البحث فقط في هذا القسم

جامعة سلانغور الإسلامية العالمية ترغب في تدريب مزيد من المحترفين في الصرافة الإسلامية      خبراء "المعيار الأخلاقي".. الرهان المستقبلي للبنوك الإسلامية      خبير مصرفي بريطاني: التمويل الإسلامي البديل للبنوك التقليدية      مصر تعزز الصيرفة الإسلامية بوحدة خاصة في البنك المركزي      مال ومعامـلات      متابعة خاصة عن الأزمات المالية العالمية ودورالنظام المالي الإسلامي      الصفحة الرئيسية     

الصفحة الرئيسية | أقلام العلماء | رمضان شهر الاقتصاد 


  رمضان شهر الاقتصاد
  بقلم :قتيبة عبدالرحمن العاني

   
يتهيأ المسلمون منذ 1426عاماً مضت لاستقبال شهر رمضان المبارك بالعبادة والتسابق إلى البر والخير، وتتم دورته كل ثلاث وثلاثين سنة مرة. حيث فرض الله تعالى الصيام على المسلمين في السنة الثانية للهجرة النبوية، واختار الله تعالى شهر رمضان من بين سائر شهور السنة ليحظى بفضيلتين: الأولى نزول القرآن الكريم، والثانية شعيرة الصوم.


فلا يزال رمضان يحمل إلى الناس في كل عام ألوانا من الخير والرحمة والبركة، ولا يزال المسلمون ـ على ما أصاب الكثيرين منهم من القلة والشح ـ أجود ما يكونون في رمضان لقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)

(لو تعلم أمتي ما في رمضان من الخير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان).


والصوم تجربة روحية بالغة العمق، ومتعددة المستويات. فهي لا تنحصر فقط في مجرد الإمساك عن المفطرات، وإنما تتجاوز ذلك إلى ضبط النفس عند الغضب، والامتناع عن إيذاء الناس، إلى جانب مشاركتهم في السراء والضراء، وبذل المعروف لمن يطلبه، والصدقة لمن يحتاج إليها،


وتتجلى المقاصد الاقتصادية في هذا الشهر الفضيل بدرجة كبيرة ومتعددة ومنها: المقصد الاقتصادي الأول(البركة): حيث يتسم شهر رمضان بمضاعفة الخيرات، وحلول البركات؛ فهو بحق شهر البركة الاقتصادية للأمة الإسلامية،


وفي هذا يقول النبي محمد(صلى الله عليه وسلم): (أتاكم رمضان شهر بركة) رواه الطبراني.

(يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر يزداد فيه رزق المؤمن) رواه ابن خزيمة، ويكمن المقصد الاقتصادي الثاني في لفت نظر الأغنياء إلى ما يعانيه الفقراء من ألم الجوع والحرمان.


والواقع أن إحساس الغني بآلام الفقراء لا يتوقف على مجرد الامتناع عن الطعام والشراب في شهر رمضان، وإنما يرجع إلى ما يربيه الإسلام في أعماق المسلم من عطف على الآخرين، ورحمة بهم، وتضامن معهم في السراء والضراء.


لكن الصوم يدفع بالتأكيد إلى مزيد من تقديم الصدقات، وهذا الأمر خير وسيلة للتربية على الرقابة الذاتية التي تدفعه إلى بذل المزيد من العمل واستغلال الوقت على أفضل ما يمكن. أما المقصد الثالث وهو الاعتدال في الإنفاق دون إسراف أو تقتير؛ لأن في الإسراف مفسدة للمال وللنفس وللمجتمع، وكذلك الوضع بالنسبة للتقتير ففيه حبس وتجميد للمال،


وكلاهما يسبب خللاً في النظام الاقتصادي، وقد وصف الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67، وقوله عز وجل كذلك: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) [الإسراء: 29،


ومن وصايا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مجال الإنفاق فيقول: (نحن قومٌ لا نَأكلُ حتَّى نَجُوعَ وإَذَا أَكَلْنا لا نَشْبَع)، ومن ناحية أخرى يجب عند توزيع الطعام على الأطباق أن يعرف كل فرد ما يكفيه حتى لا يتبقى الطعام في الطبق فيلقى من دون الاستفادة منه في القمامة. وقد حث عمر بن الخطاب ابنه عبد الله (رضي الله عنهما) ذات يوم فسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: لأشتري لحما اشتهيته، فقال له الفاروق: (أكلما اشتهيت شيئا اشتريته).


ويجب على المسلم أن يلتزم بهذا الضابط في إنفاقه، فلا يجب أن تجرفه السعة في الرزق بعد الضيق أو التقليد الأعمى للعادات السيئة إلى الإسراف، وتشير بعض الدراسات التي أجريت عن دول الخليج العربي أن 45% من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى صناديق القمامة (د. أشرف دوابة)، وتشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك في (شهر الصوم) يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 - 40% عنه على مدار السنة.


إن رمضان يجب أن يكون شهر الاقتصاد؛ لأن نسبة الاستهلاك فيه ينبغي أن تنخفض إلى الثلث، باعتبار أن تخفيض عدد الوجبات من ثلاث وجبات في الأيام العادية إلى وجبتين في ذلك الشهر الكريم، ولكن الذي يحدث عكس ذلك جراء الهاجس النفسي الذي يسيطر على بعض الصائمين بعدم مواصلة الصوم إلا بالتخمة، وتكون النتيجة عكس المبتغاة اقتصاديا وصحيا في آن واحد.


لذلك ينبني التحليل الاقتصادي للاستهلاك الذي على أساس أن دالة المنفعة الكلية لكل مستهلك هي دالة شخصية بحتة يحدد تركيبها ذوقه، وميوله الخاصة، وفقا لمنافع السلع والخدمات التي يعتقد أنها قادرة على إشباع حاجاته، ويكون لكل مستهلك دالة خاصة به تتشكل وفقاً لرغباته وميوله غير المستقرة. الأمر الذي يؤدي إلى تقلبات الطلب الكلي في السوق،


وهذا ما يسبب ارتفاعا في أسعار بعض المواد الغذائية والسلع الأخرى، فهذا الشهر فرصة ومجال لامتلاك مواجهة لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية المعروفة: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا) (الأعراف: 31).


إذن رمضان محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد وعملية تدريب مكثّف تستغرق شهرا واحدا، إنه بحق بمثابة دورة تدريبية تُفهم الإنسان أنه بالإمكان أن يعيش بإلغاء الاستهلاك المفرط من خلال ضبط النفس ومقامة الإسراف. فالإسراف في كل شيء ممقوت حتى مع السعة؛ فقد جاء التوجيه النبوي لمن أراد الوضوء بعدم الإسراف في الماء ولو كان على نهر جار.


إنها حكمة اقتصادية خالدة وقاعدة استهلاكية رشيدة.. ومن وصايا الرسول الكريم في مجال الإنفاق أيضا: (ما عال من اقتصد) رواه أحمد، وأخيرا فإن عصرنا الحاضر، وقد غلبت عليه نزعة مادية جارفة،


وأصبح الجميع يلهث وراء ما يشبع رغباته، ويرضي تطلعاته التي زينها له عصر الاستهلاك، فيأتي شهر رمضان ليفتح للمسلم صفحة جديدة، يملأها بالعبادة الزاهدة، ويحيي لياليها بالصلاة والذكر، لكي يهيئهم لمواجهة تحديات باقي شهور السنة.


كاتب ومحلل اقتصادي

المصدر جريدة البيان

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com