البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه الربا والمعاملات المحرمة | المال الحرام تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه * عبد العزيز بن عمر الخطيب 

المال الحرام

تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه 

عبد العزيز بن عمر الخطيب

أستاذ مشارك، قسم الفقه

كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة الملك خالد

المملكة العربية السعودية


ملخص البحث

يعد الكسب الحرام عملا خطيرا، لا ينبغي أن يقدم عليه المسلم، لما يترتب عليه من مخالفة للشارع الحكيم، تبعده عن الله، وتوقعه في الإثم. وتهدف هذه الدراسة إلى بيان حكم: تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه، من خلال النقاط الآتية:

1- أن المال الحرام: كل ما يكسبه الشخص من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع وقد قضى الشرع، بأنه لا يدخل تحت ملكية من هو تحت يده، سواء كان ذلك بطريق الإرث أو العقود الفاسدة، وإن تم ذلك برضا المتعاقدين، لأن رضاهما لا يحل الحرام.

2- أنه يحب على من تحت يده مال حرام أن يتحلل منه ويتخلص من تبعته. وسبيل ذلك: أن يعيده إلى صاحبه إن كان معروفا، وإلا أنفقه في وجوه البر والإحسان -في غير المساجد تعظيما لشأنها- كالجمعيات الخيرية، أو يتصدق به على الفقراء والمساكين.

3- أن التوبة وحدها لا تكفي من دون رده إلى صاحبه إن كان معروفاً، أو التصدق به.

4- أن الأولى لمن حصلت في يده فوائد بنكية أن لا يدعها للبنك لما في ذلك من الإعانة على التعامل بالربا، وبخاصة إذا حصلت له من بنك في دولة كافرة، فإنه إن تركها فيه كان ذلك عوناً لهم على الربا، وتقوية لهم على المسلمين في نهاية الأمر.


مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد العالمين، وخيرة الله من الخلق أجمعين. وبعد.

فإنه لما كان المال عصب الحياة، ووسيلة بناء الحضارات، وازدهار الأمم، تطلعت إليه النفوس البشرية، وحاول كل إنسان أن يجمع منه الكثير الكثير، وتلك المحاولة لجمع الكثير هي انعكاس طبيعي للفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً)([2]) والتي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"([3]).

هذا ولا يزال الإنسان حريصاً على جمع المال حتى يموت ويفارقه، ويمتلئ جوفه من تراب قبره. ولا عيب عليه في ذلك ولا عقاب، ولكن العيب والذم والإثم على من يسعى في تحصيله بأي طريق كان دون ضابط من دين أو خلق.

ثم إنه لما ضعف الرادع في النفوس واختلط المال الحلال بالحرام، عن قصد أحيانا وعن جهل أحياناً أخرى -وهما أمران أحلاهما مرّ- وجب على أهل العلم ورواد الإصلاح أن يمسكوا بالسفينة قبل أن تغرق، فإن أكل المال الحرام والتغذي عليه حجاب بين الخلق وإجابة الدعاء بالفرج والنصر والتمكين في الأرض.

ولعل هذه الدراسة تؤدي بعض الدور في إنقاذ السفينة، وذلك بتحذير الذين يقدمون على المال الحرام من سوء العاقبة، وتفتح لهم أبواب التحلل منه لمن تاب وأناب؛ ويتوب الله على من تاب، كما تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن تبع هداه...

منهج البحث

سأتبع في هذا البحث المنهج الاستقرائي، المصحوب بالوصف والاستدلال والتعليل والمقارنة، وتتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذات الصلة، مع عرض أقوال الفقهاء السابقين، والباحثين المعاصرين، وتوثيقها، والترجيح بينها بحسب الدليل الأقوى.

إجراءات البحث

  • 1- تخريج الآيات: بعزوها إلى سورها، وبيان أرقامها فيها.
  • 2- تخريج الأحاديث النبوية، وأخذها من مصادرها الحديثية، فإن كان الحديث مخرجا في الصحيحين أو أحدهما اقتصرت على ذلك، وربما أكملت تخريجه من المصادر الأخرى باختصار يناسب الموضوع.
  • 3- استقاء آراء الفقهاء من مصادر الفقه المعتمدة في كل مذهب، وأخذ القول المعتمد في المذهب.
  • 4- إن كان ثمة حاجة إلى ذكر قول مرجوح في مذهب ذكرته، وبينت وجهة نظره، والفائدة منه.
  • 5- ذكر وجه الاستدلال من النص القرآني، أو الحديث النبوي عند الحاجة إلى ذلك.
  • 6- ربما ذكرت وجهة نظري بعد ذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم، ورجحت أحدهما بحسب ما يبدو لي من قوة الرأي وواقعيته.

والله الموفق..


التمهيد: تعريف المال الحرام وبيان أقسامه وفيه مطلبان

المطلب الأول: تعريف المال الحرام

ليس هناك من تعريف خاص للمال الحرام عند الفقهاء، ولذلك سوف نلجأ إلى تعريف كل كلمة على حده، ثم نحاول الوصول إلى تعريف جامع لهما.

المال لغة، هو: في الأصل ما يملك من الذهب والفضة،ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، سواء كان ذهباً أو فضة، أو حيواناً، أو جماداً، أو أي شيء ينتفع به الإنسان([4]).

وأما في اصطلاح الفقهاء: فقد عرفه الحنفية، بأنه: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة([5]). فالمنافع عندهم لا تعتبر مالا، لأنها لا يمكن ادخارها، فمن غصب دارا وسكنها سنين لا يضمن أجرتها، لأن المنفعة عندهم ليست بمال حتى تضمن.

وفي هذا نظر، فإن الأشياء إنما تقوّم ويُنفَق في سبيلها المال، ويسعى كل الناس في تحصيلها لمنفعتها، فكيف لا تعتبر مالا؟.

ومن ناحية ثانية: فإن الطباع تختلف في ميولها من شخص إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، فلا تصلح إذاً أن تكون معياراً لاعتبار المال، يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الأشياء لا يمكن ادخارها كالثمار والخضروات، وهي أموال قطعاً، لا يستطيع أحد أن لا يعتبرها مالا، فإن من سرق منها بمقدار النصاب من حرزها يقطع. فالتعريف إذاً غير سديد، كما نبه إليه بعض الفقهاء المحدثين([6]).

ويستفاد من النظر في مذاهب الأئمة الآخرين أن تعريفهم للمال أعم وأشمل، فهو في نظرهم يعم الأعيان والمنافع([7]). وعباراتهم في ذلك متقاربة، لأن مرادهم واحد وفي ضوء هذا فالمال عندهم: ما يجوز تملكه شرعاً من الأعيان والمنافع([8]).

والحرام في اللغة: نقيض الحلال([9])، وأصله المنع، ومنه حديث: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.... الحديث"([10]).

فكأن المصلي بالتكبير والدخول في الصلاة صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن وصف الصلاة، فقيل للتكبير: تحريم لمنعه المصلي من ذلك.

والحرام في الاصطلاح: ما يذم فاعله شرعاً، ولو قولا أو فعلا قلبياً([11]). وعرفه الشيخ محمد الخضري بتعريف جامع فقال: هو وصف شرعي يلحق القول أو الفعل الذي نهى الشرع عنه نهيا جازماً، بواسطة النصوص الصريحة في القرآن أو السنة الصحيحة، ولم توجد قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة([12]).

والتحريم كما يجري على القول والفعل، يجري على الأعيان والمنافع، كما ذكرنا عن جمهور الفقهاء.

فالمال الحرام إذاً: ما كان مكتسباً، من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع. فالمسروق والمغصوب والرشوة والربا، والمكتسب بالغش والتزوير والقمار والاتجار بالخمر والمخدرات، والمكتسب بعقد باطل كبيع الحصاة والغرر والنجش، وإنكار الوديعة والمرهون وأجرة السحر والزنا والنياحة. وغير ذلك من الأعيان، وكسكنى دار مقابل شهادة زور وإصلاح سيارة بإصلاح ثلاجة ونحو ذلك، وكلها أموال حرام، ولئن حاول البعض حصرها تحت أسباب معينة فإن ذلك غير ممكن وغير سليم، وكلها داخلة في عموم الباطل المنهي عن أكله في الآية([13]). ولا بأس أن يكون ذلك التقسيم والحصر لمجرد الدراسة والبحث في أسباب معينة للكسب، والحق أنها لا تنحصر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: :"الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك"([14]). فالمراد بالربا المنهي عنه كل كسب حرام.

 

قال القرطبي رحمه الله:

إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده؛ فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال تعالى في اليهود: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ)([15]) ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)([16]) يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)([17]) وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب([18]).

المطلب الثاني: أقسام المال الحرام

يقسم العلماء المال الحرام إلى قسمين:

الأول: الحرام لذاته.

وهو ما كان حراماً في أصله لوصف قائم في ذاته وكنهه، كالخمر والخنزير والميتة والقمار والغِش، فالخمر حرمت لوصف الإسكار المزيل للعقل، والخنزير والميتة حرما لخبثهما وللضرر المحقق الحاصل منهما، والغش حرم للضغائن والأحقاد التي يولدها في النفوس، ولأنه أكل لأموال الغير بغير حق.

وقد حرمت هذه الأشياء بنصوص ثابتة من القرآن والسنة.

1- قال تعالى في شأن الخمر والميسر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([19]).

2- وقال في شأن الخنزير والميتة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)([20]) وقال صلى الله عليه وسلم في شأن الغش: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا"([21])  ويقاس عليها كل ما تحققت فيه علة التحريم، فيحرم لهذا الوصف، فالطعام مثلا إذا فسد وصار مضرا حرم أكله -كالميتة- لهذا الوصف الذي قام في ذاته([22]).

فهذه الأموال -إطلاق اسم المال عليها مجاز- لا يجوز للمسلم أن يتملكها، وعليه أن يتحلل منها بأية وسيلة إذا صارت تحت يده، بل من أتلفها له (أي للمسلم) ليس عليه ضمان مثلها أو قيمتها.

الثاني: الحرام لسببه.

وهو ما كان مشروعاً في أصله، ولكن حرم بسبب طرأ عليه، كالمال المسروق والمغصوب، فإنه حلال في أصله لكل من يتملكه بحق، ولكنه انقلب إلى مال حرام لمن صار تحت يده بسبب السرقة أو الغصب وهو وصف طارئ، وكذلك الثمن المأخوذ في بيع باطل أو فاسد، فإن تملك الثمن في أصله مشروع لمن بذل المبيع مقابل الثمن، ولكنه انقلب إلى مال حرام بسبب طارئ هو عدم مراعاة حكم الشرع في إجراء العقد.. وهكذا، ولذلك سماه بعض العلماء بالحرام لكسبه([23]

 تنبيهاً على أنه حلال في الأصل ولكنه صار حراماً بسبب الكسب غير المشروع، وقد سماه الغزالي: بالحرام لخلل في جهة إثبات اليد عليه([24])، وهو أعم مما ذكرناه عن بعضهم، فإنه يدخل فيه المال الموروث -وهو ليس من كسب الوارث، بل هو تملك جبري- إذا كان المورِّث قد كسبه من حرام، لأن انتقال المال الحرام من المورث إلى الوارث بطريق الإرث لا يطيبه، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مطلب خاص إن شاء الله تعالى.


المبحث الأول: طرق تملك المال الحرام وأحكامه

تمهيد

لما كان المال الذي يحوزه المسلم لا يدخل في ملكيته، ولا يحق له التصرف فيه إلا إذا كان سبب الحيازة مشروعاً، فقد أذن الشرع للمسلم أن يكسب المال بكل وسيلة ممكنة بشرط أن تخلو من الحرام وشبهته، ومن هذه الوسائل التي ذكرها العلماء الأمور التالية:

1- إحراز المباحات: حيث لا مالك لها، كالصيد واستخراج المعادن من الأرض، والاحتطاب.

2- الإرث والوصية: حيث يخلف الوارثُ والموصى له الميتَ في ماله، فيملكه، ولذلك يسميه البعض بـ (الخلفية).

3- العقود الناقلة للملكية من شخص لأخر، كالبيع والهبة وبدل الخلع.

4- التولد من المملوك: حيث إن القواعد الشرعية قررت أن: ما يتولد أو ينشأ من المملوك مملوك، فمالك الأصل هو أولى بفرعه من سواه، سواء ما يحصل بسبب من مالك الأصل، أو بطبعه دون عمل من مالك الأصل. فثمرة الشجر، وولد الحيوان، وصوف الغنم ولبنها، كلها مملوكة لمالك الأصل.

وبناء عليه يعد ولد الدابة المغصوبة وثمر الكرم المغصوب ملكاً للمالك المغصوب منه، لا للغاصب([25]).

وقد كان في جاهلية العرب، ولدى الأمم الأخرى أسباب للملكية رفضها التشريع الإسلامي؛ فبعضها شنعه واعتبره من أشد الجرائم، وبعضها أباه واعتبره من المحارم.

فالأول: كالغزو الداخلي بين القبائل عند العرب وغيرهم، وكاسترقاق المدين إذا عجز عن الأداء عند الرومان وفي جاهلية العرب.

والثاني: كالتقادم المكسب الذي كان في أواخر التشريع الروماني، وورثته القوانين الأوروبية، ولا يزال فيها.

فالفقه الإسلامي قبل قاعدة التقادم، ولكن لا على أنه سبب مكسب للملكية، بل على أنه مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مر عليه الزمن المعين -وهو خمسة عشر عاماً- تدبيراً تنظيمياً للقضاء واجتنابا لعراقيل الإثبات ومشكلاته بعد التقادم([26]).

وهكذا فإن كل تملك بأحد هذه الأسباب الأربعة مشروع، ويبيح للمالك التصرف في المال المكتسب، بشرط أن لا يكون مصحوبا بالحرام الذي نهى الشرع عنه، فإن كان حراماً لم يدخل في ملكيته، وبالتالي لا يصح له التصرف فيه -بل عليه التحلل منه- وسوف أعرض بشيء من التفصيل والبيان لهذا المال الحرام الذي يخرج عن هذه الوسائل الأربعة المشروعة، والذي لا يملكه من يصير تحت يده، وذلك في أربعة مطالب.

المطلب الأول: تملك المال الحرام بالعقود المحرمة

العقود: جمع عقد، وهو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله([27]). وبعض العقود جائزة ومشروعة لاستيفائها الأركان والشروط، وبعضها غير جائزة ولا مشروعة لما لحقها من خلل في الأركان أو الشروط كأن يكون محل العقد غير قابل للتملك كالخمر والخنزير، هذا وقد يحصل الشخص على المال الحرام برضا مالكه، وذلك بالتعاقد معه على غير ما شرع الله وارتضاه لعباده المؤمنين مما يحقق مصلحة الخلق، ومن صور ذلك:

1- تعاطي العقود الفاسدة: وضع الشرع شروطاً وقواعد وضوابط للعقود، وأمر المؤمنين التقيد بها في بيوعاتهم؛ حفاظاً على مصالحهم، ودفعاً للنزاعات بينهم.

  • ‌أ- فاشترط في المبيع: أن يكون معلوماً، منتفعاً به، مباحاً، مملوكاً للبائع... إلخ.
  • ‌ب- واشترط في الثمن: أن يكون معلوماً أيضاً قدراً وصفة... إلخ.
  • ‌ج- واشترط في كل من المتعاقدين: التكليف، والاختيار.

فإذا روعيت هذه الشروط عند إجراء العقد صح العقد وترتب عليه أثره، بأن تنتقل ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع، ولو اختل شرط من هذه الشروط كان العقد باطلا، وعليه يكون البائع قد أخذ الثمن حراماً ولم يدخل في ملكيته، وكذلك حال المشتري.

على أن هناك خلافاً بين الجمهور والحنفية في الفرق بين العقد الباطل والفاسد([28]) ولكن الجميع متفقون على عدم اعتبار العقد الباطل، وأنه حرام، وأنه لا يترتب عليه نقل الملكية، فالواجب إعادة كل مال إلى مالكه، ولا اعتبار لرضا المتعاقدين عند مخالفة النصوص الشرعية، وإنما يشترط الرضا ويعتبر في حدود ما شرع الله وبين.

وجدير بنا هنا أن نصنف العقود إلى ثلاثة أصناف:

عقود متفق على صحتها: كبيع عين حاضرة مرئية للمتعاقدين بثمن معلوم، فما يكسبه المسلم بسبب ذلك حلال قطعاً.

عقود متفق على بطلانها: كبيع المجهول والغرر والحصاة وبيع الخمور والخنزير والعقد المشتمل على الربا والزنا، فما يكسبه المسلم بسبب ذلك حرام قطعاً، ولا يدخل في ملكية الآخذ، ويجب على الآخذ التحلل منه إذا حصل في يده خروجاً من الإثم والمعصية. وهي وإن كانت برضا المعطي المالك فإن رضاه لا يجعل المال حلالا طالما أن العقد خالف النظام الشرعي في التعاقد.

عقود اختلف الفقهاء في صحتها، ومن ذلك:

- قديماً: بيع المعاطاة، وهو جائز عند الجمهور باطل في الأصح عند الشافعية وبيع العين الغائبة التي لم توصف، وهو باطل عند الجمهور جائز عند الحنفية وله الخيار إذا رأى([29]).

- وحديثاً: بيع المرابحة المعمول به في بعض المؤسسات المالية، حيث أجازه بعض الفقهاء المعاصرين ومنعه بعضهم، والتأمين التجاري (السوكرة) الذي أجازه بعض المعاصرين ومنعه الأكثرون([30]).

وإنما يعود سبب الخلاف إلى عدم قطعية النصوص في الدلالة أو الثبوت، أو إلى اختلاف أنظار الفقهاء ومناهجهم في الاستدلال، أو إلى احتمالات اللغة، أو غير ذلك([31]).

وبناء على ذلك هل يكون المال المكتسب بواحد من هذه العقود المختلف فيها حلالا هنيئاً مريئاً للمتعاقدين باعتبار رأي المبيحين، أم حراماً يجب التحلل منه اعتبارا برأيها المانعين؟

الواقع أن المسلم الذي يتعامل بمثل هذه العقود أحد أشخاص ثلاثة:

الأول: عالم عرف الأدلة واللغة ومسالك الاجتهاد، فيعمل باجتهاده، فلو كان يرى جواز العقد كان الكسب المترتب عليه حلالا طيباً لا شيء فيه، حتى وإن تغير اجتهاده بعد فترة فإنه يعمل باجتهاده الأخير، ولا يجب عليه التحلل من الكسب السابق، فإن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد([32])، لأن الثاني ليس بأولى من الأول حيث إن كل واحد قد استوفى شروطه في وقته، ولهذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه في المسألة المشتركة عندما تغير اجتهاده فيها: "تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم"([33]).

الثاني: أن يكون مقلداً -كأغلب طلبة العلم- فهو على مذهب من يقلده، فإن كان العقد صحيحاً في ذلك المذهب فما يكسبه به حلال طيب لا شيء فيه، لأن صاحب المذهب لم يبنِ مذهبه إلا على تأويل صحيح باعتقاده.

الثالث: أن يكون عامياً يتبع في كل مسألة رأي من يسأله. فهذا عليه أن يتحرى أهل العلم والتقوى ويسألهم، فإن أفتوه بالجواز وصحة العقد كان الكسب حلالا طيبا، وإن أفتوه بالتحريم كان الكسب حراما عليه أن يتحلل منه، والعهدة في ذلك على العالم المفتي([34]).

2- عقد الربا: وهو حرام باتفاق العلماء، ومن كبائر الذنوب التي توعد الله فاعلها بالحرب، فقال عز شأنه: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([35]) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ)([36])

وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء"([37]).

وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الورِق بالذهب رباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُر بالبُر رباً هاءَ هاءَ، والشعير بالشعير رباً إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر رباً هاءَ وهاءَ"([38]).

ولسنا هنا بصدد بيان الأحكام الربوية التفصيلية، وإنما يكفي أن نعلم من خلال ما ذكرنا من آي القرآن، والسنة، وإجماع العلماء أن المال الذي يحصله المرابي حرام -علم بذلك أو جهل- وعليه أن يتحلل منه ويتخلص من إثمه.

ويدخل فيه ما يحصله الشخص من فوائد ربوية على ماله سواء بسبب إقراضها لأشخاص أو إيداعها في البنوك الربوية. كل ذلك حرام باتفاق أهل العلم، ولا تدخل هذه الفوائد في ملكيته، وإنما الواجب عليه أن يتحلل منها بما يحقق المصلحة ويبرئ الذمة كما سنوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

المطلب الثاني: تملك المال بالرشوة، والميسر

أولاً الرشوة

الرشوة في اللغة: بتثليث الراء، الجَعْل الذي يعطى لقضاء مصلحة، وجمعها: رِشا، ورُشا([39]).

وقال الشريف الجرجاني: هي ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل([40]).وحول هذا المعنى تدور عبارات الفقهاء([41]).

والرشوة حرام بالإجماع و هي من كبائر الذنوب([42])، يحرم طلبها وإعطاؤها، والوساطة فيها بين الراشي والمرتشي، وذلك للأدلة التالية:

1- قال تعالى في وصف اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)([43]) أي: يسمع بعضهم لبعض قول الأباطيل في محمد صلى الله عليه وسلم وفي حدود الله كحد الزنا، حيث كان بقول كبراؤهم: إن محمداً ليس بنبي، كان حد الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم، ويأخذون على ذلك الرشا. قال قتادة: كان ذلك في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: السحت: الرشا([44]) وهو مروي عن غيره كذلك. وجه الاستدلال أن الله عز وجل وصفهم بذلك في معرض الذم لهم على ما هم فيه من التكذيب للحق وأكل الأموال بالباطل محذراً للمؤمنين أن يكونوا كذلك.

2- وقد جاء الحديث النبوي مؤكدا تحريم الرشوة، لما لها من آثار سيئة على الدين والخلق والمجتمع، في تغيير الحقائق وتلبيس الباطل لباس الحق والصواب. قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي"([45]). ولهذا انعقد الإجماع -كما سبق آنفاً- على تحريمها لعظيم مفسدتها.

والمال الذي يأخذه الشخص رشوة حرام -كما تقرر- ولا يدخل في ملكية الآخذ، وعليه أن يتحلل منه بإعادته إلى صاحبه إن كان معروفا، أو التصدق به والتوبة مما فعل، فتبرأ ذمته عندئذ إن شاء الله تعالى.

 

قال العلامة علي حيدر:

لا يملك المرتشي الرشوة ولو قام المرتشي بالأمر الذي ندبه إليه الراشي تماماً، فلذلك إذا كان مال الرشوة موجودا فيرد عيناً، وإذا كان مستهلكاً فيرد بدلا، وإذا كان الراشي توفي فيرد إلى ورثته بالحكم بالرد على هذا الوجه لتخليص المرتشي من حكم الضمان الدنيوي، أما الخلاص من الحكم الأخروي وهو الإثم واستحقاق النار فلا يحصل إلا بالتوبة والاستغفار. كذلك إذا توفي المرتشي فلا يملك وارثه الرشوة، ويلزمه إعادتها إلى الراشي، حتى إنه إذا توفي الرجل الذي كسبه حرام يجب على ورثته أن يتحروا أصحاب ذلك المال الحرام فيردوه إليهم، وإذا لم يجدوهم فعليهم أن يتصدقوا بذلك المال([46]).

ثانيا: الميسير (القمار)

الميسر في اللغة: هو القمار بأي نوع كان، وهو كل لعب فيه مراهنة ومخاطرة. وأصله -كما قال الجصاص- من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه، وهو السهام التي يجيلونها، فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم، فرمما أخفق بعضهم لا يحظى بشيء وهو من خرج له سهم الغفل، وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر؛ وحقيقته: تمليك المال على المخاطرة([47]).

وقريب من هذا المعنى اللغوي المعنى الشرعي، حيث يذكر الفقهاء أن صورة القمار المحرمة هي التي يتردد فيها اللاعب بين أن يغنم أو يغرم([48]).

ومع أن لفظة القمار لم ترد في القرآن الكريم وإنما عبر القرآن عنها بالميسر، فإن الفقهاء أدرجوا في الميسر المحرم كل ضروب القمار مهما اختلفت أسماؤه وصوره وحكموا بتحريمها، طالما قامت على تمليك المال بالمخاطرة، وهي التي قد تحدث وقد لا تحدث.

قال ابن حجر الهيثمي المكي: الميسر هو: القمار بأي نوع كان([49]).

والقمار كله حرام باتفاق الفقهاء([50])، وهو مسقط للشهادة كذلك باتفاقهم، لما فيه من قتل للمواهب الإنسانية واعتماد على الحظ، وضياع للوقت فيما حرم الله عز شأنه، وزرع لبذور البغضاء والحقد والشقاق بين الناس، وعلاوة على ذلك فهو سبيل لأكل أموال الناس بالباطل والزور. ومن هنا جاء النهي عنه مقروناً بأشياء ينفر منها حِسّ الإنسان ويجفل منها كيانه، لأنها رجس من عمل الشيطان، ولأنها كلها حزمة واحدة هي من معالم الجاهلية ومفاخرها، قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)([51])

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"([52]) وهذا أيضاً اقتران وتشبيه يجعل المسلم بعيدا عن هذه العادة الذميمة. ولشناعة المقامرة وبشاعتها وخطرها على الدين والخلق أمر الإسلام طالبها -ولو لم يفعل- بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف، فقال في حلفه: واللاتِ والعزّى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق"([53]). فإذا اقتضى مطلق القول طلب الكفارة والصدقة المنبئة عن عِظم ما وجبت له أو سنت، فما ظنك بالفعل والمباشرة([54]).

وما يكسبه المقامر بالقمار هو كسب خبيث حرام بلا ريب، والواجب في الكسب الخبيث الحرام تفريغ الذمة من تبعته، وذلك برده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو صرفه في المصالح أو التصدق به على الفقراء إن كان مجهولا([55])، مع التوبة والاستغفار، ولا يكون التحلل منه إلا بذلك.

المطلب الثالث: تملك المال الحرام بالاختلاس أو القهر ونحوه

من المقرر شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال الغير إلا عن رضاه وطيب نفسه، وفي حدود ما أذن الشرع به لقوله تعالى: (لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)([56])، ولحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" وبناء على هذا يكون المال المأخوذ خلسة أو قهراً بغير رضا صاحبه حراماً لا يدخل في ملكية الآخذ، وعليه أن يتخلص منه بإعادته إلى صاحبه إن عرفه، أو يتصدق به إن جهله.

ومن صور وضع اليد على مال الغير بغير رضاه ما يلي:

1- السرقة: وهي أخذ المكلف نصاباً محرزاً مملوكاً للغير على وجه الخفية([57]) ومثل ذلك استعارة المتاع ثم جحده وإنكاره. وهي من كبائر الذنوب التي رتب الشرع على مرتكبها حد القطع، زجراً له ولأمثاله، لئلا تمتد أيديهم إلى أموال الناس وممتلكاتهم. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)([58]). وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"([59]) ولولا أنها كبيرة وأمرها عظيم ما رتب الشرع على فعلها قطع اليد، نشراً للأمن والأمان في المجتمع المسلم.

وهي لا تفيد السارق ملكيته للمال المسروق، وإنما هو مال حرام يجب عليه رده إلى صاجه، فإن مات فإلى ورثته، وهذا شرط لازم لقبول التوبة.

2- الغش: في اللغة -بكسر الغين- نقيض النصح، يقال: غش صاحبه: إذا زين له غير المصلحة وأظهر له غير ما أضمر([60]). ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى، فإخفاء العيب في السلعة المبيعة غِش، والإخبار بغير السعر الحقيقي في بيع التولية أو الوضيعة أو المرابحة غش، ووصف السلعة بغير صفتها الحقيقية للمشتري غش، لأنه تغرير بالمشتري وخديعة له، وإعطاء العملة المغشوشة غش، وبيع السلع التقليدية على أنها ماركات أصلية غش، وإعطاء شيك غير قابل للصرف غش. وهكذا كل تغرير في عقد يعدّ غِشّاً محرماً.

وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن الغش حرام، وأكل لأموال الناس بالباطل، سواء كان بالقول أو بالفعل، وسواء كان في كتمان العيب في المعقود عليه أو الثمن، أو الكذب والخديعة، وسواء أكان في المعاملات أم في غيرها من المشورة والنصيحة.

وما يحصل بسبب الغِش من مال بيد الغاش مضمون عليه لا يدخل في ملكه، وعليه رده إلى صاحبه تبرئة لذمته. وعلى الحاكم زجره وتأديبه بما يراه كافياً في حقه، وعظة وعبرة لغيره.

3- الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق([61])، وحكمه أنه حرام؛ لأنه أكل لأموال الناس بغير حق، وسبب من أسباب الظلم في المجتمع. وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع:

  • - فمن الكتاب قوله تعالى: (لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). ولا شك أن الغصب أكل للمال بالباطل.
  • - ومن السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"([62]).
  • - وقد أجمع العلماء على تحريمه([63]).

فلو غصب شخص مالا لآخر لم يدخل في ملكه، وهو حرام عليه، ويجب عليه أن يعيده إلى صاحبه إن عرفه، أو يتصدق به إن جهله، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"([64]). ولا فرق بين أن يكون ما غصبه من الأموال العامة -كخزينة الدولة وإداراتها- أو من أموال أشخاص معينين، ولا فرق بين أن يكون منقولا أو عقاراً، كل ذلك حرام لا يدخل في ملكية الغاصب، وعليه أن يتحلل منه وجوباً، للأدلة التي سبق ذكرها.

المطلب الرابع: تملك المال الحرام بالإرث

الإرث شرعاً هو: خلافة الوارث للمورث في ملكيه أمواله، وهو سبب من أسباب التملك الجبري، لا يفتقر إلى توافق بين الوارث والموروث وإنما يحصل التملك به بفرض من الشارع الحكيم، وقد تكفل القرآن الكريم ببيان مستحقيه من الذكور والإناث، وبيان مستحقاتهم، حتى لا يبغي أحد على أحد. وعليه، فللمال الموروث أحوال:

1- أن يكون المال الموروث حلالا: فيأخذه الوارث حلالا طيبا مباركا فيه، بعد سداد ما على المورث من حقوق لله تعالى أو للعباد.

2- أن يكون الوارث لا يدري من أين اكتسبه مورثه، أمن حلال أم من حرام؟ ولم يكن ثمة علامة أو إشارة إلى طريق اكتسابه، فهو حلال للوارث مملوك له باتفاق العلماء([65]).

ولا يكلف الوارث بالبحث والتنقيب، فإن الأصل في مكاسب المسلم الحلال، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدهم على أخيه المسلم، فأطعمه طعاماً فليأكل من طعامه، ولا يسأله عنه، فإن سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه، ولا يسأله عنه"([66]).

وجه الاستدلال: أن ما يملكه المسلم لأخيه المسلم على سبيل الإطعام أو الإسقاء يكون حلالاً له ولا يكلف بالسؤال عن سبب كسبه، فكذلك الإرث.

ج- أن يكون مشكوكا فيه: فهو حلال للوارث أيضاً، إذ لا يبنى على الشك حكم، وإنما تبنى الأحكام على اليقين، فإن تورع عنه، فأخذه، وأنفقه فهو حسن، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس"([67]). ولكن لا ينبغي أن يصل ذلك إلى درجة التنطع والورع البارد، فقد حكي عن بعضهم أنه اشترى شيئاً من رجل، فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة، فرده عليه خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء للجمعة، فإن هذا غلو في الدين لا معنى له، وقد "هلك المتنطعون"([68]).

د- أن يكون المال الموروث حراما معروفاً بعينه للوارث: فهذا يجب على الوارث أن يرده إلى صاحبه قطعاً، وهو حرام عليه، فإن كان صاحبه ميتاً رده إلى ورثته، لأنه حقيقة ليس مملوكا للمورث حتى تنتقل ملكيته إلى وارثه([69]).

هـ- أن يكون المال الموروث حراماً معروفاً، لا بعينه: كأن كان الشخص يتاجر بالمسكرات أو المخدرات، أو يتعامل بالربا، أو كان المال أجرة بغاء، أو حفلات ماجنة، أو أجرة صكوك مزورة، أو رشوة، أو ربح ميسر أو غش، أو غير ذلك، فهل يطيب بالإرث، ويكون حلالا للوارث، وعلى المورث إثم كسبه من الحرام؟ أم لا.

للعلماء في ذلك قولان:

الأول: مذهب بعض الحنفية، وسحنون من المالكية، وبعض الحنابلة، وبعض التابعين كالحسن البصري وغيره. أنه يطيب بالإرث، ويحل للوارث أن ينتفع به، والإثم على المورث بسبب كسبه وتحصيله من طريق غير مشروع([70]).

ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما يأتي:

1- عموم الآيات في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)([71]) وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)([72])

وقوله: (وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)([73]).

وجه الاستدلال: أنه لا تتحمل نفس وزر ما كسبت نفس أخرى، سواء مما يتعلق في أمر الدنيا أو الآخرة، وأن تلك النفس الآثمة هي المرتهنة المحاسبة على عملها.

قال ابن العربي: هذا حكم من الله تعالى نافذ، في الدنيا والآخرة، وهو أن لا يؤخذ أحد يجرم أحد([74]).

2- روي أن رجلا ممن ولي عمل السلطان مات، فقال صحابي: الآن طاب ماله، أي لوارثه([75]).

3- أن رجلا قال لابن مسعود: إن لي جاراً يأكل الربا، وإنه لا يزال يدعوني، فقال: مهنؤه([76]) لك، وإثمه عليه([77]).

4- أن الوزر لا يكون إلا على مقترف الإثم ومكتسب الحرام، والوارث لا علاقة له بالمورث الذي اكتسب المال من طريق حرام فيطيب له المال، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

الثاني: مذهب جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة([78]).

أن الإرث لا يُطَيِّب المال إذا كان المورث قد جناه من حرام، فإن الحرام يتعدى إلى الوارث أيضاً كما يتعدى العمل الصالح بنفعه إلى الوارث، قال تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)([79]) فقد حُفظ لهما مالهما بصلاح أبيهما، فكما أن الصلاح يتعدى بنفعه من المورث إلى الوارث، كذلك الحرام يبقى حراما ولو صار تحت يد الوارث([80]). والواجب على الوارث أن يرده إلى صاحبه إن عرفه، فإن لم يعرفه تصدق به على الفقراء والمساكين.

ورجح المرداوي الحنبلي الكراهة وقال: تقوى الكراهة وتضعف بحسب قلة الحرام وكثرته.

ويستدل لهم على ذلك بما يأتي:

1- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا طلحة الأنصاري سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "عن أيتام ورثوا خمراً؟ فقال: أَهْرقْها، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: لا"([81]).

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم تملك الخمر بالإرث لتحريم عينها، فيقاس عليها تملك المال الحرام بالإرث، بجامع نهي الشارع عن حيازة كل منهما بسبب وجود صفة الحرام المتأصلة فيهما([82]).

2- يستدل من المعقول أنه يجب التحلل من المال الحرام والتخلص منه، وعلة ذلك أنه غير مملوك للمورث أصلا فكيف يورثه، ويطيب بذلك للوارث. ومن هنا قال العلماء: من كان في يده مال حرام محض فلا حج عليه، ولا تلزمه كفارة مالية، لأنه مفلس، ولا تجب عليه الزكاة، إذ واجب الزكاة إخراج ربع العشر مثلا، وهذا يجب عليه إخراج الكل، إما رداً على المالك إن عرفه، وإما صرفاً إلى الفقراء والمساكين إن لم يعرف المالك([83]).

والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن عموم الآيات التي استدل بها للفريق الأول مخصص بما ذكرنا في أدلة الفريق الثاني، والخاص مقدم على العام عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فكيف إذا أمكن الجمع بأن تحمل الآيات على غير ما يتعلق بحقوق الناس.

وأما حديث "الآن طاب ماله" فضعيف كما سبق ذكره، فلا يصلح للاستدلال ومعارضة ما هو أقوى منه.

وأما حديث ابن مسعود فيجاب عنه بأنه رأي صحابي غير ملزم، لان مبناه الاجتهاد.


المبحث الثاني: إنفاق المال الحرام وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: إنفاقه على نفسه وعياله.

سبق أن ذكرنا أن ما يدخل من مال حرام تحت يد الشخص لا يملكه، ولا يجوز أن يتصرف به تصرف الملاك، فلم يبق أمامه إلا أن يتخلص منه بطريقة مقبولة شرعاً، فيتصدق به أو ينفقه في المصالح العامة، كما سنوضحه في مبحث التحلل، ولكن هل يجوز أن ينفق منه على نفسه أو عياله؟

الحق أنه لا ينبغي أن يقال: بالجواز أو عدمه على إطلاقه، وإنما يكون ذلك بحسب حالتي مكتسب المال الحرام، كما يلي:

أولهما: أن يكون غنياً، بحيث يكون عنده من المال ما يكفيه وعياله، ويغنيه عن التغذي بهذا المال الحرام. فهذا لا يجوز له قطعاً أن ينفق منه على نفسه أو عياله، لأنه غني بما عنده  ولأن هذا المال الحرام ليس ملكه.

ثانيهما: أن يكون فقيراً، فقد ذكر جمهور العلماء: أنه يجوز له أن يأكل منه -بسبب الفقر والحاجة إلى الصدقة- للضرورة، وبمقدار الضرورة فقط، لأن المحظور لا يجوز إلا عند الضرورة أو الحاجة، وإذا جاز، جاز بمقدارها فقط، إذ الضرورات تبيح المحظورات([84])، والضرورة تقدر بقدرها([85]). وكذا يجوز أن يتصدق منه على أهله، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من أهله وعياله.

قال الغزالي- رحمه الله-: إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إن كان فقيرا، أما عياله وأهله فلا يخفى، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله، بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته، لأنه أيضاً فقير، ولو تصدق به على فقير جاز، وكذا إذا كان هو الفقير([86]).

وأكّد هذا الجواز الإمام النووي في المجموع، فقال: وهذا الذي ذكره الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه([87]).

وقال ابن مودود الموصلي الحنفي: الملك الخبيث سبيله التصدق به، ولو صرفه في حاجة نفسه جاز، ثم إن كان غنياً تصدق بمثله، وإن كان فقيراً لا يتصدق([88]).

وقال ابن رجب الحنبلي:

الأموال التي تجب الصدقة فيها شرعاً للجهل بأربابها كالغصوب والودائع، لا يحوز لمن هي في يده الأخذ منها على المنصوص، وخرج القاضي جواز الأكل منها إذا كان فقيراً على الروايتين في شراء الوصي من نفسه كذا نقله عنه ابن عقيل في فنونه، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب الفقير إذا تاب([89]).

قلت: ولكن ينبغي أن يقيد هذا الجواز بالقيود التالية:

1- أن يكون فقيراً، فيأكل منه باسم الصدقة على نفسه منه من رب المال، للضرورة، وبقدرها.

2- أن يكون الأكل الذي أبيح مقيداً بقصد التوبة والتحلل من هذا المال، فكما يجوز له أن يتصدق به على الفقراء تحللا منه، يجوز أن يتصدق به على نفسه وعياله، أما بغير هذا القصد فلا يجوز.

3- أن تكون التوبة والتحلل بالصدقة منه على نفسه بعد وقوعه في يده، وإلا نكون قد أجزنا للفقير أن يحصل المال الحرام ابتداء -بالسرقة أو الغش أو غير ذلك- لينفق على نفسه باسم التصدق عن صاحبه.

4- أن يكون المالك الأصلي للمال مجهولا، فإن كان هو أو وارثه معروفاً لم يجز له أن يتصدق به على نفسه ولا على غيره، لأن الواجب عندئذ رده إلى مالكه.

وعلى أي حال، فأرى -والله أعلم- أن الأفضل والأسلم لهذا الفقير أن يتصدق بمثل ما أكل إذا اغتنى تبرئة للذمة، ولكن لا يجب.

المطلب الثاني: إنفاقه في أداء الحج

الحج فريضة على المسلم يؤديه ببدنه وماله، ولهذا اشترط لوجوبه الاستطاعة البدنية، والمالية، ومن هنا استحب الفقهاء أن يكون المال من كسب حلال، فإنه أرجى للقبول عند الله عز وجل. ولكنهم اختلفوا في صحته إذا كانت نفقته من كسب حرام على قولين:

القول الأول: مذهب الحنفية والمالكية والشافعية: أن الحج بالمال الحرام -وإن كان خبيثاً- صحيح تسقط به الفريضة، كالصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب، وكالصيام مع النميمة أو شهادة الزور([90]). واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- أن الحج أفعال مخصوصة من أركان وواجبات، والمال الحرام أمر خارج عنه، وإنما ينفقه في تحصيلها، فهو وسيلة للوصول إلى مكة لأداء هذه الأفعال، خارج عن ماهية الحج وحقيقته ولا تلازم بينهما، فلا يؤثر فيه فساداً طالما سلمت أركانه وواجباته، ولكن لا ثواب له فيه([91]).

2- قياساً على الصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها صحيحة، لأن الإقامة والمكث فيها فترة الصلاة أمر خارج عن حقيقتها فهو الحرام؛ لأنه شغل للمكان المغصوب بغير حق، فكذلك المال الحرام الذي ينفقه الحاج أمر خارج عن ماهية الحج وحقيقته، فلا يؤثر في صحته.

قال القرافي: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماء مغصوب، أو يحج بمال حرام، كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة -خلافاً لأحمد- والعلة ما تقدم أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر، قد وجدت من حيث المصلحة، لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به كان النهي مجاوراً، وهي الجناية على الغير.... ثم يقول: فإن النفقة لا تعلق لها بالحج، لأنها ليست ركنا ولا صرفت في ركن، بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر([92]).

القول الثاني: مذهب الحنابلة في الأصح عندهم، أن الحج بالمال الحرام باطل، وبالتالي لا تسقط به الفريضة([93]).

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أمّ هذا البيت من الكسب الحرام شَخَصَ في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب، وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك، ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك. وإذا خرج الرجل حاجاً بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع مأجوراً غير مأزور، وأبشر بما يسرك"([94]).

2- أن المال شرط لوجوب الحج، فيكون شرطاً لصحته، فإذا كان حراماً -وهو غير مملوك لمن تحت يده- لم يصح الحج([95]).

3- أن المسلم منهي عن الحج بالمال الحرام، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء بالمال المغصوب، كل ذلك لا يصح، لأن الصلاة والوضوء والحج عبادات أتي بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما هو عاصٍ به، ممتثلاً بما هو محرم عليه، متقرباً بما يبعد به عن الله([96]).

والراجح من هذين القولين هو قول الجمهور، وهو أن الحج بالمال الحرام يصح وتبرأ ذمة المكلف، لكن الفاعل آثم، لأن النفقة ليست شرطاً من شروط صحة الحج باتفاق الفقهاء، وذلك للأمور التالية:

1- أن حديث أبي هريرة ضعيف، لا يعول عليه، فقد ضعفه الهيثمي بسبب سليمان بن داود. وقال الألباني عنه: ضعيف جداً، رواه البزار في مسنده من طريق سليمان بن داود، وقال: الضعف بَيّن على أحاديث سليمان بن داود، ولا يتابعه عليها أحد([97]).

2- أنه لا يلزم من كون المال شرطاً للوجوب أن يكون شرطاً للصحة، بل ليس هو شرطاً للوجوب على الإطلاق، فإن القريب الذي لا يجد مشقة في الوصول إلى مكة، وكذا أهل مكة يجب عليهم أن يحجوا ولو لم يجدوا المال وتسقط عنهم الفريضة لو حجوا باتفاق([98]).

3- أن النهي عن الشيء لا يقتضي فساده إلا إذا كان منصباً على حقيقة الشيء وماهيته، فإن كان منصباً على أمر خارج عن حقيقته لا ينبغي أن يكون فاسداً، كالبيع مع الغش فإنه منهي عنه، ولم يقل أحد بفساده.

المطلب الثالث: إنفاقه في تشييد المساجد

هل تعتبر المساجد من المصالح العامة التي يجوز للتائب أن يصرف المال الحرام في بنائها أو ترميمها أو فرشها؛ أم أنها تنزه عن ذلك لشرفها، لأن المال الحرام مال خبيث لا ينبغي أن يعمر به بيوت قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه بالغدو والآصال؟

الذي يظهر -والله أعلم- أن هذه المسألة تتنازعها أصول واعتبارات ينبني الحكم عليها وهي:

1- اعتبار المال الحرام الذي جهل مالكه ملكاً للمصالح العامة حصراً -كالفيء- ينفق فيها دون غيرها، استنادا إلى حديث: "أطعموها الأسارى"([99]).

2- اعتبار المال الحرام الذي جهل مالكه ملكاً حلالاً للفقراء يصرف عليهم، استناداً إلى حديث "هذا سحت، تصدقْ به"([100]).

3- اعتبار هذا المال ملكاً شائعاً في المصالح العامة والفقراء دون تمييز.

4- اعتباره كسباً خبيثاً لا ينبغي أن تبنى به المساجد وتشيَّد.

وانطلاقاً من هذه الأصول والاعتبارات تعددت أقوال الفقهاء في المسألة. أوجزها في قولين:

القول الأول: مذهب الشافعية، وابن رشد من المالكية: أن التحلل من المال الحرام بصرفه في بناء مسجد أو ترميمه جائز إذا كان مالكه الأصلي مجهولاً. فقد ذكر النووي: أنه إن كان المال الحرام لمالك لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر([101]) والربط([102]) والمساجد ونحو ذلك مما يشارك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على الفقراء([103]).

وهذا تخريج على الأصل الثالث -كما نرى- وهو أن المال الحرام إذا لم يعلم مالكه ليرد إليه، يكون ملكاً للفقراء والمساكين والمصالح العامة دون تمييز.

ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما يلي:

1- أن المال الضائع -ومثله الحرام الذي لا يعرف مالكه- تعود ملكيته إلى بيت المال، فإذا دخل بيت المال صرف في المصالح العامة -ومنها المساجد- وعلى الفقراء والمساكين مراعياً في ذلك الحاجة والمصلحة.

2- أن المال الحرام إذا دفع إلى الفقير لم يكن حراماً عليه باتفاق أهل العلم، بل يكون حلالاً محضاً -كما سبق بيانه- فيقاس عليه وضعه في المسجد، بجامع الاستحقاق.

3- أن الحرام صفة تلحق ذمة المكتسب بالحرام، لا عين المال، فهو الآثم، وهو الذي يعذب على كسب الحرام، فيكون وضعه في أي جهة من جهات الخير -ومنها المساجد- جائزاً ومبرئاً للذمة إذا صدق الفاعل في توبته([104]).

الثـاني: مذهب الحنفية، والحنابلة([105])، والمشهور عند المالكية، أنه لا يجوز جعل المال الحرام في المسجد بناء أو ترميماً.([106]) ويعتبر هذا منهم أخذاً بالاعتبار الرابع، وذلك لما يلي:

1- لأنه مال خبيث ينبغي أن تنزه عنه بيوت الله المعظمة.

2- لأن المال الحرام المجهول صاحبه حق الفقراء والمساكين، فهم مصرفه، وهو لهم حلال، فلا يصرف في غيرهم.

والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه المانعون. أنه لا يجوز وضع المال الحرام في بناء المساجد أو ترميمها، لأنها بيوت الله قد عظمها وشرفها بإضافتها إلى نفسه عز شأنه، فقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)([107]) وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)([108]) وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً، والخبيث مردود على صاحبه.

ويجاب عما ذكره أصحاب القول الأول، من أن الحرام وصف يلحق ذمة الشخص ولا يتعلق بذات المال، بأن الله عز وجل حرم على المشركين دخول المسجد الحرام لوصف الكفر فيهم مع أن ذوات أجسامهم طاهرة، بقوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)([109]).

قال الإمام الجصاص -رحمه الله-: إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نَجَساً، والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين: أحدهما نجاسة الأعيان، والآخر نجاسة الذنوب([110]).

فهذا المال الموصوف بالخبث، لخبث كسبه لا يدخل المسجد ولا يصرف في عمارته، والله يغنيه بالمال الحلال من أهل الصدق والكسب الطيب عن الحرام وأهله.

 


المبحث الثالث. التحلل من المال الحرام وطرقه وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: حكم التحلل من المال الحرام

سبق أن ذكرنا أن المال الحرام لا يدخل في ملك من هو تحت يده، ولو تصرف به كان تصرفه في غير ملكه، لأنه يحرم عليه الانتفاع به بأي وجه من الوجوه، فلا يجوز أداؤه في صدقة واجبة، أو كفارة، أو نذر، ولو فعل لم يجزئه في إسقاط ما وجب عليه، ولا كذلك في وفاء دين. ولكن يجب عليه أن يتحلل منه ويتخلص من إثمه برده إلى مالكه إن علمه، أو بالتصدق به إن جهله، وأن يتوب إلى الله عز وجل من فعله.

وهذا التحلل برده أو التصدق به واجب باتفاق الفقهاء تخلصاً من الإثم وتبرئة للذمة في الدنيا والآخرة، وهذه بعض أقوال العلماء:

1- نص الحنفية: على أنه لو مات رجل وكسبه من الحرام، ينبغي للورثة أن يتعرفوا، فإن عرفوا أربابها ردوها عليهم، وإن لم يعرفوا تصدقوا به([111]).

2- نص المالكية: على أن رد المظالم على أهلها واجب مستقل ليس شرطاً في صحة التوبة([112]).

3- نص الشافعية: على أن من كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى ورثته، وإن كان لمالك لا يعرفه فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، وإلا فيتصدق له على الفقراء([113]).

4- نص الحنابلة: على أن من قبض ما ليس له قبضه شرعاً ثم أراد التخلص منه، أن يرده على صاحبه، فإن تعذر رده عليه قضى به ديناً يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده على ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه([114]).

والخلاصة: أن المال الحرام لا يعتبر ملكاً لمن هو تحت يده، وعليه أن يتخلص منه لعظيم خطره، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([115])، فالتحلل من المال الحرام واجب شرعي لعظيم خطره، ومن هذه الأخطار الأمور التالية:

  • ‌أ) المال الحرام حجاب بين العبد وقبول الدعاء -وما أحوج المسلم إلى ذلك فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فاني يستجاب لذلك؟"([116]).
  • ‌ب) المال الحرام سبب ترد به الصلاة -فضلاً عن بقية الطاعات- فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام"([117]).
  • ‌ج) المال الحرام سبب لعذاب الآخرة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)([118]).
  • ‌د) من أضرار المال الحرام: المحق ونزع البركة في الدنيا. قال تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)([119]).

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه، إما أن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة([120]).

ومصداق هذا ما رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة"([121]) وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، فإن آكل الحرام ما يقصد بذلك إلا تكثير ماله وزيادته جشعاً وطمعاً، فعامله الله عز وجل بنقيض قصده، فكان أمره إلى القلة والمحق.

وطالما أن المال الحرام لا يملكه من هو تحت يده، فالواجب عليه التخلص منه والتوبة إلى الله، فما هي السبل المشروعة لهذا التحلل؟ ذلك ما سنبحثه في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: طرق التحلل أو التخلص من المال الحرام

بعد أن عرفنا أن التخلص من المال الحرام واجب على المسلم، فما هي الوسائل والسبل الناجعة في التحلل منه؟ يمكننا أن نجمل ذلك بالوسائل الآتية بحسب مصدر المال الحرام، هل هو شخص معين معروف أو مجهول؟.

أولاً: رد المال الحرام إلى صاحبه المعروف بعينه

إذا كان صاحب المال المأخوذ منه -حراماً- معروفاً بعينه فالأمر فيه واضح، فإنه في هذه الحال يجب رده إليه باتفاق الفقهاء، كما سبق النقل عنهم قريباً، فالمال المسروق أو المغصوب من شخص بعينه أو المأخوذ منه بطرق الغش أو الربا أو غير ذلك يرد إليه، لأنه مالكه، وقد قال صلى الله عليه سلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"([122]).

فلو كان المال قد تلف وهو مثلي رد مثله، لأن المثل يقوم مقام الأصل عدلاً وقسطاً، فإن لم يوجد المثل -أو كان المال قيمياً- رد إليه قيمته:

1- وتقوّم القيمة المردودة يوم الرد، أو الخصومة والقضاء على قول أبي حنيفة، لأن الانتقال من المثل إلى القيمة يثبت بحكم الحاكم، فتعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء.

2- وقال المالكية وأبو يوسف القاضي: تقوّم يوم الغصب أو السرقة، لأنه وقت انعقاد سبب الضمان ووجوب الرد، فاعتبر وقته يوم ذاك.

3- وقال الحنابلة ومحمد من الحنفية: تقوّم يوم الانقطاع، لأن الواجب في الرد هو المثل في الذمة، وإنما ينتقل إلى القيمة بالأنقطاع، فتعتبر قيمته يوم ذاك.

4- وقال الشافعية: تقوّم بأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم الانقطاع.

والذي أراه -والله أعلم- أن مذهب المالكية وأبي يوسف أقرب الأقوال لما نحن بصدد البحث فيه، لأنه جاء تائباً راغباً في التخلص من الحرام الذي في يده، تبرئة لذمته، فلا نشدد عليه، ومن ناحية أخرى فإن المغصوب أو المسروق دخل في ضمانه من حين الأخذ، فينبغي أن يعول عليه في التقدير.

فإن كان المأخوذ منه المال الحرام ميتاً أعطي هذا المال الحرام إلى ورثته، فإن أيس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق بهذا المال عنه، وتبرأ ذمته إن شاء الله([123]).

ثانياً: رد المال الحرام إلى صاحبه المجهول: إذا كان صاحب المال مجهولا، فلذلك حالان:

1- أن يكون مجهولاً حقيقة، بأن لا تعرف حياته من موته، أو لا يعرف مكان إقامة، ومثل ذلك وارثه.

2- أن يكون مجهولا حكماً. بأن يكون صاحبه أشخاصاً كثيرين والمال المجني بطريق الغش في المعاملة، أو الربا المأخوذ من البنوك.

فما هو حكم التحلل من هذا المال؟ وكيف يكون التحلل منه، مع كون مالكه الأصلي مجهولا لا يمكن رده إليه.

للعلماء في ذلك قولان:

القول الأول: مذهب جمهور الفقهاء -بمن فيهم الأئمة الأربعة- أن مصير هذا المال أن يصرف في مصالح المسلمين العامة كبناء المستشفيات والمدارس والأربطة وسفلتة الطرق أو يعطى للفقراء والمساكين، وهذا مصير كل مال حرام يجهل مالكه، لأنه لا يجوز أن يبقى في يد آخذه بالحرام، إذ اليد أثر للملك ولم يجعل الشرع السبيل الحرام سبباً للتملك، فلم يبق له إلا أن يصرف في المصالح العامة أو إلى الفقراء والمساكين([124]).

واستدلوا على ذللت بما يأتي([125]):

1- لما نزل قوله تعالى: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)([126]) كذب المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم، يزعم أن الروم ستغلب، فخاطرهم -أي: راهنهم- أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به، قال عليه صلاة والسلام: "هذا سحت، فتصدقْ به" وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار([127]).

وجه الاستدلال: أن القمار مال حرام لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يتملكه، وبين له مصرفه، وهو التصدق به في وجوه البر والإحسان.

2- أن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية، فذهب صاحبها -أي: ولم يأخذ الثمن- فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعلي الغُرم([128]).

وجه الاستدلال: أن ابن مسعود لما عجز عن معرفة صاحبه ليؤدي له حقه، وهو ليس بملكه، تصدق به بنية الأجر لصاحبه، فدل ذلك على جواز التصدق بما لا حق للإنسان في تملكه، وأن ذلك هو سبيله.

3- أن هذا المال الحرام طالما أنه غير مملوك لآخذه، فإما أن يتلف وإما أن يتصدق به، وليس ثمة سبيل آخر، وإتلاف المال وإضاعته ولو لم يكن له مالك معين لا يجوز شرعاً، ولذلك أمر الشرع بالتقاط الشاة الضائعة لأنها إما للملتقط أو للذئب أو للهلاك، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق من سبيل إلا أنه يصرف في مصالح المسلمين أو يتصدق به فينتفع به الفقراء والمساكين.

القول الثاني: أن التحلل من المال الحرام الذي لا يعرف له مالك يكون بإتلافه بالحرق أو رميه في البحر أو الصحراء أو الخراب من البيوت، ولا يجوز الانتفاع به في مصالح المسلمين أو التصدق به على الفقراء والمساكين، وممن قال بهذا الفضيل بن عياض حيث نقل الغزالي عنه أنه وقع في يده درهمان، فلما علم أنهما على غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي. وقد سمى ابن تيمية أمثال هؤلاء بالغالطين من المتورعة، حيث وُجِد منهم حُسنُ القصد وصدق الورع، لا صواب العمل([129]).

وحجة هؤلاء ما يلي:

1- أن المال الحرام ليس مملوكاً لمن تحت يده حتى يكون له حق التصرف فيه بصرفه في مصالح المسلمين، أو التصدق به على الفقراء والمساكين.

2- أن التصدق إنما يكون بالطيب، لا بالخبيث، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)... الآية([130]).

والراجح في المسألة -والله أعلم- هو قول الجمهور، لما ذكروا من الأدلة، ولأن عاقلاً لا يشك بأن التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه بإعطائه إلى من ينتفع به من الفقراء والمساكين أو صرفه في جهة المصالح العامة أسلم من إتلافه، ولهذا لما دعي النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه إلى شاة أخذت بغير إذن أهلها، ولم يستطع لَوْكَها واستساغتَها تركها وقال: "أطعموها الأسارى"([131]) ولم يأمر بإتلافها وإراقتها، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"([132]).

ولا نعني بهذا أنها كالصدقة التي يتصدق بها من ماله الحلال التي يثاب عليها وتنمى له حتى تكون مثل الجبل، وإنما جل ما في الأمر أن ذلك سبيل مقبول شرعاً لحط الوزر عن كاهله والتخلص من إثم إمساكه مالا ليس ملكاً له.

ويرى المالكية -من بين الجمهور- في المشهور عندهم أن يعطى المال الحرام إلى ببت المال ليصرف في المصالح العامة كبناء المستشفيات والمدارس وسفلتة الطرق وغير ذلك، فيستفيد منه الغني والفقير، والمسلم والكافر وغيرهم، ولا يختص به الفقراء والمساكين دون من سواهم([133]).

أقول: ولكن أين بيت المال الذي سيحفظ فيه هذا المال الذي جهل مالكه، ليصرف في مصالح المسلمين؟ وأين الحاكم الأمين على ذلك؟ ولذا ينبغي على الشخص نفسه أن يتصرف بنفسه، بحيث لو استطاع أن يصرف هذا المال الحرام في مصالح المسلمين فعل إبراءً لذمته وتخليصا لنفسه من الإثم، وإن لم يستطع وزعه على الفقراء والمحتاجين بنية الأجر والثواب لمالكه الأصلي.

وهذا ما أشار إليه النووي -رحمه الله- بقوله: المختار أنه إن علم أن السلطان يصرفه في مصرف باطل أو ظن ذلك ظناً ظاهراً، لزمه هو أن يصرفه في مصالح المسلمين مثل القناطر وغيرها، فإن عجز عن ذلك أو شق عليه لخوف أو غيره تصدق به على الأحوج فالأحوج، وأهم المحتاجين ضعاف أجناد المسلمين، وإن لم يظن صرف السلطان إياه في باطل فليعطه إياه أو إلى نائبه إن أمكنه ذلك من غير ضرر، لأن السلطان أعرف بالمصالح العامة وأقدر عليها([134]).

المطلب الثالث: التحلل من الفوائد البنكية

قد يضطر الشخص لإيداع ماله في بنك ربوي لكونه يسكن في بلد غير إسلامي، أو يودع بعض ماله لضرورة التعاقدات التجارية، وهذه الأموال تترتب عليها فوائد ربوية محرمة، فما هو الحل الشرعي لأجل التحلل منها والتخلص من إثمها؟.

إنه بالفكر والتأمل ليس أمامنا سوى احتمالات محددة يمكن من خلالها أن يتحلل هذا المسلم التائب أو المضطر إلى وضعها في البنك من إثمها، وهذه الاحتمالات هي على النحو التالي:

1- أن يتركها في البنك ويرفض استلامها خشية الإثم والمعصية. وهذا غير مقبول، لأن البنك إن كان في بلد إسلامي فإبقاء الفوائد الربوية فيه إعانة له على الاستمرار في المعصية، وتشجيع له على المضي قدماً في نظامه الربوي، وإن كان البنك في دولة كافرة فالأمر فيه أشد وانكى، لما في إبقائها في البنك من تقوية لهؤلاء الكفرة وتمكين لهم من رقاب المسلمين.

ولا شك أن الأولى أخذها والتحلل منها بصرفها في مشاريع خيرية في بلاد المسلمين أو التصدق بها على فقراء المسلمين ومحتاجيهم. وهذا عين الصواب.

ومع هذا فإننا نؤكد على أي مسلم يجد مندوحة تمكنه من سحب أمواله من هذه البنوك أن يفعل ذلك، ولا يتردد، لئلا يقع في معصية الربا ثم يبحث بعد ذلك عن الخلاص، وبخاصة إذا كانت في بنوك أجنبية، فإن الجناية تكون فيها مركبة من معصيتين:

أولهما: وضع المسلمين أموالهم في أيدي أعدائهم ليتقووا بها عليهم، أو يجمدوها متى أرادوا تحت أي غطاء أو مسميات.

ثانيهما: توظيف هذه الأموال في فوائد ربوية محرمة([135]).

2- أن يسحب الفوائد الربوية من البنك ويجعل ما في يده من مال حرام في خزانة الدولة، تنفق في مصالح المجتمع وهذا الحل غير عملي، لأن خزانة الدولة لا تأخذ تبرعات من الأفراد!!

3- أن يدفعه ضرائب للدولة فلا يجوز، لأدائه إلى أكل المال الحرام المنهي عنه.

4- أن ينفقه على نفسه وأهله، وقد تقدم أنه لا يجوز له أن يستهلك المال الحرام في حق نفسه وأهله إلا عند الضرورة، وبقدر الضرورة أيضاً.

5- أن يدفع هذا المال إلى جهة إسلامية خيرية موثوقة تعنى بإقامة المستشفيات أو مدارس للأيتام أو حفر للآبار وإقامة شبكة صحية للمياه، أو بناء دور للعجزة واللقطاء، أو غير ذلك من مشاريع الخير والنفع للأمة.

6- أن يدفع إلى الفقراء والمحتاجين مباشرة عوناً لهم وسداً لحاجتهم، سواء على شكل نقود أو لباس أو مواد غذائية أو غير ذلك.

فهذه احتمالات ستة، يمكن من خلالها التحلل من هذه الفوائد الربوية، أما الأول والثاني فقد ذكرنا أنهما غير مقبولين شرعاً وواقعاً، فيبقى الخامس والسادس محل النظر والبحث.

والذي أراه -والله أعلم- أن كلا الاحتمالين -أي: الخامس والسادس- قابل للعطاء، وصالح لأن يكون مصرفاً للمال الحرام إذا أراد محصّله التحلل منه والتوبة إلى الله عز وجل، فيدفع قسطاً منه إلى الفقراء والمحتاجين كما فعل عبد الله بن مسعود في ثمن الجارية، ويدفع قسطاً آخر إلى مؤسسات خيرية خصصت عملها لإقامة مشروعات خيرية تخدم المجتمع وتفيده.

والمسلم الحصيف الصادق في توبته هو صاحب المهمة والمسؤولية في هذا الأمر أولاً وآخراً، وعليه أن يجتهد في تبرئة ذمته. وهذا هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - ، إذ يقول ما نصه: (فهذه الأموال التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلا هي ما يصرف في مصالح المسلمين عند أكثر العلماء، وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب والخائن التائب والمرابي ونحوهم مما صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه فإنه يصرفه إلى ذوي الحاجات، ومصالح المسلمين)([136]).

والفوائد البنكية لا يعرف صاحبها قطعاً، فينبغي صرفها في هذا المجال.

وإنني لا أرى مبرراً لتخصيص مصرف المال الحرام الذي جهل صاحبه -كالفوائد الربوية- في الفقراء والمساكين دون المصالح العامة، كما يرى بعض الفقهاء المحدثين بحجة أنهم أصحابه يملكونه حلالاً بدليل الشرع، ولا يجوز صرفه في المصالح العامة([137]).

لأن نصوص الشرع تدل على أن كلتا الجهتين تصلح مصرفاً للمال الحرام.

  • أ‌) فقد جاء في قصة مخاطرة أبي بكر المشركين بأن الروم ستغلب الفرس، قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا سحت، فتصدق به"([138]).
  • ب‌) وجاء أيضاً في قصة الشاة التي دعي النبي صلى الله عليه وسلم للأكل منها، وكانت قد أخذت بغير إذن أهلها وذبحت وطبخت، فامتنع عن أكلها، فتركها، وقال: "أطعموها الأسارى"([139]).


معالم البحث ونتائجه

يجدر بنا أن نختم هذا البحث بأهم معالمه ونتائجه، وذلك على النحو التالي:

1- أن المال الحرام: كل ما يكسبه الشخص من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع.

2- قضى الشرع بأن المال الحرام لا يدخل تحت ملكية من أخذه، سواء كان ذلك بطريق الإرث أو الاختلاس والرشوة والقمار ونحوه أو العقود الفاسدة، وإن تم ذلك برضى المتعاقدين، لأن رضاهما لا يحل الحرام.

3- لا يجوز لمن كسب مالاً حراماً أن ينفقه على نفسه أو عياله، كما لا يجوز له أن يؤدي به الطاعات كالحج والعمرة، ولا ينفقه في تشييد المساجد ونحوها.

4- أنه يجب على من وقع تحت يده مال حرام أن يتحلل منه ويتخلص من تبعته. وسبيل ذلك: أن يعيده إلى صاحبه إن كان معروفاً، وإلا أنفقه في وجوه البر والإحسان كالجمعيات الخيرية، أو يتصدق به على الفقراء والمساكين والمستشفيات.

5- التوبة وحدها لا تكفي من دون رد المال الحرام إلى صاحبه إن كان معروفاً، أو التصدق به إن كان غير معروف.

6- الأولى لمن حصلت في يده فوائد بنكية أن لا يدعها للبنك لما في ذلك من الإعانة على التعامل بالربا، وبخاصة إذا حصلت له من بنك في دولة كافرة، فإنه إن تركها فيه كان ذلك عوناً لهم على الربا، وتقوية لهم على المسلمين في نهاية الأمر، وإنما يبذلها في المصالح العامة وعلى الفقراء والمساكين كما سق بيانه.



المـراجـع

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً: مصادر التفسير.

  • 1- أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص. أحكام القرآن، (دار الكتب العلمية، بيروت).
  • 2- أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي. أحكام القرآن، (دار المعرفة، بيروت).
  • 3- أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن، العظيم، (دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ-1986م).
  • 4- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان (تفسير الطبري) (دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م).
  • 5- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي. الجامع لأحكام القرآن، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ-1993م).

ثالثـاً: مصادر السنة وشروحها.

  • 1- عبد العظيم المنذري، إشراف د/محمد الصباح. الترغيب والترهيب، (دار مكتبة الحياة، بيروت 1411هـ-1990م).
  • 2- محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه، (المكتبة الإسلامية، استانبول).
  • 3- سليمان بن الأشعث السجستاني. سنن أبي داود، (دار الحديث، القاهرة، 1408هـ).
  • 4- أحمد بن الحسين البيهقي. سنن البيهقي، (دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند ط1، 1352هـ).
  • 5- محمد عيسى الترمذي، سنن الترمذي، تعليق عزت عبيد الدعاس (مطبعة الأندلس حمص، ط 1386هـ-1966م).
  • 6- علي بن عمر الدار قطني، سنن الدار قطني، تعليق محمد شمس الحق آبادي (دار المحاسن، القاهرة، ط 1386هـ-1966م).
  • 7- سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي، عناية عبد الفتاح أبو غدة (دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 1406هـ- 1986م).
  • 8- محمد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، عناية د/ البغا (دار ابن كثير، دمشق، ط4، 1410-1990م).
  • 9- مسلم بن حجاج القشيري، تحقيق خليل شيحا، صحيح مسلم، (دار المعرفة، بيروت ط3، 1417هـ- 1966م).
  • 10- محمد بن شرف بن أمير الصِّدِّيقي العظيم آبادي، عون المعبود، (تصوير دار الكتاب عن الطبعة الهندية، بيروت).
  • 11- محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير، (دار المعرفة، ط2، بيروت، 1391هـ-1972م).
  • 12- محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار، (دار الحديث، القاهرة).

رابعاً: مصادر الفقه.

1- الفقه الحنفي:

  • 1- زين العابدين إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم، البحر الرائق، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- محمد بن علي الحصكفي، الدر المختار، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1386هـ-1966م).
  • 3- محمد أمين بن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1386هـ-1966م).
  • 4- حسن بن منصور الفرغاني، الفتاوى الهندية، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط4، بدون تاريخ).
  • 5- أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني، الهداية شرح البداية، تحقيق أحمد شمس الدين (دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1422هـ-2002م).

2- الفقه المالكي:

  • 1- محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد، تحقيق عبد المجيد طعمه (دار المعرفة، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- أحمد الصاوي، تصحيح محمد عبد السلام شاهين، بلغة السالك على الشرح الصغير، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ-1995م).
  • 3- ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، البيان والتحصيل، (دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م).
  • 4- حاشية العدوي على شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (دار الفكر، بيروت).
  • 5- أحمد بن إدريس القرافي، الذخيرة، تحقيق د/محمد حجي (دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1994م).
  • 6- محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، قوانين الأحكام الشرعية، (دار العلم للملايين، بيروت، 1979م).
  • 7- محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المقدمات الممهدات، تعليق زكريا عميرات، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م).

3- الفقه الشافعي:

  • 1- أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، (المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق، ط2، 1405هـ- 1985م).
  • 2- حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج (دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، بدون تاريخ).
  • 3- أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، (دار الفكر، بيروت).
  • 4- أبو إسحاق إبراهيم بن علي شيرازي، المهذب، (مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ).
  • 5- محمد بن أحمد الرملي، نهاية المحتاج، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الأخيرة، 1386هـ- 1997م).

4- الفقه الحنبلي:

  • 1- علي بن سليمان المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق محمد بن حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- منصور البهوتي، دقائق أولي النهى (شرح منتهى الإرادات)، تحقيق د/ عبد الله التركي (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1421هـ-2000م).
  • 3- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، الروض المربع بحاشية، (ط8، 1419هـ).
  • 4- منصور البهوتي، كشاف القناع، تحقيق محمد حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ- 1997م).
  • 5- عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي، المغني، تحقيق د/ عبد الله التركي ود/ عبد الفتاح الحلو (دار هجر، القاهرة، ط2، 1410هـ-1989م).

خامساً: مصادر أصولية وقواعد فقهية

  • 1- محمد أبو زهرة، أصول الفقه، (دار الفكر العربي، القاهرة).
  • 2- ابن نجيم، شرح الحموي على الأشباه والنظائر (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ-1985م).
  • 3- علي حيدر (دار الجيل، شرح مجلة الأحكام العدلية، بيروت، ط1، 1411هـ-1991م).
  • 4- ابن رجب الحنبلي، القواعد في الفقه الإسلامي، (دار المعرفة، بيروت).
  • 5- بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، المنثور في القواعد، تحقيق د/تيسير فائق (مؤسسة الفلاح، الكويت، ط1، 1402هـ-1982م).

سادساً: مصادر في فقه الخلاف وأسبابه

  • 1- الشيخ علي الخفيف، أسباب اختلاف الفقهاء، (دار الفكر، القاهرة، ط2، 1416هـ-1996م).
  • 2- أبو بكر بن محمد بن إبراهيم المنذري، الإشراف، (دار الفكر، بيروت، 1414هـ-1993م).
  • 3- أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، الإفصاح، تحقيق محمد بن حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ-1996م).
  • 4- محمد بن عبد الرحمن الدمشقي، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1407هـ- 1987م).
  • 5- شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن النجدي (تصوير عن الطبعة الأولى 1398هـ).

سابعاً: مصادر في الآداب الشرعية

  • 1- أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، (دار الكتب العلمية، بيروت).
  • 2- أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، الآداب الشرعية، تحقيق شعيب الأرناؤوط (مؤسسة الرسالة، ط2، 1417هـ-1996م).
  • 3- أبو العباس أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي، الزواجر عن اقتراف الكبائر، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط3، 1398هـ-1378م).
  • 4- ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرناؤوط (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 1405هـ1985م).

ثامناً: مصادر في اللغة

  • 1- علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1416هـ-1995م).
  • 2- محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1417هـ-1997م).
  • 3- محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (دار صادر، بيروت، ط1، 1410هـ-1993م).

تاسعاً: كتب معاصرة

  • 1- محمد تقي العثماني، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، (دار القلم، دمشق، ط1، 1419هـ-1998م).
  • 2- د/ يوسف القرضاوي، الحلال والحرام، (مكتبة وهبة، القاهرة، ط24، 1421هـ-2000م).
  • 3- د/ محمد سعيد رمضان البوطي، قضايا فقهية معاصرة، (مكتبة الفارابي، دمشق، ط1، 1412هـ-1991م).
  • 4- مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، (دار الفكر، دمشق ط9، 1967م).
  • 5- محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد، (دار الفكر العربي، القاهرة).

 


الهوامش

([1])  أستاذ مشارك، قسم الفقه، كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة الملك خالد، المملكة العربية السعودية.

([2])  الفجر: 20.

([3])  رواه مسلم في الزكاة (باب: لو أن لابن آدم واديين برقم2412).

([4])  لسان العرب، والقاموس المحيط. مادة (مول).

([5])  البحر الرائق 5/430، حاشية رد المختار لابن عابدين 4/506.

([6])  المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقاء 3/114، الملكية ونظرية العقد للشيخ محمد أبو زهرة ص47.

([7])  أحكام القرآن لابن العربي 2/607، المنثور في القواعد للزركشي الشافعي 3/232، شرح منتهى الارادات3/121.

([8])  انظر: حاشية العدوي 2/382، الروض المربع بحاشية العاصمي النجدي 4/326، حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 2/152.

([9])  لسان العرب، ومختار الصحاح مادة: (حرم).

([10])  رواه أحمد 1/123، وأبو داود في الصلاة (618)، والترمذي في أبواب الصلاة (238) وقال: حديث حسن.

([11])  المحيط للزركشي الشافعي 1/255، شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي 1/386.

([12])  أصول الفقه للشيخ الفقيه محمد الخضري، ص55.

([13])  الزواجر عن اقتراف الكبائر لأحمد بن حجر الهيثمي 1/230.

([14])  رواه ابن ماجه في التجارات(2274) مختصرا بإسناد صحيح، وقال المنذري في الترغيب والترهيب 2/249، رواه البزار 2/349 رواه البزار ورواته رواة الصحيح.

([15])  النساء: 161.

([16])  المائدة: 42.

([17])  آل عمران: 75.

([18])  الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 3/235، وينظر أيضا: أحكام القرآن لابن العربي 1/243-244.

([19])  المائدة: 90.

([20])  المائدة: 3.

([21])  رواه مسلم في الإيمان (باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح برقم279).

([22])  إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 2/105.

([23])  مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/320.

([24])  إحياء علوم الدين 2/105.

([25])  الملكية ونظرية العدد لمحمد أبي زهرة ص110 وما بعدها، المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا 1/242 وما بعدها.

([26])  المدخل الفقهي العام 1/242.

([27])  مجلة الأحكام العدلية، المادة رقم: (103).

([28])  يرى الحنفية أن العقد الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه كبيع الخنزير ونحوه من النجاسات، أما العقد الفاسد فما شرع بأصله لا بوصفه كجهالة ثمن المبيع. وأما الجمهور فلا يفرقون بين الأمرين.

([29])  الاختيار 2/4 و2/15، حاشية العدوي 3/127، بد المجتهد 3/210، الإفصاح لابن هبيرة 1/270، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الرحمن الدمشقي ص127-130.

([30])  ينظر: حاشية ابن عابدين 4/170 وما بعدها، الحلال والحرام للقرضاوي ص238 وما بعدها، قضايا فقهية معاصرة لمحمد تقي العثمان ص220.

([31])  الإنصاف في أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي ص34 وما بعدها، أسباب اختلاف الفقهاء علي الخفيف ص101و 142.

([32])  المنثور في القواعد للزركشي 1/93، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص129.

([33])  رواه البيهقي 6/255، والدارقطني 4/88، وعبد الرزاق في المصنف 10/249 برقم(19005).

([34])  الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4/234، الميسر في أصول الفقه للدكتور إبراهيم محمد سلقيني ص399.

([35])  البقرة: 275.

([36])  البقرة:278- 279.

([37])  رواه مسلم في المساقاة (باب: لعن آكل الربا برقم4069).

([38])  رواه البخاري في البيوع باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة برقم (2027)، ومسلم في المساقاة باب: الربا برقم (4035).

([39])  لسان العرب، والمعجم الوسيط مادة (رشا).

([40])  التعريفات للجرجاني ص111.

([41])  ينظر: نه المحتاج للرملي 8/255، كشاف القناع 6/401، درر الحكام 4/590.

([42])  المغني 14/59، نه المحتاج 8/255، نيل الأوطار 8/268.

([43])  المائدة: 42.

([44])  جامع البيان (تفسير الطبري) 4/309 وما بعدها.

([45])  رواه أبو داود في الأقضية (3580) وابن ماجة في الأحكام (2313) والترمذي في الأحكام (1337) وقال حديث حسن صحيح.

([46])  درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر 4/592، وينظر أيضا: نه المحتاج 8/558، الفتاوى الهندية 3/210، الدر المختار 6/324.

([47])  القاموس المحيط، المعجم الوسيط، مادة: (يَسَر).

([48])  شرح المحلي على المنهاج 4/266، المغني لابن قدامة 14/154.

([49])  الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي 2/198، وينظر أيضا: أحكام القرآن للجصاص 2/582.

([50])  الدر المختار 5/482-483، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 6/62، البيان للعمراني 13/288، كشاف القناع 6/535.

([51])  المائدة:90- 91.

([52])  رواه مسلم في الشعر باب: تحريم اللعب بالنردشير برقم (5856)، وأبو داود في الأدب (4939)، وابن ماجة في الأدب (3763).

([53])  رواه البخاري في التفسير باب: أفرأيتم اللات والعزى برقم (4579)، ومسلم في الإيمان باب: من حلف باللات برقم (4236).

([54])  الزواجر لابن حجر 2/198، وينظر قريبا من هذا المعنى: شرح مسلم للنووي 11/106.

([55])  الفتاوى الهندية 3/210، الجامع لأحكام القرآن 3/237، المجموع 9/351.

([56])  النساء: 29.

([57])  البحر الرائق لابن نجيم 5/84، بد المجتهد لابن رشد 4/287، المهذب للشيرازي 2/277، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 6/231.

([58])  المائدة: 38.

([59])  رواه مسلم في الحدود باب: حد السرقة برقم (4384)، والنسائي 8/56 برقم (4873)، وابن ماجة في الحدود برقم (2583).

([60])  لسان العرب، والمصباح المنير، مادة:(غش).

([61])  البجيرمي علي الخطيب 3/137، كف الأخبار 1/295، التعريفات الفقهية ص158.

([62])  رواه البيهقي 6/100، والدارقطني 3/26 واللفظ له، وقد ورد الحديث من طرق متعددة لا تخلو من ضعيف أو مجهول، ولكن يقوي بعضها بعضاً، انظر: نيل الأوطار 6/318.

([63])  الإشراف على مذاهب أهل العلم للمنذري 3/320، الإفصاح لابن هبيرة 2/22.

([64])  رواه أحمد 5/8، وأبو داود في البيوع (3561)، والترمذي في أبواب البيوع (1266)، وابن ماجة في الصدقات (2400)، وصححه الحاكم 2/47، لكن في سماع الحسن من سمرة خلاف.

([65])  رد المختار 5/99، المقدمات الممهدات 2/263، المجموع للنووي 9/351، الإنصاف 8/323، إحياء علوم الدين 2/143.

([66])  رواه أحمد في المسند 2/399، وصححه الحاكم 4/126، قال الحافظ في مجمع الزوائد 5/45: فيه مسلم بن خالد الزنجي، ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.

([67])  رواه الترمذي في أبواب صفة القيامة (2453) وقال: حسن غريب. وابن ماجة في الزهد (4215).

([68])  رواه مسلم في العلم (باب: هلك المتنطعون برقم 6725) وأبو داود في السنة (4608).

([69])  المراجع السابقة في الفقرة (أ).

([70])  غمز عيون البصائر شرح الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي 3/234، الذخيرة للقرافي المالكي 13/318، الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي 1/470.

([71])  الأنعام: 164.

([72])  المدّثر: 38.

([73])  النساء: 111.

([74])  أحكام القرآن لابن العربي 2/774.

([75])  ذكره في الإحياء 2/143، وضعفه، ولم يعلق عليه الحافظ العراقي بشيء، وبيان الكلام عليه قريباً.

([76])  المها: ما يأتي بلا مشقة، المصباح المنير، مادة: (هنؤ).

([77])  رواه عبد الرزاق في المصنف 8/150 برقم (14675) ورجال إسناده كلهم ثقات.

([78])  رد المحتار على الدر المختار 5/99، المقدمات الممهدات لابن رشد 2/462، البيان للعمراني 5/118، المجموع للنووي 9/351، مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/307، الإنصاف للمرداوي 8/322-323.

([79])  الكهف: 82.

([80])  أحكام القرآن للقرطبي 11/27.

([81])  رواه أبو داود في الأشربة (3675)، وأحمد في المسند 3/119، قال الشوكاني في نيل الأوطار 8/188: رجال إسناده ثقات.

([82])  ينظر: عون المعبود 3/367، نيل الأوطار 8/188.

([83])  إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 2/147، المنثور في القواعد للزركشي 1/45.

([84])  المنثور في القواعد للزركشي 2/68و 70، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص107.

([85])  المصدر السابق نفسه.

([86])  إحياء علوم الدين للغزالي 2/145.

([87])  المجموع للنووي 9/351.

([88])  الاختيار لتعليل المختار 3/61، وينظر أيضا: تكملة فتح القدير 8/257.

([89])  القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي ص129-130، وينظر أيضا: زاد المعاد 5/779.

([90])  فتح القدير 2/319، البحر الرائق 2/541، الذخيرة للقرافي 3/178، إحياء علوم الدين 2/147.

([91])  المجموع 7/62، رد المحتار على الدر المختار 2/456.

([92])  الفروق للقرافي 2/85-86.

([93])  كشاف القناع للبهوتي 4/138، الإنصاف للمرداوي 6/194.

([94])  رواه البزار، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. (مجمع الزوائد للهيثمي 3/210).

([95])  القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي ص13.

([96])  المغني لابن قدامة 2/477.

([97])  انظر: مجمع الزوائد للهيثمي 3/210 وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ ناصر الدين الألباني 3/211.

([98])  انظر: فتح القدير 2/328، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 2/205، كف الأخيار 1/219، الكافي 1/380.

([99])  رواه أحمد 5/294، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء 2/144: إسناده جيد.

([100])  قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: حديث مخاطرة أبي بكر المشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعال: (ألم*غلبت الروم) وفيه فقال صلى الله عليه وسلم: (هذا سحت، فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه، والحديث عند الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه دون قوله (هذا سحت). قلت: قد ذكر قوله (هذا سحت...) في رو ابن أبي هاشم كما ذكرها، ابن كثير في تفسيره 3/433.

([101])  القناطر: الجسور، مفرده قنطرة، وهو جسر فوق النهر يعبر عليه. انظر: المعجم الوسيط، مادة: (قنطر).

([102])  الربط: جمع رباط، وهو مبنى لوقف على الفقراء والمجاهدين.

([103]) المجموع للنووي 9/351، وينظر أيضا: البيان والتحصيل لابن رشد المالكي 18/565، الذخيرة 13/321.

([104])  انظر نحو هذا: ص186 و197.

([105]) لم أعثر على قول صريح للحنابلة في هذه المسألة، ولكن ذلك يفهم من قولهم: إن الصلاة محرمة وغير صحيحة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، حيث إن المسجد إذا بني بالمال الحرام صار كالأرض المغصوبة.

([106])  رد المختار لابن عابدين 2/292، الذخيرة للقرافي 13/320.

([107])   التوبة: 18.

([108])   الجن: 18.

([109])   التوبة: 28.

([110])  أحكام القرآن للجصاص 3/114.

([111])  الفتاوى الهندية 3/210، وينظر أيضاً رد المختار 5/99.

([112])  الشرح الصغير بحاشية بلغة المسالك 4/417، وينظر أيضاً الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([113])  المجموع للنووي 9/351، وينظر أيضاً الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([114])  زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 5/778 وما بعدها، وينظر أيضا الآداب الشرعية لابن مفلح 1/468 وما بعدها.

([115])   البقرة: 278-279.

([116])  رواه مسلم في الزكاة (باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم 2343) والترمذي في أبواب التفسير (2992). والآية الأولى من سورة المؤمنون رقم 51. والآية الثانية من سورة البقرة رقم 73.

([117])  ذكره الغزالي في الإحياء 2/103، ولم يعقب عليه الحافظ العراقي بشيء.

([118])    النساء: 10.

([119])   البقرة: 376.

([120])  تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/336.

([121])  رواه ابن ماجه في التجارات بإسناد صحيح برقم (3379)، ورواه الحاكم أيضاً.

([122])  رواه أحمد 5/8، وأبو داود في البيوع، 1266، وقال حسن صحيح، وابن ماجه في الصدقات (2400) وقد سبق تخريجه ص192.

([123])  الهد شرح البد، للمرغناني الحنفي وبهامشها نصب الر للزيلعي 4/406، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ص358، روضة الطالبين للنووي 5/20، كشاف القناع 4/131.

([124])  الدر المختار 4/283، الذخيرة للقرافي 13/320، إحياء علوم الدين للغزالي الشافعي 2/144، القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي من224 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 40.

([125])  إحياء ضوء الغزال 2/144.

([126])   الروم: 1-3.

([127])  قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: حديث مخاطرة أبي بكر للمشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: (الم غلبت الروم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا سحت، فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه، والحديث عند الترمذي في أبواب تفسير القرآن 1913 وحسنه، والحاكم في المستدرك 2/410 وصححه دون قوله (هذا سحت...) قلت قد ذكر قوله (هذا سحت...) في رو ابن أبي هاشم كما ذكرها، ابن كثير في تفسيره 3/433، وقد سبق تخريجه من 20.

([128])  رواه البيهقي في السنن 6/188. والشافعي في الأم 4/72. قال ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي 6/188: في سنده مجهول، ثم ساق أثاراً صحيحة عن ابن عباس وابن عمر وأم سلمة تقويه وتعضده.

([129])  الأحياء للغزالي 2/144، مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/596.

([130])   البقرة: 267.

([131])  رواه أحمد 5/294، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث 2/144: إسناده جيد.

([132])  رواه البخاري في الزكاة (باب: قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافاً) برقم 1407هـ).

([133])  الدعوة للإمام القرافي 13/320، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([134])  المجموع للنووي 9/351-352، وينظر أيضاً: البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 5/258.

([135])  قضايا فقهية معاصرة للدكتور سعيد رمضان الألوطي ص68، بحوث في قضايا فقهية معاصرة لمحمد تفي العثمان ص222.

([136])  مجموع الفتاوى 28/283-284، الطبعة الثانية.

([137])  ينظر: دراسات حول الربا والفوائد والمصارف ص76-77، فيصل مولوي.

([138])  سبق تخريجه، ص211.

([139])  سبق تخريجه، ص213.

 

المال الحرام

تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه 

عبد العزيز بن عمر الخطيب

أستاذ مشارك، قسم الفقه

كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة الملك خالد

المملكة العربية السعودية


ملخص البحث

يعد الكسب الحرام عملا خطيرا، لا ينبغي أن يقدم عليه المسلم، لما يترتب عليه من مخالفة للشارع الحكيم، تبعده عن الله، وتوقعه في الإثم. وتهدف هذه الدراسة إلى بيان حكم: تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه، من خلال النقاط الآتية:

1- أن المال الحرام: كل ما يكسبه الشخص من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع وقد قضى الشرع، بأنه لا يدخل تحت ملكية من هو تحت يده، سواء كان ذلك بطريق الإرث أو العقود الفاسدة، وإن تم ذلك برضا المتعاقدين، لأن رضاهما لا يحل الحرام.

2- أنه يحب على من تحت يده مال حرام أن يتحلل منه ويتخلص من تبعته. وسبيل ذلك: أن يعيده إلى صاحبه إن كان معروفا، وإلا أنفقه في وجوه البر والإحسان -في غير المساجد تعظيما لشأنها- كالجمعيات الخيرية، أو يتصدق به على الفقراء والمساكين.

3- أن التوبة وحدها لا تكفي من دون رده إلى صاحبه إن كان معروفاً، أو التصدق به.

4- أن الأولى لمن حصلت في يده فوائد بنكية أن لا يدعها للبنك لما في ذلك من الإعانة على التعامل بالربا، وبخاصة إذا حصلت له من بنك في دولة كافرة، فإنه إن تركها فيه كان ذلك عوناً لهم على الربا، وتقوية لهم على المسلمين في نهاية الأمر.


مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد العالمين، وخيرة الله من الخلق أجمعين. وبعد.

فإنه لما كان المال عصب الحياة، ووسيلة بناء الحضارات، وازدهار الأمم، تطلعت إليه النفوس البشرية، وحاول كل إنسان أن يجمع منه الكثير الكثير، وتلك المحاولة لجمع الكثير هي انعكاس طبيعي للفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً)([2]) والتي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"([3]).

هذا ولا يزال الإنسان حريصاً على جمع المال حتى يموت ويفارقه، ويمتلئ جوفه من تراب قبره. ولا عيب عليه في ذلك ولا عقاب، ولكن العيب والذم والإثم على من يسعى في تحصيله بأي طريق كان دون ضابط من دين أو خلق.

ثم إنه لما ضعف الرادع في النفوس واختلط المال الحلال بالحرام، عن قصد أحيانا وعن جهل أحياناً أخرى -وهما أمران أحلاهما مرّ- وجب على أهل العلم ورواد الإصلاح أن يمسكوا بالسفينة قبل أن تغرق، فإن أكل المال الحرام والتغذي عليه حجاب بين الخلق وإجابة الدعاء بالفرج والنصر والتمكين في الأرض.

ولعل هذه الدراسة تؤدي بعض الدور في إنقاذ السفينة، وذلك بتحذير الذين يقدمون على المال الحرام من سوء العاقبة، وتفتح لهم أبواب التحلل منه لمن تاب وأناب؛ ويتوب الله على من تاب، كما تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن تبع هداه...

منهج البحث

سأتبع في هذا البحث المنهج الاستقرائي، المصحوب بالوصف والاستدلال والتعليل والمقارنة، وتتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذات الصلة، مع عرض أقوال الفقهاء السابقين، والباحثين المعاصرين، وتوثيقها، والترجيح بينها بحسب الدليل الأقوى.

إجراءات البحث

  • 1- تخريج الآيات: بعزوها إلى سورها، وبيان أرقامها فيها.
  • 2- تخريج الأحاديث النبوية، وأخذها من مصادرها الحديثية، فإن كان الحديث مخرجا في الصحيحين أو أحدهما اقتصرت على ذلك، وربما أكملت تخريجه من المصادر الأخرى باختصار يناسب الموضوع.
  • 3- استقاء آراء الفقهاء من مصادر الفقه المعتمدة في كل مذهب، وأخذ القول المعتمد في المذهب.
  • 4- إن كان ثمة حاجة إلى ذكر قول مرجوح في مذهب ذكرته، وبينت وجهة نظره، والفائدة منه.
  • 5- ذكر وجه الاستدلال من النص القرآني، أو الحديث النبوي عند الحاجة إلى ذلك.
  • 6- ربما ذكرت وجهة نظري بعد ذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم، ورجحت أحدهما بحسب ما يبدو لي من قوة الرأي وواقعيته.

والله الموفق..


التمهيد: تعريف المال الحرام وبيان أقسامه وفيه مطلبان

المطلب الأول: تعريف المال الحرام

ليس هناك من تعريف خاص للمال الحرام عند الفقهاء، ولذلك سوف نلجأ إلى تعريف كل كلمة على حده، ثم نحاول الوصول إلى تعريف جامع لهما.

المال لغة، هو: في الأصل ما يملك من الذهب والفضة،ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، سواء كان ذهباً أو فضة، أو حيواناً، أو جماداً، أو أي شيء ينتفع به الإنسان([4]).

وأما في اصطلاح الفقهاء: فقد عرفه الحنفية، بأنه: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة([5]). فالمنافع عندهم لا تعتبر مالا، لأنها لا يمكن ادخارها، فمن غصب دارا وسكنها سنين لا يضمن أجرتها، لأن المنفعة عندهم ليست بمال حتى تضمن.

وفي هذا نظر، فإن الأشياء إنما تقوّم ويُنفَق في سبيلها المال، ويسعى كل الناس في تحصيلها لمنفعتها، فكيف لا تعتبر مالا؟.

ومن ناحية ثانية: فإن الطباع تختلف في ميولها من شخص إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، فلا تصلح إذاً أن تكون معياراً لاعتبار المال، يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الأشياء لا يمكن ادخارها كالثمار والخضروات، وهي أموال قطعاً، لا يستطيع أحد أن لا يعتبرها مالا، فإن من سرق منها بمقدار النصاب من حرزها يقطع. فالتعريف إذاً غير سديد، كما نبه إليه بعض الفقهاء المحدثين([6]).

ويستفاد من النظر في مذاهب الأئمة الآخرين أن تعريفهم للمال أعم وأشمل، فهو في نظرهم يعم الأعيان والمنافع([7]). وعباراتهم في ذلك متقاربة، لأن مرادهم واحد وفي ضوء هذا فالمال عندهم: ما يجوز تملكه شرعاً من الأعيان والمنافع([8]).

والحرام في اللغة: نقيض الحلال([9])، وأصله المنع، ومنه حديث: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.... الحديث"([10]).

فكأن المصلي بالتكبير والدخول في الصلاة صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن وصف الصلاة، فقيل للتكبير: تحريم لمنعه المصلي من ذلك.

والحرام في الاصطلاح: ما يذم فاعله شرعاً، ولو قولا أو فعلا قلبياً([11]). وعرفه الشيخ محمد الخضري بتعريف جامع فقال: هو وصف شرعي يلحق القول أو الفعل الذي نهى الشرع عنه نهيا جازماً، بواسطة النصوص الصريحة في القرآن أو السنة الصحيحة، ولم توجد قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة([12]).

والتحريم كما يجري على القول والفعل، يجري على الأعيان والمنافع، كما ذكرنا عن جمهور الفقهاء.

فالمال الحرام إذاً: ما كان مكتسباً، من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع. فالمسروق والمغصوب والرشوة والربا، والمكتسب بالغش والتزوير والقمار والاتجار بالخمر والمخدرات، والمكتسب بعقد باطل كبيع الحصاة والغرر والنجش، وإنكار الوديعة والمرهون وأجرة السحر والزنا والنياحة. وغير ذلك من الأعيان، وكسكنى دار مقابل شهادة زور وإصلاح سيارة بإصلاح ثلاجة ونحو ذلك، وكلها أموال حرام، ولئن حاول البعض حصرها تحت أسباب معينة فإن ذلك غير ممكن وغير سليم، وكلها داخلة في عموم الباطل المنهي عن أكله في الآية([13]). ولا بأس أن يكون ذلك التقسيم والحصر لمجرد الدراسة والبحث في أسباب معينة للكسب، والحق أنها لا تنحصر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: :"الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك"([14]). فالمراد بالربا المنهي عنه كل كسب حرام.

 

قال القرطبي رحمه الله:

إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده؛ فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال تعالى في اليهود: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ)([15]) ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)([16]) يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)([17]) وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب([18]).

المطلب الثاني: أقسام المال الحرام

يقسم العلماء المال الحرام إلى قسمين:

الأول: الحرام لذاته.

وهو ما كان حراماً في أصله لوصف قائم في ذاته وكنهه، كالخمر والخنزير والميتة والقمار والغِش، فالخمر حرمت لوصف الإسكار المزيل للعقل، والخنزير والميتة حرما لخبثهما وللضرر المحقق الحاصل منهما، والغش حرم للضغائن والأحقاد التي يولدها في النفوس، ولأنه أكل لأموال الغير بغير حق.

وقد حرمت هذه الأشياء بنصوص ثابتة من القرآن والسنة.

1- قال تعالى في شأن الخمر والميسر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([19]).

2- وقال في شأن الخنزير والميتة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)([20]) وقال صلى الله عليه وسلم في شأن الغش: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا"([21])  ويقاس عليها كل ما تحققت فيه علة التحريم، فيحرم لهذا الوصف، فالطعام مثلا إذا فسد وصار مضرا حرم أكله -كالميتة- لهذا الوصف الذي قام في ذاته([22]).

فهذه الأموال -إطلاق اسم المال عليها مجاز- لا يجوز للمسلم أن يتملكها، وعليه أن يتحلل منها بأية وسيلة إذا صارت تحت يده، بل من أتلفها له (أي للمسلم) ليس عليه ضمان مثلها أو قيمتها.

الثاني: الحرام لسببه.

وهو ما كان مشروعاً في أصله، ولكن حرم بسبب طرأ عليه، كالمال المسروق والمغصوب، فإنه حلال في أصله لكل من يتملكه بحق، ولكنه انقلب إلى مال حرام لمن صار تحت يده بسبب السرقة أو الغصب وهو وصف طارئ، وكذلك الثمن المأخوذ في بيع باطل أو فاسد، فإن تملك الثمن في أصله مشروع لمن بذل المبيع مقابل الثمن، ولكنه انقلب إلى مال حرام بسبب طارئ هو عدم مراعاة حكم الشرع في إجراء العقد.. وهكذا، ولذلك سماه بعض العلماء بالحرام لكسبه([23]

 تنبيهاً على أنه حلال في الأصل ولكنه صار حراماً بسبب الكسب غير المشروع، وقد سماه الغزالي: بالحرام لخلل في جهة إثبات اليد عليه([24])، وهو أعم مما ذكرناه عن بعضهم، فإنه يدخل فيه المال الموروث -وهو ليس من كسب الوارث، بل هو تملك جبري- إذا كان المورِّث قد كسبه من حرام، لأن انتقال المال الحرام من المورث إلى الوارث بطريق الإرث لا يطيبه، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مطلب خاص إن شاء الله تعالى.


المبحث الأول: طرق تملك المال الحرام وأحكامه

تمهيد

لما كان المال الذي يحوزه المسلم لا يدخل في ملكيته، ولا يحق له التصرف فيه إلا إذا كان سبب الحيازة مشروعاً، فقد أذن الشرع للمسلم أن يكسب المال بكل وسيلة ممكنة بشرط أن تخلو من الحرام وشبهته، ومن هذه الوسائل التي ذكرها العلماء الأمور التالية:

1- إحراز المباحات: حيث لا مالك لها، كالصيد واستخراج المعادن من الأرض، والاحتطاب.

2- الإرث والوصية: حيث يخلف الوارثُ والموصى له الميتَ في ماله، فيملكه، ولذلك يسميه البعض بـ (الخلفية).

3- العقود الناقلة للملكية من شخص لأخر، كالبيع والهبة وبدل الخلع.

4- التولد من المملوك: حيث إن القواعد الشرعية قررت أن: ما يتولد أو ينشأ من المملوك مملوك، فمالك الأصل هو أولى بفرعه من سواه، سواء ما يحصل بسبب من مالك الأصل، أو بطبعه دون عمل من مالك الأصل. فثمرة الشجر، وولد الحيوان، وصوف الغنم ولبنها، كلها مملوكة لمالك الأصل.

وبناء عليه يعد ولد الدابة المغصوبة وثمر الكرم المغصوب ملكاً للمالك المغصوب منه، لا للغاصب([25]).

وقد كان في جاهلية العرب، ولدى الأمم الأخرى أسباب للملكية رفضها التشريع الإسلامي؛ فبعضها شنعه واعتبره من أشد الجرائم، وبعضها أباه واعتبره من المحارم.

فالأول: كالغزو الداخلي بين القبائل عند العرب وغيرهم، وكاسترقاق المدين إذا عجز عن الأداء عند الرومان وفي جاهلية العرب.

والثاني: كالتقادم المكسب الذي كان في أواخر التشريع الروماني، وورثته القوانين الأوروبية، ولا يزال فيها.

فالفقه الإسلامي قبل قاعدة التقادم، ولكن لا على أنه سبب مكسب للملكية، بل على أنه مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مر عليه الزمن المعين -وهو خمسة عشر عاماً- تدبيراً تنظيمياً للقضاء واجتنابا لعراقيل الإثبات ومشكلاته بعد التقادم([26]).

وهكذا فإن كل تملك بأحد هذه الأسباب الأربعة مشروع، ويبيح للمالك التصرف في المال المكتسب، بشرط أن لا يكون مصحوبا بالحرام الذي نهى الشرع عنه، فإن كان حراماً لم يدخل في ملكيته، وبالتالي لا يصح له التصرف فيه -بل عليه التحلل منه- وسوف أعرض بشيء من التفصيل والبيان لهذا المال الحرام الذي يخرج عن هذه الوسائل الأربعة المشروعة، والذي لا يملكه من يصير تحت يده، وذلك في أربعة مطالب.

المطلب الأول: تملك المال الحرام بالعقود المحرمة

العقود: جمع عقد، وهو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله([27]). وبعض العقود جائزة ومشروعة لاستيفائها الأركان والشروط، وبعضها غير جائزة ولا مشروعة لما لحقها من خلل في الأركان أو الشروط كأن يكون محل العقد غير قابل للتملك كالخمر والخنزير، هذا وقد يحصل الشخص على المال الحرام برضا مالكه، وذلك بالتعاقد معه على غير ما شرع الله وارتضاه لعباده المؤمنين مما يحقق مصلحة الخلق، ومن صور ذلك:

1- تعاطي العقود الفاسدة: وضع الشرع شروطاً وقواعد وضوابط للعقود، وأمر المؤمنين التقيد بها في بيوعاتهم؛ حفاظاً على مصالحهم، ودفعاً للنزاعات بينهم.

  • ‌أ- فاشترط في المبيع: أن يكون معلوماً، منتفعاً به، مباحاً، مملوكاً للبائع... إلخ.
  • ‌ب- واشترط في الثمن: أن يكون معلوماً أيضاً قدراً وصفة... إلخ.
  • ‌ج- واشترط في كل من المتعاقدين: التكليف، والاختيار.

فإذا روعيت هذه الشروط عند إجراء العقد صح العقد وترتب عليه أثره، بأن تنتقل ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع، ولو اختل شرط من هذه الشروط كان العقد باطلا، وعليه يكون البائع قد أخذ الثمن حراماً ولم يدخل في ملكيته، وكذلك حال المشتري.

على أن هناك خلافاً بين الجمهور والحنفية في الفرق بين العقد الباطل والفاسد([28]) ولكن الجميع متفقون على عدم اعتبار العقد الباطل، وأنه حرام، وأنه لا يترتب عليه نقل الملكية، فالواجب إعادة كل مال إلى مالكه، ولا اعتبار لرضا المتعاقدين عند مخالفة النصوص الشرعية، وإنما يشترط الرضا ويعتبر في حدود ما شرع الله وبين.

وجدير بنا هنا أن نصنف العقود إلى ثلاثة أصناف:

عقود متفق على صحتها: كبيع عين حاضرة مرئية للمتعاقدين بثمن معلوم، فما يكسبه المسلم بسبب ذلك حلال قطعاً.

عقود متفق على بطلانها: كبيع المجهول والغرر والحصاة وبيع الخمور والخنزير والعقد المشتمل على الربا والزنا، فما يكسبه المسلم بسبب ذلك حرام قطعاً، ولا يدخل في ملكية الآخذ، ويجب على الآخذ التحلل منه إذا حصل في يده خروجاً من الإثم والمعصية. وهي وإن كانت برضا المعطي المالك فإن رضاه لا يجعل المال حلالا طالما أن العقد خالف النظام الشرعي في التعاقد.

عقود اختلف الفقهاء في صحتها، ومن ذلك:

- قديماً: بيع المعاطاة، وهو جائز عند الجمهور باطل في الأصح عند الشافعية وبيع العين الغائبة التي لم توصف، وهو باطل عند الجمهور جائز عند الحنفية وله الخيار إذا رأى([29]).

- وحديثاً: بيع المرابحة المعمول به في بعض المؤسسات المالية، حيث أجازه بعض الفقهاء المعاصرين ومنعه بعضهم، والتأمين التجاري (السوكرة) الذي أجازه بعض المعاصرين ومنعه الأكثرون([30]).

وإنما يعود سبب الخلاف إلى عدم قطعية النصوص في الدلالة أو الثبوت، أو إلى اختلاف أنظار الفقهاء ومناهجهم في الاستدلال، أو إلى احتمالات اللغة، أو غير ذلك([31]).

وبناء على ذلك هل يكون المال المكتسب بواحد من هذه العقود المختلف فيها حلالا هنيئاً مريئاً للمتعاقدين باعتبار رأي المبيحين، أم حراماً يجب التحلل منه اعتبارا برأيها المانعين؟

الواقع أن المسلم الذي يتعامل بمثل هذه العقود أحد أشخاص ثلاثة:

الأول: عالم عرف الأدلة واللغة ومسالك الاجتهاد، فيعمل باجتهاده، فلو كان يرى جواز العقد كان الكسب المترتب عليه حلالا طيباً لا شيء فيه، حتى وإن تغير اجتهاده بعد فترة فإنه يعمل باجتهاده الأخير، ولا يجب عليه التحلل من الكسب السابق، فإن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد([32])، لأن الثاني ليس بأولى من الأول حيث إن كل واحد قد استوفى شروطه في وقته، ولهذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه في المسألة المشتركة عندما تغير اجتهاده فيها: "تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم"([33]).

الثاني: أن يكون مقلداً -كأغلب طلبة العلم- فهو على مذهب من يقلده، فإن كان العقد صحيحاً في ذلك المذهب فما يكسبه به حلال طيب لا شيء فيه، لأن صاحب المذهب لم يبنِ مذهبه إلا على تأويل صحيح باعتقاده.

الثالث: أن يكون عامياً يتبع في كل مسألة رأي من يسأله. فهذا عليه أن يتحرى أهل العلم والتقوى ويسألهم، فإن أفتوه بالجواز وصحة العقد كان الكسب حلالا طيبا، وإن أفتوه بالتحريم كان الكسب حراما عليه أن يتحلل منه، والعهدة في ذلك على العالم المفتي([34]).

2- عقد الربا: وهو حرام باتفاق العلماء، ومن كبائر الذنوب التي توعد الله فاعلها بالحرب، فقال عز شأنه: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)([35]) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ)([36])

وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء"([37]).

وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الورِق بالذهب رباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُر بالبُر رباً هاءَ هاءَ، والشعير بالشعير رباً إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر رباً هاءَ وهاءَ"([38]).

ولسنا هنا بصدد بيان الأحكام الربوية التفصيلية، وإنما يكفي أن نعلم من خلال ما ذكرنا من آي القرآن، والسنة، وإجماع العلماء أن المال الذي يحصله المرابي حرام -علم بذلك أو جهل- وعليه أن يتحلل منه ويتخلص من إثمه.

ويدخل فيه ما يحصله الشخص من فوائد ربوية على ماله سواء بسبب إقراضها لأشخاص أو إيداعها في البنوك الربوية. كل ذلك حرام باتفاق أهل العلم، ولا تدخل هذه الفوائد في ملكيته، وإنما الواجب عليه أن يتحلل منها بما يحقق المصلحة ويبرئ الذمة كما سنوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

المطلب الثاني: تملك المال بالرشوة، والميسر

أولاً الرشوة

الرشوة في اللغة: بتثليث الراء، الجَعْل الذي يعطى لقضاء مصلحة، وجمعها: رِشا، ورُشا([39]).

وقال الشريف الجرجاني: هي ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل([40]).وحول هذا المعنى تدور عبارات الفقهاء([41]).

والرشوة حرام بالإجماع و هي من كبائر الذنوب([42])، يحرم طلبها وإعطاؤها، والوساطة فيها بين الراشي والمرتشي، وذلك للأدلة التالية:

1- قال تعالى في وصف اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)([43]) أي: يسمع بعضهم لبعض قول الأباطيل في محمد صلى الله عليه وسلم وفي حدود الله كحد الزنا، حيث كان بقول كبراؤهم: إن محمداً ليس بنبي، كان حد الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم، ويأخذون على ذلك الرشا. قال قتادة: كان ذلك في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: السحت: الرشا([44]) وهو مروي عن غيره كذلك. وجه الاستدلال أن الله عز وجل وصفهم بذلك في معرض الذم لهم على ما هم فيه من التكذيب للحق وأكل الأموال بالباطل محذراً للمؤمنين أن يكونوا كذلك.

2- وقد جاء الحديث النبوي مؤكدا تحريم الرشوة، لما لها من آثار سيئة على الدين والخلق والمجتمع، في تغيير الحقائق وتلبيس الباطل لباس الحق والصواب. قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي"([45]). ولهذا انعقد الإجماع -كما سبق آنفاً- على تحريمها لعظيم مفسدتها.

والمال الذي يأخذه الشخص رشوة حرام -كما تقرر- ولا يدخل في ملكية الآخذ، وعليه أن يتحلل منه بإعادته إلى صاحبه إن كان معروفا، أو التصدق به والتوبة مما فعل، فتبرأ ذمته عندئذ إن شاء الله تعالى.

 

قال العلامة علي حيدر:

لا يملك المرتشي الرشوة ولو قام المرتشي بالأمر الذي ندبه إليه الراشي تماماً، فلذلك إذا كان مال الرشوة موجودا فيرد عيناً، وإذا كان مستهلكاً فيرد بدلا، وإذا كان الراشي توفي فيرد إلى ورثته بالحكم بالرد على هذا الوجه لتخليص المرتشي من حكم الضمان الدنيوي، أما الخلاص من الحكم الأخروي وهو الإثم واستحقاق النار فلا يحصل إلا بالتوبة والاستغفار. كذلك إذا توفي المرتشي فلا يملك وارثه الرشوة، ويلزمه إعادتها إلى الراشي، حتى إنه إذا توفي الرجل الذي كسبه حرام يجب على ورثته أن يتحروا أصحاب ذلك المال الحرام فيردوه إليهم، وإذا لم يجدوهم فعليهم أن يتصدقوا بذلك المال([46]).

ثانيا: الميسير (القمار)

الميسر في اللغة: هو القمار بأي نوع كان، وهو كل لعب فيه مراهنة ومخاطرة. وأصله -كما قال الجصاص- من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه، وهو السهام التي يجيلونها، فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم، فرمما أخفق بعضهم لا يحظى بشيء وهو من خرج له سهم الغفل، وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر؛ وحقيقته: تمليك المال على المخاطرة([47]).

وقريب من هذا المعنى اللغوي المعنى الشرعي، حيث يذكر الفقهاء أن صورة القمار المحرمة هي التي يتردد فيها اللاعب بين أن يغنم أو يغرم([48]).

ومع أن لفظة القمار لم ترد في القرآن الكريم وإنما عبر القرآن عنها بالميسر، فإن الفقهاء أدرجوا في الميسر المحرم كل ضروب القمار مهما اختلفت أسماؤه وصوره وحكموا بتحريمها، طالما قامت على تمليك المال بالمخاطرة، وهي التي قد تحدث وقد لا تحدث.

قال ابن حجر الهيثمي المكي: الميسر هو: القمار بأي نوع كان([49]).

والقمار كله حرام باتفاق الفقهاء([50])، وهو مسقط للشهادة كذلك باتفاقهم، لما فيه من قتل للمواهب الإنسانية واعتماد على الحظ، وضياع للوقت فيما حرم الله عز شأنه، وزرع لبذور البغضاء والحقد والشقاق بين الناس، وعلاوة على ذلك فهو سبيل لأكل أموال الناس بالباطل والزور. ومن هنا جاء النهي عنه مقروناً بأشياء ينفر منها حِسّ الإنسان ويجفل منها كيانه، لأنها رجس من عمل الشيطان، ولأنها كلها حزمة واحدة هي من معالم الجاهلية ومفاخرها، قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)([51])

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"([52]) وهذا أيضاً اقتران وتشبيه يجعل المسلم بعيدا عن هذه العادة الذميمة. ولشناعة المقامرة وبشاعتها وخطرها على الدين والخلق أمر الإسلام طالبها -ولو لم يفعل- بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف، فقال في حلفه: واللاتِ والعزّى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق"([53]). فإذا اقتضى مطلق القول طلب الكفارة والصدقة المنبئة عن عِظم ما وجبت له أو سنت، فما ظنك بالفعل والمباشرة([54]).

وما يكسبه المقامر بالقمار هو كسب خبيث حرام بلا ريب، والواجب في الكسب الخبيث الحرام تفريغ الذمة من تبعته، وذلك برده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو صرفه في المصالح أو التصدق به على الفقراء إن كان مجهولا([55])، مع التوبة والاستغفار، ولا يكون التحلل منه إلا بذلك.

المطلب الثالث: تملك المال الحرام بالاختلاس أو القهر ونحوه

من المقرر شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال الغير إلا عن رضاه وطيب نفسه، وفي حدود ما أذن الشرع به لقوله تعالى: (لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)([56])، ولحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" وبناء على هذا يكون المال المأخوذ خلسة أو قهراً بغير رضا صاحبه حراماً لا يدخل في ملكية الآخذ، وعليه أن يتخلص منه بإعادته إلى صاحبه إن عرفه، أو يتصدق به إن جهله.

ومن صور وضع اليد على مال الغير بغير رضاه ما يلي:

1- السرقة: وهي أخذ المكلف نصاباً محرزاً مملوكاً للغير على وجه الخفية([57]) ومثل ذلك استعارة المتاع ثم جحده وإنكاره. وهي من كبائر الذنوب التي رتب الشرع على مرتكبها حد القطع، زجراً له ولأمثاله، لئلا تمتد أيديهم إلى أموال الناس وممتلكاتهم. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)([58]). وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"([59]) ولولا أنها كبيرة وأمرها عظيم ما رتب الشرع على فعلها قطع اليد، نشراً للأمن والأمان في المجتمع المسلم.

وهي لا تفيد السارق ملكيته للمال المسروق، وإنما هو مال حرام يجب عليه رده إلى صاجه، فإن مات فإلى ورثته، وهذا شرط لازم لقبول التوبة.

2- الغش: في اللغة -بكسر الغين- نقيض النصح، يقال: غش صاحبه: إذا زين له غير المصلحة وأظهر له غير ما أضمر([60]). ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى، فإخفاء العيب في السلعة المبيعة غِش، والإخبار بغير السعر الحقيقي في بيع التولية أو الوضيعة أو المرابحة غش، ووصف السلعة بغير صفتها الحقيقية للمشتري غش، لأنه تغرير بالمشتري وخديعة له، وإعطاء العملة المغشوشة غش، وبيع السلع التقليدية على أنها ماركات أصلية غش، وإعطاء شيك غير قابل للصرف غش. وهكذا كل تغرير في عقد يعدّ غِشّاً محرماً.

وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن الغش حرام، وأكل لأموال الناس بالباطل، سواء كان بالقول أو بالفعل، وسواء كان في كتمان العيب في المعقود عليه أو الثمن، أو الكذب والخديعة، وسواء أكان في المعاملات أم في غيرها من المشورة والنصيحة.

وما يحصل بسبب الغِش من مال بيد الغاش مضمون عليه لا يدخل في ملكه، وعليه رده إلى صاحبه تبرئة لذمته. وعلى الحاكم زجره وتأديبه بما يراه كافياً في حقه، وعظة وعبرة لغيره.

3- الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق([61])، وحكمه أنه حرام؛ لأنه أكل لأموال الناس بغير حق، وسبب من أسباب الظلم في المجتمع. وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع:

  • - فمن الكتاب قوله تعالى: (لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). ولا شك أن الغصب أكل للمال بالباطل.
  • - ومن السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"([62]).
  • - وقد أجمع العلماء على تحريمه([63]).

فلو غصب شخص مالا لآخر لم يدخل في ملكه، وهو حرام عليه، ويجب عليه أن يعيده إلى صاحبه إن عرفه، أو يتصدق به إن جهله، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"([64]). ولا فرق بين أن يكون ما غصبه من الأموال العامة -كخزينة الدولة وإداراتها- أو من أموال أشخاص معينين، ولا فرق بين أن يكون منقولا أو عقاراً، كل ذلك حرام لا يدخل في ملكية الغاصب، وعليه أن يتحلل منه وجوباً، للأدلة التي سبق ذكرها.

المطلب الرابع: تملك المال الحرام بالإرث

الإرث شرعاً هو: خلافة الوارث للمورث في ملكيه أمواله، وهو سبب من أسباب التملك الجبري، لا يفتقر إلى توافق بين الوارث والموروث وإنما يحصل التملك به بفرض من الشارع الحكيم، وقد تكفل القرآن الكريم ببيان مستحقيه من الذكور والإناث، وبيان مستحقاتهم، حتى لا يبغي أحد على أحد. وعليه، فللمال الموروث أحوال:

1- أن يكون المال الموروث حلالا: فيأخذه الوارث حلالا طيبا مباركا فيه، بعد سداد ما على المورث من حقوق لله تعالى أو للعباد.

2- أن يكون الوارث لا يدري من أين اكتسبه مورثه، أمن حلال أم من حرام؟ ولم يكن ثمة علامة أو إشارة إلى طريق اكتسابه، فهو حلال للوارث مملوك له باتفاق العلماء([65]).

ولا يكلف الوارث بالبحث والتنقيب، فإن الأصل في مكاسب المسلم الحلال، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدهم على أخيه المسلم، فأطعمه طعاماً فليأكل من طعامه، ولا يسأله عنه، فإن سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه، ولا يسأله عنه"([66]).

وجه الاستدلال: أن ما يملكه المسلم لأخيه المسلم على سبيل الإطعام أو الإسقاء يكون حلالاً له ولا يكلف بالسؤال عن سبب كسبه، فكذلك الإرث.

ج- أن يكون مشكوكا فيه: فهو حلال للوارث أيضاً، إذ لا يبنى على الشك حكم، وإنما تبنى الأحكام على اليقين، فإن تورع عنه، فأخذه، وأنفقه فهو حسن، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس"([67]). ولكن لا ينبغي أن يصل ذلك إلى درجة التنطع والورع البارد، فقد حكي عن بعضهم أنه اشترى شيئاً من رجل، فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة، فرده عليه خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء للجمعة، فإن هذا غلو في الدين لا معنى له، وقد "هلك المتنطعون"([68]).

د- أن يكون المال الموروث حراما معروفاً بعينه للوارث: فهذا يجب على الوارث أن يرده إلى صاحبه قطعاً، وهو حرام عليه، فإن كان صاحبه ميتاً رده إلى ورثته، لأنه حقيقة ليس مملوكا للمورث حتى تنتقل ملكيته إلى وارثه([69]).

هـ- أن يكون المال الموروث حراماً معروفاً، لا بعينه: كأن كان الشخص يتاجر بالمسكرات أو المخدرات، أو يتعامل بالربا، أو كان المال أجرة بغاء، أو حفلات ماجنة، أو أجرة صكوك مزورة، أو رشوة، أو ربح ميسر أو غش، أو غير ذلك، فهل يطيب بالإرث، ويكون حلالا للوارث، وعلى المورث إثم كسبه من الحرام؟ أم لا.

للعلماء في ذلك قولان:

الأول: مذهب بعض الحنفية، وسحنون من المالكية، وبعض الحنابلة، وبعض التابعين كالحسن البصري وغيره. أنه يطيب بالإرث، ويحل للوارث أن ينتفع به، والإثم على المورث بسبب كسبه وتحصيله من طريق غير مشروع([70]).

ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما يأتي:

1- عموم الآيات في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)([71]) وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)([72])

وقوله: (وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)([73]).

وجه الاستدلال: أنه لا تتحمل نفس وزر ما كسبت نفس أخرى، سواء مما يتعلق في أمر الدنيا أو الآخرة، وأن تلك النفس الآثمة هي المرتهنة المحاسبة على عملها.

قال ابن العربي: هذا حكم من الله تعالى نافذ، في الدنيا والآخرة، وهو أن لا يؤخذ أحد يجرم أحد([74]).

2- روي أن رجلا ممن ولي عمل السلطان مات، فقال صحابي: الآن طاب ماله، أي لوارثه([75]).

3- أن رجلا قال لابن مسعود: إن لي جاراً يأكل الربا، وإنه لا يزال يدعوني، فقال: مهنؤه([76]) لك، وإثمه عليه([77]).

4- أن الوزر لا يكون إلا على مقترف الإثم ومكتسب الحرام، والوارث لا علاقة له بالمورث الذي اكتسب المال من طريق حرام فيطيب له المال، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

الثاني: مذهب جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة([78]).

أن الإرث لا يُطَيِّب المال إذا كان المورث قد جناه من حرام، فإن الحرام يتعدى إلى الوارث أيضاً كما يتعدى العمل الصالح بنفعه إلى الوارث، قال تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)([79]) فقد حُفظ لهما مالهما بصلاح أبيهما، فكما أن الصلاح يتعدى بنفعه من المورث إلى الوارث، كذلك الحرام يبقى حراما ولو صار تحت يد الوارث([80]). والواجب على الوارث أن يرده إلى صاحبه إن عرفه، فإن لم يعرفه تصدق به على الفقراء والمساكين.

ورجح المرداوي الحنبلي الكراهة وقال: تقوى الكراهة وتضعف بحسب قلة الحرام وكثرته.

ويستدل لهم على ذلك بما يأتي:

1- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا طلحة الأنصاري سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "عن أيتام ورثوا خمراً؟ فقال: أَهْرقْها، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: لا"([81]).

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم تملك الخمر بالإرث لتحريم عينها، فيقاس عليها تملك المال الحرام بالإرث، بجامع نهي الشارع عن حيازة كل منهما بسبب وجود صفة الحرام المتأصلة فيهما([82]).

2- يستدل من المعقول أنه يجب التحلل من المال الحرام والتخلص منه، وعلة ذلك أنه غير مملوك للمورث أصلا فكيف يورثه، ويطيب بذلك للوارث. ومن هنا قال العلماء: من كان في يده مال حرام محض فلا حج عليه، ولا تلزمه كفارة مالية، لأنه مفلس، ولا تجب عليه الزكاة، إذ واجب الزكاة إخراج ربع العشر مثلا، وهذا يجب عليه إخراج الكل، إما رداً على المالك إن عرفه، وإما صرفاً إلى الفقراء والمساكين إن لم يعرف المالك([83]).

والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن عموم الآيات التي استدل بها للفريق الأول مخصص بما ذكرنا في أدلة الفريق الثاني، والخاص مقدم على العام عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فكيف إذا أمكن الجمع بأن تحمل الآيات على غير ما يتعلق بحقوق الناس.

وأما حديث "الآن طاب ماله" فضعيف كما سبق ذكره، فلا يصلح للاستدلال ومعارضة ما هو أقوى منه.

وأما حديث ابن مسعود فيجاب عنه بأنه رأي صحابي غير ملزم، لان مبناه الاجتهاد.


المبحث الثاني: إنفاق المال الحرام وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: إنفاقه على نفسه وعياله.

سبق أن ذكرنا أن ما يدخل من مال حرام تحت يد الشخص لا يملكه، ولا يجوز أن يتصرف به تصرف الملاك، فلم يبق أمامه إلا أن يتخلص منه بطريقة مقبولة شرعاً، فيتصدق به أو ينفقه في المصالح العامة، كما سنوضحه في مبحث التحلل، ولكن هل يجوز أن ينفق منه على نفسه أو عياله؟

الحق أنه لا ينبغي أن يقال: بالجواز أو عدمه على إطلاقه، وإنما يكون ذلك بحسب حالتي مكتسب المال الحرام، كما يلي:

أولهما: أن يكون غنياً، بحيث يكون عنده من المال ما يكفيه وعياله، ويغنيه عن التغذي بهذا المال الحرام. فهذا لا يجوز له قطعاً أن ينفق منه على نفسه أو عياله، لأنه غني بما عنده  ولأن هذا المال الحرام ليس ملكه.

ثانيهما: أن يكون فقيراً، فقد ذكر جمهور العلماء: أنه يجوز له أن يأكل منه -بسبب الفقر والحاجة إلى الصدقة- للضرورة، وبمقدار الضرورة فقط، لأن المحظور لا يجوز إلا عند الضرورة أو الحاجة، وإذا جاز، جاز بمقدارها فقط، إذ الضرورات تبيح المحظورات([84])، والضرورة تقدر بقدرها([85]). وكذا يجوز أن يتصدق منه على أهله، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من أهله وعياله.

قال الغزالي- رحمه الله-: إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إن كان فقيرا، أما عياله وأهله فلا يخفى، لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله، بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته، لأنه أيضاً فقير، ولو تصدق به على فقير جاز، وكذا إذا كان هو الفقير([86]).

وأكّد هذا الجواز الإمام النووي في المجموع، فقال: وهذا الذي ذكره الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه([87]).

وقال ابن مودود الموصلي الحنفي: الملك الخبيث سبيله التصدق به، ولو صرفه في حاجة نفسه جاز، ثم إن كان غنياً تصدق بمثله، وإن كان فقيراً لا يتصدق([88]).

وقال ابن رجب الحنبلي:

الأموال التي تجب الصدقة فيها شرعاً للجهل بأربابها كالغصوب والودائع، لا يحوز لمن هي في يده الأخذ منها على المنصوص، وخرج القاضي جواز الأكل منها إذا كان فقيراً على الروايتين في شراء الوصي من نفسه كذا نقله عنه ابن عقيل في فنونه، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب الفقير إذا تاب([89]).

قلت: ولكن ينبغي أن يقيد هذا الجواز بالقيود التالية:

1- أن يكون فقيراً، فيأكل منه باسم الصدقة على نفسه منه من رب المال، للضرورة، وبقدرها.

2- أن يكون الأكل الذي أبيح مقيداً بقصد التوبة والتحلل من هذا المال، فكما يجوز له أن يتصدق به على الفقراء تحللا منه، يجوز أن يتصدق به على نفسه وعياله، أما بغير هذا القصد فلا يجوز.

3- أن تكون التوبة والتحلل بالصدقة منه على نفسه بعد وقوعه في يده، وإلا نكون قد أجزنا للفقير أن يحصل المال الحرام ابتداء -بالسرقة أو الغش أو غير ذلك- لينفق على نفسه باسم التصدق عن صاحبه.

4- أن يكون المالك الأصلي للمال مجهولا، فإن كان هو أو وارثه معروفاً لم يجز له أن يتصدق به على نفسه ولا على غيره، لأن الواجب عندئذ رده إلى مالكه.

وعلى أي حال، فأرى -والله أعلم- أن الأفضل والأسلم لهذا الفقير أن يتصدق بمثل ما أكل إذا اغتنى تبرئة للذمة، ولكن لا يجب.

المطلب الثاني: إنفاقه في أداء الحج

الحج فريضة على المسلم يؤديه ببدنه وماله، ولهذا اشترط لوجوبه الاستطاعة البدنية، والمالية، ومن هنا استحب الفقهاء أن يكون المال من كسب حلال، فإنه أرجى للقبول عند الله عز وجل. ولكنهم اختلفوا في صحته إذا كانت نفقته من كسب حرام على قولين:

القول الأول: مذهب الحنفية والمالكية والشافعية: أن الحج بالمال الحرام -وإن كان خبيثاً- صحيح تسقط به الفريضة، كالصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب، وكالصيام مع النميمة أو شهادة الزور([90]). واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- أن الحج أفعال مخصوصة من أركان وواجبات، والمال الحرام أمر خارج عنه، وإنما ينفقه في تحصيلها، فهو وسيلة للوصول إلى مكة لأداء هذه الأفعال، خارج عن ماهية الحج وحقيقته ولا تلازم بينهما، فلا يؤثر فيه فساداً طالما سلمت أركانه وواجباته، ولكن لا ثواب له فيه([91]).

2- قياساً على الصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها صحيحة، لأن الإقامة والمكث فيها فترة الصلاة أمر خارج عن حقيقتها فهو الحرام؛ لأنه شغل للمكان المغصوب بغير حق، فكذلك المال الحرام الذي ينفقه الحاج أمر خارج عن ماهية الحج وحقيقته، فلا يؤثر في صحته.

قال القرافي: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماء مغصوب، أو يحج بمال حرام، كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة -خلافاً لأحمد- والعلة ما تقدم أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر، قد وجدت من حيث المصلحة، لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به كان النهي مجاوراً، وهي الجناية على الغير.... ثم يقول: فإن النفقة لا تعلق لها بالحج، لأنها ليست ركنا ولا صرفت في ركن، بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر([92]).

القول الثاني: مذهب الحنابلة في الأصح عندهم، أن الحج بالمال الحرام باطل، وبالتالي لا تسقط به الفريضة([93]).

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أمّ هذا البيت من الكسب الحرام شَخَصَ في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب، وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك، ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك. وإذا خرج الرجل حاجاً بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع مأجوراً غير مأزور، وأبشر بما يسرك"([94]).

2- أن المال شرط لوجوب الحج، فيكون شرطاً لصحته، فإذا كان حراماً -وهو غير مملوك لمن تحت يده- لم يصح الحج([95]).

3- أن المسلم منهي عن الحج بالمال الحرام، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء بالمال المغصوب، كل ذلك لا يصح، لأن الصلاة والوضوء والحج عبادات أتي بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما هو عاصٍ به، ممتثلاً بما هو محرم عليه، متقرباً بما يبعد به عن الله([96]).

والراجح من هذين القولين هو قول الجمهور، وهو أن الحج بالمال الحرام يصح وتبرأ ذمة المكلف، لكن الفاعل آثم، لأن النفقة ليست شرطاً من شروط صحة الحج باتفاق الفقهاء، وذلك للأمور التالية:

1- أن حديث أبي هريرة ضعيف، لا يعول عليه، فقد ضعفه الهيثمي بسبب سليمان بن داود. وقال الألباني عنه: ضعيف جداً، رواه البزار في مسنده من طريق سليمان بن داود، وقال: الضعف بَيّن على أحاديث سليمان بن داود، ولا يتابعه عليها أحد([97]).

2- أنه لا يلزم من كون المال شرطاً للوجوب أن يكون شرطاً للصحة، بل ليس هو شرطاً للوجوب على الإطلاق، فإن القريب الذي لا يجد مشقة في الوصول إلى مكة، وكذا أهل مكة يجب عليهم أن يحجوا ولو لم يجدوا المال وتسقط عنهم الفريضة لو حجوا باتفاق([98]).

3- أن النهي عن الشيء لا يقتضي فساده إلا إذا كان منصباً على حقيقة الشيء وماهيته، فإن كان منصباً على أمر خارج عن حقيقته لا ينبغي أن يكون فاسداً، كالبيع مع الغش فإنه منهي عنه، ولم يقل أحد بفساده.

المطلب الثالث: إنفاقه في تشييد المساجد

هل تعتبر المساجد من المصالح العامة التي يجوز للتائب أن يصرف المال الحرام في بنائها أو ترميمها أو فرشها؛ أم أنها تنزه عن ذلك لشرفها، لأن المال الحرام مال خبيث لا ينبغي أن يعمر به بيوت قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه بالغدو والآصال؟

الذي يظهر -والله أعلم- أن هذه المسألة تتنازعها أصول واعتبارات ينبني الحكم عليها وهي:

1- اعتبار المال الحرام الذي جهل مالكه ملكاً للمصالح العامة حصراً -كالفيء- ينفق فيها دون غيرها، استنادا إلى حديث: "أطعموها الأسارى"([99]).

2- اعتبار المال الحرام الذي جهل مالكه ملكاً حلالاً للفقراء يصرف عليهم، استناداً إلى حديث "هذا سحت، تصدقْ به"([100]).

3- اعتبار هذا المال ملكاً شائعاً في المصالح العامة والفقراء دون تمييز.

4- اعتباره كسباً خبيثاً لا ينبغي أن تبنى به المساجد وتشيَّد.

وانطلاقاً من هذه الأصول والاعتبارات تعددت أقوال الفقهاء في المسألة. أوجزها في قولين:

القول الأول: مذهب الشافعية، وابن رشد من المالكية: أن التحلل من المال الحرام بصرفه في بناء مسجد أو ترميمه جائز إذا كان مالكه الأصلي مجهولاً. فقد ذكر النووي: أنه إن كان المال الحرام لمالك لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر([101]) والربط([102]) والمساجد ونحو ذلك مما يشارك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على الفقراء([103]).

وهذا تخريج على الأصل الثالث -كما نرى- وهو أن المال الحرام إذا لم يعلم مالكه ليرد إليه، يكون ملكاً للفقراء والمساكين والمصالح العامة دون تمييز.

ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما يلي:

1- أن المال الضائع -ومثله الحرام الذي لا يعرف مالكه- تعود ملكيته إلى بيت المال، فإذا دخل بيت المال صرف في المصالح العامة -ومنها المساجد- وعلى الفقراء والمساكين مراعياً في ذلك الحاجة والمصلحة.

2- أن المال الحرام إذا دفع إلى الفقير لم يكن حراماً عليه باتفاق أهل العلم، بل يكون حلالاً محضاً -كما سبق بيانه- فيقاس عليه وضعه في المسجد، بجامع الاستحقاق.

3- أن الحرام صفة تلحق ذمة المكتسب بالحرام، لا عين المال، فهو الآثم، وهو الذي يعذب على كسب الحرام، فيكون وضعه في أي جهة من جهات الخير -ومنها المساجد- جائزاً ومبرئاً للذمة إذا صدق الفاعل في توبته([104]).

الثـاني: مذهب الحنفية، والحنابلة([105])، والمشهور عند المالكية، أنه لا يجوز جعل المال الحرام في المسجد بناء أو ترميماً.([106]) ويعتبر هذا منهم أخذاً بالاعتبار الرابع، وذلك لما يلي:

1- لأنه مال خبيث ينبغي أن تنزه عنه بيوت الله المعظمة.

2- لأن المال الحرام المجهول صاحبه حق الفقراء والمساكين، فهم مصرفه، وهو لهم حلال، فلا يصرف في غيرهم.

والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه المانعون. أنه لا يجوز وضع المال الحرام في بناء المساجد أو ترميمها، لأنها بيوت الله قد عظمها وشرفها بإضافتها إلى نفسه عز شأنه، فقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)([107]) وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)([108]) وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً، والخبيث مردود على صاحبه.

ويجاب عما ذكره أصحاب القول الأول، من أن الحرام وصف يلحق ذمة الشخص ولا يتعلق بذات المال، بأن الله عز وجل حرم على المشركين دخول المسجد الحرام لوصف الكفر فيهم مع أن ذوات أجسامهم طاهرة، بقوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)([109]).

قال الإمام الجصاص -رحمه الله-: إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نَجَساً، والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين: أحدهما نجاسة الأعيان، والآخر نجاسة الذنوب([110]).

فهذا المال الموصوف بالخبث، لخبث كسبه لا يدخل المسجد ولا يصرف في عمارته، والله يغنيه بالمال الحلال من أهل الصدق والكسب الطيب عن الحرام وأهله.

 


المبحث الثالث. التحلل من المال الحرام وطرقه وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: حكم التحلل من المال الحرام

سبق أن ذكرنا أن المال الحرام لا يدخل في ملك من هو تحت يده، ولو تصرف به كان تصرفه في غير ملكه، لأنه يحرم عليه الانتفاع به بأي وجه من الوجوه، فلا يجوز أداؤه في صدقة واجبة، أو كفارة، أو نذر، ولو فعل لم يجزئه في إسقاط ما وجب عليه، ولا كذلك في وفاء دين. ولكن يجب عليه أن يتحلل منه ويتخلص من إثمه برده إلى مالكه إن علمه، أو بالتصدق به إن جهله، وأن يتوب إلى الله عز وجل من فعله.

وهذا التحلل برده أو التصدق به واجب باتفاق الفقهاء تخلصاً من الإثم وتبرئة للذمة في الدنيا والآخرة، وهذه بعض أقوال العلماء:

1- نص الحنفية: على أنه لو مات رجل وكسبه من الحرام، ينبغي للورثة أن يتعرفوا، فإن عرفوا أربابها ردوها عليهم، وإن لم يعرفوا تصدقوا به([111]).

2- نص المالكية: على أن رد المظالم على أهلها واجب مستقل ليس شرطاً في صحة التوبة([112]).

3- نص الشافعية: على أن من كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى ورثته، وإن كان لمالك لا يعرفه فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، وإلا فيتصدق له على الفقراء([113]).

4- نص الحنابلة: على أن من قبض ما ليس له قبضه شرعاً ثم أراد التخلص منه، أن يرده على صاحبه، فإن تعذر رده عليه قضى به ديناً يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده على ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه([114]).

والخلاصة: أن المال الحرام لا يعتبر ملكاً لمن هو تحت يده، وعليه أن يتخلص منه لعظيم خطره، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)([115])، فالتحلل من المال الحرام واجب شرعي لعظيم خطره، ومن هذه الأخطار الأمور التالية:

  • ‌أ) المال الحرام حجاب بين العبد وقبول الدعاء -وما أحوج المسلم إلى ذلك فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فاني يستجاب لذلك؟"([116]).
  • ‌ب) المال الحرام سبب ترد به الصلاة -فضلاً عن بقية الطاعات- فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام"([117]).
  • ‌ج) المال الحرام سبب لعذاب الآخرة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)([118]).
  • ‌د) من أضرار المال الحرام: المحق ونزع البركة في الدنيا. قال تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)([119]).

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه، إما أن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة([120]).

ومصداق هذا ما رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة"([121]) وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، فإن آكل الحرام ما يقصد بذلك إلا تكثير ماله وزيادته جشعاً وطمعاً، فعامله الله عز وجل بنقيض قصده، فكان أمره إلى القلة والمحق.

وطالما أن المال الحرام لا يملكه من هو تحت يده، فالواجب عليه التخلص منه والتوبة إلى الله، فما هي السبل المشروعة لهذا التحلل؟ ذلك ما سنبحثه في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: طرق التحلل أو التخلص من المال الحرام

بعد أن عرفنا أن التخلص من المال الحرام واجب على المسلم، فما هي الوسائل والسبل الناجعة في التحلل منه؟ يمكننا أن نجمل ذلك بالوسائل الآتية بحسب مصدر المال الحرام، هل هو شخص معين معروف أو مجهول؟.

أولاً: رد المال الحرام إلى صاحبه المعروف بعينه

إذا كان صاحب المال المأخوذ منه -حراماً- معروفاً بعينه فالأمر فيه واضح، فإنه في هذه الحال يجب رده إليه باتفاق الفقهاء، كما سبق النقل عنهم قريباً، فالمال المسروق أو المغصوب من شخص بعينه أو المأخوذ منه بطرق الغش أو الربا أو غير ذلك يرد إليه، لأنه مالكه، وقد قال صلى الله عليه سلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"([122]).

فلو كان المال قد تلف وهو مثلي رد مثله، لأن المثل يقوم مقام الأصل عدلاً وقسطاً، فإن لم يوجد المثل -أو كان المال قيمياً- رد إليه قيمته:

1- وتقوّم القيمة المردودة يوم الرد، أو الخصومة والقضاء على قول أبي حنيفة، لأن الانتقال من المثل إلى القيمة يثبت بحكم الحاكم، فتعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء.

2- وقال المالكية وأبو يوسف القاضي: تقوّم يوم الغصب أو السرقة، لأنه وقت انعقاد سبب الضمان ووجوب الرد، فاعتبر وقته يوم ذاك.

3- وقال الحنابلة ومحمد من الحنفية: تقوّم يوم الانقطاع، لأن الواجب في الرد هو المثل في الذمة، وإنما ينتقل إلى القيمة بالأنقطاع، فتعتبر قيمته يوم ذاك.

4- وقال الشافعية: تقوّم بأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم الانقطاع.

والذي أراه -والله أعلم- أن مذهب المالكية وأبي يوسف أقرب الأقوال لما نحن بصدد البحث فيه، لأنه جاء تائباً راغباً في التخلص من الحرام الذي في يده، تبرئة لذمته، فلا نشدد عليه، ومن ناحية أخرى فإن المغصوب أو المسروق دخل في ضمانه من حين الأخذ، فينبغي أن يعول عليه في التقدير.

فإن كان المأخوذ منه المال الحرام ميتاً أعطي هذا المال الحرام إلى ورثته، فإن أيس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق بهذا المال عنه، وتبرأ ذمته إن شاء الله([123]).

ثانياً: رد المال الحرام إلى صاحبه المجهول: إذا كان صاحب المال مجهولا، فلذلك حالان:

1- أن يكون مجهولاً حقيقة، بأن لا تعرف حياته من موته، أو لا يعرف مكان إقامة، ومثل ذلك وارثه.

2- أن يكون مجهولا حكماً. بأن يكون صاحبه أشخاصاً كثيرين والمال المجني بطريق الغش في المعاملة، أو الربا المأخوذ من البنوك.

فما هو حكم التحلل من هذا المال؟ وكيف يكون التحلل منه، مع كون مالكه الأصلي مجهولا لا يمكن رده إليه.

للعلماء في ذلك قولان:

القول الأول: مذهب جمهور الفقهاء -بمن فيهم الأئمة الأربعة- أن مصير هذا المال أن يصرف في مصالح المسلمين العامة كبناء المستشفيات والمدارس والأربطة وسفلتة الطرق أو يعطى للفقراء والمساكين، وهذا مصير كل مال حرام يجهل مالكه، لأنه لا يجوز أن يبقى في يد آخذه بالحرام، إذ اليد أثر للملك ولم يجعل الشرع السبيل الحرام سبباً للتملك، فلم يبق له إلا أن يصرف في المصالح العامة أو إلى الفقراء والمساكين([124]).

واستدلوا على ذللت بما يأتي([125]):

1- لما نزل قوله تعالى: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)([126]) كذب المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم، يزعم أن الروم ستغلب، فخاطرهم -أي: راهنهم- أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به، قال عليه صلاة والسلام: "هذا سحت، فتصدقْ به" وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار([127]).

وجه الاستدلال: أن القمار مال حرام لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يتملكه، وبين له مصرفه، وهو التصدق به في وجوه البر والإحسان.

2- أن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية، فذهب صاحبها -أي: ولم يأخذ الثمن- فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعلي الغُرم([128]).

وجه الاستدلال: أن ابن مسعود لما عجز عن معرفة صاحبه ليؤدي له حقه، وهو ليس بملكه، تصدق به بنية الأجر لصاحبه، فدل ذلك على جواز التصدق بما لا حق للإنسان في تملكه، وأن ذلك هو سبيله.

3- أن هذا المال الحرام طالما أنه غير مملوك لآخذه، فإما أن يتلف وإما أن يتصدق به، وليس ثمة سبيل آخر، وإتلاف المال وإضاعته ولو لم يكن له مالك معين لا يجوز شرعاً، ولذلك أمر الشرع بالتقاط الشاة الضائعة لأنها إما للملتقط أو للذئب أو للهلاك، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق من سبيل إلا أنه يصرف في مصالح المسلمين أو يتصدق به فينتفع به الفقراء والمساكين.

القول الثاني: أن التحلل من المال الحرام الذي لا يعرف له مالك يكون بإتلافه بالحرق أو رميه في البحر أو الصحراء أو الخراب من البيوت، ولا يجوز الانتفاع به في مصالح المسلمين أو التصدق به على الفقراء والمساكين، وممن قال بهذا الفضيل بن عياض حيث نقل الغزالي عنه أنه وقع في يده درهمان، فلما علم أنهما على غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي. وقد سمى ابن تيمية أمثال هؤلاء بالغالطين من المتورعة، حيث وُجِد منهم حُسنُ القصد وصدق الورع، لا صواب العمل([129]).

وحجة هؤلاء ما يلي:

1- أن المال الحرام ليس مملوكاً لمن تحت يده حتى يكون له حق التصرف فيه بصرفه في مصالح المسلمين، أو التصدق به على الفقراء والمساكين.

2- أن التصدق إنما يكون بالطيب، لا بالخبيث، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)... الآية([130]).

والراجح في المسألة -والله أعلم- هو قول الجمهور، لما ذكروا من الأدلة، ولأن عاقلاً لا يشك بأن التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه بإعطائه إلى من ينتفع به من الفقراء والمساكين أو صرفه في جهة المصالح العامة أسلم من إتلافه، ولهذا لما دعي النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه إلى شاة أخذت بغير إذن أهلها، ولم يستطع لَوْكَها واستساغتَها تركها وقال: "أطعموها الأسارى"([131]) ولم يأمر بإتلافها وإراقتها، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"([132]).

ولا نعني بهذا أنها كالصدقة التي يتصدق بها من ماله الحلال التي يثاب عليها وتنمى له حتى تكون مثل الجبل، وإنما جل ما في الأمر أن ذلك سبيل مقبول شرعاً لحط الوزر عن كاهله والتخلص من إثم إمساكه مالا ليس ملكاً له.

ويرى المالكية -من بين الجمهور- في المشهور عندهم أن يعطى المال الحرام إلى ببت المال ليصرف في المصالح العامة كبناء المستشفيات والمدارس وسفلتة الطرق وغير ذلك، فيستفيد منه الغني والفقير، والمسلم والكافر وغيرهم، ولا يختص به الفقراء والمساكين دون من سواهم([133]).

أقول: ولكن أين بيت المال الذي سيحفظ فيه هذا المال الذي جهل مالكه، ليصرف في مصالح المسلمين؟ وأين الحاكم الأمين على ذلك؟ ولذا ينبغي على الشخص نفسه أن يتصرف بنفسه، بحيث لو استطاع أن يصرف هذا المال الحرام في مصالح المسلمين فعل إبراءً لذمته وتخليصا لنفسه من الإثم، وإن لم يستطع وزعه على الفقراء والمحتاجين بنية الأجر والثواب لمالكه الأصلي.

وهذا ما أشار إليه النووي -رحمه الله- بقوله: المختار أنه إن علم أن السلطان يصرفه في مصرف باطل أو ظن ذلك ظناً ظاهراً، لزمه هو أن يصرفه في مصالح المسلمين مثل القناطر وغيرها، فإن عجز عن ذلك أو شق عليه لخوف أو غيره تصدق به على الأحوج فالأحوج، وأهم المحتاجين ضعاف أجناد المسلمين، وإن لم يظن صرف السلطان إياه في باطل فليعطه إياه أو إلى نائبه إن أمكنه ذلك من غير ضرر، لأن السلطان أعرف بالمصالح العامة وأقدر عليها([134]).

المطلب الثالث: التحلل من الفوائد البنكية

قد يضطر الشخص لإيداع ماله في بنك ربوي لكونه يسكن في بلد غير إسلامي، أو يودع بعض ماله لضرورة التعاقدات التجارية، وهذه الأموال تترتب عليها فوائد ربوية محرمة، فما هو الحل الشرعي لأجل التحلل منها والتخلص من إثمها؟.

إنه بالفكر والتأمل ليس أمامنا سوى احتمالات محددة يمكن من خلالها أن يتحلل هذا المسلم التائب أو المضطر إلى وضعها في البنك من إثمها، وهذه الاحتمالات هي على النحو التالي:

1- أن يتركها في البنك ويرفض استلامها خشية الإثم والمعصية. وهذا غير مقبول، لأن البنك إن كان في بلد إسلامي فإبقاء الفوائد الربوية فيه إعانة له على الاستمرار في المعصية، وتشجيع له على المضي قدماً في نظامه الربوي، وإن كان البنك في دولة كافرة فالأمر فيه أشد وانكى، لما في إبقائها في البنك من تقوية لهؤلاء الكفرة وتمكين لهم من رقاب المسلمين.

ولا شك أن الأولى أخذها والتحلل منها بصرفها في مشاريع خيرية في بلاد المسلمين أو التصدق بها على فقراء المسلمين ومحتاجيهم. وهذا عين الصواب.

ومع هذا فإننا نؤكد على أي مسلم يجد مندوحة تمكنه من سحب أمواله من هذه البنوك أن يفعل ذلك، ولا يتردد، لئلا يقع في معصية الربا ثم يبحث بعد ذلك عن الخلاص، وبخاصة إذا كانت في بنوك أجنبية، فإن الجناية تكون فيها مركبة من معصيتين:

أولهما: وضع المسلمين أموالهم في أيدي أعدائهم ليتقووا بها عليهم، أو يجمدوها متى أرادوا تحت أي غطاء أو مسميات.

ثانيهما: توظيف هذه الأموال في فوائد ربوية محرمة([135]).

2- أن يسحب الفوائد الربوية من البنك ويجعل ما في يده من مال حرام في خزانة الدولة، تنفق في مصالح المجتمع وهذا الحل غير عملي، لأن خزانة الدولة لا تأخذ تبرعات من الأفراد!!

3- أن يدفعه ضرائب للدولة فلا يجوز، لأدائه إلى أكل المال الحرام المنهي عنه.

4- أن ينفقه على نفسه وأهله، وقد تقدم أنه لا يجوز له أن يستهلك المال الحرام في حق نفسه وأهله إلا عند الضرورة، وبقدر الضرورة أيضاً.

5- أن يدفع هذا المال إلى جهة إسلامية خيرية موثوقة تعنى بإقامة المستشفيات أو مدارس للأيتام أو حفر للآبار وإقامة شبكة صحية للمياه، أو بناء دور للعجزة واللقطاء، أو غير ذلك من مشاريع الخير والنفع للأمة.

6- أن يدفع إلى الفقراء والمحتاجين مباشرة عوناً لهم وسداً لحاجتهم، سواء على شكل نقود أو لباس أو مواد غذائية أو غير ذلك.

فهذه احتمالات ستة، يمكن من خلالها التحلل من هذه الفوائد الربوية، أما الأول والثاني فقد ذكرنا أنهما غير مقبولين شرعاً وواقعاً، فيبقى الخامس والسادس محل النظر والبحث.

والذي أراه -والله أعلم- أن كلا الاحتمالين -أي: الخامس والسادس- قابل للعطاء، وصالح لأن يكون مصرفاً للمال الحرام إذا أراد محصّله التحلل منه والتوبة إلى الله عز وجل، فيدفع قسطاً منه إلى الفقراء والمحتاجين كما فعل عبد الله بن مسعود في ثمن الجارية، ويدفع قسطاً آخر إلى مؤسسات خيرية خصصت عملها لإقامة مشروعات خيرية تخدم المجتمع وتفيده.

والمسلم الحصيف الصادق في توبته هو صاحب المهمة والمسؤولية في هذا الأمر أولاً وآخراً، وعليه أن يجتهد في تبرئة ذمته. وهذا هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - ، إذ يقول ما نصه: (فهذه الأموال التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلا هي ما يصرف في مصالح المسلمين عند أكثر العلماء، وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب والخائن التائب والمرابي ونحوهم مما صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه فإنه يصرفه إلى ذوي الحاجات، ومصالح المسلمين)([136]).

والفوائد البنكية لا يعرف صاحبها قطعاً، فينبغي صرفها في هذا المجال.

وإنني لا أرى مبرراً لتخصيص مصرف المال الحرام الذي جهل صاحبه -كالفوائد الربوية- في الفقراء والمساكين دون المصالح العامة، كما يرى بعض الفقهاء المحدثين بحجة أنهم أصحابه يملكونه حلالاً بدليل الشرع، ولا يجوز صرفه في المصالح العامة([137]).

لأن نصوص الشرع تدل على أن كلتا الجهتين تصلح مصرفاً للمال الحرام.

  • أ‌) فقد جاء في قصة مخاطرة أبي بكر المشركين بأن الروم ستغلب الفرس، قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا سحت، فتصدق به"([138]).
  • ب‌) وجاء أيضاً في قصة الشاة التي دعي النبي صلى الله عليه وسلم للأكل منها، وكانت قد أخذت بغير إذن أهلها وذبحت وطبخت، فامتنع عن أكلها، فتركها، وقال: "أطعموها الأسارى"([139]).


معالم البحث ونتائجه

يجدر بنا أن نختم هذا البحث بأهم معالمه ونتائجه، وذلك على النحو التالي:

1- أن المال الحرام: كل ما يكسبه الشخص من الأعيان والمنافع بطريق غير مشروع.

2- قضى الشرع بأن المال الحرام لا يدخل تحت ملكية من أخذه، سواء كان ذلك بطريق الإرث أو الاختلاس والرشوة والقمار ونحوه أو العقود الفاسدة، وإن تم ذلك برضى المتعاقدين، لأن رضاهما لا يحل الحرام.

3- لا يجوز لمن كسب مالاً حراماً أن ينفقه على نفسه أو عياله، كما لا يجوز له أن يؤدي به الطاعات كالحج والعمرة، ولا ينفقه في تشييد المساجد ونحوها.

4- أنه يجب على من وقع تحت يده مال حرام أن يتحلل منه ويتخلص من تبعته. وسبيل ذلك: أن يعيده إلى صاحبه إن كان معروفاً، وإلا أنفقه في وجوه البر والإحسان كالجمعيات الخيرية، أو يتصدق به على الفقراء والمساكين والمستشفيات.

5- التوبة وحدها لا تكفي من دون رد المال الحرام إلى صاحبه إن كان معروفاً، أو التصدق به إن كان غير معروف.

6- الأولى لمن حصلت في يده فوائد بنكية أن لا يدعها للبنك لما في ذلك من الإعانة على التعامل بالربا، وبخاصة إذا حصلت له من بنك في دولة كافرة، فإنه إن تركها فيه كان ذلك عوناً لهم على الربا، وتقوية لهم على المسلمين في نهاية الأمر، وإنما يبذلها في المصالح العامة وعلى الفقراء والمساكين كما سق بيانه.



المـراجـع

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً: مصادر التفسير.

  • 1- أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص. أحكام القرآن، (دار الكتب العلمية، بيروت).
  • 2- أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي. أحكام القرآن، (دار المعرفة، بيروت).
  • 3- أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن، العظيم، (دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ-1986م).
  • 4- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان (تفسير الطبري) (دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م).
  • 5- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي. الجامع لأحكام القرآن، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ-1993م).

ثالثـاً: مصادر السنة وشروحها.

  • 1- عبد العظيم المنذري، إشراف د/محمد الصباح. الترغيب والترهيب، (دار مكتبة الحياة، بيروت 1411هـ-1990م).
  • 2- محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه، (المكتبة الإسلامية، استانبول).
  • 3- سليمان بن الأشعث السجستاني. سنن أبي داود، (دار الحديث، القاهرة، 1408هـ).
  • 4- أحمد بن الحسين البيهقي. سنن البيهقي، (دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند ط1، 1352هـ).
  • 5- محمد عيسى الترمذي، سنن الترمذي، تعليق عزت عبيد الدعاس (مطبعة الأندلس حمص، ط 1386هـ-1966م).
  • 6- علي بن عمر الدار قطني، سنن الدار قطني، تعليق محمد شمس الحق آبادي (دار المحاسن، القاهرة، ط 1386هـ-1966م).
  • 7- سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي، عناية عبد الفتاح أبو غدة (دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 1406هـ- 1986م).
  • 8- محمد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، عناية د/ البغا (دار ابن كثير، دمشق، ط4، 1410-1990م).
  • 9- مسلم بن حجاج القشيري، تحقيق خليل شيحا، صحيح مسلم، (دار المعرفة، بيروت ط3، 1417هـ- 1966م).
  • 10- محمد بن شرف بن أمير الصِّدِّيقي العظيم آبادي، عون المعبود، (تصوير دار الكتاب عن الطبعة الهندية، بيروت).
  • 11- محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير، (دار المعرفة، ط2، بيروت، 1391هـ-1972م).
  • 12- محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار، (دار الحديث، القاهرة).

رابعاً: مصادر الفقه.

1- الفقه الحنفي:

  • 1- زين العابدين إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم، البحر الرائق، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- محمد بن علي الحصكفي، الدر المختار، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1386هـ-1966م).
  • 3- محمد أمين بن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1386هـ-1966م).
  • 4- حسن بن منصور الفرغاني، الفتاوى الهندية، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط4، بدون تاريخ).
  • 5- أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني، الهداية شرح البداية، تحقيق أحمد شمس الدين (دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1422هـ-2002م).

2- الفقه المالكي:

  • 1- محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد، تحقيق عبد المجيد طعمه (دار المعرفة، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- أحمد الصاوي، تصحيح محمد عبد السلام شاهين، بلغة السالك على الشرح الصغير، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ-1995م).
  • 3- ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، البيان والتحصيل، (دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م).
  • 4- حاشية العدوي على شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (دار الفكر، بيروت).
  • 5- أحمد بن إدريس القرافي، الذخيرة، تحقيق د/محمد حجي (دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1994م).
  • 6- محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، قوانين الأحكام الشرعية، (دار العلم للملايين، بيروت، 1979م).
  • 7- محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المقدمات الممهدات، تعليق زكريا عميرات، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م).

3- الفقه الشافعي:

  • 1- أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، (المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق، ط2، 1405هـ- 1985م).
  • 2- حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج (دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، بدون تاريخ).
  • 3- أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، (دار الفكر، بيروت).
  • 4- أبو إسحاق إبراهيم بن علي شيرازي، المهذب، (مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ).
  • 5- محمد بن أحمد الرملي، نهاية المحتاج، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الأخيرة، 1386هـ- 1997م).

4- الفقه الحنبلي:

  • 1- علي بن سليمان المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق محمد بن حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ-1997م).
  • 2- منصور البهوتي، دقائق أولي النهى (شرح منتهى الإرادات)، تحقيق د/ عبد الله التركي (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1421هـ-2000م).
  • 3- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، الروض المربع بحاشية، (ط8، 1419هـ).
  • 4- منصور البهوتي، كشاف القناع، تحقيق محمد حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ- 1997م).
  • 5- عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي، المغني، تحقيق د/ عبد الله التركي ود/ عبد الفتاح الحلو (دار هجر، القاهرة، ط2، 1410هـ-1989م).

خامساً: مصادر أصولية وقواعد فقهية

  • 1- محمد أبو زهرة، أصول الفقه، (دار الفكر العربي، القاهرة).
  • 2- ابن نجيم، شرح الحموي على الأشباه والنظائر (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ-1985م).
  • 3- علي حيدر (دار الجيل، شرح مجلة الأحكام العدلية، بيروت، ط1، 1411هـ-1991م).
  • 4- ابن رجب الحنبلي، القواعد في الفقه الإسلامي، (دار المعرفة، بيروت).
  • 5- بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، المنثور في القواعد، تحقيق د/تيسير فائق (مؤسسة الفلاح، الكويت، ط1، 1402هـ-1982م).

سادساً: مصادر في فقه الخلاف وأسبابه

  • 1- الشيخ علي الخفيف، أسباب اختلاف الفقهاء، (دار الفكر، القاهرة، ط2، 1416هـ-1996م).
  • 2- أبو بكر بن محمد بن إبراهيم المنذري، الإشراف، (دار الفكر، بيروت، 1414هـ-1993م).
  • 3- أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، الإفصاح، تحقيق محمد بن حسن الشافعي (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ-1996م).
  • 4- محمد بن عبد الرحمن الدمشقي، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1407هـ- 1987م).
  • 5- شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن النجدي (تصوير عن الطبعة الأولى 1398هـ).

سابعاً: مصادر في الآداب الشرعية

  • 1- أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، (دار الكتب العلمية، بيروت).
  • 2- أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، الآداب الشرعية، تحقيق شعيب الأرناؤوط (مؤسسة الرسالة، ط2، 1417هـ-1996م).
  • 3- أبو العباس أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي، الزواجر عن اقتراف الكبائر، (مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط3، 1398هـ-1378م).
  • 4- ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرناؤوط (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 1405هـ1985م).

ثامناً: مصادر في اللغة

  • 1- علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1416هـ-1995م).
  • 2- محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1417هـ-1997م).
  • 3- محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (دار صادر، بيروت، ط1، 1410هـ-1993م).

تاسعاً: كتب معاصرة

  • 1- محمد تقي العثماني، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، (دار القلم، دمشق، ط1، 1419هـ-1998م).
  • 2- د/ يوسف القرضاوي، الحلال والحرام، (مكتبة وهبة، القاهرة، ط24، 1421هـ-2000م).
  • 3- د/ محمد سعيد رمضان البوطي، قضايا فقهية معاصرة، (مكتبة الفارابي، دمشق، ط1، 1412هـ-1991م).
  • 4- مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، (دار الفكر، دمشق ط9، 1967م).
  • 5- محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد، (دار الفكر العربي، القاهرة).

 


الهوامش

([1])  أستاذ مشارك، قسم الفقه، كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة الملك خالد، المملكة العربية السعودية.

([2])  الفجر: 20.

([3])  رواه مسلم في الزكاة (باب: لو أن لابن آدم واديين برقم2412).

([4])  لسان العرب، والقاموس المحيط. مادة (مول).

([5])  البحر الرائق 5/430، حاشية رد المختار لابن عابدين 4/506.

([6])  المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقاء 3/114، الملكية ونظرية العقد للشيخ محمد أبو زهرة ص47.

([7])  أحكام القرآن لابن العربي 2/607، المنثور في القواعد للزركشي الشافعي 3/232، شرح منتهى الارادات3/121.

([8])  انظر: حاشية العدوي 2/382، الروض المربع بحاشية العاصمي النجدي 4/326، حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 2/152.

([9])  لسان العرب، ومختار الصحاح مادة: (حرم).

([10])  رواه أحمد 1/123، وأبو داود في الصلاة (618)، والترمذي في أبواب الصلاة (238) وقال: حديث حسن.

([11])  المحيط للزركشي الشافعي 1/255، شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي 1/386.

([12])  أصول الفقه للشيخ الفقيه محمد الخضري، ص55.

([13])  الزواجر عن اقتراف الكبائر لأحمد بن حجر الهيثمي 1/230.

([14])  رواه ابن ماجه في التجارات(2274) مختصرا بإسناد صحيح، وقال المنذري في الترغيب والترهيب 2/249، رواه البزار 2/349 رواه البزار ورواته رواة الصحيح.

([15])  النساء: 161.

([16])  المائدة: 42.

([17])  آل عمران: 75.

([18])  الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 3/235، وينظر أيضا: أحكام القرآن لابن العربي 1/243-244.

([19])  المائدة: 90.

([20])  المائدة: 3.

([21])  رواه مسلم في الإيمان (باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح برقم279).

([22])  إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 2/105.

([23])  مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/320.

([24])  إحياء علوم الدين 2/105.

([25])  الملكية ونظرية العدد لمحمد أبي زهرة ص110 وما بعدها، المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا 1/242 وما بعدها.

([26])  المدخل الفقهي العام 1/242.

([27])  مجلة الأحكام العدلية، المادة رقم: (103).

([28])  يرى الحنفية أن العقد الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه كبيع الخنزير ونحوه من النجاسات، أما العقد الفاسد فما شرع بأصله لا بوصفه كجهالة ثمن المبيع. وأما الجمهور فلا يفرقون بين الأمرين.

([29])  الاختيار 2/4 و2/15، حاشية العدوي 3/127، بد المجتهد 3/210، الإفصاح لابن هبيرة 1/270، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الرحمن الدمشقي ص127-130.

([30])  ينظر: حاشية ابن عابدين 4/170 وما بعدها، الحلال والحرام للقرضاوي ص238 وما بعدها، قضايا فقهية معاصرة لمحمد تقي العثمان ص220.

([31])  الإنصاف في أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي ص34 وما بعدها، أسباب اختلاف الفقهاء علي الخفيف ص101و 142.

([32])  المنثور في القواعد للزركشي 1/93، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص129.

([33])  رواه البيهقي 6/255، والدارقطني 4/88، وعبد الرزاق في المصنف 10/249 برقم(19005).

([34])  الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4/234، الميسر في أصول الفقه للدكتور إبراهيم محمد سلقيني ص399.

([35])  البقرة: 275.

([36])  البقرة:278- 279.

([37])  رواه مسلم في المساقاة (باب: لعن آكل الربا برقم4069).

([38])  رواه البخاري في البيوع باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة برقم (2027)، ومسلم في المساقاة باب: الربا برقم (4035).

([39])  لسان العرب، والمعجم الوسيط مادة (رشا).

([40])  التعريفات للجرجاني ص111.

([41])  ينظر: نه المحتاج للرملي 8/255، كشاف القناع 6/401، درر الحكام 4/590.

([42])  المغني 14/59، نه المحتاج 8/255، نيل الأوطار 8/268.

([43])  المائدة: 42.

([44])  جامع البيان (تفسير الطبري) 4/309 وما بعدها.

([45])  رواه أبو داود في الأقضية (3580) وابن ماجة في الأحكام (2313) والترمذي في الأحكام (1337) وقال حديث حسن صحيح.

([46])  درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر 4/592، وينظر أيضا: نه المحتاج 8/558، الفتاوى الهندية 3/210، الدر المختار 6/324.

([47])  القاموس المحيط، المعجم الوسيط، مادة: (يَسَر).

([48])  شرح المحلي على المنهاج 4/266، المغني لابن قدامة 14/154.

([49])  الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي 2/198، وينظر أيضا: أحكام القرآن للجصاص 2/582.

([50])  الدر المختار 5/482-483، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 6/62، البيان للعمراني 13/288، كشاف القناع 6/535.

([51])  المائدة:90- 91.

([52])  رواه مسلم في الشعر باب: تحريم اللعب بالنردشير برقم (5856)، وأبو داود في الأدب (4939)، وابن ماجة في الأدب (3763).

([53])  رواه البخاري في التفسير باب: أفرأيتم اللات والعزى برقم (4579)، ومسلم في الإيمان باب: من حلف باللات برقم (4236).

([54])  الزواجر لابن حجر 2/198، وينظر قريبا من هذا المعنى: شرح مسلم للنووي 11/106.

([55])  الفتاوى الهندية 3/210، الجامع لأحكام القرآن 3/237، المجموع 9/351.

([56])  النساء: 29.

([57])  البحر الرائق لابن نجيم 5/84، بد المجتهد لابن رشد 4/287، المهذب للشيرازي 2/277، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 6/231.

([58])  المائدة: 38.

([59])  رواه مسلم في الحدود باب: حد السرقة برقم (4384)، والنسائي 8/56 برقم (4873)، وابن ماجة في الحدود برقم (2583).

([60])  لسان العرب، والمصباح المنير، مادة:(غش).

([61])  البجيرمي علي الخطيب 3/137، كف الأخبار 1/295، التعريفات الفقهية ص158.

([62])  رواه البيهقي 6/100، والدارقطني 3/26 واللفظ له، وقد ورد الحديث من طرق متعددة لا تخلو من ضعيف أو مجهول، ولكن يقوي بعضها بعضاً، انظر: نيل الأوطار 6/318.

([63])  الإشراف على مذاهب أهل العلم للمنذري 3/320، الإفصاح لابن هبيرة 2/22.

([64])  رواه أحمد 5/8، وأبو داود في البيوع (3561)، والترمذي في أبواب البيوع (1266)، وابن ماجة في الصدقات (2400)، وصححه الحاكم 2/47، لكن في سماع الحسن من سمرة خلاف.

([65])  رد المختار 5/99، المقدمات الممهدات 2/263، المجموع للنووي 9/351، الإنصاف 8/323، إحياء علوم الدين 2/143.

([66])  رواه أحمد في المسند 2/399، وصححه الحاكم 4/126، قال الحافظ في مجمع الزوائد 5/45: فيه مسلم بن خالد الزنجي، ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.

([67])  رواه الترمذي في أبواب صفة القيامة (2453) وقال: حسن غريب. وابن ماجة في الزهد (4215).

([68])  رواه مسلم في العلم (باب: هلك المتنطعون برقم 6725) وأبو داود في السنة (4608).

([69])  المراجع السابقة في الفقرة (أ).

([70])  غمز عيون البصائر شرح الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي 3/234، الذخيرة للقرافي المالكي 13/318، الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي 1/470.

([71])  الأنعام: 164.

([72])  المدّثر: 38.

([73])  النساء: 111.

([74])  أحكام القرآن لابن العربي 2/774.

([75])  ذكره في الإحياء 2/143، وضعفه، ولم يعلق عليه الحافظ العراقي بشيء، وبيان الكلام عليه قريباً.

([76])  المها: ما يأتي بلا مشقة، المصباح المنير، مادة: (هنؤ).

([77])  رواه عبد الرزاق في المصنف 8/150 برقم (14675) ورجال إسناده كلهم ثقات.

([78])  رد المحتار على الدر المختار 5/99، المقدمات الممهدات لابن رشد 2/462، البيان للعمراني 5/118، المجموع للنووي 9/351، مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/307، الإنصاف للمرداوي 8/322-323.

([79])  الكهف: 82.

([80])  أحكام القرآن للقرطبي 11/27.

([81])  رواه أبو داود في الأشربة (3675)، وأحمد في المسند 3/119، قال الشوكاني في نيل الأوطار 8/188: رجال إسناده ثقات.

([82])  ينظر: عون المعبود 3/367، نيل الأوطار 8/188.

([83])  إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 2/147، المنثور في القواعد للزركشي 1/45.

([84])  المنثور في القواعد للزركشي 2/68و 70، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص107.

([85])  المصدر السابق نفسه.

([86])  إحياء علوم الدين للغزالي 2/145.

([87])  المجموع للنووي 9/351.

([88])  الاختيار لتعليل المختار 3/61، وينظر أيضا: تكملة فتح القدير 8/257.

([89])  القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي ص129-130، وينظر أيضا: زاد المعاد 5/779.

([90])  فتح القدير 2/319، البحر الرائق 2/541، الذخيرة للقرافي 3/178، إحياء علوم الدين 2/147.

([91])  المجموع 7/62، رد المحتار على الدر المختار 2/456.

([92])  الفروق للقرافي 2/85-86.

([93])  كشاف القناع للبهوتي 4/138، الإنصاف للمرداوي 6/194.

([94])  رواه البزار، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. (مجمع الزوائد للهيثمي 3/210).

([95])  القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي ص13.

([96])  المغني لابن قدامة 2/477.

([97])  انظر: مجمع الزوائد للهيثمي 3/210 وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ ناصر الدين الألباني 3/211.

([98])  انظر: فتح القدير 2/328، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 2/205، كف الأخيار 1/219، الكافي 1/380.

([99])  رواه أحمد 5/294، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء 2/144: إسناده جيد.

([100])  قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: حديث مخاطرة أبي بكر المشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعال: (ألم*غلبت الروم) وفيه فقال صلى الله عليه وسلم: (هذا سحت، فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه، والحديث عند الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه دون قوله (هذا سحت). قلت: قد ذكر قوله (هذا سحت...) في رو ابن أبي هاشم كما ذكرها، ابن كثير في تفسيره 3/433.

([101])  القناطر: الجسور، مفرده قنطرة، وهو جسر فوق النهر يعبر عليه. انظر: المعجم الوسيط، مادة: (قنطر).

([102])  الربط: جمع رباط، وهو مبنى لوقف على الفقراء والمجاهدين.

([103]) المجموع للنووي 9/351، وينظر أيضا: البيان والتحصيل لابن رشد المالكي 18/565، الذخيرة 13/321.

([104])  انظر نحو هذا: ص186 و197.

([105]) لم أعثر على قول صريح للحنابلة في هذه المسألة، ولكن ذلك يفهم من قولهم: إن الصلاة محرمة وغير صحيحة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، حيث إن المسجد إذا بني بالمال الحرام صار كالأرض المغصوبة.

([106])  رد المختار لابن عابدين 2/292، الذخيرة للقرافي 13/320.

([107])   التوبة: 18.

([108])   الجن: 18.

([109])   التوبة: 28.

([110])  أحكام القرآن للجصاص 3/114.

([111])  الفتاوى الهندية 3/210، وينظر أيضاً رد المختار 5/99.

([112])  الشرح الصغير بحاشية بلغة المسالك 4/417، وينظر أيضاً الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([113])  المجموع للنووي 9/351، وينظر أيضاً الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([114])  زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 5/778 وما بعدها، وينظر أيضا الآداب الشرعية لابن مفلح 1/468 وما بعدها.

([115])   البقرة: 278-279.

([116])  رواه مسلم في الزكاة (باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم 2343) والترمذي في أبواب التفسير (2992). والآية الأولى من سورة المؤمنون رقم 51. والآية الثانية من سورة البقرة رقم 73.

([117])  ذكره الغزالي في الإحياء 2/103، ولم يعقب عليه الحافظ العراقي بشيء.

([118])    النساء: 10.

([119])   البقرة: 376.

([120])  تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/336.

([121])  رواه ابن ماجه في التجارات بإسناد صحيح برقم (3379)، ورواه الحاكم أيضاً.

([122])  رواه أحمد 5/8، وأبو داود في البيوع، 1266، وقال حسن صحيح، وابن ماجه في الصدقات (2400) وقد سبق تخريجه ص192.

([123])  الهد شرح البد، للمرغناني الحنفي وبهامشها نصب الر للزيلعي 4/406، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ص358، روضة الطالبين للنووي 5/20، كشاف القناع 4/131.

([124])  الدر المختار 4/283، الذخيرة للقرافي 13/320، إحياء علوم الدين للغزالي الشافعي 2/144، القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي من224 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 40.

([125])  إحياء ضوء الغزال 2/144.

([126])   الروم: 1-3.

([127])  قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: حديث مخاطرة أبي بكر للمشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: (الم غلبت الروم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا سحت، فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه، والحديث عند الترمذي في أبواب تفسير القرآن 1913 وحسنه، والحاكم في المستدرك 2/410 وصححه دون قوله (هذا سحت...) قلت قد ذكر قوله (هذا سحت...) في رو ابن أبي هاشم كما ذكرها، ابن كثير في تفسيره 3/433، وقد سبق تخريجه من 20.

([128])  رواه البيهقي في السنن 6/188. والشافعي في الأم 4/72. قال ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي 6/188: في سنده مجهول، ثم ساق أثاراً صحيحة عن ابن عباس وابن عمر وأم سلمة تقويه وتعضده.

([129])  الأحياء للغزالي 2/144، مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/596.

([130])   البقرة: 267.

([131])  رواه أحمد 5/294، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث 2/144: إسناده جيد.

([132])  رواه البخاري في الزكاة (باب: قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافاً) برقم 1407هـ).

([133])  الدعوة للإمام القرافي 13/320، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/237.

([134])  المجموع للنووي 9/351-352، وينظر أيضاً: البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 5/258.

([135])  قضايا فقهية معاصرة للدكتور سعيد رمضان الألوطي ص68، بحوث في قضايا فقهية معاصرة لمحمد تفي العثمان ص222.

([136])  مجموع الفتاوى 28/283-284، الطبعة الثانية.

([137])  ينظر: دراسات حول الربا والفوائد والمصارف ص76-77، فيصل مولوي.

([138])  سبق تخريجه، ص211.

([139])  سبق تخريجه، ص213.

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com