طويل لمحاولة تفسير وتبرير الفائدة وظهرت عشرات النظريات في هذا المجال([2]). وانتقل هذا المنهج إلى بعض كتاب الاقتصاد الإسلامي محاولة منهم أيضا تبرير وتفسير الفائدة بما يتفق في نظرهم مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

ويعتبر هذا الموضوع من أكثر الموضوعات الاقتصادية جدلا في الماضي والحاضر، وعلى الرغم من أن الكتابات حول بعض عناصر هذا الموضوع قد بدأت قبل حوالي نصف قرن الزمان إلا أن الملاحظ تجدُّد طرح هذه الآراء والأفكار بصيغ مختلفة في العصر الحاضر، فلا تكاد تمر مناسبة علمية اقتصادية تناقش قضايا الاقتصاد الإسلامي إلا وتعرض صورة من صور هذا الموضوع للنقاش.

ولهذا يهدف هذا البحث إلى جمع هذه الآراء والنظريات وتقييمها من أجل تقديمها إلى الباحثين الجدد -على اختلاف خلفياتهم العلمية- بأسلوب مناسب يخدم مناقشة هذا الموضوع ويوضح الإطار العام له.

وسيركز هذا البحث -وبشكل موجز- على عرض بعض هذه النظريات والآراء والتبريرات ومناقشة فروض هذه الآراء والنظريات. حيث يتناول القسم الثاني من البحث توضيح العلاقة بين الفائدة والربا، وفي القسم الثالث عرض مفصل للشبهات والنظريات المطروحة، أما القسم الرابع فيعرض الملامح الرئيسة والإطار العام للنظرية الإسلامية.

2/العلاقة بين الفائدة والربا:

إن معرفة العلاقة بين الفائدة والربا تتطلب تعريف كل من الفائدة والربا والألفاظ ذات الصلة بهما. فالفائدة لغة: هي ما استفدته من علم أو مال([3]) والجمع فوائد وأفدت المال استفدته وأعطيته ضد. وهما يتفايدان والمال يفيد كل صاحبه([4]).وإذا أردنا أن نتعرف على مفهوم الفائدة في اصطلاح الفقهاء فلا بد من معرفة بعض الكلمات ذات العلاقة والصلة بموضوع المال ونمائه وربحه ومن أهم هذه الكلمات الربح والغلة والفائدة، وبالتعريف الدقيق لكل هذه المصطلحات يمكن أن نصل إلى الإجابة على العلاقة بين الفائدة والربا، وبالتالي إلى الحكم الشرعي للفائدة.

2/1 الربح:

الربح: الربح في عرف الفقهاء هو زائد ثمن مبيع نتج على ثمنه الأول([5]).

ويتضح من هذا التعريف أن الربح هو ما نتج عن عملية تبادل تجاري تتقلب فيه النقود إلى عروض تجارية ثم تباع بأزيد من ثمن شرائها، فهذه الزيادة تسمى في العرف الفقهي ربحا وهو ما عبر عنه ابن  قدامة بقوله وإن النماء في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب([6]) ولهذا لا يدخل تحت مفهوم الربح ما يحصل عليه الإنسان من غير عملية تجارية.

2/2 الغلة:

الغلة: الغلة في اللغة يقال: أغَلًّت الضيعة فهي مُغِلة إذا أتت بشيء وأصلها باق([7]) والغلة الدخل من كراء دار وأجر غلام وعائد أرض من ريعها أو كرائها، والغلة واحدة الغلات([8]).

وتستعمل في عرف الفقهاء للدلالة على إنتاج ما أصله جامد، ولهذا تطلق الغلة على ما تخرجه الأرض وما ينتجه العبد وما يدره الحيوان من لبن وصوف وغيرهما وجاء في دستور العلماء: غلة الشيء حاصلة كأجرة الدار المستأجرة والزراعة الحاصلة من زرع الأرض([9]).

كما تطلق على ما تجدد -نتج- من سلع التجارة قبل بيع رقابها كغلة العبد وثمر النخل المشترى للتجارة([10]).

وتتخذ الغلة شكل النقود أو السلع أو الخدمات، بخلاف الربح الذي لا يتخذ إلا شكل النقود.

2/3 الفائدة:

تطلق الفائدة في عرف الفقهاء -كما عرفها الدسوقي- على ما تجدد -نتج- لا عن مال أو عن مال غير مزكى كميزات أو عطية أو هبة وثمن عروض القنية([11])

وتخرج بهذا التعريف الغلة والربح؛ لأنها حصلت عن مال، ويقصد بثمن عروض القنية ما إذا اشترى سلعة للاقتناء لا للإيجار بعشرة ثم باعها بعشرين فلا يسمى هذا ربحاً بل فائدة. ويمكن أن نضع ضابطاً للفائدة من خلال هذه التعريف أنها ما يحصل عليه الإنسان دون عمل أو جهد أو قصد التجارة.

والمبدأ المقرر في الإسلام أن النقود لا تلد النقود بمفردها ولا نماء لها بحد ذاتها فالفائدة في التعريف الفقهي تقتصر على نماء العروض والسلع المعدة للقنية -الأصول الثابتة- دون الأموال النقدية التي يشترط لشرعية نمائها أن تدخل في دورة بيع وشراء وتنتقل بها من نقد إلى عروض تجارية -سلع- ثم تعود نقوداً مرة أخرى فإن النماء الناتج عنها في هذه الحالة يعتبر ربحاً مشروعاً، لالتقاء المال مع العمل في هذه الدورة وتقليبه من حال إلى حال ولتوفر عنصر المخاطرة فيه بتعرضه لاحتمال الربح والخسارة.

وهذا الأمر بعكس الحال تماماً في العرف الاقتصادي الذي يسمى فيها نماء المال بذاته ربحا رأسمالياً سواء أكان المال نقداً أم غيره، بل إن التسمية تكاد تنحصر في نماء المال النقدي وهي الفائدة في العرف المصرفي([12]).

وبعد أن تم تعريف كل من الربح والغلة والفائدة في العرف الفقهي بقي أن نتعرف بشكل دقيق على مفهوم الفائدة في العرف المصرفي، حتى يمكن التعرف على العلاقة بين الفائدة والربا.

الفائدة في العرف المصرفي هي الثمن المدفوع نظير استخدام النقود([13]) أو هي الثمن النقدي لاستعمال مبلغ نقدي.

ومن هنا يتضح أن معنى الفائدة في عرف الفقهاء يختلف عن معناها في العرف المصرفي والاقتصادي، كما أن معنى الفائدة في كلتا الحالتين يختلف عن معنى الربح في الفقه الإسلامي.

وإذا كان الأمر كذلك يتبقي سؤال مهم وهو: هل يختلف معنى الفائدة في العرف المصرفي عن معنى الربا المحرم في الفقه الإسلامي كما اختلف الربح أو لا؟

والإجابة على هذا السؤال المهم تتطلب تعريف الربا لكي نتمكن من معرفة أوجه التشابه والاختلاف بينهما.

2/4 الربا:

الربا في اللغة من ربا الشيء إذا زاد قال الفراء في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً)([14]). أي زائدة كقولك أرأيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت([15]). فالربا في اللغة هو الزيادة مطلقاً قال تعالى: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)([16])0 أي نمت وزادت.

وفي الاصطلاح الشرعي: الزيادة في أشياء مخصوصة([17]). أو هو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما([18]).

والربا في الشريعة الإسلامية نوعان:

النوع الأول: ربا الديون -

وقد اشتهر باسم ربا النسيئة- وهو ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن الكريم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)([19]). وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([20]). وحرمه النبي صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله)([21]).

وربا الديون هذا يتخذ صورتين:

  • 1- الزيادة على القرض في صلب العقد أي القرض بزيادة مشروطة عند العقد، وبالتالي أخذ هذه الزيادة مع القرض عند حلول الأجل.
  • 2- الزيادة على الدين نظير تأجيله مرة ثانية عند حلول أجل السداد وعجز المدين عنه سواء كان البيع ناشئاً عن البيع بثمن مؤجل أم عن قرض.

وربا الديون هذا هو ما تعارف أهل الجاهلية عليه وهو ما يسمى بالربا الجلي([22]).

أما النوع الثاني: فهو ربا البيوع وهو الربا الذي يكون في المبيعات ويسميه الفقهاء: ربا الفضل: تغليباً؛ لأنه في حقيقته ربا فضل وربا نسيئة، وهو خاص بالأشياء الستة: الذهب والفضة والتمر والبر والشعير والملح وما قيس عليها عند جمهور الفقهاء([23]).

يقول عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)([24]).

وهذا النوع من الربا لم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية بكونه ربا أي أنهم وإن كانوا يتعاملون به إلا أنهم لم يكونوا يطلقون عليه اسم الربا ولم يعرف بهذا الوصف، فليس داخلاً في معنى الربا العرفي عندهم وإنها ذكرته السنة وجعلته محرماً وكله يتعلق بالبيوع([25]). وهو الربا الخفي وحرم لأنه ذريعة إلى الجلي كما يقول ابن القيم([26]).

وبعد هذا التعريف الموجز للربا يمكن أن نقارن بين هذا المعنى وبين معنى الفائدة في العرف المصرفي التي سبق أن ذكرنا أنها تعني الثمن المدفوع نظير استخدام النقود أو هي الثمن النقدي لاستعمال مبلغ نقدي.

وإذا علمنا أن المبالغ النقدية التي تستعملها المصارف وتدفع في مقابل استعمالها مبلغاً من النقد يسمى الفائدة ما هي إلا الودائع لأجل أو ودائع الادخار من جهة وأن المبالغ النقدية التي تقرضها البنوك للمستثمرين والمقترضين من جهة أخرى وتتقاضى في مقابل ذلك مبلغاً من النقد عليها وباسم الفائدة ما هي في الحقيقة إلا المبالغ المتحصلة من الودائع مع رؤوس أموال تلك البنوك الخاصة -والتي لا تمثل إلا نسبة صغيرة من المبالغ النقدية المتوفرة لديها-

ثم إذا علمنا مرة أخرى أن الفقه القانوني والتشريع قد استقر على اعتبار الودائع المصرفية النقدية بأنواعها المختلفة قروضاً يملكها البنك ويلتزم إزاء المودعين بردها مع فوائدها إن كانت مؤجلة أو للادخار إذا علمنا ذلك يتبين لنا دون أدنى شك أن معنى الفائدة على ضوء ما تقدم يلتقي تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد وهذه إحدى صورتي ربا الجاهلية التي حرمها القرآن الكريم والسنة النبوية.

فالفائدة إذن ما هي إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالة الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار كما أنها زيادة في قرض مؤجل أيضا لمصلحة البنك في حالة إقراضه لشخص أخر([27]).

3/ شبهات حول الفائدة:

بعد هذه العرض الموجز للعلاقة بين الفائدة في العرف المصرفي والربا في الفقه الإسلامي والذي تبين من خلاله أنهما شيء واحد، نعرض بعض الشبهات والتبريرات التي ذكرت لتفسير وتبرير الفائدة من قبل علماء الاقتصاد أو من قبل بعض الاقتصاديين المسلمين ونحاول مناقشة هذه الآراء.

3/1 الفائدة المركبة والفائدة البسيطة:

يرى بعض كتاب الاقتصاد الإسلامي أن التحريم في الفائدة الربوية قاصر على الربا المضاعف دون غيره واستندوا إلى ما يأتي:

  • 1- يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([28]).
  • 2- فهذه الآية تقصر التحريم على الربا المضاعف دون البسيط.
  • 3- إن حقيقة الاستغلال تتحقق مع الربا المضاعف أما الزيادة البسيطة فلا تكون محرمة؛ لأنها لا تحقق الاستغلال ولا تنمي الثروات بطريقة ظالمة.

وممن ذهب إلى هذا الرأي عبد العزيز جاويش حيث أجاز الفائدة القليلة وكان الدافع إلى إجازة جاويش للفائدة البسيطة هو أنه حدثت أزمة مالية في مصر وامتنعت المصارف الأجنبية عن إقراض مصر وتمويلها بالمال فاتجهت الأنظار إلى إنشاء شركة مالية تتعامل بالفائدة ودارت مناقشات عديدة إزاء هذا الاتجاه. إلا أن جمهور الفقهاء وقف ضد هذا الرأي وأكد على حرمة الربا قليله وكثيره.

وكان العلماء في الدولة العثمانية قد أفتوا بجواز الفائدة القليلة حينما سئلوا عن إنشاء مصرف إسلامي، وقد أباحت الدولة العثمانية للقضاة أن يحكموا بالفائدة على أن لا تبلغ هذه الفائدة مثل الدين الأصلي: أي لا تبلغ ضعف القرض؛ لأن الضعف فأكثر يعتبر حراماً، أما أقل من الضعف فإنه يعتبر مباحاً وكان نص الفتوى كالتالي:

إن مشايخ الإسلام قرروا أنه مادامت الأموال المودعة بهذا المصرف والتي تستقرض أو ترد، والمبالغ التي تؤخذ أو تترك بأي صورة ما دامت تعود بربح قليل وتسير حسب إحدى الطرق التي نص عليها فقهاؤنا فهي والحالة هذه محللة([29]).

ويمكن الرد على هذه الشبهة بالآتي:

- إن قول الله تعالى: (لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً) يمكن أن يخرج على أنه يمثل مرحلة أولى من مراحل تحريم الربا، فالشريعة الإسلامية تدرك طبيعة المجتمع وطبيعة العمل المحرم فقد كان الربا سائداً في الجاهلية فكان من الحكمة أن لا يحرم مرة واحدة بالكلية، بل لا بد من التدريج في التحريم حتى لا يصطدم الحكم بالواقع مما يترتب عليه إهمال الحكم الشرعي بالكلية. وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في مثل هذه الأمور فالخمر مثلا لم يحرم دفعة واحدة وإنما حرم بالتدريج فكانت النتيجة أن تُقُبِّل هذا الحكم من قِبَل أفراد المجتمع.

جاء في تفسير آيات الأحكام: لقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار كما حدث في تحريم الخمر وذلك تمشيا مع قاعدة التدريج.

الدور الأول: نزل قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)([30]).

وهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي كما يظهر ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا وإنما هي إشارة إلى بغض الله للربا وأن الربا ليس له ثواب عند الله فهي إذن موعظة سلبية.

الدور الثاني: نزل قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً)([31]). (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ)([32]). وهذه الآية المدنية وهي قصة ذكرها الله سبحانه وتعالى علينا من سيرة اليهود الذين حرم الله عليهم الربا فأكلوه واستحقوا عليه اللعنة والغضب وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح لأنه حكاية عن جرائم اليهود وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرم على المسلمين. وهذا نظير الدور الثاني في تحريم الخمر؛ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)([33]). حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح.

الدور الثالث: نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)([34]). وهذه الآية مدنية وفيها تحريم صريح ولكنه تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من أنواع الربا الذي يسمى الربا الفاحش وهو الربا الذي بلغ من الشناعة والقبح والإجرام الذروة العليا حيث كان الدين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافاً مضاعفة يضعف عن سداده كاهل المستدين الذي استدان لحاجة وضرورة وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة: حيث كان التحريم جزئيا لا كليا في أوقات الصلاة.

الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرق فيه القرآن الكريم بين قليل أو كثير والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد تم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا. فقد نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)([35]). (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([36]).

وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منها حيث حرمت الخمر تحريماً قاطعاً جازماً في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([37]). وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج([38]).

ويمكن أن تخرج هذه الآية بتخريج آخر وهو كما يقول الشيخ محمود شلتوت في تفسير القرآن الكريم: بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير، هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة، وتخريجها على أساس فقهي إسلامي، ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجددوا تخريجها للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو في صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها، ويلتمسون السبيل إلى ذلك، فمنهم من يزعم أن القرآن الكريم إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله تعالى (أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً) فهذا قيد في التحريم لا بد أن يكون له فائدة، وإلا كان الإتيان به عبثاً، تعالى الله عن ذلك، وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ بمفهومه، وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا.

وهذا قول باطل، فإن الله سبحانه وتعالى أتى بقوله (أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)  توبيخا لهم على ما كانوا يفعلون، وإبرازاً لفعلهم السيئ، وتشهيرا بهم، وقد جاء مثل هذا الأسلوب في قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ)([39]).

فليس الغرض أن يحرم عليهم إكراه الفتيات على البغاء في حالة إرادتهن التحصن، وأن يبيحه لهن إذا لم يردن التحصن ولكنه يبشع ما يفعلونه ويشهر به. ومعنى الآية: لقد بلغ الأمر أنكم تكرهون فتياتكم على البغاء وهن يردن التحصن، وهذا أفظع ما يصل إليه مولى مع مولاته، فكذلك الأمر في آية الربا فمعنى الآية: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافاً مضاعفة فلا تفعلوا ذلك([40]).

جاء تحريم الربا في غير هذه الآية مطلقاً وصريحاً حيث يقول تعالى: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([41]).

ويقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)([42]). (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([43]). فهذه الآيات لم تفرق بين قليل الربا وكثيره بل حرمت الجميع وجعلت للمرابي رأس ماله دون زيادة أو نقص ولو قليلين.

كما جاءت السنة المطهرة الشريفة بتحريم الربا قليله وكثيره منها:

  • _ لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء([44]).
  • _ الربا بضع وسبعون حوبا أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه.

3/2 الفائدة والقروض الاستهلاكية:

يفرق بعض الكتاب([45]) بين الربا والفائدة ويرون أن الإسلام حرم الربا ولم يحرم الفائدة، والربا في نظرهم هو ما يؤخذ في القروض الاستهلاكية أما الفائدة فهي ما يحصل عليه المقترض لأغراض إنتاجية (استثمارية). ويستندون في هذا الرأي إلى ما يأتي:

  • _ إن العرب في الجاهلية لم تكن تعرف سوى القروض الاستهلاكية فقط ولهذا فإن تحريم الإسلام للربا جاء متفقاً مع ما كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، أما القروض الإنتاجية فلم تكن معروفة لديهم وإنما هي من الأمور التي جدت على مر الأيام.
  • _ أنه يترتب على القروض الإنتاجية أن يحصل المقترض على عوائد وأرباح هذه الأموال، وليس من العدل أن يحرم المالك الحقيقي لهذه الأموال -المقرض- من عائد نظير استفادة المقترضين من هذه الأموال.

أما القروض الاستهلاكية: فهي الحالة التي تحرم فيها أخذ فائدة ربوية وذلك لأن المقترض لا يقدم على الاقتراض إلا لحاجته الاستهلاكية الملحة.

  • _ في العصر الحديث تغير المفهوم بتغير الطبيعة في القروض بعد انتشار المصارف فلم يعد المقترض -وهو المصرف هنا- هو ذلك الطرف الضعيف الذي يخضع لاستغلال المقرض وشروطه ولم يعد المقرض هو ذلك الطرف الجبار الذي يستغل حاجة المقترض، بل انعكس الوضع تماماً فأصبح المقترض -المصارف- هي صاحبة الرأي والقوة وتفرض على المقرض -المودع- الشروط التي تمليها عليه حيث إنها تحدد نسبة الفائدة وطريقة التعامل معها.

ولما كانت الطريقة انعكست الآن تماما فلا بد من التفريق بين القرض الإنتاجي والقرض الاستهلاكي من حيث جواز الفائدة في الأول وتحريمها في الثاني، يقول الدكتور الدواليبي وهو من المؤيدين لهذا الرأي: إن القرض المحرم لم يكن له صفة القرض الإنتاجي وأن القرض الذي حرمه المشرع الإسلامي لم يكن يصلح إلا للاستهلاك لأن الفائدة فيه لم تكن إلا شكلاً من أشكال استثمار عون المحتاجين الذين هم أولى بالعطف والرعاية([46]).

وهذه الشبه ضعيفة لا تحتاج لبيان ضعفها إلى أكثر من التأمل في الآية القرآنية (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، أليس فيها ما يشعر بأن العرب كانت تتعامل بالربا للأغراض التجارية، ثم ألم يكن العرب تجاراً فما المانع لهم من التعامل بالربا في التجارة وهم الذين حاولوا تشبيه البيع بالربا زعماً منهم بأن البيع مثل الربا([47]).

ثم إن يهود المدينة كانوا يقدمون المال ليس من أجل أغراض استهلاكية فحسب وإنما من أجل التجارة أيضا فوجود المضاربة والمشاركة بين العرب لا يدل على أن الفائدة الإنتاجية لم تكن منتشرة بينهم([48]).

ثم إن الحكمة الرئيسية لتحريم الفائدة في القروض الممنوحة لأغراض إنتاجية تشتق من فكرة العدالة بين الإنسان وأخيه وهي الفكرة التي تعتبر حجر الزاوية في نظرة الإسلام للحياة الاجتماعية، فلا ريب أن عدم التيقن حاصل في أي مشروع استثماري كما أنه لا يمكن تحديد الربح أو الخسارة مسبقاً وعلى ذلك يكون مجافياً للعدالة إلى حد بعيد أن يتوفر للطرف الذي يقدم رأس مال نقدياً ضمان الحصول على عائد ثابت ومحدد سلفاً في حين أن الطرف الذي يقدم عنصر التنظيم في المشروع يلقى على عاتقه وحده عبء عدم التيقن من مصير نشاطه في هذا المشروع.

ومن جهة أخرى فإن تحديد سعر ثابت للفائدة يمكن أن لا يكون عادلاً أيضاً حتى في حق صاحب المال إذا ما تحصل المقترض على الربح يفوق بكثير حدود ما يدفعه إلى المقرض عن طريق الفائدة([49]).

وفي الحقيقة يمكن القول أنه لا فرق بين الربا في القرآن الكريم وبين الفائدة في النظرية الاقتصادية التقليدية فهو فرق في الدرجة وليس في النوع؛ لأن الربا والفائدة يمثلان الزيادة في رأس المال المقترض ولا يترتب على تسمية الربا بالفائدة تغيير في خصائص كل منهما ثم إن الضرر لا يقتصر على الفائدة في القروض الاستهلاكية فحسب بل إن فائدة القروض الإنتاجية ضارة أيضاً؛ لأنها ستدخل في التكاليف وبالتالي في السعر ومن ثم يتضرر المستهلك.

وخلاصة القول أن الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي وكثير الربا وقليله حرام والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة وكل امرئ متروك لدينه في تقرير الضرورة([50]).

3/3 سعر الفائدة ومكافأة الادخار:

يرى الاقتصاديون التقليديون أن سعر الفائدة ليس سوى مكافأة للمدخرين على الادخار، وارتفاع سعر الفائدة يؤدي إلى زيادة عرض المدخرات من قبل الأفراد للاستفادة من هذه المكافأة. غير أن هذه النظرة قد انتقدت من قبل كثير من الاقتصاديين ومن بينهم كينز الذي أكد على أن الادخار ليس دالة في سعر الفائدة فقط وإنما يتوقف بدرجة رئيسة على الدخل القومي([51])، كما أن سعر الفائدة ليس هو الأداة التي تحفظ التوازن بين الادخار والاستثمار كما قرر الاقتصاديون التقليديون. ومن جهة أخرى فان ادخار الأفراد يتوقف أساسا على عوامل نفسية واجتماعية وسياسية كالرغبة في تكوين احتياطي لظروف المستقبل أو غيرها من العوامل التي هي أبعد ما تكون عن التغير في سعر الفائدة([52]).

3/4 الفائدة والتضحية والحرمان والامتناع:

من النظريات التي ظهرت في تفسير الفائدة ما يعرف بنظرية الحرمان عن الاستهلاك الحاضر ونظرية الانتظار والامتناع، وتحاول هذه النظريات تفسير الفائدة على أنها تعويض للمدخر عن تضحيته وحرمانه من الاستهلاك في الوقت الحاضر. ومع ذلك فمن البديهي أن التضحية الناتجة عن الحرمان تتناسب عكسيا مع مستويات الدخل. ومن هذا المنطلق ينشأ السؤال التالي: لماذا إذن يفرض الأغنياء أسعارا باهظة للفائدة عن مدخراتهم على الرغم من أن تضحيتهم أو حرمانهم لا يقارن بتضحية وحرمان الفقراء؟

ولهذا يقرر لاسآل (Lassale) وهو اقتصادي اشتراكي بسخرية من هذا التفسير: فائدة رأس المال هي مكافأة الحرمان كلام عجيب كلام يعدل وزنه ذهبا إن أصحاب الملايين من الأوروبيين وكذلك الزهاد والتائبون والنساك على ساق واحدة، أذرعهم ممدودة، وأجسامهم منحنية وسحناتهم شاحبة يمدون إلى الشعب قصعاتهم ليجمعوا مكافأة حرمانهم. وفي وسط هؤلاء وعلى رأس كل التائبين محلات روتشيلد. وفي الواقع إن تجميع الأموال إنما هو عمل الأغنياء الذي لا يخضعون إلى الحرمان أو التضحية([53]). ولهذا حاول مارشال أن يغير لفظ الحرمان والتعفف إلى لفظ الانتظار (waiting).

والانتظار هو عملية الامتناع عن التصرف بالسلع خلال زمن ما، فامتناع البعض -المدخرين- يجعل من الممكن للآخرين (المستثمرين) أن يقوموا بعملية الاستثمار لهذا الادخار ولهذا فإنه لا بد من تأجيل بعض النفقات الاستهلاكية إلى زمن تال أي لابد من الانتظار وعلى هذا الأساس فإن معدل الفائدة ليس إلا مكافأة للادخار.

وفي الحقيقة إن هذا الرأي الذي عبر عنه مارشال ليس إلا نظرية التعفف أو الحرمان نفسها بعد أن صاغها بمزيد من العناية والتحسين من حيث التعبيرات والمصطلحات المستخدمة أما من حيث فكرتها الرئيسية فهي تتفق مع فكرة نظرية الحرمان والتضحية وهي التأخير في التمتع بالسلع والمقترن باستثمار رؤوس الأموال واختلاف التعبير لا يغير من حقيقة المشكلة([54]). ثم إن هذه النظريات لا تستطيع تفسير كيفية إيجاد معيار يحدد لنا سعر الانتظار هذا.

ومن جهة أخرى فإن الواقع يخالف ما تنص عليه هذه النظريات التي تفسر الفائدة على أنها تضحية وحرمان، حيث نجد أن أكثر الناس لا ينفقون كل ما يكسبون اليوم على الفور بل يؤثرون أن يدخروا نصيبا منه لمستقبلهم بل إن الغالبية العظمى من الناس على الأقل يضيقون على أنفسهم ويقللون من حاجاتهم ويريدون أن يدخروا جانبا من أموالهم لقضاء حاجاتهم في المستقبل. ولهذا يمكن القول إن الفرق المذكور بين القيمة في الحاضر والمستقبل من الوجهة النفسية لا يعدو أن يكون مغالطة ليس إلا([55]).

3/5 الفائدة وإنتاجية رأس المال:

من النظريات التي قدمت لتفسير وتبرير الفائدة ما يعرف بنظرية إنتاجية رأس المال التي تنطلق من حقيقة إنتاجية الطبيعة. فهذه النظرية تقوم على أساس أن في حين أن مالك الأرض يحصل على عائد وهو أجر الأرض دون عمل أو مخاطرة، فالمالك نظرا لتنازله عن شي منتج استحق هذا العائد وفعلا فإن الذي يملك رأس مال يريد أن يقرضه، لو لم يحصل على فائدة لكان من الأصلح له أن يشتري قطعة من الأرض تؤمن له ريعا دون عمل أو مخاطرة أيضا.

فبناء على هذه النظرية فمن حق صاحب رأس المال أن يأخذ الفائدة والتي هي تعبير عن حقه في جزء من الأرباح التي جناها المقترض بواسطة ما قدم إليه من مال، فرأس المال يشارك في الناتج لأن له إنتاجية([56]).

ومن هذا المنطلق نشأ السؤال التالي: لماذا يجوز الربح في الشركة ولا يجوز فائدة المال في القرض مع أن الفائدة ليست إلا مبلغا محدودا؟ نعم هي مضمونة ولكنها قليلة محدودة، أما الربح فهو غير مضمون ولكنه أكثر. فلماذا لا يخير المال بين الصنفين فالدائن عندما يقبل فائدة محدودة إنما يتنازل عن حصة من الربح مقابل تأمين لدى المدين من الخسارة([57]).

ولكن -في الحقيقة- فشلت تلك النظرية قي تبرير الفائدة من خلال الآتي:

  • _ مع تسليمنا بأهمية عنصر رأس المال وبدوره في زيادة الإنتاج ولكن هذه الحقيقة لا تفسر لماذا يكون هناك سعر محدد للفائدة، فلو كانت الفائدة تدفع بسبب إنتاجية رأس المال لتطلب الأمر أن تكون هذه الفائدة متغيرة حسب تغير إنتاجية رأس المال من صناعة إلى أخرى. ثم إن إنتاجية رأس المال قد تنتهي إلى كمية سالبة ويرجع ذلك مثلاً إلى الهبوط غير المتوقع في أسعار المنتجات فحينئذ لا تستطيع هذه النظرية الإجابة على أسباب فرض الفائدة على مثل رأس المال هذا([58]).
  • _ ثم إن هذه النظرية لا تستطيع تفسير وتبرير الفائدة على القروض الاستهلاكية، حيث لا وجود لإنتاجية رأس المال في مثل هذه الحالات ومع ذلك توجد الفائدة على القروض الاستهلاكية.
  • _ ثم إن التعريف العلمي لرأس المال الحقيقي: هو الكمية المتجمعة من الأجهزة والمعدات والآلات والمباني التي يملكها قطاع الأعمال، وعند السؤال عن سعر رأس المال تكون الإجابة الفائدة. فكيف تعطى الآلة أو المبنى فائدة؟

فمعلوم أن الفائدة إنما تعطى على القروض فقط -أي رأس المال النقدي فقط- قد يبرر ذلك بأن النقود هي الوسيلة لشراء رأس المال إلا أن هذا المبرر غير كاف؛ لأن النقود وسيلة لشراء السلع الاستهلاكية أيضا ومعنى ذلك أنه لابد من النظر إلى هذه القضية بدقة فرأس المال ضروري في العملية الإنتاجية ويساهم بشكل فعلي فيها بينما النقود لا تساهم في عملية الإنتاج مطلقا فهي عقبة بذاتها.

ومن هنا لابد لنا من أن نميز بين رأس المال والقرض، فإذا كانت الفائدة مكافأة القرض فلنقل إن الأجر أو الربح هو مكافأة رأس المال، وهذا التمييز لا بد منه حتى في الاقتصاد التقليدي. ولهذا فإنه لا يمكن إنكار رأس المال وعدم اعتباره عنصرا من عناصر الإنتاج خوفا من أن يعتبر سعره هو الربا المحرم، ولا يصح أن يحمل تحريم الفائدة في الإسلام على أنه يستدعي إنكار كون رأس المال عنصرا من عناصر الإنتاج، فلكل حقه ومكافأته فرأس المال له الإيجار والربح والقرض ليس له فائدة.

ومعنى هذا أن رأس المال في حد ذاته غير منتج، إنما تطبيق ومشاركة الجهود الإنسانية على رصيد من رأس المال هو الذي يولد الناتج والدخل، ولا يمكن إذن للعائد على رأس المال أن يتحدد مسبقا وبصورة غير مشروعة على خلاف حالة الفائدة، ولكن يمكن أن يتحدد فقط بالعودة على نتائج النشاط اعتمادا على ما يتحقق من أرباح أو خسارة([59]) وبهذا الرد يمكن الإجابة على من يرى أن الفائدة بمثابة تعويض عن تعطيل استثمار المال حيث إن الشطر الأعظم من الأموال المتاحة للإقراض هي نتيجة مدخرات، والمدخرات لا تتغير كذلك إلا إذا شاركت إيجابيا في عملية الإنتاج وليس هناك ما يقطع بأن البديل عن إقراض هذه الأموال بفائدة هو استثمارها على هذا النحو كبديل مُتاح بل قد يتم استهلاك هذه المدخرات استهلاكا كماليا([60]).

3/6 الفائدة وندرة رأس المال:

ترى نظرة ندرة رأس المال أنه لا يمكن أن يتصور أن هناك كمية لا نهائية أو غير محدودة من رأس المال، ولو كان سعر الفائدة صفرا لكان الطلب على رأس المال غير محدود أيضا. والندرة النسبية لرأس المال تتوقف هي نفسها على عدم كفاية الميل إلى الادخار، الأمر الذي يشكل السبب الرئيسي لوجود معدل الفائدة.

وترى هذه النظرية أن السبب في محدودية عرض رأس المال هو أن الادخار يحتاج إلى جهد، والمقرضون يطالبون بفائدة لأن رأس المال نادر بالنسبة لاحتياجات الإنتاج، ويطلب رجال الأعمال رأس المال -على الرغم من ذلك- لأنه منتج وهم يرضون بدفع الفائدة لأن معدل الربح الذي يحصلون عليه من استثماراتهم هو أعلى من الفائدة التي يدفعونها، وهكذا فإن الإنتاجية والامتناع كل منهما ضروري لتفسير الفائدة فإنتاجية رأس المال هي أساس الطلب عليه وإذا ازداد هذا الطلب فلا بد أن يزداد الحرمان ويرتفع ثمن عرض الادخار([61]).

ويعترض على هذه النظرية بأنه لا توجد ندرة نسبية في رأس المال على نحو ما في الأرض الزراعية لأن الأموال نتاج التفاعل بين الجهد الإنساني والموارد الطبيعية، ومن هذا التفاعل تتولد الثروة الاقتصادية، ومن هذه الثروة يستهلك المجتمع ما يحتاجه ويدخر قدراً آخر.

وبتوظيف هذه المدخرات تزيد رؤوس الأموال المتاحة للنشاط الاقتصادي وهكذا لا يكون هناك ندرة نسبية وحين تتوفر رؤوس الأموال المتاحة للاستثمار في صورة مدخرات خاصة أو حكومية فإن سعر الفائدة يهبط بطبيعته إلى الصفر ولا يبقى هناك مجال يعيش فيه المستثمر المتبطل (functionless investor) على حساب المجتمع بما يقتضيه من فائض ربوي في صورة فائدة([62]). ويرى كينز أن من واجب الدولة أن تعمد على تحقيق وفرة المدخرات ومن ثم وفرة رؤوس الأموال المتاحة للتوظيف في النشاط الاقتصادي وبهذا يتحقق العمالة الكاملة وتنتفي ندرة رأس المال ويهبط سعر الفائدة إلى الصفر([63]).

ومن جهة أخرى تبرر هذه النظرية قيمة رأس المال وضرورة مكافأته ولكنها للأسف تقترح الفائدة كشكل من أشكال المكافأة وهذا الاقتراح الذي هو عقدة المشكلة وصلبها يبقى بدون سند([64]).

3/7 سعر الفائدة وتفضيل السيولة:

تفسر نظرية كينز سعر الفائدة بأنه المقابل الذي يحصل عليه الأفراد مقابل تنازلهم عن السيولة، فالفرد يفضل أن يحتفظ بالنقود في شكل سائل حتى يمكنه استعماله في كل مناسبة ودون تمهل أو انتظار وهذه النظرة لا ترجع فقط إلى عوامل نفسية في تفضيل السلع الحاضرة على المؤجلة كما يرى بعض الاقتصاديين، بل ترجع أيضا إلى أن النقد يمكن حفظه بدون مصاريف تذكر وذلك لتلبية كل الحاجات الممكنة أو المحتملة أو الطارئة.

ومع ذلك يجب أن نشير إلى أن تكلفة هذا الاحتفاظ تتعلق أيضا بعامل خارجي ذي طابع اقتصادي كلي ألا وهو سياسة الإصدار النقدي فيرى كينز أن معدل الفائدة هو الثمن الذي تلتقي عنده الرغبة بالاحتفاظ بالثروة في صورتها السائلة مع كمية النقد الجاهز، إذ إن النقد كما يرى كينز هو ليس مجرد أوراق أو قطع لها قيمة قانونية وإنما يلعب دوراً فعالا في الحياة الاقتصادية، فهو السيولة في أحسن صورها فهو أصل ممتاز يحرص عليه الأفراد لأنه يعود عليهم بالفوائد في تلبية الدوافع التالية:

  • _ دافع المعاملات.
  • _ دافع الاحتياط.
  • _ دافع المضاربة([65]).

ولكن من الممكن القول إن على الفرد حتى ولو كان سعر الفائدة صفراً- أن يرتب نفسه بحيث يحتفظ بكمية من الأموال السائلة لسد حاجاته دون أن يهمل استغلال أو استثمار باقي موجوداته، وذلك لزيادة ثروته أو المحافظة عليها على الأقل فلا شك أن هناك منافع للسيولة ولكن هناك أيضا منافع للاستثمار فالسيولة تواجه بها حاجات الإنفاق والاستثمار تحقق به الرغبة في الربح وتنمية الثروة. ومما لا شك فيه أن الربح مهم في عملية الاستثمار فبدونه لا يمكن القيام بأي مشروع من قبل الأفراد ولكن الربح والفائدة ليسا شيئا واحدا([66]).

ومن جهة أخرى فإن نظرية كينز التي تقوم على فكرة التفضيل النقدي تقوم في أساسها على المضاربة. والمضاربة في حد ذاتها ظاهرة لا يقرها الإسلام بهذا المفهوم إذ إنها عادة ما تكون مصحوبة بالاكتناز والمقامرة وصور الاسترباح غير المشروع التي تضر بالمجتمع([67]). ومن هنا فإن الإسلام يدحض تأسيس الفائدة على اعتبار نفسي ويؤكد أن السعر العادي للفائدة هو -حقا- السعر المساوي للصفر([68]).

3/8 الفائدة وتغطية نفقات المصرف:

من الآراء التي ظهرت لتبرير الفائدة أنها بمثابة تغطية النفقات الكتابية والإدارية للمصرف، والشريعة الإسلامية تجعل النفقة مشروعة ولكن لا تجعلها في إطار الفائدة والربا. فنفقة سداد القرض في مكان غير المكان الذي تم فيه الإقراض يتحملها طالب النقل سواء كان المدين أو الدائن. وقد فرع الفقهاء على ذلك جواز أجرة كتابة الوثائق والخطابات وإمساك الدفاتر والسجلات. والفقه الإسلامي يقر أن أخذ النفقة والأجرة أمر مشروع؛ فعن مالك أنه بلغه أن عمر رضي الله عنه سئل في رجل أسلف طعاماً على أن يعطيه إياه في بلد أخر فكره عمر وقال: أين كراء الحمل؟([69]).

كما ورد الحكم بإباحة الأجر على كتابة الوثائق والسجلات جاء في حاشية ابن عابدين: يستحق القاضي الأجر على كتب الوثائق والمحاضر والسجلات قدر ما يجوز لغيره كالمفتي فإنه يستحق أجر المثل على كتابه الفتوى. وجاء في جامع الفصولين: للقاضي أن يأخذ ما يجوز  لغيره، وما قيل في كل ألف خمسة دراهم لا نقوم به ولا يليق ذلك بالفقه وإنما يأخذ مثله بقدر مشقته أو بقدر عمله في صنعته([70]). وجاء في المغنى: يجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه، أو سجلات ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل([71]).

ويختلف سعر الفائدة عن الأجرة في القياسين السابقين: فعلى أساس أن سعر الفائدة يتحدد بالنظر إلى نوع القرض ومدته والمركز المالي للمقترض والظروف الاقتصادية السائدة، فضلا عن أنه إذا كانت الفائدة تقابل النفقة أو الأجرة، فإنه يتعين أن يكون سعرها موحداً، وسواء كان البنك تجارياً أو صناعيا أو زراعيا (متخصصا) ولأصبحت واجبة الأداء للبنك مرة واحدة عند عقد القرض وليس كل عام طوال فترة القرض.

وفضلا عن ذلك فإن الفائدة التي يدفعها البنك على الوديعة التي يأخذها من المقترض تختلف عن تلك التي يتلقاها لقاء قيامه هو بالإقراض([72]).

وعلى ذلك يبطل اعتبار الفائدة بمثابة أجرة البنك على أعماله فالأجرة مشروعة أما الفائدة فحرام.

وفي ضوء ما تقدم بجواز أن يستوفي المصرف من عميله مقترضا كان أو غيره أجرا مقابل الأعباء الإدارية بما فيها الأعباء الكتابية الناشئة المتعلقة بالقرض أو غيره فمن المعروف أن الأجر يستقضى مقابل منفعة، ويشترط في المنفعة المقابلة للأجر أن تكون معلومة القدر وذلك إما بغايتها أو بتحديد مدتها، أي أن يتم ربط الأجر بوجود خدمة فعلية أو منفعة مقصودة ومتقدمة في النظر الشرعي([73]).

ولكن نعود فنقول إنه ينبغي التحديد هنا بعدم توسيع مفهوم الأجر وإساءة فهمه لكيلا يكون هذا الأجر ستارا للربا (الفائدة) ولهذا يجب أن يكون الأجر مبلغا مقطوعا لا يتكرر إلا بتكرر الخدمة أو المنفعة. فاستحقاق المصرف للأجر نظير قيامه بأعمال إعداد العقد وفتح الحساب وتسجيل الاتفاق وما إلى ذلك يجب أن يكون على أساس مبلغ مقطوع وليس على أساس نسبة من قيمة القرض حتى نسلم من الوقوع في شبهة الربا.

3/9 الفائدة ومخاطر الإقراض:

ترى نظرية المخاطر أن الفائدة لا تشكل إلا تعويضا عن المخاطر من كل نوع والتي يتعرض لها الدائن.

ويمكن الرد على هذه النظرية بأنه إذا كان صحيحا أن الفائدة تعد ثمنا للمخاطر، فإن الذي يضمن أصل القرض ليس هو الفائدة، حيث يكون الأخير معرضا أيضا لذات المخاطر تبعا لأصل الدين وإنما هو ما يضمن زوال الخطر ومبرراته بالضمان الشخصي والمادي([74]).

ثم إن هذه النظرية لم تراع الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها المقترض، وأخيراً فإن هذه النظرية تريد أن يكون هناك معدلا محددا على مستوى الأخطار والحاجات وبمعنى آخر تريد أن تقول لا إقراض إلا للأغنياء؛ ومن هنا لا يمكن اعتبار الفائدة ثمنا للمخاطر على هذا الأساس([75]).

فالحقوق التي يستحقها الدائن -المقرض- على أساس الخطر بطريق معقول لا تعدو أن يرتهن من مدينه شيئا أو يقرضه على كفالة أو يطالبه بمن يضمن له سلامة ماله أو لا يعرض ماله للخطر أصلا فيأبى أن يقرضه شيئا أبدا وليس الخطر سلعة يساوم في قيمتها ولا منزلا ولا أثاثا تؤخذ أجرته فهذا من قبيل الإيثار إذا لم يكن أداة للكسب، فمن أراد الإيثار فعليه بالاقتناع بما لهذا العمل الخلقي من الفوائد المعنوية([76]).

3/10 الفائدة وسعر الخصم:

يعتبر موضوع القيمة الحالية وسعر الخصم أحد المتغيرات المهمة في صياغة دالة الاستثمار وتعتبر طريقة القيم الحالية من أهم طرق التقويم المالي للمشروعات الاستثمارية ولهذا لقيت هذه الطريقة مزيدا من البحث والتحليل في الاقتصاد التقليدي. ويمثل سعر الفائدة الأداة الأشهر المستخدمة كسعر خصم تخصم بها للقيم الآجلة لتقدير ربحية المشروعات الاستثمارية.

وفي هذا الإطار قدمت عدة دراسات للتعرف على موقف الاقتصاد الإسلامي من التفريق بين القيم الحاضرة الحالية والقيم الآجلة وهل هناك معيار للتفريق بينهما؛ وما هي طبيعة سعر الخصم المستخدم؛ وبخاصة إذا كنا ندرك تماما موقف الاقتصاد الإسلامي من سعر الفائدة وهو التحريم. وخلصت هذه الدراسات إلى ما يلي:

  • _ أن سعر الخصم (الكفاية الحدية لرأس المال) قد يقوم على عوامل لا تخالف المبادئ الشرعية، وبالتالي يمكن قبولها إسلاميا.
  • _ يفرق الاقتصاد الإسلامي بين القيم الحاضرة والقيم الآجلة للمبالغ النقدية، ويقيم للزمن قيمة مالية في غير باب القرض والاقتراض.
  • _ يعتمد الاقتصاد الإسلامي على بيع السلم والبيع الآجل ومسألة (ضع وتعجل) كأدلة شرعية صريحة على ضرورة التفريق بين الحاضر والمؤجل.
  • _ لا يقر الاقتصاد الإسلامي استخدام سعر الفائدة كسعر تخصم به المبالغ الآجلة لإيجاد قيمتها الحاضرة، ولا يمانع من استخدام أدوات أخرى.
  • _ إن سبب الخطأ القائم هو: الاعتقاد بأن سعر الخصم وسعر الفائدة هما شيء واحد، والحقيقة أنهما سعران مختلفان ومعرفة كل واحد منهما لا تعتمد على معرفة الآخر.

وعلى ضوء ما تقدم من نتائج يمكن أن نقر مصطلح الكفاية الحدية لرأس المال. وقد قدمت عدة دراسات وأبحاث تتناول البديل المقترح للخصم وأهم هذه المقترحات:

  • _ معدل العائد على الودائع المركزية قصيرة الأجل (المعام).
  • _ معدل العائد من أفضل استثمار بديل يتصف بنفس مواصفات المشروع تحت الدراسة.
  • _ متوسط المعدل المتوقع مقدرا بأوزان نسبية لعوائد الاستثمارات المثيلة التي تتصف بنفس درجة المخاطرة للمشروع تحت الدراسة([77]).

3/11 الفائدة كمؤشر مالي:

قدم بعض الاقتصاديين اقتراحا يقوم على أساس أنه طالما أن: (id=f(iw)) حيث: (id)هو سعر الفائدة المحلي و (iw) هو سعر الفائدة العالمي، وأنه نظرا لأن الاقتصاديات الإسلامية هي جزء من منظومة الاقتصاديات العالمية وأنه طالما أن أسعار الفائدة تعطي مؤشرا عن أداء الاقتصاد العالمي ككل فيمكن استخدامها كمؤشر وليس كمحدد لحرمتها وذلك قياسا على معدلات الأرباح التي تستخدمها المؤسسات المالية الإسلامية في الوقت الحاضر في عقود التورق والمرابحة وبيوع التقسيط التي تتأثر ارتفاعا وانخفاضا بأسعار الفائدة.

ولعل من أهم الأمثلة التي قدمت في هذا السياق معدلات ليبور (LIBOR) وليبور هو معدل سعر الفائدة على القروض المتبادلة بين البنوك في سوق لندن. ويعتبر الآن هو سعر الفائدة المرجعي الأوسع استخداما على النطاق الدولي للقروض قصيرة الأجل. ويحسب يومياً بواسطة جمعية البنوك البريطانية (BBA)، ويعد علامة تجارية مملوكة للجمعية، وقد تعاقدت الجمعية مع رويتر لإدارة عملية حساب ليبور وبثه عالميا بشكل يومي بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً بتوقيت لندن([78]).

4/ ملامح النظرة الإسلامية:

يعترف الاقتصاد الإسلامي بأهمية رأس المال وبدوره في العملية الإنتاجية كما لا ينكر الاقتصاد الإسلامي أن الادخار تضحية أو تنازل عن الاستهلاك وأن الإنسان يفضل السلع الحاضرة.

كما لا يمكن إنكار حقيقة أن رأس المال المقترض يمكن أن يكون منتجا إلا أنه من جهة أخرى يجب الاعتراف أيضا بأن حب الربح أو التعلق بالثروة أو الخوف من المستقبل يدفع إلى الادخار ويحرض على الاستثمار حتى في حال غياب الفائدة وعدم الاعتراف بها([79]).

ولكن ليس معنى هذا أن الاقتصاد الإسلامي يقبل تفسير وتبرير الفائدة بأنها نظير المخاطرة أو الحرمان أو تفضيل السيولة وعلى الرغم من اعتراف الاقتصاد الإسلامي بنظرية إنتاجية رأس المال إلا أنه لا يتفق معها في النتيجة، فالاقتصاد الإسلامي لا يبرر الفائدة كعائد مقابل إنتاجية رأس المال وإنما يرى أن عائد رأس المال لا يخلو من حالتين:

1- بالنسبة لرأس المال الحقيقي كالآلات والمعدات فيمكن أن يكون الإيجار هو عائد هذا النوع من رأس المال مقابل اشتراكه في العملية الإنتاجية ومعلوم أن الإيجار يمكن تحديده مسبقا. جاء في الكافي: ويجوز استئجار الغنم لتدوس الزرع([80])، وجاء في المدونة جواز استئجار القدور والآنية([81]).

- ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على جواز أن يكتري الرجل رحاء الماء بالنهار بأجر معلوم وكذلك استئجار الخيم والمحامل والمعماريات([82]).

ففي هذه النصوص دليل على جواز تأجير الآلة والمعدات والأصول الإنتاجية بإيجار معلوم؛ لأن هذه الأشياء السابقة تعتبر من أهم آلات الإنتاج في السابق.

وعلى هذا نعتبر الإيجار كعائد على رأس المال الحقيقي من الأمور المتفق عليها، كما يمكن أن يأخذ عائدا في صورة ربح كما لو دفع الآلة كمشاركة أو مضاربة على أن له جزءا معينا من الناتج وذلك عند بعض الفقهاء الذين لا يشترطون لصحة الشركة أن يكون رأس المال نقديا فقد جاء في المغني عن الشركة والمضاربة بالعروض:

وذهب أحمد في رواية أن المضاربة تجوز بالعروض وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال.

واختار هذا الرأي أبو بكر وأبو الخطاب، وهو قول لمالك وابن أبي ليلى وطاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في الماليين جميعا وكون ربح المال بينهما وهذا حاصل في العروض كحصوله في الأثمان فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها([83]).

وجاء فيه أيضا: وتصح الشركة على قياس ما نقل عن أحمد فيمن دفع شبكة إلى صياد ليصيد بها والسمك (الناتج) بينهما نصفين لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصحت الشركة بها([84]).

وكذلك يصح على قياس أحمد لو اشترك ثلاثة من أحدهما دابة ومن الآخر راوية (قربة) ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله بينهم. ومن هذا يتضح أن رأس المال الحقيقي (الآلات والمعدات كالشبكة والقربة وغيرها) يمكن أن يكون عائدها الربح وليس الإيجار.

2- أما بالنسبة لرأس المال النقدي فلا يعترف الاقتصاد الإسلامي له بالأجر المحدد مسبقا سواء أقرض لأغراض إنتاجية أو استهلاكية وإنما يقر له نصيب من العائد المتحقق من العملية الإنتاجية.

5/ خاتمة:

بعد هذا العرض المفصل لحقيقة كل من الربا والفائدة والشبهات والتفسيرات والتبريرات الاقتصادية تبين أن سعر الفائدة وإن اختلفت صوره ومسمياته ما هو إلا صورة من صور الربا المحرم. وهذا كله يؤكد أن الطريقة الإسلامية لاستغلال رأس المال النقدي، وهي المضاربة أو المشاركة، هي الطريقة الوحيدة المناسبة لمكافأة الأموال المقدمة للإنتاج حيث يتعرض صاحب رأس المال بالضرورة إلى خطر الخسارة مثله في ذلك مثل رب العمل. وتثبت في الوقت نفسه مجانية القرض للاستهلاك لكونه عقدا من عقود الارتفاق وليس الاستثمار.

 ثم إن الصور المختلفة والمتنوعة لأسلوب المضاربة أو المشاركة -عكس الفائدة- تشجع المبادرات الاقتصادية وتؤمن وفرة فرص الاستثمار والعمالة، وتستبعد الصورة الربوية للمقرضين ولا تزيد من تكاليف الإنتاج ولا في المستوى العام للأسعار مما يسهم في التقليل من الآثار التضخمية وتقضي على عملية المقامرة والميسر وما قد تسببه من الصراع بين الطبقات.

إن النظريات التي ترى مكافأة رأس المال الحالي المقدم للإنتاج يمكن أن تتم بواسطة الفائدة المسبقة لم تدرك أن هذه المكافأة قد تكون صورة ضارة وغير ملائمة إن تبدو هذه الفائدة وهمية بل سالبة بالنسبة لصغار المدخرين والمودعين عندما يكون معدل التضخم أسرع من معدل الفائدة، وبالنسبة لكبار الممولين تشكل الفائدة وسيلة من وسائل تجميع الثروات وتركيزها في أيد قليلة([85]).

خلاصة القول: يقر الاقتصاد الإسلامي لرأس المال النقدي بالفائدة الملحقة (الربح) ولا يعترف له أبدا بالفائدة المسبقة ولا يسلبه حقه كما هو الحال في بعض النظم الاقتصادية الاشتراكية. ولهذا فليس بمستغرب أن تتجه البنوك والمؤسسات المالية التقليدية إلى فتح نوافذ إسلامية وعرض العديد من المنتجات المالية الإسلامية القائمة على ما قررته الشريعة الإسلامية من صور المشاركة والمرابحة.



أهم المراجع والمصادر

المراجع العربية

  • _ أبو الأعلى المودودي، الربا، مؤسسة الرسالة طبعة عام 1404هـ.
  • _ الإمام مالك، المدونة، دار صادر بيروت.
  • _ مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان: إلغاء الفائدة من الاقتصاد الناشر: المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي جدة الطبعة الثانية 1404هـ.
  • _ حسن بن عبد الله الأمين، الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام، دار الشروق الطبعة الأولى 1403هـ.
  • _ حسن عبد الله الأمين، الفوائد المصرفية والربا، الناشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.
  • _ د. خالد المشعل، صياغة وتقدير دالة الادخار العائلي في المملكة العربية السعودية. بحث منشور في مجلة أفاق اقتصادية العدد 80 للعام 1999م.
  • _ د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي (مطبوعات جامعة الإمام) عام 1410هـ.
  • _ د. خالد المشعل، القيم الحالية وسعر الخصم في اقتصاد إسلامي، بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007م.
  • _ الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير دار الفكر للطباعة والنشر.
  • _ الرازي، مختار الصحاح.
  • _ ابن الربيع الشيباني، تيسير الوصول إلى جامع الوصول من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المكتبة التجارية الكبرى مصر 1386هـ.
  • _ ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة الطبعة السادسة 1402هـ.
  • _ د. رفيق المصري: النظام المصرفي خصائصه ومشكلاته: دراسات في الاقتصاد الإسلامي بحوث مختارة من المؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي، الناشر المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي ط1 1405هـ.
  • _ الزبيدي، تاج العروس من القاموس.
  • _ أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي، دار الاعتصام القاهرة.
  • _ سيد الهواري، الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية 1402هـ.
  • _ ابن عابدين، حاشية بن عابدين، الناشر مصطفى البابي الحلبي- مصر الطبعة الثانية 1386هـ.
  • _ عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند الطبعة الثانية 1395هـ.
  • _ الفيروز آبادي، القاموس المحيط.
  • _ د. عبد الهادي علي النجار، الإسلام والاقتصاد دارسة من المنظور الإسلامي لأبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت سلسلة عالم المعرفة 63 عام 1403هـ.
  • _ د. عمر بن سليمان الأشقر، الربا وأثره على المجتمع الإنساني الناشر دار الدعوة الطبعة الأولى 1404هـ.
  • _ د. عيسى عبده/وضع الربا في البناء الاقتصادي، دار الاعتصام.
  • _ ابن قاسم، حاشية الروض المربع.
  • _ ابن قدامة ، المغني مكتبة الرياض الحديثة 1401هـ.
  • _ ابن قدامة الكافي المكتب الإسلامي ط2 1399هـ.
  • _ محمد أبو زهرة: تحريم الربا تنظيم اقتصادي: الطبعة الثانية 1405هـ - الدار السعودية.
  • _ محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، دار الفكر.
  • _ د. محمد السحيباني، آلية تحديد معدلات ليبور بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007.
  • _ محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، دار الشروق، الطبعة السادسة 1394.
  • _ د. محمد عارف: السياسة النقدية في اقتصاد إسلامي لا ربوي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي- جدة، 1402هـ.
  • _ محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، منشورات مكتبة الغزالي، دمشق- الطبعة الثانية 1397هـ.
  • _ د. محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل: دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، دار البشير للنشر، عمان، 1990.
  • _ د. محمد قحف الاقتصاد الإسلامي، دار القلم- الكويت، الطبعة الأولى 1399هـ.
  • _ د. محمد منان، الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق. ترجمة د. منصور التركي، المكتب المصري الحديث.
  • _ المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، المكتبة الإسلامية.
  • _ ابن المنذر الإجماع، دار طبية للنشر ط1.
  • _ ابن منظور لسان العرب.

المراجع الأجنبية:

  • _ Hillier, Braian, The Macroeconomic debate, Blackwell, Oxford, 1991.
  • _ Parkin, Michael & Bade, Robin, Modern Macroeconomics, Philip Allan, 1988.
  • _ Iqbql, Munawar &Ahmad, Ausaf, Islamic Finance and Economic Development, Palgrave Macmillan,2005.

 

 


([1])  عميد الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وأستاذ الاقتصاد الإسلامي المشارك.

([2])  انظر: علي/ سبيل المثال

- Hillier, Braian, The Macroeconomic debate, Blackwell, Oxford,1991

- Parkin, Michael & Bade, Robin, Modern  Macroeconomics, Philip Allan, 1988.

- lqbql, Munawar Ahmad, Ausaf, Islamic Finance and  Economic Development, Palgrave Macmillan, 2005.

 

([3])  الرازي، مختار الصحاح مادة (فيد).

([4])  الفيروز أبادي، القاموس المحيط فصل (الفاء) باب (الدال).          

([5])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 1/461.

([6])  ابن قدامة، المغني 3/34.

([7])  ابن منظور، لسان العرب مادة (غلل).

([8])  الزبيدي، تاج العروس من القاموس مادة (غلل).

([9])  عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء 3/7.

([10])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/461.

([11])  الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/461.

([12])  انظر: حسن بن عبد الله الأمين، الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام ص254.

([13])  حسن عبد الله الأمين، الفوائد المصرفية والربا ص3، 6.

([14])  سورة الحاقة الآية 10.

([15])  انظر: الرازي، مختار الصحاح مادة (ربا).

([16])  سورة الحج الآية 5.

([17])  ابن قدامة، المغني مكتبة الرياض الحديثة 3/4.

([18])  محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج 2/21.

([19])  سورة آل عمران الآية 130.

([20])  سورة البقرة الآية 275.

([21])  أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه بن ماجة في سننه في كتاب المناسك عنه أيضا رقم الحديث 3074، وأخرجه الدارمي في سننه عن جابر أيضا في كتاب مناسك الحج رقم الحديث 1857.

([22])  ابن قاسم، حاشية الروض المربع 4/492.

([23])  انظر: المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدئ 3/61، ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/129، الشربيني، مغني المحتاج 2/22 وما بعدها، ابن قدامة، المغني 4/4 وما بعدما.

([24])  أخرجه مسلم في صحيحه بما أخرجه الترمذي في الجامع عن عبادة في كتاب البيع برقم 1240 وأحمد في المسند عنه 5/314.

([25])  حسن الأمين الفوائد المصرفية والربا ص6.

([26])  ابن قاسم 4/492.

([27])  حسن الأمين، ص 6-8.

([28])  سورة آل عمران الآية 130.

([29])  أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي دار الاعتصام القاهرة، ص، 156/157 نقلاً عن: محمد أبو زهرة، مقال عن الربا في مجلة العربي الكويتية عدد 59 عام 1963م فتوى الدولة العثمانية الصادرة في 10 شوال سنة 1328هـ.

([30])  سورة الروم الآية 39.

([31])  سورة النساء الآية 160.

([32])  سورة النساء الآية 161.

([33])  سورة البقرة الآية 219.

([34])  سورة آل عمران الآية 130.

([35])  سورة البقرة الآية 278.

([36])  سورة البقرة الآية 279.

([37])  سورة المائدة الآية 90.

([38])  محمد علي الصابوني، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، ص390-391.

([39])  سورة النور الآية 33.

([40])  محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم. ص150-151.

([41])  سورة البقرة الآية 275.

([42])  سورة البقرة الآية 278.

([43])  سورة البقرة الآية 279.

([44])  أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في باب الربا انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 11/26.

([45])  منهم معروف الدواليبي: وقد نقل رأيه عن هذا الموضوع لبيب شقير في كتابه تاريخ الفكر الاقتصادي ص81.

([46])  انظر: أبو سريع محمد عبد الهادي، الربا والقرض في الفقه الإسلامي ص153-154، أما نص الدواليبي فهو قد نقله عن أبحاث مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد في باريس يوليه سنة 1951م.

([47])  د. عمر بن سليمان الأشقر، الربا وأثره على المجتمع الإنساني ص72-75.

([48])  محمد منان، الاقتصاد الإسلامي، من النظرية والتطبيق ترجمة د.منصور التركي ص136.

([49])  تقرير مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان: إلغاء الفائدة من الاقتصاد ص24.

([50])  الفتوى التي أصدرها مؤتمر الفقه الثاني شهر محرم 1385هـ وانظر لمزيد من التفاصيل حول الفرق بين الربا والفائدة: محمد أبو زهرة تحريم الربا تنظيم اقتصادي ص53-61.

([51])  انظر: د.محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل: دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، ص168.

([52])  انظر: لمزيد من التفصيل: د. خالد المشعل، صياغة وتقدير دالة الادخار العائلي في المملكة العربية السعودية بحت منشور في مجلة أفاق اقتصادية العدد 80 للعام 1999م.

([53])  د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص289.

([54])  المرجع سابق ص290.

([55])  أبو الأعلى المودودي؛ الربا، مؤسسة الرسالة طبعة عام 1404هـ ص20.

([56])  انظر: رفيق المصري؛ مصرف التنمية الإسلامي ط1 ص286.

([57])  انظر رفيق المصري: النظام المصرفي خصائصه ومشكلاته: دراسات في الاقتصاد الإسلامي: بحوث مختارة من المؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي الناشر المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي ط1 1405هـ ص176.

([58])  انظر: د. محمد عارف: السياسة النقدية في اقتصاد إسلامي لا ربوي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي- جدة، 1402هـ ص17-20. د. محمد منان، الاقتصاد الإسلامي ص138-140.

([59])  انظر: د. محمد قحف الاقتصاد الإسلامي، ص65-68. د محمد عارف: السياسة النقدية، ص19-20. د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي.

([60])  د. عبد الهادي علي النجار الإسلام والاقتصاد دارسة من المنظور الإسلامي لأبرز لقضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة ص109-110.

([61])  انظر: رفيق المصري: مصرف التنمية الإسلامي، الطبعة الثانية ص311.

([62])  د. رفيق المصري المرجع السابق ص311.

([63])  د. عيسى عبده/ وضع الربا في البناء الاقتصادي ص183-186، وانظر أيضا في هذه النقطة: فكري أحمد نعمان، النظرية الاقتصادية في الإسلام ص232-233.

([64])  د. رفيق المصري: المرجع سابق ص311.

([65])  انظر: لمزيد من التفصيل د. خالد المشعل، الجانب النظري لدالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي (مطبوعات جامعة الإمام) عام 1410هـ.

([66])  د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص304-305.

([67])  انظر: د. منان؛ الاقتصاد الإسلامي ص139-141.

([68])  انظر: د. محمد عارف، السياسة النقدية ص19-20.

([69])  ابن الربيع الشيباني، تيسير الوصول إلى جامع الوصول من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المكتبة التجارية الكبرى مصر 1386هـ 1/77.

([70])  ابن عابدين، حاشية بن عابدين، 6/92.

([71])  ابن قدامة، المغني، 5/463.

([72])  د. عبد الهادي علي النجار، الإسلام والاقتصاد ص107-109.

([73])  سيد الهواري، الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، ص1 ص31.

([74])  انظر: د. محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، ص173.

([75])  انظر لمزيد من التفصيل: عبد الهادي النجار، الإسلام والاقتصاد 107-110. د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ، ص286.

([76])  أبو الأعلى المودودي، الربا ص10.

([77])  انظر لمزيد من التفصيل: د. خالد المشعل، القيم الحالية وسعر الخصم في اقتصاد إسلامي، بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007).

([78])  انظر: د. محمد السحيباني، آلية تحديد معدلات ليبور بحث مقدم إلى ندوة المؤشرات المالية البديلة عن معدل الفائدة التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة (15 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 1-2 مايو 2007.

([79])  د. رفيق المصري، مصرف القمة الإسلامي ط2 ص315.

([80])  ابن قدامة الكافي ص2 ص301.

([81])  المدونة ص4 ص414.

([82])  ابن المنذر، الإجماع، ط1 ص129.

([83])  المغني 5/17.

([84])  ابن قدامة، المغني 5/11، 12، 13.

([85])  انظر: د. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي ص2 ص315-318، محمد منان، الاقتصاد الإسلامي ص141.

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com