البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | أبحاث ودراسات | قضايا ومصطلحات اقتصادية ودراسات في الاقتصاد الإسلامي | نظرة اقتصادية إلى نظام التمويل الإسلامي: خصائصه ومقوماته أ.د. محمد أنس بن مصطفى الزرقا 

نظرة اقتصادية إلى نظام التمويل الإسلامي:

zrka.jpeg  خصائصه ومقوماته            

           أعدها

                      أ.د. محمد أنس بن مصطفى الزرقا

(كبير المستشارين- شورى لاستشارات الشرعية)

ورقة مقدمة إلى مؤتمر التمويل الإسلامي والأزمة المالية

§  مخطط:
ما التمويل.
أربعة أنماط كبرى للتمويل الإسلامي.
أربعة نظم ومؤسسات مساعدة.
أهم الخصائص الاقتصادية لأنماط التمويل المختلفة.
عبرة من الزلزال المالي الحالي و اقتراح للعمل
.

§  ما التمويل؟

   يتحقق التمويل في عقد معاوضة مالية أجل أحد عوضيه وعجل الآخر. فمن رضي من العاقدين بتأجيل ما يستحقه يكون قد (موّل) أي قدم تمويلا، ومن تعجل عوضَه يكون قد (تموّل) أي تلقى تمويلا.

هذا التعريف ظاهر في المبايعات كما في  البيع بثمن مؤجل، حيث البائع يمول المشتري، وفي  عقد السلم، حيث المشتري يمول البائع. 

أما في المشاركات بأنواعها، فإن كل من قدم بعض مستلزمات المشروع أو عناصر الانتاج فيه ولم يتقاض عوضا آنيا، يكون قد شارك في التمويل.

ومن ذلك من يقدم منافع رأس مالي ثابت (أرض، أدوات، أشجار) أو منافع عمل ، أو بعض مستلزمات الإنتاج (كالبذور والماء). 

و في المضاربة مثلا: يعجل رأس المال وهو تمويل ظاهر. لكن المضارب كذلك يقدم عمله خلال سريان العقد، وكلاهما ينتظر عوضا مما يرزق الله من ربح في المستقبل، فكلاهما ممول حقيقة، وإن كان الشائع ذكر رب المال على أنه هو الممول.

§  من المفيد تحليليا أن نميز بين أربعة أنماط على الأقل للتمويل الإسلامي:

‌أ.      تمويل تجاري بالمبايعات. وأقصد بالتجاري الذي يبتغي الربح .

‌ب.  تمويل تجاري بالمشاركات والمآجرات.

‌ج.    تمويل خيري / تبرعي بالقروض الحسنة وأخواتها.

‌د.    تمويل تعاوني يقرض فيه المتعاونون بعضهم بعضا بحسب الحاجة.

§  أربعة نظم ومؤسسات مساعدة:

‌ه.     سلطة نقدية ترعى مقاصد الشريعة وأحكامها والاحتياجات الاجتماعية المتجددة.

‌و.      نظام لمعونة الغارمين.

‌ز.      نظام لإنظار المعسرين.

‌ح.    مؤسسات مساعدة مثل نظم المحاسبة ومؤسسات المراجعة إلخ...

§  أهم الخصائص الاقتصادية لأنماط التمويل المختلفة:

لاحظ الاقتصاديون الإسلاميون سمتين عامتين  في صيغ التمويل التجارية   الشرعية  سواء منها المبنية على المبايعات أو المشاركات ، هما:

أولاً: أنها جميعاً تمويل مندمج و متكامل مع نشاط اقتصادي حقيقي في سلعة أو خدمة.

ثانياً: أن تسمح للممول (مقدم التمويل) بأن يربح من التمويل، فضلاً عما كان يربحه لو عقد الصفقة بلا تمويل. وهذا أوضح ما يكون في اتفاق الفقهاء على جواز أن يكون الثمن المؤجل أكبر من الثمن الحال لسلعة مماثلة.

أما التمويل المجرد, فهو الربوي المعروف غير المندمج مع سلعة أو خدمة لا في نشوئه ولا في تكاثره . ومثاله الأكبر: القرض بزيادة مشروطة هي الفائدة . وشعاره حين يحل الاجل : تقضي ام تربي ؟ ديون تسدد بديون أكبر لآجال أبعد، وتصاعد للمديونية بقوتها الذاتية غير المرتبطة  بسلعة أو خدمة،.

وتكمن خطورة المديونية  الربوية في طبيعتها الآلية السرطانية التي تسمح لها بالتكاثر مع مرور الزمن حتى عندما يكون الاقتصاد الحقيقي واقفا أو متراجعا.

إن النظام المالي الحاضر يؤدي كثيرا من وظائفه النافعة والمهمة اقتصاديا بطريقة ضارة هي المداينة  الربوية غير المرتبطة في إنشائها ولا في نموها بالنشاط الإنتاجي الحقيقي المولد للقيمة المضافة.

إن فك الارتباط بين نمو المديونية ونمو الثروة الحقيقية له نتائج خطيرة على الاستقرار الاقتصادي يتمثل في كثرة الأزمات وشدتها، وقد ظهرت آثاره في الزلزال المالي الحاضر.

 أن التمويل الشرعي  التجاري بالمبايعات في جميع صوره يولد ديونا شرعية نذكر من خصائصها:

 أ‌.   انها مبنية على معاوضات مالية حقيقية، لا على ديون سابقة .

ب‌.   إن الطرف الممول  يجوز له أن يربح من التمويل.

ت‌.   بعد أن ينشا الدين بصفقة حقيقية، لا يجوز الزيادة عليه لأي سبب. وهذا مقتضى ربط نشوء الدين ونموه بالقطاع الحقيقي المولد للدخل.

ث‌.   إذا عجز الطرف المدين عن السداد دون غش أو تقصير، فإنه تجوز إعانته من سهم الغارمين. وإذا كان معسرا لكنه مأمول ، فينبغي إنظاره فترة مناسبة قبل طلب تفليسه.

ج‌.      أما الغني  المماطل فتوقع عليه عقوبة رادعة، لكن لا يزاد عليه دينه.

§  بعض مزايا وحكم الأحكام الشرعية  في الديون:

 دعم الاستقرار الاقتصادي بعدم السماح للمديونية بالنشوء أو النمو إلا إذا ترافقت مع نشاط إنتاجي. والعدالة والرحمة مع المعسر والعاجز عن السداد، إلى حد إعانته على الوقوف من جديد على قدميه واستئناف نشاط إنتاجي، وما يولده ذلك من التراحم والتضامن بين أفراد المجتمع.

إن الرفق بالمعسر فضلا عن مبرراته الأخلاقية، له مزية اقتصادية عظيمة في الأزمات المالية." فحين تتراجع الأسواق، تهبط عادة قيمة الضمانات التي قدمها المدينون.

وفي الأزمات يتفاقم انخفاض تلك القيمة، حيث يسعى الدائنون لحماية مراكزهم. ولكن هذا يؤذي الأسواق ذاتها ويحول التراجع إلى انهيار. فإنظار المدينين المعسرين يخفف عنهم ويعطيهم فرصة أفضل لسداد، كما يحفظ قيمة الضمانات ويمنع انهيار الأسواق" . (من بيان الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي- بتصرف)

كما أن إسقاط بعض الدين يكون حافزا قويا للمدين أن يجتهد في سداد الرصيد، وقد تكون المحصلة أجدى على الدائن من تسييل الضمانات أو استرجاع الأصول التي باعها للمدين. (انظر مثلا على ذلك من أزمة الرهون العقارية الأمريكية. افتتاحية 6/3/2009 في صحيفة نيويورك تايمز).

§  من حكمة  منع اعادة جدولة الدين:

 إن منع الزيادة على الدين لأي سبب بعد نشوئه يعني منع جدولة الدين وهي تاجيله مع زيادة،وتسمى فقها قلب الدين. ومع أن هذا أمر لا يرحب به الدائنون، فإن فيه مصلحة اجتماعية مهمة كشفتها الأزمة الحاضرة، وهي أنه يزيل من نفس الدائن حافزا ضارا بمصلحة المدين، هو إغرائه بالاستدانة دون اعتبار لمقدرته الحقيقية على التسديد في الأجل المحدد.

وهذا الحافز الضار لإغراء الناس بالاستدانة وثقته وسجلته جميع الدراسات والأخبار الحالية عن الأزمة المالية. حيث صار العميل المفضل لدى تجار الديون ليس الذي يسدد دينه في موعده، بل الذي لا يسدد ، حتى يولد دينه إيرادا دائما للدائن. ومع سماح القوانين اليوم بتقاضي فوائد تتراوح بين 17% إلى 27%  على قروض بطاقات الائتمان ، طور تجار الديون حملات تسويقية بارعة، مبنية على دراسات دقيقة لسجلات ائتمان المقترضين لإقناعهم بمزيد من الاقتراض. وصار مألوفا أن تصادف شبابا بعيد التخرج من الجامعة مباشرة مدينون بمبالغ ضخمة لا يستطيع وفاءها ، ووقعت ملايين الاسر الامريكية في فخ الاستدانة الدائمة . (انظر : مورغنسون - النيويورك تايمز تاريخ 20/7/2008) .

§  ببيع الديون:

أظهرت الأزمة الحالية بقوة بعض الآثار الخطيرة للسماح ببيع الديون على أطراف ثالثة بعد نشوئها،. وحيث إن تفاوت المعلومات بين طرفي هذا البيع هو القاعدة وليس الاستثناء، فقد نشأت (مخاطر أخلاقية) أي حوافز ضارة تغري بالتدليس والغش. فلم يعد منشئ الدين مهتما جدا بقدرة المستدين على السداد، لأنه سوف يسارع بعد العقد إلى بيع الدين إلى مؤسسات التوريق وتحصيل رسم فوري بصرف النظر عما يحصل بعد ذلك.

وقامت هذه المؤسسات بدورها بتوريق ديون كثيرة مختلفة في محافظ وتحسين تصنيفها الائتماني ظاهريا بمشتقات مثل CDS، ثم بيعها إلى مستثمرين غافلين، إلخ. وكان ذلك من العوامل المهمة في تفاقم الأزمة وانتشار آثارها.

في ضوء ذلك  دعا عدد من الخبراء الغربيين  إلى إلزام الدائن بالاحتفاظ بنسبة كبيرة من محفظة ديونه وعدم بيعها كلها. (انظر: بويتر، 26/2/2009، نولاند 10/3/9 ناقلا رأي رئيس لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأمريكي؛ أندروز 23/10/2008 ناقلا رأي غرينسبان بالمعنى نفسه ) .

§  محاذير المديونية:

إن المداينات وسيلة أساسية لرفع كفاءة الاقتصاد وحسن استغلال موارده البشرية والمادية وعدم تعطيلها ولذا اباحتها الشريعة و نظمتها بما ذكرته آنفا من أحكام . ومع ذلك لا ينبغي أن نستغرب وجود آثار جانبية ضارة للمداينات عموما  حتى الشرعية منها، مما يتطلب عدم المبالغة في الاعتماد على المداينات في تحقيق وظائف القطاع المالي.

فلنعدد الآن باختصار أهم تلك الآثار الجانبية:

     أ‌.    تزيد المداينات احتمال التعثر نتيجة وقوع الهزات الاقتصادية، وضراوتها إن وقعت. وهذا يصدق على المنشأة الواحدة كما هو معروف في مالية الشركات، كما يصدق على الاقتصاد في جملته.

     ب‌.   تزيد الميل إلى التضخم (أي الارتفاع المطرد في مستوى الأسعار) في الاقتصاد.

     ت‌.  تنقل تكاليف كبيرة حين الأزمات إلى عاتق خزينة الدولة ودافعي الضرائب. (انظر:ملزمع برسلي، ص115، 117)

     ث‌.   تولد تحيزا مستمرا في توجيه التمويل إلى الأغنياء ذوي الثروة السابقة الضامنة لتسديد الدين، فتزيدهم قوة وتجعل الثروة دولة بين الأغنياء. (انظر: الصديقي، ص..... وسواه).

        إن هذه الآثار الجانبية الضارة المرافقة للمداينة تقتضي بحسب التفكير الاقتصادي الرشيد عدم الإفراط في المداينة ، بل تثبيطها وتشجيع بدائلها السليمة كلما أمكن.

       لكن المؤسف أن النظام المالي المعاصر يفعل عكس ذلك بالضبط، ويغري الشركات والأفراد بامتيازات ترتبط بالاستدانة، مثل الإعفاءات الضريبية، وسواها. (انظر بيان اا               ا       الجمعية الدولية).

       وأهم بديل للتمويل بالمداينة هو التمويل بالمشاركات بأنواعها .

 §  التمويل بالمشاركات ومزاياه:

        إن للمشاركات صيغا كثيرا تاريخية ومعاصرة، ومجال الابتكار فيها واسع جدا ويمكن تحقيق كثير من وظائف النظام التمويلي الحديث من خلالها. وأهم مزايا المشاركات             اقتصاديا هي:

      ج‌.   تدعم استقرار الاقتصاد وقدرته على تحمل الصدمات دون الوقوع في أزمات أو انهيار. وهذا يصدق أيضا على المؤسسات المنفردة المالية كالمصارف،وغير المالية. وسببه أن المشاركات ترتبط فيها التزامات الدفع بالإيرادات الفعلية وتتقلب بتقلبها، خلافا للمداينات.

       ح‌. هي أكثر عدالة بين أطرافها، إذ تتحد فيها استفادتهم من الأرباح أو تحملهم للخسائر.

      خ‌.   لا تتحيز بالضرورة للأغنياء ذوي الثروة السابقة لأن ما يناله الممول يرتبط بنجاح المشروع نفسه ولا يرتبط بثروة الشركاء. ولهذا فهي أكثر كفاءة (من المداينة) لأنها تجعل التمويل ينساب عفويا لأكثر المشروعات واعدية، وليس لأغنى الناس.

   لكن المشاركات على مزاياها، لا يمكن تطبيقها في جميع حالات التمويل، كما أن فيها تكاليف رقابة على تصرفات الشريك والمدير المضارب الذي قد لا يكون أمينا فلا   يصرح بحقيقة الأرباح والتكاليف.

ومن المهم الانتباه إلى ان صيغ المشاركة في النتاج أو الإيراد (وليس في الأرباح) كما في المزارعة و المساقاة ، تنخفض فيها تكاليف الرقابة، ويتغير توزيع المخاطر بين الأطراف مما يسمح بتوسيع مجالات تطبيق المشاركة.

§  خاتمة واقتراح:

أرى في هذه الأزمة بعض أيام الله في هذا العصر، اذ تجلت فيها صور من حرب الله على المرابين.

يقول تقرير اللورد تيرنر رئيس السلطة البريطانية للخدمات المالي  FSA الصادر قبل أسبوع  في 18/3/2009 في فقرته الأولى ما نصه:(دخل نظام التمويل العالمي في أزمة هي الأكبر خلال قرن على الأقل، بل لعلها الأكبر في تاريخ التمويل الرأسمالي).

 وأسوأ عبرة نستخلصها نحن المسلمين  هي أن نحسب أننا محسنون في قضية الربا .  بل نحن أفرادا ومجتمعات ومؤسسات بين مقصر ومذنب، الا من رحم الله.

 وأحسن عبرة هي أن نستغفر الله عما سلف، ثم نسأله الهداية والمعونة على اتقاء الربا والجهاد ضده، واعداد القوة على ذلك.

§  فما هي عناصر القوة التي تلزمنا للانتصار في الحرب على الربا؟

ان منها بل من أهمها قوة العلم والعلماء المتمكنين في الشريعة والتمويل والاقتصاد في آن واحد، وهم المؤهلون لاكتشاف ما لا يتم الواجب الا به، والرد العلمي على الشبهات، وايجاد الحلول للمشكلات.فلنبدأ بابتعاث بضعة متفوقين لأقوى جامعات العالم في تخصصات محددة.

والله الموفق، له الحمد اولا وآخرا . وصلى الله وسلم على رسوله معلم الخير . 

 المصدر شركة شورى للاستشارات الشرعية

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com