|
المنتجات البديلة للتورق ....
هل تحقق السيولة ؟؟
التورق في الأصل مأخوذ من الورق وهو الفضة لأن الذي اشترى السلعة إنما اشتراها من أجل النقد، ويعرف التورق بمعناه المصرفي بشراء العميل الذي ينشد السيولة سلعة بثمن مقسط مؤجل من البنك، وإعادة بيع السلعة بحيث يسد بثمنها الحاجة التي من أجلها أراد المال.
وقد شهدت عملية "التورق" جدلا واسعا بين الفقهاء، فحرمها البعض وأجازها البعض بضوابط وشروط، وينطلق تحريم التورق من أنه لا يحتمل الخسارة الواردة في تحمل نسب المخاطرة والخسارة وفق الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي.
واستنادا إلى المعيار الشرعي من المعايير التي وضعتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية رقم 30 يعرف التورق بأنه : شراء سلعة بثمن آجل مساومة أو مرابحة، ثم بيعها إلى غير من اشتريت منه للحصول على النقد بالثمن الحالي.وبذلك هو يتميز عن العينة.
ولأن الشريعة تؤكد قاعدة "الغنم بالغرم"، وتأسيسا على ما جاء في القرآن الكريم : "وأحل الله البيع وحرم الربا"، فإن كثيرا من الباحثين يرون بأن البنوك الإسلامية عليها أن تبحث عن بدائل أخرى كثيرة في التمويل بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الإسلامي وخصوصا في ضوء المخالفات والتجاوزات التي أصبحت تكتنف تطبيقات الأدوات الاستثمارية في سوق الأوراق المالية وتحديدا "التورق". * منتجات بديلة للتورق
هناك منتجات مالية إسلامية عدة تصلح لأن تكون بديلا للتورق ومنها على سبيل المثال لا الحصر:-
1.بيع الرجا :
وهو بيع العميل أصلا إنتاجيا إلى المصرف الإسلامي بسعر أقل من سعر المثل يتفق عليه مع حق العميل في فسخ البيع واسترجاع الأصل خلال فترة زمنية معينة، ويصبح البيع نافذا بمضي هذه الفترة.
ورأت دراسة أهميته في أن كثيرا من الأفراد يتعرض إلى أزمة سيولة، فقد يكون فرد ما في حاجة ملحة للمال وتنقطع به السبل في الحصول على من يقرضه، فقد يضطر إلى الذهاب إلى بنك ربوي، أو قد يبيع أنفس ما عنده من أصول كالعقار أو أرض زراعية أو آلة إنتاجية؛ ليفك كربته وضيقه، فيتعرض للإثم لو تعامل بالربا، أو يفقد ذلك الأصل النفيس ببيعه إلى الأبد، كما أن في ميدان العمل المصرفي الإسلامي هناك كثير من العملاء من يضطر إلى بيع بعض أصوله من أجل الوفاء بالتزاماتهم للغير أو حتى للبنوك، ويفقدون أحيانًا أصولاً نفيسة قد لا يرغبون في بيعها.
وممارسة هذا النوع من البيوع قد يكون مخرجا لمن فقدوا أصولهم النفيسة. ومما تجدر الإشارة إليه أن بيع الرجا قد يصبح وسيلة غير مباشرة لتقديم القرض الحسن باسترجاع العميل ثمن الأصل الإنتاجي للمصرف الإسلامي خلال فترة الفسخ، بعد أن حل به أزمته.
- آلية تطبيق هذا البيع في النقاط التالية:
- أولا:عندما يتعرض العميل إلى أزمة سيولة ويحتاج إلى النقد، يعرض على المصرف الإسلامي أصلاً إنتاجيا (عقارًا مؤجرًا أو أرضًا زراعية أو آلة منتجة) للبيع إلى المصرف مع اشتراطه حق الفسخ خلال (3 - 12) شهرًا أو أقل أو أكثر.
- ثانيا: لأجل أن يتشجع المصرف لا بد أن يكون الأصل الإنتاجي مدرًا للدخل، وأن يكون الثمن أقل من سعر المثل من غير إضرار بالعميل، وأن يكون الأصل الإنتاجي قابلاً لإعادة البيع، ويسهل تسويقه. بعبارة أخرى يجب أن يجري المصرف دراسة جدوى على طلب العميل.
- ثالثا: إذا اقتنع المصرف بجدوى شراء الأصل يتم توقيع عقد بيع يسمى (عقد بيع الرجا) ويحدد فيه أطراف العقد, ومواصفات المبيع، والثمن وشرط الفسخ ومدته, وشهود العقد وغير ذلك مما يقتضيه العقد من أركان وشروط للبيع.
- رابعا: تسجيل عقد البيع في المحكمة التجارية المختصة والشهر العقاري.
- خامسا: إذا تمكن العميل من استرجاع ثمن الأصل للمصرف خلال فترة الفسخ، فإنه يتم إبطال عقد البيع وفسخه وتعميد الفسخ لدى المحكمة التجارية، ويتحمل العميل المصروفات.
- كما ذكرت الدراسة عديدا من الضوابط الشرعية لتحاشي الوقوع في شبهة الربا كعدم المرونة في فترة الفسخ (فترة الإقالة) للبائع؛ وذلك بعدم تمديده من حين لآخر، بحيث يتمكن البائع من استرجاع مبيعه وينتفع المشتري بغلته. فالالتزام بتاريخ الأجل يضمن عدم الصورية,
- إضافة إلى توثيق عقد البيع لدى محكمة تجارية مختصة وتسجيله في الشهر العقاري (السجل العقاري). كما يجب على المصرف قبض المبيع بتخليته، وتمكينه من التصرف فيه، خاصة بعد مضي فترة الفسخ.
وأن يكون ثمن البيع معقولاً وليس ثمنا صوريا، ويمكن أن يكون أقل من سعر المثل من غير إضرار بالعميل المضطر للبيع والمحتاج للسيولة، كذلك أن يكون الفسخ باسترجاع الثمن في وقت واحد في نهاية الأجل وليس بتقسيطه خلال الفترة، فيشتبه بالقرض، إضافة إلى التأكيد على الإدارة التنفيذية للمصرف من خلال الرقابة الشرعية بعدم التحايل وعدم الصورية في هذا النوع من البيوع وإلا سيصبح حينها نوعا من بيع العينة.
ورأت نفس الدراسة أن تبني المصارف الإسلامية لبيع الرجا وتقديمه للعملاء كمنتج مصرفي إسلامي جديد، يتوقف على مدى حصولها على عوائد إيجابية منه. ذلك أن شراء عقار مثلاً من عميل مع حق الفسخ خلال فترة معينة ثم استخدام حقه في الفسخ يفقد البنك أي استفادة ويصبح الأمر بالنسبة له كأنه قرض حسن، ولا سيما أن هذا النوع من البيوع سوف يقبل عليه كثير من العملاء الذين يحتاجون إلى السيولة النقدية.
وحول الحافز المادي الذي يمكن أن يحصل عليه المصرف بينت الدراسة أنه في حالة عدم فسخ العميل البيع ونفاذ البيع بعد مضي الأجل يبيع المصرف هذا الأصل بسعر أعلى من سعر الشراء, ولا سيما إذا كان الشراء أقل من سعر المثل من غير إضرار بالعميل، إضافة إلى الاستئثار مما حققه الأصل من عوائد إن كان مدراً للدخل في فترة سريان الفسخ كالعقار المؤجر؛ وفقاً لقاعدة شرعية عند الفقهاء ومنهم الإمام الشوكاني تقول إن (الغلة لمن استقر له الملك وعليه مؤنته)، فإذا استقر البيع للمصرف الإسلامي وعجز العميل عن الفسخ فللمصرف أن يستأثر بالعوائد.
ودعت الدراسة إلى مناقشة عدة أمور من الناحية الشرعية، حيث إن المصارف قد لا تقتنع بتطبيق بيع الرجا مصرفيا, وذلك بأن تقبل شراء الأصل مع شرط الفسخ للعميل خلال مدة معينة، لعدم ضمان العائد المحفز لها, ولا سيما أن أغلبية العملاء سيحرصون على الوفاء بالثمن قبل انقضاء الأجل، وخاصة إذا كانت نفيسة ومدرة للدخل.
وأثارت الدراسة تساؤلات للفقهاء المعاصرين في مسألة لم تكن موجودة في عهد الفقهاء السابقين، أو لم يتطرقوا إليها - كعصر الإمام الشوكاني - لأن حديثهم كان ينصب على أن المبيع عن طريق بيع الرجا هي الأرض، وهي غير قابلة للتلف أو الهلاك، إلا إذا كانت زراعية فقد يتلف المحصول أو الشجر.
والتساؤلات هي أن بيع الرجا ينقل الملك إلى المشتري ولكنه ملك غير مستقر في فترة خيار الفسخ. وهنا لو تلف المبيع أو هلك كانهيار عقار أو حريق (بغض النظر عن التأمين لأن الذي سيؤمن هو من سيكون عليه التلف) أو يحتاج إلى نفقات فهل الهلاك على المشتري باعتبار أنه تحت يده؟ وهل ينفق عليه من أمواله في مقابل الاستفادة من عوائد الأصل إن كان له غلة, ولا سيما إذا تراضى البائع والمشتري على ذلك.
وذلك بناءً على أن المسوغ الشرعي للطرفين تلك القاعدة الشرعية القائلة ''الخراج بالضمان''، وبشرط ألا يكون هناك إضمار بينهما بالاتفاق على أن الاستفادة من الغلة هي مقابل القرض، مع ضمان الالتزام بالضوابط الشرعية المذكورة سابقًا. وبعبارة أخرى هل يجوز إذا شرط في عقد بيع الرجا أن فترة الفسخ غير قابلة للتمديد، ويصبح البيع نافذا بعد مضي الأجل احترازًا من شبهة القرض بعائد الغلة، فهل يجوز وفقاً لهذا الشرط أو الضابط, ووفقا لقاعدة الخراج بالضمان أن يستأثر المصرف بغلات المبيع مقابل النفقة عليه وتحمل ضمانة تلفه.
وأشارت الدراسة إلى أقوال بعض المتأخرين من الشافعية والأحناف ومجلة ''الأحكام العدلية'' المادتين (118) و(398) حول جواز الانتفاع بغلة المبيع في بيع الوفاء، كما ذكرت قولاً للمالكية بجواز الغلة للمشتري.
ورأت الدراسة أن إجازة الانتفاع بغلة المبيع في بيع الرجا مع التشديد على الالتزام بالضوابط الشرعية يشجع المصارف الإسلامية على التعامل مع هذا النوع من البيوع، وربما اعتبرته منتجا مصرفيا جديدا يقدم لأصحاب الحاجة إلى السيولة لفك أزماتهم. وعلى ذلك إذا وجد رأي للفقهاء المعاصرين يجيز ذلك، فإنه حسب الدراسة لا بد من إضافة الضابط التالي إلى جملة الضوابط الشرعية السابقة الذي ينص على: ''إذا هلك أو تلف الأصل الإنتاجي يكون على المصرف كما أن مصروفاته عليه في فترة الفسخ، في مقابل انتفاع المصرف بغلته، وفقا للقاعدة الشرعية ''الخراج بالضمان''. وللطرفين أن يتحاسبا عن المصروفات والغلة إذا فسخ العميل البيع واسترد أصله''.
2 - بيع السلم:
هو بيع يكون الثمن فيه معجلاً والمبيع مؤجلاً. يسمى المشتري المُسلمِ، ويسمى البائع المُسلَم إليه، ويسمى الثمن المعجل رأس مال السلم، وتسمى السلعة مؤجلة التسليم المسلَم فيه.
- الطبيعة التمويلية للسلم: يتضمن السلم بطبيعته تمويلاً من المشتري (المسلِم) الذي يدفع الثمن للبائع (المسلَم إليه) الذي يتعهد بسداد السلعة بعد أجل معين.
- العائد في بيع السلم وطبيعته الاحتمالية: يتمثل العائد الذي يحققه المموِّل (المشتري) في الفرق بين سعر السلعة سلمًا وسعر السلعة عند حلول أجل السداد، فإذا كان سعر السلعة عند حلول أجل السداد أعلى من سعرها سلمًا فإن المموِّل يكون قد حقق ربحا من خلال التمويل، أما إذا كان سعر السلعة عند حلول أجل السداد أقل من سعرها سلمًا فإن المموِّل يكون قد حقق خسارة، أما إذا تساوى السعران فإن الممول لا يحقق عائدًا (بل يكون قد حقق خسارة الفرصة البديلة). وهكذا فإن العائد الذي يحققه المموِّل من عملية التمويل في السلم هو عائد احتمالي بطبيعته لا يتحقق إلا إذا كان سعر السلعة عند حلول أجل السداد أعلى من سعرها المدفوع فيها سلمًا.
- هل يمكن إلغاء المخاطرة في بيع السلم وجعل العائد متيقنًا:
كما رأينا فإن العائد في بيع السلم لا يتحقق للمموِّل إلا إذا كان سعر السلعة عند أجل السداد أعلى من سعرها سلمًا، فإذا أمكن ضمان تحقق هذا الشرط فإنه يمكن تحقيق يقينية العائد للمموِّل.
ولقد ذكر ابن تيمية رحمه الله صورة للسلم وأجازها وهي تحقق هذا الأمر، حيث جاء في الاختيارات الفقهية: (ولو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء بحكم أنه إذا حلَّ يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم صح، كالبيع بالسعر). ففي هذه الصورة يحدد رأس مال السلم (مبلغ التمويل) ويترك تحديد سعر الوحدة من السلعة والكمية المسلم فيها إلى أجل السداد، بحيث يكون سعر الوحدة سلمًا أقل من سعرها يوم السداد بمقدار معلوم (مبلغ مطلق عند ابن تيمية، واشترط الشيخ ابن عثيمين أن يكون مبلغًا نسبيًا من السعر يوم السداد). وبناء عليه فإن كمية السلعة المسلم فيها ستتغير حسب السعر، فكلما زاد السعر ستنقص الكمية، وكلما نقص السعر ستزيد الكمية. وبهذه الطريقة فإن سعر السلعة عند السداد سيكون دائمًا أكبر من سعرها سلمًا مهما تغير السعر الأول، وبذلك يكون العائد موجبًا دائمًا، أي أنه سيكون يقينيًا وليس احتماليًا.
ويمر بيع السلم بثلاث خطوات عملية هي عقد بيع السلم وتسليم وتسلم السلعة في الاجل المحدد وعقد البيع.
في عقد بيع السلم يدفع المصرف الثمن في مجلس العقد ليستفيد به البائع ويغطي به حاجاته المالية المختلفة فيما يلتزم البائع بالوفاء بالسلعة في الاجل المحدد.
وفي الخطوة الثانية يتم تسلم وتسليم السلعة في الاجل المحدد. وامام المصرف حالات متعددة يمكن اختيار احدها وهي اولا يتسلم المصرف السلعة في الاجل المحدد ويتولى تصريفها بمعرفته ببيع حال او مؤجل، وثانيا يوكل المصرف البائع ببيع السلعة نيابة عنه نظير اجر متفق عليه او دون اجر، وثالثا يوجه البائع لتسليم السلعة الى طرف ثالث وهو المشترى بمقتضى وعد مسبق منه بشرائها عند وجود طلب مؤكد بالشراء.
ويوافق فى الخطوة الثالثة عقد البيع على بيع السلعة حالة أو بالاجل بثمن اعلى من ثمن شرائها سلما فيما يوافق المشتري على الشراء ويدفع الثمن حسب الاتفاق.
- ضوابط الاستثمار عن طريق بيع السلم :
وضع الفقهاء مجموعة من القواعد التي تضبط الاستثمار عن طريق بيع السلم, منها: 1 - أن يكون منضبطاً: بمعنى أن كل ما يمكن انضباطه (محددا) فإنه جائز فيه السلم لأنه ما تدعو إليه حاجة. 2 - أن يصفه وصفا نافيا للجهالة، فيذكر جنسه ونوعه. 3 - أن يكون الأجل معلوما كالشهر. 4 - أن يكون المسلم فيه (البضاعة) في الذمة فإن أسلم في عين (بضاعة حالية) لم يصح. 5 - أن يقضى (يدفع) رأس المال في المجلس, وأجاز مالك اليوم واليومين لتسلم رأس المال. وأقر مؤتمر المصرف الإسلامي في دبي عام 1979 هذا النوع من البيوع إذا كان المصرف يتقيد بالشروط التي ذكرها الفقهاء ومراعاة ذلك في عقود السلم كافة.
- يتم تمويل العميل عن طريق بيع السلم وفق الإجراءات التالية :
1 - يقوم العميل بالتقدم للمصرف بطلب لتمويل مشروع معين ويرغب في قيام المصرف بتوفير السيولة النقدية اللازمة للمشروع ونوع المنتج الذي يقوم بإنتاجه، على أن يرفق بهذا الطلب دراسة جدوي للمشروع يحدد فيه مبلغ السيولة المطلوب. 2 - يقوم المصرف بتقييم جدوي المشروع المطلوب تمويله، ونوعية السلع التي يقوم المشروع بإنتاجها، وفي حالة الموافقة عليه يقوم المصرف بشراء السلع التي يقوم المشروع (المصنع) بإنتاجها وتحديد موعد التسلم ودفع قيمة البضاعة حالا. 3 - يقوم العميل بعد ذلك بإدارة أعمال المشروع (المصنع) وفق ما هو مخطط له في دراسة جدوي المشروع وبعد الانتهاء من الإنتاج يقوم بتسليم البضاعة للمصرف وفق الشروط المتفق عليها. 4 - حتى يقوم المصرف ببيع تلك البضاعة فإن لديه بديلين, هما: أ - بيع البضاعة قبل التسلم عن طريق عقد السلم الموازي للتجار على أن يحدد موعد التسليم بعد التسلم من العميل، ويكون ذلك بسعر أكبر من سعر الشراء من العميل وأقل من سعر السلعة في السوق حتى يوفر ميزة للمشتري. ب - الانتظار حتي موعد تسلم البضاعة ثم بيعها نقدا (بيع مساومة)، أو عن طريق بيع المرابحة.
3 - الإجارة الموصوفة بالذمة :
هي عقد مسمى بالفقه الإسلامي، يشتمل على معنيين من معاني العقود المسماة بالفقه الإسلامي، وهما عقد السلم وعقد الإجارة , أي انه يمكن تعريف عقد الإجارة الموصوفة بالذمة بأنه « بيع منافع مستقبلية بثمن حال» أو هي: «سلم في المنافع» سواء كانت منافع أعيان أو منافع أعمال . أو هي «إجارة الذمة « لأن المنفعة المستوفاة متعلقة بذمة المؤجر وليست متعينة , أو الإجارة الواردة على منفعة مضمونة، لأن المنفعة فيها يضمن المؤجر تقديمها في كل الحالات، وهي متعلقة بذمته ويطلق عليها باللغة الإنجليزية ijara forward.
- أنواع الإجارة الموصوفة بالذمة :
- النوع الأول: الإجارة التي يكون الثمن فيها موصوفاً بالذمة، وهذا العقد لا يلغى بتلف ما قد عينه الأجير أو المكري لنفسه من الأجرة التي ضبطها موصوفة في ذمة المستأجر أو المكتري، كما لا يلغى العقد بظهور عيب فيه .
- النوع الثاني: الإجارة التي يكون العمل فيها موصوفاً بالذمة: وهي كقول المستأجر: ألزمت ذمتك أو أسلمت إليك هذه الدراهم في خياطة هذا الثوب.
• النوع الثالث: الإجارة التي تكون فيها العين موصوفة بالذمة: وهي كقول المؤجر للمستأجر: جعلت لك منفعتها (أي العين الموصوفة بالذمة) سنة بكذا .
- أحكام الإجارة الموصوفة بالذمة في الفقه الاسلامي :
الشرط العام المكون لضوابط وأحكام عقد الإجارة الموصوفة بالذمة، هو استقصاء صفات سلم في موصوفة بالذمة، أي الالتزام الكامل بشروط وضوابط عقد السلم، لان الإجارة الموصوفة بالذمة هي سلم في المنافع كما تقدم بيانه، وفيما يلي الأحكام العامة للإجارة الموصوفة بالذمة: الأحكام العامة:
1 - لا يجوز تأجيل الأجرة ولا الاستبدال عنها، ولا الحوالة بها ولا عليها، ولا الإبراء، بل يجب التسليم في المجلس كرأس مال السلم ، لأنه سلم في المنافع ، فان كانت الأجرة مشاهدة غير معلومة القدر، فعلى القولين في رأس مال السلم، وقال ابن رشد: « ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك ، ليخرج من الدين بالدين ».
2 - عقد الإجارة الموصوفة بالذمة متعلق بذمة المؤجر وليس بعمله: وهذا يعني انه مكلف بأن يتعهد للمستأجر بتنفيذ العمل المطلوب منه على الوجه السليم ، أيا كانت الوسيلة إلى ذلك، وأياً كانت الجهة المنفذة ، وبناء على ذلك، فإن للأجير أن يستأجر بدوره من يكلفه بإنجاز ما طلب منه، وله الحق في أن يتفق معه على الأجر الذي يشاء ، يقول الإمام النووي « هي قسمان (أي الإجارة) : واردة على عين، كإجارة عقار ودابة وشخص معينين ، وعلى الذمة كاستئجار دابة موصوفة بالذمة ، وبأن يلزم ذمته خياطة أو بناء» ، أي أن استئجار الدابة في الذمة لا بد أن تخضع للوصف دون استئجار الشخص للالتزام بعمل ما.
3 - يجوز للمؤجر في الإجارة الموصوفة بالذمة أن يؤخذ عربوناً من المستأجر ، تحسباً لنكوله عن تنفيذ العقد وتسلم العين التي التزم في العقد باستئجارها بدلاً من رفع الأمر إلى الحاكم أو السلطان ، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم : 72 (3/8) بجواز أخذ العربون في كل من عقد البيع والإجارة ، مستدلاً بما روي عن نافع بن عبد الحارث انه اشترى لعمر بن الخطاب دار السجن من صفوان بن أمية ، وقال له نافع : إن رضي عمر بالشراء فذاك ، وإلا فله من ثمنها كذا وكذا .
4 - إذا نكل المؤجر ولم يسلم المستأجر العين المؤجرة في الوقت المحدد، أو فر بها، كان للمستأجر الخيار في إمضاء العقد قابلا بالتأخير أو فسخه.
5 - يجوز استخدام الأجرة في أغراض خاصة للمؤجر ، ,وقياس ذلك على جوازه في السلم.
6 - يجوز أخذ رهن من المؤجر، كما إذا أجر بنائين على بناء دار، فإنه يصح أن يأخذ رهنا منهم في نظير عملهم حتى إذا لم يبنوا الدار، فإن للمرتهن الحق في بيع المرهون ويستأجر منه من يعمله « وقريب من هذا : ما تأخذه المصالح من التأمينات التي يدفعها العمال حتى لا يهملوا في أدار أعمالهم «
نماذج تطبيق الإجارة الموصوفة في الصناعة المالية الإسلامية :
النموذج الأول: تمويل التعليم: حيث تقوم المؤسسة المالية الإسلامية بتمويل خدمة التعليم بشرائها المقاعد الدراسية او خدمة التعليم نقداً، ومن ثم تأجيرها للعملاء. ويجب ان تكون محددة بالوصف الذي لا يدع مجالاً للنزاع . والجدوى الاقتصادية من هذا النوع للتمويل من وجهة نظر العميل هو تقسيط مصروفات الدراسة مما يعتبر تسهيلاً لتقديم هذه الخدمة .
النموذج الثاني: تمويل العلاج: بحيث تكون الإجارة التي محلها تقديم الخدمات من المؤسسات المالية إلى المتعاملين معها، هي إجارة موصوفة في الذمة، وتكون بعدم تعيين الطبيب بل بوصف الخدمة (الأعمال والإجراءات) وصفاً يمنع التنازع. وفي الإجارة الموصوفة بالذمة يمكن للمؤجر ( أي المؤسسة المالية ) إبرام عقد الإجارة قبل تملك منفعة العين التي تريد أن تؤجرها، فتبرم المؤسسة العقد مع العميل، ثم تتعاقد المؤسسة مع الطبيب أو الجهة الصحية مثلاً ، وتشترط تقديم الخدمة لها أو لمن تحدده من عملائها .
ويجب عدم الربط بين الإجارة الموصوفة بالذمة إذا تم إبرامها مع مقدم الخدمة أولاً وبين عقد الإجارة مع المستفيد من الخدمة، لأن الموصوف في الذمة لا يجوز التصرف فيه قبل قبض محله، أي تعيينه فتكون من قبيل الإجارة المتوازية.
النموذج الثالث: تمويل رحلات الحج: وهذا النموذج مطبق في العديد من المؤسسات المالية الإسلامية وبأسماء مختلفة، منها على سبيل المثال مصرف أبو ظبي الإسلامي تحت اسم «ترحال» ، بحيث يقدم عميل المؤسسة طلب استئجار خدمة النقل، وذلك بعد أن تستأجرها المؤسسة من مقدم الخدمة، ثم يقدم العميل وعدا بتملك خدمة وبعدها عقد تملك خدمة الموصوفة بالذمة، بحيث يقوم البنك بالدفع إلى شركة السياحة والسفر نقداً، وتقسيط المبلغ على العملاء ، ويضاف في حالة تمويل رحلة الحج ملحق لوصف الخدمة وصفاً دقيقاً خلال مناسك الحج.
النموذج الرابع: تمويل الأعمال الإنشائية: يوقع العميل والبنك على عقد ايجار العقار(موصوف بالذمة) الذي سيتم تسليمه في تاريخ لاحق. يقدم هذا المنتج إلى العملاء الراغبين بشراء منازل قيد الإنشاء، ويتولى البنك الإسلامي دفع كافة المبالغ المستحقة مباشرة إلى مقاول المشروع وفق الجدول الموضوع خلال فترة الإنشاء.
وقد يقول قائل انه لا يجوز لأن الإجارة الموصوفة بالذمة كما في السلم لا تجوز في العقار ، ويرد عليه بأن الموصوف بالذمة هو هنا البناء الذي سوف يتم انشاؤه وهو غير معين، أي لا يرى بالعين لحظة توقيع العقد، ويسمى هذا المنتج في بنك دبي الاسلامي بالإجارة الموصوفة بالذمة المنتهي بالتمليك، وعند انتهاء مشروع البناء، يخضع هذا المنتج لقوانين عقد الإجارة، ويبدأ العميل بتسديد الأقساط للبنك بعد استلام العقار .
النموذج الخامس: صكوك الاستثمار:
1 - صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة بالذمة: وهي وثائق متساوية القيمة يتم إصدارها بغرض اجارة أعيان موصوفة في الذمة، واستيفاء الأجرة من حصيلة الاكتتاب فيها، وتصبح منفعة العين الموصوفة في الذمة مملوكة لحملة الصكوك .
2 - صكوك ملكية الخدمات من طرف موصوف بالذمة: وهي وثائق متساوية القيمة يتم إصدارها بغرض تقديم الخدمة من مصدر موصوف في الذمة (كمنفعة التعليم من جامعة يتم تحديد مواصفاتها دون تسميتها ) واستيفاء الأجرة من حصيلة الاكتتاب فيها، وتصبح تلك الخدمات مملوكة لحملة الصكوك.
آراء الخبراء:
تضاربت آراء الباحثين والفقهاء المصرفيين في عملية التورق، ومدى توافقها مع الشريعة الإسلامية، وكيفية استخدامها من قبل البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، خاصة في ظل احتياج المصرفية الإسلامية لمنتجات منافسة للمنتجات التقليدية، وفيما يلي بعض هذه الآراء :
الدكتور عز الدين خوجة الأمين العام للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية :
يرى د. خوجة أن منتج التورق يهدف إلى تمكين العملاء من الحصول على السيولة النقدية بحيث يتسلمون مبلغا نقديا حالا مقابل التزامهم بدفع مبلغ نقدي أكبر في الآجل، وذلك من خلال عقد شراء سلعة بثمن مؤجل وبيعها لطرف ثالث غير البائع بأقل من الثمن الأول. وبين د. خوجة من خلال متابعته للأبحاث المقدمة عن التورق أن أصل الخلاف بشان الحكم على مشروعية التورق المصرفي بشكل أساسي إلى الاختلاف في تطبيق أصل مهم من أصول الشريعة وهو سد الذرائع، وهذا الأصل متفق عليه في الجملة بين الفقهاء وان وقع الخلاف في جزئياته، والذرائع هي الوسائل التي يتبعها المكلف وتكون طريقا سواء لمحرم أو محلل، فإذا تم استخدام هذه الوسائل لمحرم فهي تكون محرمة ويجب سدها، وان استعملت طريقا لمحلل فهي جائزة ومطلوب فتحها واتباعها. ويقول د. خوجة أن التورق الفقهي الجائز يمكن أن يكون بديلا عن التورق المصرفي، حيث أن التورق الفقهي يحقق السيولة النقدية للمتورق وهي حاجة جائزة كما ذهب لذلك الأغلبية.
الدكتور حسين حامد حسان رئيس الهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي وعضو العديد من المجالس والمجامع الاقتصادية الإسلامية:
يرى الدكتور حسان أن فقهاء العصر أقروا بالإجماع عدم مشروعية "التورق"، وأن تطبيقاته في البنوك لم تكن دقيقة، وشابها بعض الشبهات التي دفعت العلماء إلى الإجماع على تحريم "التورق المنظم". كما ذكر الدكتور حسان أن جميع العقود المشروعة إنما شرعت لتحقيق مصالح لعاقديها، فإذا قصد العاقدان بها ما شرعت لأجله كانت صحيحة وإالا كانت باطلة. و أكد الدكتور حسان أن البنوك تستطيع الاستفادة من البدائل الكثيرة المتوافرة في فقه المعاملات، مثل منتج (السلم) الذي يدخل فيه البنوك كشريك في عملية المضاربة وبنسب مخاطرة وربح، مشيرا إلى أن مقاصد الشريعة متعددة وكثيرة في هذا المجال.
الأستاذ الدكتور علي محيى الدين القرة داغي :
أكد داغي أهمية العقود الفقهية المعتمدة لدى فقهائنا الأوائل وكيف أنها لا تزال ثرّة وثرية بتراثها الفقهي ، وحيّة بتطبيقاتها المعاصرة ، ونافعة باستعمالاتها الشائعة ، وأن من هذه العقود عقد السلم الذي كان سائداً قبل الإسلام ، بل اقتضته الحاجة البشرية منذ زمن بعيد ، وأنه لما جاء الإسلام قام بضبطه.
وعرف داغي عقد السلم بأنه عقد قديم ظل مطبقاً في مختلف الحضارات السابقة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صلاحيته للبقاء والعطاء في ظل الحضارة الحديثة ، وهذا ما تحقق فعلاً ، حيث يعتبر من أفضل العقود لتحقيق السيولة لأصحاب المهن والحرف والمشروعات الزراعية والصناعية التي تتأخر ثمارها أو إنتاجها عن وقت الحاجة إلى السيولة.
مما سبق نرى أن الاقتصاد الإسلامي يحتوي في جعبته الكثير والكثير وهو بحر واسع يحتاج إلى غواص ماهر ليخرج لنا منتجات مالية تواكب التطور المتسارع الذي تشهده صناعة المال الإسلامي.
المصدر المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية
|