|
الربا في نظر الإسلام
(بحث مقارن)
تأليف
دكتورة/ كوثر كامل علي
أستاذ الفقه المقارن
عميد كلية الدراسات الإسلامية
جامعة الأزهر- فرع البنات القاهرة
بسم الله الرحمن الرحيم
نهى القرآن عن كثير من المنكرات, وشدد الوعيد في بعضها, ولكن الألفاظ التي جاء بها للتعبير عن حرمة الربا أشد, وأكد من الألفاظ التي أوردها للنهي عن سائر المنكرات والمعاصي، وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية, وشنت عليه حربًا لا هوادة فيها، وأوعد القرآن الكريم المتعاملين به عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، ويكفي أن نعلم عظم هذه الجريمة النكراء من تصوير حالة المرابين بذلك التصوير الشنيع الذي صورهم به القرآن الكريم صورة الشخص الذي به مس من الجن, فهو يتخبط, ويهذي كالمجنون الذي أصيب في عقله وجسمه، فالربا في نظر الإسلام جريمة الجرائم, وأساس المفاسد, وأصل الشرور والآثام.
تعريف «الربا»
«الربا» لغة
«ربا الشيء ـ يربو ـ ربوا ـ ورباءً»: «زاد, ونما», و«أربيته: نميته» قال تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ)([1]), قال أبو إسحاق: يعني به دفع الإنسان الشيء؛ ليعوض ما هو أكثر منه، و«ربا السويق ونحوه ربوًا»: «صب عليه الماء, فانتفخ», وقوله تعالى في صفة الأرض: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)([2]) قيل معناه: «عظمت, وانتفخت», و«الربا العينة», وهو: الرما أيضًا على البدل، و«ربا المال زاد بالربا», و«المربي»: الذي يأتي الربا([3]).
الربا شرعًا:
الزيادة في أشياء مخصوصة, وهو نوعان:
1- ربا فضل. 2- ربا نسيئة.
«حكم الربا»: الربا محرم.
دليل تحريمه الكتاب ,والسنة, والإجماع.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)([4]), وقوله عز وجل: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([5]).
وجه الدلالة من الآية الأولى:
لشدة أضرار الربا توعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ أهله بحرب من الله ورسوله, فعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ في معنى قوله تعالى: (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) استيقنوا بحرب من الله، وقال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله), فقال ابن عباس: "من كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستثنيه، فإن نزع, وإلا ضرب عنقه"، وقال قتادة: "أوعد الله أهل الربا بالقتل, فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا", وقيل المعنى: "إن لم تنتهوا, فأنتم حرب لله ورسوله"([6]).
قال أبو حنيفة: "إن هذه الآية أخوف آية في القرآن الكريم؛ لأن أحدًا لا يطيق غضب الله, وحربه له".
جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - إمام أهل المدينة، يستفتيه في أمر حدث له، فقال له: "يا أبا عبد الله إني رأيت رجلاً سكرانًا يتعاقر([7]) يريد أن يأخذ القمر, فقلت له امرأتي طالق إن كان يدخل ابن آدم أشر من الخمر, فقال مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك, فأتاه من الغد, فقال: ارجع حتى أنظر مسألتك, فرجع إليه الرجل مرة أخرى ثم عاد إليه في الغد, فقال له مالك: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله, وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله ـ تعالى ـ أذن فيه بالحرب([8]).
وجه الدلالة من الآية الثانية:
جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ علامة لأكلة الربا, وذلك أنه أرباه في بطونهم, فأثقلهم, فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون، ويقال: أهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى, وكلما قاموا سقطوا, والناس يمشون عليهم؟([9]).
الفرق الأساسي بين «البيع» و«الربا»:
في هذه الآية: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([10]) رد على المعتقدين إباحة الربا من الكفار الذين زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا, وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، وجهلوا ما وضع الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا، فذمهم الله على جهلهم, وأخبر عن حالهم يوم القيامة, وما يحل بهم من عقابه([11]),
وفرقت الآية بين «البيع» و«الربا», فقال عز وجل: (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([12]), فالزيادة في البيع مشروعة ومعقولة؛ لأن لها سببًا يبررها، وهي أن المشتري يرغب في العين التي يبيعها له البائع؛ لأن فيها منافع مختلفة, وثمنها عرضة للزيادة عند الرواج, وندرة وجودها في الأسواق في بعض الأوقات، فالبائع إما أن يكون هيأ السلعة للمشتري بجهد، وإنفاقه عليها من ماله أو اشتراها من غيره ثم يقدمها للمشتري, ويسلمها له نظير قيمة لهذه السلعة.
فالبائع في الصورتين يضيف أجرة جهده إلى رأس ماله الذي أنفقه على السلعة في اشترائها أو تهيئتها, فهذا هو ربحه، أما «الربا», فهو أن يعطي الرجل ماله رجلاً آخرًا على أن يرده إليه بزيادة كذا، ففي هذه الصورة من المعاملة, فإن رأس المال هو نظير رأس المال, ونظير التأجيل هو ذلك المبلغ الزائد على رأس المال الذي قد تم الاتفاق عليه بين الآخذ والمعطي كشرط في المعاملة, فهذا المبلغ الزائد على رأس المال نظير التأجيل هو الربا([13]).
دليل التحريم من السنة:
تعددت الأحاديث التي وردت بالنهي عن الربا، فأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن مزاولة الربا، وسعى سعيًا متصلاً في القضاء عليه في الدولة الإسلامية المثالية, وكان بنو المغيرة في مكة يأكلون الربا, فألغى النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما كان لهم على الناس، وكانت لهم على الناس أموال من الربا, فكتب إلى عامله في مكة بقتالهم إن لم يكفوا عن المراباة، وكان عمه العباس بن عبد المطلب من كبار المرابين في العرب, فأعلن في خطبته المشهورة في حجة الوداع, فقال: "ألا إن ربا الجاهلية موضوع عنكم كله, لكم رءوس أموالكم لا تظلمون, وأول ربا موضوع أبدًا به هو ربا عمي العباس بن عبد المطلب"([14]).
وروي عن جابر - رضي الله عنه- قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا, وموكله, وكاتبه, وشاهديه, وقال: هم سواء»([15]).
وروي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله, وما هي؟, قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»([16]).
وروي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه, وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم"([17]).
أما الإجماع:
فقد أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى يومنا هذا على تحريم الربا, وعلى أن الزيادة في الدَّين في نظير الأجل محرمة، وكبيرة من الكبائر التي ورد فيها الوعيد الشديد, وأن من ينكر ذلك, فإنما ينكر أمرًا قد علم من الدين بالضرورة.
التدرج في تحريم الربا, والأدوار التي مر بها التحريم:
لقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار, وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج:
الأول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم ـ بمكة المكرمة، وهو بين ظهراني المشركين, وذلك هو ما جاء في قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)([18]) , وليس في الآية كما يبدو ما يشير إلى تحريم الربا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للربا, وأن الربا ليس له ثواب عند الله، ويقابل ذلك تحسينه للزكاة والبر، وهذا يدل على التحريم بتضمنه, وإن لم تكن الدلالة صريحة قاطعة.
وواضح من ذلك أن الإسلام لم يسكت عن المجاهرة بأن الربا غير فطري في أي دور من أدوار الدعوة الإسلامية, حتى والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة قبل أن يفصل الأحكام العملية للشريعة الإسلامية.
الثاني: نزل قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)([19]).
فهذه الآية درس قصه الله -سبحانه- علينا من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا, فأكلوه, واستحقوا عليه اللعنة, والغضب، وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح؛ لأنه حكاية عن جرائم اليهود, وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرم على المسلمين.
الثالث: نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً)([20]), ففي هذه الآية تحريم صريح قاطع، وبيان لقبح الربا, وما فيه من ظلم شديد، ولكنه تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى (الربا الفاحش), وهو: الربا الذي بلغ في الشناعة, والقبح الذروة العليا, وبلغ في الإجرام النهاية العظمى؛ حيث كان الدَّين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة يضعف عن سداده كاهل المستدين الذي استدان؛ لحاجته, وضرورته.
الرابع: نزل في هذا الدور الأخير التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرق فيه القرآن بين القليل والكثير, وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([21]).
فهذه الآيات من آخر آيات القرآن الكريم نزولاً, فقد قيل: إنها نزلت قبل وفاة النبي - صلى الله عليه و سلم - بثلاثة أشهر، وهذه الآيات تفيد تحريم الربا تحريمًا قاطعًا لا شبهة فيه.
ربا الجاهلية:
إن الربا كان على عدة صور في الجاهلية كما وردت بذلك الروايات, قال قتادة: "إن ربا أهل الجاهلية بيع الرجل إلى أجل مسمى, فإذا حلّ الأجل, ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده, وأخر عنه".
وقال مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه: "كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّين, فيقول لك كذا وكذا تؤخر عني, فيؤخر عنه"([22]).
قال الجصاص: "الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، هذا كان المتعارف المشهور بينهم، ولذلك قال الله ـ تعالى ـ: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ)([23]), وقال أيضًا: إنه معلوم أن ربا إنما كان قرضًا مؤجلاً بزيادة مشروطة, فكانت الزيادة بدلاً من الأجل, فأبطله الله ـ تعالى ـ وحرمه([24]), وقال تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ)([25]).
حكمة تحريم الربا:
حرم الله - سبحانه وتعالى ـ الربا لما فيه من مفاسد أخلاقية خطرة، لا تثمر إلا العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل، فلا يكاد يختلف إثنان في أن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالربا، ولا يساعد فيه أحد غيره إلا أن يرجو فائدة، ويكون فيه عوز أحدهما, وضيقه, وفقره، فرصة يغتنمها غيره للتمول, والاستثمار, وتكون مصلحة الطبقات الغنية الموسرة فيه مناقضة لمصلحة الطبقات المعدمة لا يمكن أن يقوم, ويظل قائمًا مثل هذا المجتمع على قواعد محكمة أبدًا،
ولابد أن تبقى أجزاؤه مائلة إلى التفكك, والتشتت في كل حين من الأحيان، وتنعدم معاني الخير والنبل في نفوس الناس كما تنعدم روح التضحية والإيثار، وتحل محلها حب الذات, والأثرة, والأنانية, والجشع, والطمع، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان, فيعدو وحشًا مفترسًا لا يهمه من الحياة إلا جمع المال, وامتصاص دماء الناس, واستلاب ما في أيديهم, ويصبح ذئبًا ضاريًا في صورة إنسان وديع؛
لذلك رأى الإسلام أن أحرى السبل إلى رأب الصدع, ولم الشمل, وتكوين أمة متماسكة أن يجتث تلك الأنانية من نفوسهم، ويغرس فيها بذور الإخاء, والمحبة, والمساواة؛ حتى يشعر كل فرد منهم أنهم كأعضاء الجسد الواحد، يتعاونون على إنقاذ المجموع من الخطر الداهم, ويعملون على الرقي به إلى أوج السعادة.
أنواع الربا المحرم:
الربا الذي حرمه الإسلام نوعان:
1- «ربا النسيئة». 2- «ربا الفضل».
«ربا النسيئة»:
تعريفه: «النسيئة من النساء», أي: «التأخير», وهي: «الزيادة التي ينالها الدائن من مدينه نظير التأجيل».
والأصل في تحريم ربا النساء ما روي عن عبادة بن الصامت, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد([26])».
وجه الدلالة:
بين ـ عليه الصلاة والسلام ـ في هذا الحديث أنه إذا بيع أحد هذه الأموال الربوية بجنسها, فيشترط أمران:
الأول: «المماثلة», أي: تساوي العوضين, وإلا تحقق ربا الفضل إذا زاد أحد العوضين على الآخر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مثلاً بمثل سواء بسواء».
الثاني: «الحلول» و«التقابض», أي: وجوب قبض العوضين في مجلس العقد، فلا يجوز قبض أحد العوضين, وتأجيل قبض العوض الآخر, وإلا تحقق ربا النساء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يدًا بيد», فهو دليل على وجوب قبض العوضين في المجلس، روي عن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ,والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء, والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء, والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء»([27]).
فلا يكون بيع الذهب أو غيره مما ورد في الحديث مشروعًا إلا إذا سلم كل من المتبايعين للآخر عوضه, فإن أجل قبض أحد العوضين تحقق ربا النساء.
«ربا الفضل»:
تعريفه: "هو الزيادة التي ينالها الدائن من المدين عند تبادل شيء مماثل يدًا بيد", أي: "زيادة أحد العوضين على الآخر".
والأصل في تحريم ربا الفضل ما يلي:
1- ما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهي عن بيع الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين, فمن زاد أو ازداد, فقد أربى([28]).
وجه الدلالة:
أوجب الرسول - صلى الله عليه وسلم - مماثلة العوضين بقوله: «سواء بسواء», فلا تحل زيادة أحد العوضين عن الآخر.
2- وعن أبي بكر ة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفضة بالفضة, والذهب بالذهب إلا سواء بسواء, وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا, والفضة بالذهب كيف شئنا([29])».
3-وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل, ولا تشفوا([30]) بعضها على بعض, ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل, ولا تشفوا بعضها على بعض, ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز([31])».
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز بيع شيء من الأصناف المتجانسة بمثلها مع زيادة، وإن ورد النهي عن ذلك في بيع الذهب والفضة بخصوصهما, فعلم من ذلك أن «ربا الفضل محرم».
وقد كان في «ربا الفضل» اختلاف بين الصحابة, فحكي عن ابن عمر, وابن عباس, وأسامة بن زيد, وزيد بن أرقم, وابن الزبير, وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم - عدم تحريمه مستدلين بحديث أسامة بن زيد في الصحيحين وغيرهما بلفظ: «إنما الربا في النسيئة», وقد روي رجوع ابن عباس إلى قول الجمهور, فقد روى الحاكم من طريق حبان العدوي سألت أبا مجلز عن الصوف, فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا بعين, ويدًا بيد, وكان يقول: "إنما الربا في النسيئة", فلقيه أبو سعيد, فذكر القصة والحديث, وفيه: «الذهب بالذهب, والفضة بالفضة يدًا بيد مثلاً بمثل, فمن زاد, فهو ربا», فقال ابن عباس: أستغفر الله, وأتوب إلى الله, فكان ينهى عنه أشد النهي.
وقيل: المعنى في قوله: «لا ربا إلا في نسيئة» الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد,كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلا زيد» مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل, وأيضًا, فنفي «ربا الفضل» من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم, فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر, وأيضًا الأحاديث القاضية بتحريم «ربا الفضل» ثابتة عن جماعة من الصحابة كأبي بكر, وعمر, وعثمان, وأبي هريرة, وهشام بن عامر, والبرّاء, وأبي بكر, وابن عمر, وأبي الدرداء, وبلال - رضي الله عنهم -, فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه, وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف، لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد([32]).
«علة الربا»:
لما كانت أحاديث النبي في الربا مجملة, ولم يأت فيها التصريح بجميع الصور الجزئية للمعاملات، كما أشار إلى ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبض قبل أن يبينه لنا, فدعوا الربا والريبة([33]).
لذا اختلف الفقهاء في تعيين الأجناس الربوية, وعلة تحريمها, فيرى الظاهرية([34]) أن الربا مقصور على الأجناس الستة المقصورة في الحديث السابق ذكره: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة... إلخ».
أما الأجناس الأخرى, فهي على أصل الإباحة، ولا يجري فيها الربا, ويجوز تبادلها بالتفاضل بدون قيد، وذلك لنفيهم القياس.
أما جمهور الفقهاء, فإنهم قالوا: كما حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم- الربا في بيع هذه الأشياء بجنسها, فيحرم كذلك في بيع غيرها بجنسها؛ لأن الكل سواء, ولا يختص التحريم بالأصناف الستة المذكورة في الحديث، بل يتعدى إلى ما في معناها, وهو ما يشاركها في العلة؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم, وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه، وإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأصناف بالذكر؛ لأن أغلب المعاملات الكائنة بين المسلمين في عهده كانت فيها, فلذا اقتصر عليها في الحديث([35]).
وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن العلة في الذهب والفضة واحدة, وعلة الأربعة الباقية واحدة, ولكنهم اختلفوا في فهم العلة المانعة من التفاضل والنساء, وذهبوا في ذلك المذاهب الآتية:
المذهب الأول:
وهو مذهب الحنفية([36]), يرى أن علة الربا هي اتحاد الجنس مع الوزن أو الكيل, فالعلة مركبة منهما, فإذا بيع شيء موزون بجنسه أو مكيل بجنسه حرم التفاضل والنساء، فيشترط التساوي بين البدلين في المقدار, ولا يجوز زيادة أحدهما عن الآخر، كما يشترط قبض البدلين في مجلس العقد إذا كانا من النقد، وتعيين ما سوى النقدين, فإذا انعدم أحد الشرطين تحقق الربا.
فإذا بيع الذهب بذهب أو فضة بفضة اشترط تساوي البدلين, وقبضهما في مجلس العقد, وإذا بيع حديد بحديد, وهو من الموزونات، فقد اجتمعت في هذا البيع علة الربا كاملة, وهي اتحاد الجنس مع الوزن, فيشترط تساويهما في المقدار, وتعيينهما في المجلس، فإذا زاد أحد البدلين على الآخر تحقق ربا الفضل, وإذا عين أحد البدلين دون الآخر تحقق ربا النساء.
فيجري الربا عندهم في كل موزون أو مكيل بيع بجنسه سواء كان مطعومًا كالحبوب, والسكر, والأدهان، أو غير مطعوم كالصوف, والقطن, والكتان, والنحاس, والحديد, ونحوها, ولا يجري في مطعوم لا يكال, ولا يوزن كالفواكه المعدودة([37]) , وإذا انعدمت علة الربا بكلتا جزئيها بأن اختلف جنس البدلين, ولم يضمهما وزن أو كيل حل التفاضل والنساء، فيجوز زيادة أحد البدلين كما يجوز قبض أحدهما, وتأجيل قبض الآخر؛ لعدم العلة المحرمة.
أما إذا وجد أحد جزئي العلة, وعدم الآخر بأن اتحد جنس البدلين مع عدم المضموم إليه من الكيل أو الوزن، كما لو باع ثوبًا بثوبين, فإنه يحل التفاضل, ويحرم النساء، وكذا لو اختلف الجنسان مع اتحاد المضموم في الكيل أو الوزن، كما لو باع حديد في رصاص, فإنه يحل التفاضل, ويحرم النساء([38]).
المذهب الثاني:
وهو مذهب المالكية, قالوا: أما حرمة ربا الفضل, فعلته في الذهب والفضة كونهما رءوس الأثمان مع وحدة الجنس، وعلته في الأصناف الأربعة الأخرى الادخار, والاقتيات مع وحدة الجنس، وأما حرمة ربا النساء, فعلته في الذهب والفضة كونهما رءوس أثمان، وفي الأصناف الأخرى الأربعة مجرد الطعم دون اعتبار الادخار, ولا وحدة الجنس، فالطعم بإطلاق عند المالكية علة لمنع النساء في المطعومات([39]).
المذهب الثالث:
في تحديد علة الربا هو مذهب الشافعي, ويرى أن العلة في الذهب والفضة كونهما رءوس أثمان كما يقول المالكية أما العلة في الأربعة الباقية, فهي كونها مطعومة, وهو مذهب الشافعي في الجديد([40]).
أما الحنابلة: فلهم في ذلك ثلاث روايات:
الأولى: توافق الحنفية.
الثانية: توافق الشافعية.
الثالثة: قالوا: إن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزونًا, فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال, ولا يوزن, فلابد أن يجتمع الكيل, والوزن, والطعم من جنس واحد.
قال ابن قدامة في «المغني»: وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن وحده من جنس واحد, ففيه روايتان, والأولى ـ إن شاء الله تعالى ـ حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به, ولا معنى يقوي التمسك به([41]).
أدلة المذاهب
أولا: أدلة الظاهرية القائلين: بإن تحريم الربا مقصور على الأصناف الستة لا يتعداها إلى غيرها.
استدلوا لذلك, فقالوا: إذا أحل الله ـ تعالى ـ البيع, وحرم الربا, فواجب طلب معرفته؛ ليجتنب, وقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)([42]), فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الربا أو من الحرام, فهو ربا وحرام, وما لم يفصل لنا تحريمه, فهو حلال([43]).
فتحريم الربا مقصور عندهم على الأصناف الستة لا يتعداها إلى غيرها؛ لأنه يعتبر تشريعًا لم يشرعه الله ورسوله، ذلك؛ لأنه لم يقم دليل على حجية القياس حتى تثبت الحرمة, فوجب الاقتصار على الأصناف الستة المذكورة, وبقاء ما عداها على الأصل, وهو الإباحة.
المناقشة: نوقش دليل ابن حزم بأن قصر التحريم في الربا على الأصناف الستة، مبني على عدم حجية القياس, وهذا قول مردود, وغير صحيح, ولا أصل له, فقد انعقد الإجماع على حجية القياس, كما أن النهي المتعلق بأعيان هذه الستة ليس من باب الخاص الذي يراد به الخاص، بل هو من باب الخاص الذي يراد به العام([44]).
ثانيًا: أدلة الحنفية, ومن وافقهم:
استدلوا على ما ذهبوا إليه بالكتاب, والسنة, والاجتهاد.
أما الكتاب: فقوله تعالى:(أَوْفُوا الْكَيْلَ ولَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)([45]), وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ:(وَيلٌ لّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)([46]).
وجه الدلالة:
جعل ـ سبحانه وتعالى ـ حرمة الربا بالمكيل, والموزون مطلقًا عن شرط الطعم، كما ألحق الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل أو الوزن مطلقًا من غير فصل بين المطعوم وغيره, فدلَّ على أن العلة هي الكيل والوزن([47]).
أما السنة:
فما روي عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما وزن مثلاً بمثل نوعًا واحدًا, وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعًا واحدًا»([48]).
وجه الدلالة:
دل الحديث على أنه يجب التساوي في كل متبادلين من جنس واحد إذا كانا يخضعان للكيل أو الوزن.
أما الاجتهاد:
فقد قالوا إنما حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم- الفضل في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن في الأشياء الستة التي نص عليها إذا كانت جنسًا واحدًا؛ لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة، وهذا المعنى لا يخص المطعومات, والأثمان, بل يوجد في كل مكيل بجنسه, وموزون بمثله, فالشَّرع الوارد هناك يكون واردًا هاهنا دلالة([49]).
المناقشة:
نوقش استدلالهم بقوله تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ ولَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) وقوله تعالى: (وَيلٌ لّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) بأنه غير وارد في محل النزاع؛ إذ هذه الآيات إنما تنهي عن وجود الغش, والخداع في المبايعات.
ونوقش استدلالهم بحديث أنس - رضي الله عنه-: «ما وزن مثلاً بمثل نوعًا واحدًا, وما كيل مثلاً بمثل.. إلخ» بأن فيه اضطراب في السند, واختلاف في اللفظ, فقد رواه الدارقطني عن أبي بكر بن عباس عن الربيع بن صبيح عن الحسن، عن عبادة, وأنس بن مالك ثم قال: لم يرو هذا الحديث غير أبي بكر عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة, فرووه عن الربيع عن ابن سيرين عن عبادة, وأنس بلفظ غير هذا اللفظ([50]),
وعلى فرض صحته, فلا يصلح للاستدلال به لما ذكره ابن القيم , من أن التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض للإجماع على جواز دفع الدراهم والدنانير أثمان المبيعات مما يوزن من نحاس أو حديد أو غيرهما مؤجلاً, فلو كان التقدير بالوزن أو الكيل له دخل في التعليل، لم يجز بيع الموزونات إلى أجل بدراهم, فانتقضت العلة؛ لأن كل ما يجري فيه الربا إذا اختلفت جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء, والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها([51]).
أدلة المالكية:
استدل المالكية على تعليل الربا في النقدين (الذهب والفضة) بثمنية الأشياء بأنهما خلقا؛ ليكونا أثمان المبيعات, والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال, فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع, ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع, وينخفض كالسلع؛ لفسدت معاملات الناس, ووقع الخلف بينهم, واشتد الضرر بهم([52]).
واستدلوا على تقليل الربا في الأصناف الأربعة الأخرى بالادخار مع الاقتيات بأنه لا يخلو إما أن تكون العلة الادخار مع الطعم، أو الطعم الموصوف بالاقتيات والادخار، وتمسك المالكية في استنباط هذه العلة بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأربعة أصناف المذكورة, فلما ذكر منها عددًا علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه, وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر والشعير, فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخرة, ونبه بالتمر على جميع الحلويات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة؛ لإصلاح الطعام([53]).
المناقشة:
نوقش استدلال المالكية بأن العلة في تحريم الربا في النقدين هي الثمنية, بما ذكره الحنفية من الأحاديث الدالة على اعتبار التقدير بالوزن أو الكيل؛ لأنها تفيد أن التقدير بهما هو المعتبر المؤثر في العلية، فيجب أن تتعدى الحرمة إلى كل موزون أو مكيل بجنسه.
وقد أجيب عن ذلك بما ذكره ابن القيم من أن الوزن أو الكيل لو كان له دخل في التعليل لم يجز بيع الموزونات كالنحاس والحديد إلى أجل بأحد النقدين، فانتقضت العلة, والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دلَّ على بطلانها.
ونوقش قولهم: بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذكر صنف واحد، بأنه مردود بحديث معمر بن عبد الله: «كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل»([54]), فإن الحديث قد دلَّ على أن العلة هي الطعم, وهو أعم من الاقتيات الذي دلَّ عليه الحديث السابق: «البر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح», فوجب أن يعمل بحديث الطعام بالطعام فيما زاد عن المقتات من كل طعام, فيحرم الربا فيه على أن تحريم الربا في الأجناس الأربعة إنما كان حثًّا على المساواة بالتماثل([55]).
ونوقش قولهم أيضًا: بأنه منتقض بالرطب، فإنه ربوي بالنص, وليس مدخرًا, ولو كانت علة الربا هي الطعم, والادخار ما ذكروا لما كان ربويًّا.
فإن قيل: الرطب يؤول إلى الادخار، أجيب بأن المتفق عليه أن الربا جارٍ في الرطب الذي لا يصير تمرًا([56]).
أدلة الشافعية:
استدل الشافعية على أن العلة في النقدين (الذهب والفضة) هي الثمنية بما استدل به المالكية, أمَّا دليلهم على أن العلة في الأصناف الأربعة الأخرى هي الطعم, فهو الحديث السابق ذكره عن معمر بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الطعام بالطعام مثلاً بمثل».
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- علق الحكم باسم الطعام, فدل على مناط العلة, واشتقاقها, والقاعدة المتفق عليها أن الحكم إذا علق على اسم مشتق, كان ذلك علة فيه كما في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)([57])؛ حيث أفاد أن السرقة, هي: علة القطع, فكذلك الحكم هنا، وهو تحريم الربا؛ لأن الحكم بالربا على الطعام يدلُّ على أن كونه طعامًا هو العلة لذلك، والطعام اسم لكل ما يتطعم من مأكول, ومشروب بدليل قول عائشة - رضي الله عنها -: "مكثنا مع نبينا - صلى الله عليه وسلم - سنة مالنا طعام إلا الأسودان: الماء والتمر ([58])".
المناقشة:
نوقش تعليلهم حرمة الربا في النقدين بالثمنية مما سبق أن نوقش به المالكية, وأجيب عنه بمثل ما سبق أن أجيب عنه, كما نوقش استدلالهم على أن العلة في الأصناف الأربعة هي: الطعم، واستنادهم في ذلك بما روي عن معمر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطعام بالطعام مثلاً بمثل», بأن هذا الحديث قد جاء في آخره قول الراوي: «وكان طعامنا يومئذ الشعير», وهذا يدل على أن مراده - صلى الله عليه وسلم - بالطعام هو المطعوم اقتياتًا لا مطلق الطعام, ويفهم من ذلك أن العلة في الأصناف الأربعة ليست هي مطلق الطعم بل خصوص المقتات منه.
أدلة الحنابلة:
سبق أن بينَّا أن للحنابلة ثلاث روايات, إحداهما: توافق الحنفية، والثانية: توافق الشافعية, وقد سبق ذكر أدلة الحنفية, والشافعية, والمناقشات التي وردت عليها, فلا داعي لإعادتها, ونذكر الآن دليل الرواية الثالثة عند الحنابلة, فقد استدلوا بما يلي:
1- ما روى سعيد بن المسيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب».
2- ما سبق الاستدلال به في أدلة الشافعية, وهو ما روي معمر بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الطعام بالطعام مثلاً بمثل».
وجه الدلالة من الحديثين:
إن المماثلة التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تنضبط إلا بكيل أو وزن, وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن الربا لا يجري إلا في مطعوم يوزن أو يكال.
3-الأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها, وتقييد كل واحد منها بالآخر, فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل, يتقيد بما فيه معيار شرعي, وهو: الكيل والوزن, ونهيه -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه([59]).
والحاصل كما يقول ابن قدامة: إن ما اجتمع فيه «الكيل» و«الوزن» و«الطعم» من جنس واحد, ففيه الربا كـ«الأرز» و«الذرة» و«اللبن» و«اللحم»، وما يعدم فيه «الكيل» و«الوزن» و«الطعم», واختلف جنسه, فلا ربا فيه, وهو قول أكثر أهل العلم.
وما وجد فيه «الطعم» وحده أو «الكيل» و«الوزن» من جنس واحد اختلف أهل العلم فيه, والأولى حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به, ولا معنى يقوي التمسك به([60]), وهذه الرواية تجمع بين دليلي أبي حنيفة في اعتباره «الكيل», والشافعي في اعتباره «الطعم».
الرأي الراجح:
إذا تأملنا آراء الفقهاء في المذاهب السابقة يتبين لنا أن الحنفية قد وسعوا دائرة الأموال التي يتحقق فيها الربا، وأما الشافعية, فقد ضيقوا الدائرة بقصرها على المطعومات, وأما المالكية, فأكثر تضييقًا للأصناف التي يجري فيها ربا الفضل؛ حيث قصروها على المطعومات التي تكون قوتًا, وتصلح للادخار، وقد ذهب بعض العلماء إلى ترجيح مذهب المالكية, ومن هؤلاء فضيلة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة؛ حيث يقول في ذلك: "ومع ما لفقهاء الحنفية من مقدرة على ضبط الأقيسة نخالفهم في أن العلة هي الكيل في العوضين أو الوزن فيهما, وذلك للأسباب الآتية:
أولهما: أن علة التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء إنما علة التحريم تكون في ذات الشيء, فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خص بعض الأشياء بمنع التفاضل فيها عند اتحاد جنسها، وضرورة قبضها عند بيع بعضها ببعض, فلابد أن يكون ذلك التحريم لأوصاف أو منافع خاصة في هذه الأموال لا لكونها تكال أو توزن.
ثانيهما: أن «الوزن» و«الكيل» ليسا وصفين ملازمين للأموال, بل هما أمور عارضة, ومن الأشياء ما تعين مقاديرها في بلد بالكيل, وفي آخر بـ«الوزن», فـ«الزيوت» يقدر بعضها في بعض البلاد بالكيل, وفي آخر بالوزن، وإن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون قد تحقق فيه علة الربا في بلد, ولا تتحقق في بلد آخر، فيكون الشيء الواحد حرامًا؛ لأنه ربوي في بلد وحلالاً؛ لأنه غير ربوي في بلد آخر، ويكون للشارع في أمر واحد حكمان متناقضان.
ثالثهما: أننا لو سايرنا هذا المبدأ لترتب على ذلك أنه يجب التقابض في أكثر البياعات, فلو بيع زيت بذهب لوجب التقابض في المجلس, ولو بيع تمر في مصر بفضة لوجب التقابض في المجلس، ولو بيع الحديد الذي يقدر بقناطير الذهب لوجب التقابض, وإن هذا لغريب؛ ولذلك تدارك الفقهاء الأمر, وأهملوا قاعدة الوزن أو الكيل فيما جرى العرف بالتفاوت في وزنهما.
لذا فقد مال فضيلته إلى اختيار رأي المالكية الذين يجعلون على التحريم بالنسبة للنقدين الذهب والفضة الثمنية, أي: كونهما أثمانًا، والعلة في غير النقدين «الطعم» و«الادخار» معًا, والحكمة كما يرى فضيلته واضحة في هذا, وهي منع بيع هذه الأصناف في هذه القيود لكيلا يؤدي الأمر إلى احتكارها, وهي أقوات الناس التي تقوم عليها حياتهم([61]).
وإني أرى أن الرواية الثالثة في المذهب الحنبلي, والتي رجحها ابن قدامة في «المغني» هي الرأي الأقرب إلى القبول؛ لقوة ما استندت إليه من أدلة؛ إذ لا الطعم وحده يستند إلى دليل قوي في اعتباره علة الربا, ولا الكيل وحده يستند إلى دليل كاف في ذلك، فإذا تكونت العلة من كليهما تضاعفت قوة الدليل, وتكاملت وجوهه, ثم هو أيسرها على الناس أيضًا.
وهذا يقتضي إلا يجري الربا فيما لا يتصف بصفة الكيل أو الوزن, وإن كان مطعومًا, ولا يجري فيما لا يطعم, وإن كان مكيلاً أو موزونًا، والله أعلم.
كيفية معرفة «المكيل» و«الموزون»:
المرجع في معرفة «المكيل» و«الموزون» هو العرف بالحجاز في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا قال الشافعي والحنابلة([62]), لما روى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المكيال مكيال المدينة, والميزان ميزان مكة([63])», وما لم يعرف حاله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عرف له بالحجاز, ففيه وجهان, أحدهما: أنه يعتبر بأشبه الأشياء في الحجاز.
والثاني: أنه يعتبر بالبلد الذي فيه البيع؛ لأنه أقرب إليه, وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -, ويعتبر مالك - رحمه الله - «الكيل» أو «الوزن» فيما جرت العادة أن يكال أو يوزن([64]).
كيفية معرفة الأجناس:
الجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، وقد يكون النوع جنسًا بالنسبة إلى ما تحته نوعًا بالنسبة إلى ما فوقه.
فكل نوعين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد, فالعنب كله جنس واحد كالعنب البناتي والفيومي, وغيرها؛ لأن الاسم الخاص يجمعه.
وكل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشَّرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق ذكره: «التمر بالتمر مثلاً بمثل, والبر بالبر مثلاً بمثل....إلخ».
فإن كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين, فهما جنسان، وإن كانا من أصل واحد, فهما جنس واحد، فالزيتون وزيته جنس واحد، والسمسم وزيته جنس واحد، ودقيق القمح, ودقيق الشعير جنسان، وزيت الزيتون, وزيت السمسم جنسان، وعسل النحل, وعسل القصب جنسان.
وكل نوعين اختلفا في الاسم الخاص من أصل الخلقة, فهما جنسان كـ«الشعير» و«التمر» و«القمح» و«الفول» و«العدس»([65]).
بيع القمح بالدقيق:
لا يجوز بيع القمح بالدقيق كيلاً؛ لأنه لا يمكن التسوية بين القمح ودقيقه بالكيل؛ لتخلخل حبات القمح, وتفرق أجزاء المطحون, وانكباسه في الكيل؛ لأن الدقيق ينكبس في المكيل أكثر من القمح، وهناك شبهة الجنس؛ لأن الدقيق من أجزاء القمح هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء([66]).
ويرى مالك في المشهور عنه جوازه([67]), فيجوز بيع القمح بدقيقه متفاضلاً؛ لأن الطحن لا يخرج الحب عن جنسه, وقد رد هذا القول: بأن بيع القمح بالدقيق بيع للقمح بجنسه متفاضلاً فحرم، كبيع مكيلة بمكيلتين, وذلك؛ لأن الطحن قد فرق أجزاءها, فيحصل في مكيالها دون ما يحصل في مكيال القمح, وإن لم يتحقق التفاضل, فقد جهل التماثل, والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه([68]).
كذلك لا يجوز بيع الخبز بالدقيق وزنًا؛ لأنه لا سبيل إلى التماثل؛ لأن الخبز موزون والدقيق مكيل, فلا يمكن معرفة التساوي بينهما.
بيع اللحم بجنسه:
اللحوم أجناس مختلفة باختلاف أصولها, وهو قول أبي حنيفة, وأحد قولي الشافعي, ورواية عن أحمد,([69]) فيجوز بيع لحم الغنم بلحم البقر متفاضلاً، ويصح بيع لحم البقر بلحم الإبل متفاضلاً لاختلاف هذه الأجناس, فلحم الإبل جنس, ولحم البقر جنس, والجاموس جنس, ولحم الغنم ضأنها, ومعزها جنس.
وقال مالك: اللحوم ثلاثة أصناف لحم ذوات الأربع, ولحم ذوات الماء, ولحم الطير كله صنف واحد، وهذه الثلاثة أصناف المختلفة يجوز فيها التفاضل([70]).
والقول الآخر للشافعي, والرواية الأخرى عن أحمد أن جميع اللحم مهما اختلفت أصوله, فهو جنس واحد؛ لأنه يشترك في الاسم الخاص في أول دخوله في تحريم الربا([71]).
والذي يبدو راجحًا هو ما ذهب إليه أبو حنيفة, ومن وافقه من أن اللحوم أجناس باختلاف أصولها؛ لأنها فروع تلك الأصول، واختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع, والله أعلم.
واللحم, والشحم جنسان, والكبد صنف, والطحال صنف, والقلب صنف, والمخ صنف، هذا ما ذهب إليه الحنفية, والشافعية, والحنابلة([72]).
فيصح عندهم بيع اللحم بالشحم أو الكبد أو الطحال أو المخ أو الكلية متفاضلاً؛ لأنها مختلفة الاسم, والخلقة.
ولحوم الطيور المختلفة أجناس كلحم الدجاج, ولحم الأوز, والحمام, ولحوم الأسماك المختلفة كذلك.
بيع اللحم بحيوان يؤكل من جنسه:
يرى الجمهور من فقهاء المالكية([73])والشافعية والحنابلة: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان يؤكل من جنسه([74]).
وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقَا؛ لأنه بيع مال الربا بما لا ربا فيه أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه([75]).
استدل جمهور الفقهاء بما رواه سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان([76]).
وسبب الاختلاف بين الحنفية, وجمهور الفقهاء معارضة الأصول, والقواعد لمرسل سعيد بن المسيب, فإن اللحم مع الحيوان جنسان مختلفان, فكان ينبغي جواز بيعها ببعض دون نظر لأمر التساوي, إلا أن الحديث ينهى عن ذلك.
قال ابن رشد:"من لم تنقدح عنده معارضة هذا الحديث؛ لأصل من أصول البيوع التي توجب التحريم قال به، ومن رأى أن الأصول معارضة له وجب عليه أحد أمرين إما أن يغلب الحديث, فيجعله أصلاً زائدًا بنفسه أو يرده لمكان معارضة الأصول له، فالشافعي, وأحمد غلب الحديث, وأبو حنيفة غلب الأصول, ومالك رده إلى أصوله في البيوع, فجعل البيع فيه منه باب الربا([77]).
وتغليب أبي حنيفة للقواعد, والأصول على الحديث لا يسلم له إلا إذا كان يرى في الحديث ضعفًا بحيث يجعله لا يقاوم قوة القواعد والتعليلات المأخوذة من حديث عبادة, وغيره في الأجناس الربوية, والحديث أخرجه الشافعي مرسلاً ووصله الدارقطني عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد, وحكم بضعفه, وصوب الرواية المرسلة المذكورة, وتبعه ابن عبد البر, وله مشاهد من حديث ابن عمر عند البزار, وفي إسناده ثابت بن زهير: وهو ضعيف, وأخرجه أيضًا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا, وأبو أمية ضعيف، وله شاهد أقوى من رواية الحسن عن سمرة عن الحاكم, والبيهقي, وابن خزيمة, وقد اختلف في صحة سماعه منه، ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه, فيدل على عدم جواز بيع اللحم بالحيوان([78]).
الجودة, والرداءة في الأموال الربوية:
الجيد, والرديء, والتبر المضروب, والصحيح المكسور سواء في جواز البيع مع التماثل, وتحريمه مع التفاضل, وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء([79]), فيجوز عندهم مبادلة حب جيد بحب رديء من جنسه أن تساويًا كيلاً؛ لأنه معيارهما الشرعي, ولا يؤثر اختلافهما في القيمة؛ لأن الجنس واحد, والمنفعة واحدة، ولا يصح أن يزداد من الرديء في مقابلة الجودة في البدل الآخر.
وروي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه, وقد ردَّ ابن وهب هذه المسألة على مالك, وأنكرها([80]).
استدل جمهور الفقهاء بما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر, فجاءه بتمر جنيب, فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أكل تمر خيبر هكذا, فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع هذا بالصاعين, والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا تفعل بع الجمع([81])بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا([82])([83])».
والحديث صريح في إهدار الجودة في التمر عند مبادلته بجنسه, وكذلك سائر الأموال الربوية، فلا يجوز بيع حلية مصنوعة من الذهب أو الفضة بأكثر من وزنها من غير المصنوع من جنسها؛ لأنهما تساويًا في الوزن, فلا يؤثر اختلافهما في القيمة، أمَّا إن قال لصائغ: صغ لي خاتمًا وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه, وأجرتك درهمًا جاز، وأجرتك جاز، وليس ذلك ببيع الدرهم بدرهمين([84]).
بيع الرطب بالتمر:
يرى جمهور الفقهاء([85]) أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال, لما روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «أينقص الرطب إذا يبس؟», فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك([86]).
وجه الدلالة:
دلَّ الحديث على عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم التساوي, وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك, وخالفه في ذلك صاحباه محمد وأبو يوسف([87]), وقد احتج أبو حنيفة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب:
فعمومات البيع: قوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)([88]), وقوله ـ عز شأنه ـ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)([89]).
وجه الدلالة:
ظاهر الآيات يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، وقد خص البيع متفاضلاً على المعيار الشرعي, فبقي متساويًا على ظاهر العموم.
أما السنة:
فقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق ذكره: «التمر بالتمر مثلاً بمثل....إلخ», فالحديث اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة، ولم يقبل أبو حنيفة الحديث الذي استدل به جمهور الفقهاء, وقال: إن مدارة على زيد بن عباس, وهو ضعيف مجهول، فلا يقبل في معاوضة الكتاب والسنة([90]).
وقد أجاب جمهور الفقهاء على ذلك, فقالوا: حديث سعد بن أبي وقاص صحيح, رواه أبو داود والترمذي, وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي, وابن ماجه, ومالك في «الموطأ», والشافعي في «الأم», وأحمد بن حنبل, والحاكم في «المستدرك» من طرق, وقال: هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث؛ إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح.
قال الخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد, وقال زيد أبو عياش: راويه ضعيف، وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عباس مولى بني زهرة معروف, وقد ذكره مالك في «الموطأ», وهو لا يروي عن متروك الحديث([91]).
والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد بن أبي عياش, وأخرجه الدارقطني أيضًا في سننه, وقال: إنه ثقة ثبت, وقال المنذري: "قد روى عنه ثقات". وقال الحاكم: "لا أعلم أحدًا طعن فيه"([92]).
وإني أرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال، هو الرأي الموافق للحق, والأولى بالقبول؛ لقوة دليلهم؛ ولأن الرطب والتمر, وإن كانا من جنس واحد لكن لا يمكن التسوية بينهما في المقدار؛ لنقصان الرطب بعد جفافه، فامتنع البيع؛ لعدم التساوي, والله أعلم.
وختامًا, فإني أدعو الإخوة المسلمين في جميع أنحاء البلاد الإسلامية, إلى نبذ الحرام الخبيث, وتحريم ما حرم الله ورسوله, والسعي للحلال الطيب, والله كافيهم ومغنيهم من فضله, هدانا الله ـ جميعًا ـ لأقوم السبل, ووفقنا الله لما يحبه ويرضاه, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مراجع البحث
1- القرآن الكريم.
2- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - دار الشعب.
3- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف - "طبعة ليون".
4- أحكام القرآن: للإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي المولود سنة 468 , المتوفى سنة542هـ- الطبعة الثانية: 1387هـ-1967م.
5- أحكام القرآن: للإمام أبي بكر أحمد بن على الرازي الجصاص, المتوفى سنة 37هـ "طبعة دار الفكر".
6- «الجامع لأحكام القرآن» للإمام عبد الله بن أحمد الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المتوفى سنة 671 هـ "طبعة دار الشعب".
7- «جامع البيان عن تأويل القرآن»: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري, المولود في سنة 224 هـ, المتوفى سنة 330هـ, تحقيق محمود محمد شاكر, طبعة دار المعارف بمصر.
8- «روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن»: محمد على الصابوني, بطبعة الوكالة العامة للتوزيع بدمشق - منشورات مكتبة الغزالي بدمشق.
9- صحيح البخاري: للإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي, المولود سنة194هـ, المتوفى سنة 256 هـ "طبعة دار الشعب".
10- صحيح الترمذي بشرح الإمام أبي بكر بن العربي المالكي: - الطبعة الأولى سنة 1353هـ-سنة1934م.
11- صحيح مسلم, للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري, المولود سنة 204 هـ, المتوفى سنة 261هـ طبعة "دار الشعب".
12- «الموطأ» للإمام مالك بن أنس طبعة "دار الشعب" سنة 1389 هـ- سنة 1969م.
13- «سبل السلام», للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني المولود سنة 1059هـ , المتوفى سنة 1182 هـ , الناشر مكتبة الجمهورية العربية, مراجعة خليل هراس.
14- نصب الراية: للإمام جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي, المتوفى سنة 762هـ.
15- نيل الأوطار: للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني المولود سنة 172هـ, سنة 1759م المتوفى سنة 255 هـ, إدارة الطباعة المنيرية سنة 1344هـ.
16- لسان العرب: لجمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الشهير بـ«ابن منظور», المولود سنة 630 هـ , المتوفى سنة 711 هـ ,"طبعة دار المعارف".
17- مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي - مطبعة الجمل المصرية الطبعة الأولى سنة 1343 هـ- 1925م.
18- شرح فتح القدير: للإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيوطي السكندري, المعروف بابن الهمام, المولود سنة 788هـ, المتوفى سنة 861هـ, الطبعة الأولى سنة 1316هـ(حنفي).
19- بدائع الصنائع: للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي المتوفى سنة 587هـ , مطبعة الإمام الناشر زكريا يوسف (حنفي).
20- بداية المجتهد, ونهاية المقتصد: لابن رشد الحفيد أبي الوليد القرطبي, مطبعة النهضة الجديدة، تحقيق, وتصحيح سالم محيس, وشعبان إسماعيل (مالكي).
21- شرح الخرشي على مختصر خليل- دار صادر بيروت(مالكي).
22- المجموع شرح المهذب: للإمام علي بن عبد الكافي السبكي - مطبعة التراث العربي, تحقيق محمد نجيب المطيعي (شافعي).
23- المهذب: للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي المولود سنة 393 هـ , المتوفى سنة 476 هـ - مطبعة البابي الحلبي (شافعي).
24- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج: شرح الشيخ محمد الشربيني الخطيب على متن المنهاج لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي - مطبعة البابي الحلبي (شافعي).
25- أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام, للشيخ تقي الدين أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد المتوفى سنة 702 هـ , طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
26- أعلام الموقعين عن رب العالمين: للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ, طه عبد الرؤوف مكتبة الكليات الأزهرية سنة 1388هـ, سنة 1968م (الحنبلي).
27- المغني على مختصر الخزقي: للإمام أبي عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المتوفى سنة 62 هـ- تحقيق سالم محيس, وشعبان إسماعيل, الناشر مكتبة الجمهورية العربية الصناديقية, مطبعة عاطف, وسيد طه (حنبلي).
28- المحلى: للإمام محمد أبي محمد علي بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456هـ - منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت تحقيق لجنة إحياء التراث العربي (فقه ظاهري).
([1]) سورة الروم جزء من الآية رقم: (39).
([2]) سورة الحج جزء من الآية رقم: (5).
([3]) لسان العرب لابن منظور جـ 18 ط/ دار المعارف ص: 1572-1573.
([4]) سورة البقرة آية: 279,278.
([5]) سورة البقرة آية: 275.
(2) الجامع لأحكام القرآن القرطبي: جـ3, ص: 364.
([7]) العقار, الخمر, و عاقر الشئ معاقرة وعقارًا: لزمه, يقال: عاقره: لازمه, وداوم عليه, والمعاقرة: إدمان شرب الخمر. لسان العرب: جـ34, ص: 3038.
([8]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ3, ص:364.
([9]) نفس المرجع السابق ص:453.
([10]) سورة البقرة الآية رقم: 275.
([11]) أحكام القرآن للجصاص: جـ 1, ص: 469.
([12]) سورة البقرة جزء من آية رقم:275.
([13]) الربا للموردي, ص: 82.
([14]) صحيح مسلم شرح النووي جـ4, ص: 344.
([15]) صحيح مسلم بشرح النووي جـ4, ص:110.
(2) سنن أبي داود جـ3, ص:294.
(3) الترغيب والترهيب للمنذري جـ4, ص: 8.
([18]) سورة الروم الآية: 39.
([19]) سورة النساء الآيتين 160-161.
([20]) سورة آل عمران الآية 130.
([21]) سورة البقرة آية رقم: 275.
([22]) تفسير الطبري جـ 3, ص:67- جـ6, ص:8.
([23]) سورة الروم جزء من الآية رقم:39 .
([24]) أحكام القرآن للجصاص: جـ1, ص:465- 467.
([25])سورة البقرة جزء من الآية رقم:239 .
([26]) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ4, ص:98.
([27]) نفس المرجع السابق.
([28]) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ4, ص: 97.
([29]) صحيح البخاري: جـ3, ص:98.
([30]) لا تشفوا: لا تزيدوا.
([31]) صحيح البخاري: جـ3, ص:97.
([32]) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: لابن دقيق العيد جـ3, ص:186.
([33]) أحكام القرآن للجصاص: جـ1, ص:464.
([34]) المحلى: لابن حزم: جـ8, ص:468.
([35]) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: لابن دقيق العيد جـ3, ص:182, تيسير الغلام: مجلد 2, ص:14.
([36]) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:274.
([37]) تيسير الغلام: جـ2, ص:85.
([38]) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:279, وما بعدها بتصرف.
([39]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:149.
([40]) المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:276.
([41]) المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:8,7.
([42]) سورة الأنعام جزء من آية رقم: 119.
([43]) المحلى: لابن جزم: جـ8, ص:468.
([44]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:149.
([45]) سورة الشعراء آية 181 إلى 183.
([46]) سورة المطففين آية 1 إلى 3.
([47]) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3108.
([48]) نصب الراية: للزيلعي: جـ4, ص:7.
([49]) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3108.
([50]) المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:63.
([51]) أعلام الموقعين: لابن القيم: جـ2, ص:156 بتصرف.
([52]) نفس المرجع السابق.
([53]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:150ـ151.
([54]) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ4, ص:104.
([55]) المجموع شرح المهذب: جـ9, ص:457.
([56]) نفس المرجع السابق.
([57]) سورة المائدة جزء من الآية: 38.
([58]) المجموع شرح المهذب: جـ9, ص:448, بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:150 بتصرف.
([59]) المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:7.
([60]) نفس المرجع السابق.
([61]) بحوث في الربا: فضيلة الإمام محمد أبو زهرة: ص: 69-71.
([62]) المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:280, المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:21.
([63]) سنن أبي داود: جـ3, ص:633.
([64]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ3, ص:158.
([65]) المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:279.
([66]) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:288, المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:283, كشاف القناع: للبهوتي: جـ3, ص:243.
([67]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:152.
([68]) المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:29.
([69]) شرح فتح القدير: لابن الهمام: 5جـ, ص:290, المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:279, المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:29.
([70]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:156.
([71]) تكملة المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:184,176. المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:32.
([72]) المرجعان السابقان بدائع الصنائع: للكساني: جـ7, ص: 312 .
([73]) روى ابن رشد عن المالكية ثلاثة أقوال: قول: إنه لا يجوز بإطلاق. قول: إنه يجوز في الأجناس المختلفة التي يجوز فيها التفاضل, ولا يجوز في الأجناس الربوية المقصود منها: الأكل. وقول ثالث: إنه يجوز مطلقًا. بداية المجتهد: لابن المجتهد: جـ2, ص:157.
([74]) شرح منح الجليل: جـ2, ص:551. المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:282. كشاف القناع: للبهوتي: جـ3, ص:290.
([75]) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:290, بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3120.
([76]) الموطأ: للإمام مالك: ص: 406.
([77]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:157.
([78]) نيل الأوطار: للشوكاني: جـ5, ص:313,314.
([79]) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3119. تكملة المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:363. المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:10,11.
([80]) الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي: جـ3, ص:251.
([81]) الجمع: هو التمر الرديء .
([82]) الجنيب: التمر الطيب الجيد.
([83]) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ4, ص: 105.
([84]) المغني:لابن قدامة: جـ4, ص:11.
([85]) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:159. المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:286. المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:16.
([86]) الموطأ: للإمام مالك: ص:386. سنن أبي داود: جـ3, ص:657.
([87]) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3118,3119 .
([88]) سورة البقرة جزء من الآية: 257.
([89]) سورة النساء جزء من الآية: 29.
([90]) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3119,3118.
([91]) معالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود: جـ3, ص: 656.
([92]) نيل الأوطار: للشوكاني: جـ5, ص:308, تكملة المجموع شرح المهذب: جـ10,ص: 286.
|