|
أحمد بزيغ الياسين.. مسيرة حافلة بالعطاء مع صناعة المال الإسلامية
في كتاتيب الكويت كانت الرحلة الأولى إلى الحرف والمعرفة، يومها دخل الكتاب سنة 1932 وكان عمره لم يتجاوز السنوات الأربع، وهناك تلقى تعليمه الأول على يد المعلم «بلال الملا».
بلوغه التاسعة من العمر كان يعني انقضاء دراسة الكُتّاب، التي تعلم فيها القرآن الكريم واللغة العربية والدين والحساب إلى جانب حصص اللياقة البدنية.
حفظ القرآن وهو لا يزال صبياً، فأقام له أهل حي «الفريج» حفلاً تقليدياً، لبس فيه لباساً خاصاً وحمل سيفاً ومر به مع زملائه على البيوت في المنطقة، وهم يتلون أدعيه متنوعة وينشدون الأناشيد.
العام 1937م.. دخل الشيخ أحمد بزيع الياسين المدرسة المباركية، وكان يومها أحمد أفندي ناظراً عليها، الذي وجد عنده حصيلة جيدة؛ فنقله إلى الصف الرابع متوسط مباشرة، واستمر في المدرسة المباركية حتى عام 1942 وزامله في المدرسة المباركية المرحوم الشيخ جابر الصباح وعبدالرحمن سالم العتيقي، ومحمد يوسف العدساني، وعبدالله سلطان الكليب، وعقاب الخطيب، وأحمد اليماني، وأحمد الخطيب، وخالد عيسى الصالح وغيرهم.
أما أساتذته فمنهم كويتيون أمثال المرحوم سيد عمر عاصم مدرس القرآن الكريم والمرحوم عبدالملك الصالح مدرس التاريخ والجغرافيا، ومن العرب الشيخ عبدالله النوري مدرس المحاسبة.
تطلع الياسين وهو شاب إلى أمة عربية إسلامية موحدة وهو يؤمن بذلك الخيار وما زال محكوماً بالأمل، على الرغم من النكبات والنكسات والكوارث التي مرت على العرب.
بعد تخرجه من المدرسة المباركية عام 1942م، عمل كاتب حسابات عند أحد أعمامه المرحوم سليمان إبراهيم المسلم مدة أربع سنوات من التجار؛ فأفاد خبرة واسعة في التجارة والإدارة، ومن عمه تعرف إلى كيفية المراسلات التجارية.
حين بلغ الثامنة عشرة كان سفره الأول إلى الحج، بعد أن وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - الجزيرة العربية.
بعد الحج عمل في التجارة لحسابه الخاص؛ فأخذ بالتنقل بين الكويت والهند لمدة سنتين، ثم عمل بين عامي 1948- 1972 مع المرحوم عبدالعزيز علي المطوع، وخلال تلك الفترة تدرج في الوظيفة حتى صار مديراً لأعمال المطوع التجارية في الكويت والمملكة العربية السعودية؛ فأقام في الخبر وجدة.. وامتد عمله إل لبنان أيضاً.
بعد خبرة في العمل التجاري مع المطوع، قابله الشيخ يوسف عبدالعزيز الفليج وطلب إليه خدمة وطنه وكان عمره ثماني وعشرين سنة،
فكلف بحملة التبرع الشعبي الكويتي إلى مصر.
العام 1970 شهد انضمامه إلى غرفة التجارة والصناعة الكويتية، إلى جانب العضوية في مجلس إدارة بنك الكويتي المركزي قبل أن تكون الفائدة البنكية من اختصاصه، وعندما أسند إلى البنك تحديد سعر الفائدة البنكية استقال منه.
بعد بنك الكويت المركزي عمل في جمعيات النفع العام مرة رئيساً ومرة عضواً في بعضها الآخر.
فكرة تأسيس مصرف إسلامي راودته في السبعينيات، لحرمة الربا في الأعمال التجارية، وكان في عام 1956م راجع أحد البنوك الوطنية الكويتية لحثه على تقديم خدمات خاصة لمن يرغبون في التعامل بالصفة المشروعة.
يوم كان عضواً في مجلس إدارة بنك الكويت المركزي طرح على مجلس الإدارة موضوع ضرورة إنشاء مصارف إسلامية في ذلك الوقت، وبعد مناقشة مطولة حصل على مراده.
بداية السبعينيات طرح الدكتور عيسى عبده في زيارة للكويت فكرة تأسيس بيت تمويل إسلامي مع بعض الاقتصاديين أمثال عبدالله سليمان العقيل ويوسف جاسم الحجي وغيرهما؛ فاستحسن عبدالرحمن العتيقي وزير المالية آنذاك الفكرة، فأسس بيت التمويل الكويتي، وكلف بالعمل فيه عقب مشاركة بعض الكويتيين ووزارة المالية في تأسيس بنك دبي الإسلامي بالتعاون مع الشيخ سعيد أحمد آل لوتاه.
حاجة المجتمع الكويتي إلى خدمة مصرفية شرعية ودعم الحكومة الكويتية ذلل العقبات التي كان من الممكن أن تحيط بتأسيس التمويل الكويتي في أغسطس 1978م، الذي بدأ بـ 2.5 مليون دينار كويتي وهي تمثل ربع رأس المال المقرر (10 ملايين).
يتذكر الياسين في حواراته ولقاءات الإعلامية زملاء التأسيس ومنهم بدر المخيزيم، وإبراهيم الخميس وحمود الهران وعبدالوهاب الزبيد، والمرسل رمضان، والسيدة نضال والسيدة إقبال صالح شهاب في قسم السيدات وغيرهم.
تاريخ بيت المال، هو تاريخ لحركة المال ذاته والصفقات والمغامرات أحياناً، وأول صفقة لبيت التمويل الكويتي كانت شراء قسائم سكنية ثم بيعها، وحققت تلك الصفقة 30 ألف دينار ربحاً، ليوسع العمل بعد ذلك باستدعاء كمال رأس المال لتغطية التوسع في القنوات الاستثمارية، وانتقل عمل البيت إلى مكتب في شارع أحمد الجابر لمواجهة الازدياد في أعداد الموظفين والموظفات ومراجعي البيت وعملائه.
منافسة البنوك آنذاك لبيت التمويل وفكرة مصرف إسلامي كانت تجعل عمل البيت أشبه بسباحة ضد التيار، ويبدو أن ذلك هو الذي رتب على البيت اختيار قيادات إدارية وكوادر ذات تدريب عالٍ.
إبان التأسيس وصل للشيخ الياسين كلام المناوئين لفكرة البنوك الإسلامية ممن توقعوا فشل التجربة في غضون ستة أشهر، بيد أن التجربة زادت مع مرور الأيام رسوخاً، وقد بلغت الآن فروع بنك بنجلاديش الإسلامي الذي أسسه بيت التمويل الكويتي بالمشاركة مع مؤسسات مصرفية إسلامية زميلة 115 فرعاً، كما أن البنوك الإسلامية غدت اليوم ترياقا لأزمة العالم الاقتصادية.
بناء وتأسيس بيت التمويل الكويتي، كان تحدياً لبنوك تقليدية، لكن التحدي الأهم كان في بناء أفراد مؤهلين ومثقفين بالثقافة الاقتصادية الإسلامية مع التوسع في الأعمال التجارية والعقارية والاستثمارات الإسلامية، وكان على البيت أن يوسع في الأعداد مع العناية بعنصر الكفاءة حتى وصل عدد موظفي بيت التمويل اليوم نحو 1200 موظف ونمت أصول البيت إلى أكثر من1500 مليون دينار كويتي.
نمو بيت التمويل كان من لزومياته إنشاء هيئة رقابة شرعية لتثقيف موظفيه في كافة الجوانب الشرعية للبيوع والمعاملات وتيسير الدرب لهم فيما يستجد من أعمال في مسيرة البيت؛ فكان المستشار لبيت التمويل الكويتي فضلة الشيخ بدر المتولي عبدالباسط الذي وضع القواعد والأسس للمعاملات والتي أصبحت مرجعاً فيما بعد لكل من يريد تأسيس مصرف إسلامي وتم إصدار مئات الفتاوى في عدة مجلدات في متناول جميع المهتمين والمتعاملين ونظم البيت دورات تدربية في المجال الاقتصادي الإسلامي وعقد عدة ندوات فقهية ومؤتمرات تصبح في صالح الثقافة والاقتصاد الإسلاميين. وعند الشيخ ياسين يعد امتلاك البنوك الإسلامية، ممكناً، لكن الأهم إيجاد الموظف الذي يتصف بالعفة والأمان والعلم، انطلاقاً من مفهوم الآية الكريمة: (إن خير من استأجرت القوي الأمين). وقوله: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)؛ فالموظف الكفء هو الذي يتصف بالقيم الفاضلة والأخلاق النبيلة العالية، علاوة على المفهوم الفني لكل وظيفة يحسبها.
تجربة العمل المصرفي الإسلامي الناجحة في البيت لم تنحصر في البيت أو بالكويت، فقد ولج التجربة مجموعة من شباب البيت الذين عملوا فيه، ممن أسسوا لأنفسهم شركات أو مصارف إسلامية.
كان ذلك يعني تحقق أحلام الشيخ الياسين؛ فهو يقول في وصف تلك الحالة: "كنت أخاطب أولئك الشباب من أبناء بيت التمويل الكويتي منذ البدايات، قائلاً: آمل أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه كل واحد منكم أن يقود مؤسسة أو بنكاً إسلامياً".
عبر تجربته المصرفية حمل الياسين عبء الدفاع عن تجربة العمل المالي الإسلامي في وجه منتقديه، ودفاعه لم يتجلَّ في الدخول في معارك ومنافسات، أو ردود إعلامية بقدر ما تجلى في الإصرار على العمل والنجاح؛ فهو نادراً ما يظهر إعلامياً.
لا يرى الياسين بالعمل المصرفي الإسلامي والاستثماري مجالاً للتجربة، بل هو مختبر حقيقي للتنفيذ وإدارة ما يزيد اليوم على نحو 400 مليار دولار تدار حالياً حسب الشريعة الإسلامية في الأسواق المحلية والإقليمية والإسلامية والعالمية.
العمل المالي الإسلامي اليوم عند الشيخ الياسين في تقدم لا نظير له، في حين أن البنوك التقليدية تنحسر أو تندمج، وعلى ذلك تسعى البنوك المصرفية إلى إنماء عملها ضمن المحاور الشرعية وأهمها محور البيع بجميع أنواعه المشروعة والإجارة والشركات المشروعة، مع الوكالة والخدمات والصرف المشروع. ومع أن الياسين يعمل في سوق عنوانها المنافسة إلا أنه لا يهاجم من هاجمه ولا يطعن في عمل المؤسسات المصرفية التقليدية بقدر ما يطرح رأياً بها؛ فهو يرى أن العمل التقليدي في البنوك فيه ما هو حلال وما هو حرام، ومنه الجائز بنظره مثل تحويل العملات الفوري، ومن الممنوع شرعاً بنظره أيضاً الزيادة في الإقراض على رأس المال لفترة معينة. وهو حين يسأل عن الاختلاف في الفتاوى يبين أن الفتوى استنباط للأحكام من الكتاب والسنة؛ فالمفتي يدلي برأيه حسب فقهه واجتهاده وتصوره للسؤال، فقد يكون السائل لا يأتي بالحقيقة العملية كما ينبغي؛ لذا العلة ليست بالفتوى وإنما في توضيح صورة السؤال، وفي فهم السائل بمنطق الصورة الحقيقية، أما المفتون فتختارهم المؤسسات من الفقهاء المعروفين بعلمهم ونزاهتهم واجتهادهم.
يدافع الياسين عن مقولة ارتفاع عمولات البنوك الإسلامية عن غيرها، ويرى أن ذلك "كلام غير صحيح"، ويعتقد أنه "لو كان ذلك حقيقياً لما كثر متعاملو البنوك الإسلامية وزاد إقبالهم عليها". يرى الياسين أن النظام الإسلامي والمالي بفقه المعاملات ليس فكراً أحادياً، بل عقيدة وتطبيق ذلك عن طريق المعاملة. والإسلام واحد والاجتهادات في فهم النصوص من الكتاب والسنة نابع من بعض الفروقات والاختلافات السطحية التي لا علاقة لها بجوهر الإسلام. السياسة في حياة الشيخ كان لها دور كبير من خلال خوضه انتخابات مجلس الأمة ثلاث مرات، الأولى كانت عام 1963 حصل فيها على المركز العاشر، والثانية حصل فيها على المركز الرابع عشر عام ،1967 بينما كان من نصيب المركز السادس في المرة الثالثة عام 1975. وإلى جانب تأسيسه لبيت المال الكويتي العام 1977
يترأس الشيخ الياسين هيئة الرقابة الشرعية لشركة دار الاستثمار (الدار) منذ تأسيسها عام 1994.
شغل الشيخ الياسين مناصب قيادية عديدة في الاقتصاد الكويتي؛ فهو أول رئيس لمجلس إدارة بيتك وعضو سابق في مجلس إدارة بنك الكويت المركزي وغرفة تجارة الكويت. إلى جانب ترؤسه لهيئات الرقابة الشرعية في العديد من المؤسسات المالية الإسلامية الرائدة في الكويت ومنها بيتك وشركة أعيان للإجارة والاستثمار وشركة المستثمر الدولي.
الشيخ أحمد بزيع الياسين
يعد الشيخ أحمد بزيع الياسين من رواد الصناعة المالية الإسلامية المخضرمين في الكويت والعالم الإسلامي، حيث لعب دورا محورياً في تأسيس الصناعة المصرفية الإسلامية في دولة الكويت من خلال تأسيس بيت التمويل الكويتي عام 1977م كواحد من أول المصارف الإسلامية في الأسواق الإقليمية، ومن أهم ما يميزه هو ما تلقاه من فقه المعاملات على يد الشيخ العلامة الدكتور بدر المتولي عبدالباسط ـ رحمه الله - المستشار الشرعي السابق في بيت التمويل الكويتي، حيث جالسه وأخذ عنه على مدى 15 عاماً؛ ما أكسبه علماً وافراً في هذا الباب؛ فجمع بين الخبرة الاقتصادية والمعلومة الشرعية، وقد قام الدكتور بدر المتولي عبدالباسط ـ رحمه الله ـ عام 1997م بتزكية الشيخ أحمد الياسين وإجازته في ضبط مجالس الهيئات الشرعية نظراً لثقافته الاقتصادية الكبيرة إلى جانب الثقافة الشرعية التي جعلته إنساناً يتمتع بحس اقتصادي وفقهي جعلاه يستنبط الأحكام الشرعية لأي مشكلة اقتصادية تعرض عليه.
- البلد: الكويت.
- الميلاد: من مواليد عام 1346هـ الموافق لعام 1928م.
الوظائف التي شغلها:
1 - عضو مجلس إدارة البنك المركزي سابقاً.
2 - عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية سابقاً.
3 - رئيس مجلس إدارة بيت التمويل الكويتي سابقاً، في الفترة: 1977 - 1993.
4 - خبير اقتصادي في مجمع الفقه الإسلامي سابقاً.
5 - رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بيت التمويل الكويتي منذ عام 1994.
6 - رئيس هيئة الفتوى والرقابة بشركة أعيان للإجارة والاستثمار.
7 - رئيس الهيئة الاستشارية التشريعية ببنك الكويت الدولي.
8 - رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بـشركة المستثمر الدولي.
9 - رئيس هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بـبنك بوبيان.
10 - رئيس هيئة الرقابة الشرعية بـشركة دار الاستثمار.
المصدر مجلة المصرفية الإسلامية
|