أسباب التحول إلى مصرف إسلامي
المصارف الإسلامية هي مؤسسات مالية، تقوم بجمع الأموال واستثمارها وتنميتها وتقديم الخدمات المصرفية بما يوافق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
ونقصد بالتحول هنا الانتقال من وضع فاسد شرعاً إلى وضع صالح شرعاً، ويكمن الفساد في الوضع الراهن المطلوب التحول عنه في التعامل بأنواع من المعاملات المخالفة لأنواع الشرع , وفي الطليعة منها التعامل بالربا أخذاً وعطاءً ، هو محرم شرعاً لما ينطوي عليه من الأضرار بالمجتمعات الإنسانية حيث ينزع من قلوبهم العطف والمودة والرحمة فيما بينهم , لقيامه على استغلال ظروفهم المعاشية وحاجتهم الاقتصادية ، فيشعل القلوب بالحقد والحسد والبغضاء التي تغذي النزاعات العدوانية وتذكي نارها ، مما لا يستقيم معه حياة فاضلة في المجتمعات الإنسانية فيؤدي في نهاية المطاف إلى انحطاطها وتدهورها ، ومن ثم انهيارها .
وأما الوضع الصالح شرعاً فهو عبارة عن نبذ التعامل بالمعاملات المخالفة لأحكام الشرع , وفي مقدمتها التعامل الربوي وإبداله بما أحل الله تعالى لنا من معاملات تنطوي على تحقيق العدل بين المتعاملين والتعاون على تحقيق المصالح المشتركة والتراحم في تقديم المساعدات للمحتاجين.
وأهم البواعث التي تكمن خلف عملية التحويل هي:
-
1- اعتقاد وجوب تطبيق شرع الله في المعاملات المالية في سائر مجالات الحياة وجوباً لا مناص منه ولا حياد عنه.
-
2- الإيمان بحرمة الربا حرمة قطعية يستوي في ذلك قليله وكثيره ، بجميع صوره وأشكاله .
-
3- التسليم بأن نظام الفوائد المصرفية إنما هو نظام ربوي فاسد شرعاً بلا ريب .
-
4- الخوف من غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة إذا استمررنا بمبارزة الله بمعاصيه ومحاربته في أرضه بارتكاب كبيرة من الكبائر وهي الربا.
-
5- التخلص من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن التعامل بالربا والاستمرار فيه .
-
6- الرغبة الأكيدة في تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية القائمة على استثمارات حقيقية وملموسة موجه نحو حاجات المجتمع المشروعة.
في الحقيقة هناك أسباب اقتصادية وشرعية للتحول.
المبحث الأول: الأسباب الشرعية للتحول الربا في اللغة هي الزيادة والنماء والعلوم.
الربا في الشرع هو فضل شرعي خال عن عوض شرط لأحد المتعاقدين.
إن المتأمل في النصوص الدالة على تحريم الربا وما اشتملت عليه من الوعيد الشديد الذي تنخلع منه القلوب، والتشنيع البليغ الذي تقشعر منه الجلود ليستيقن أنه من أكبر الكبائر ومن موبقات الذنوب فمن ذلك:
-
1) أن الله جل شأنه عندما حرم الربا توعد للمؤمنين إن لم يمتثلوا لأمره بترك الربا بالنار التي أعدت للكافرين ، حيث قال جل جلاله : (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون () وأتقو النار التي أعدت للكافرين ) وهذه الآية تدل على أن المؤمن يتساوى بالكافر إن لم يذر الربا من حيث دخوله النار التي أعدت للكافرين وعن هذه الآية كان أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى يقول : {هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه}.
-
2) وفي سورة البقرة يشتد الوعيد حيث يقول الباري عز وجل ( يا أيها الذين أمنوا أتقو الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين () فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وهذه الآية فيها توعد وإعلان للحرب على المصرين على التعامل بالربا وأي حرب هذه ! ! حرب يكون فيها الله القوي الجبار ورسوله صلى اله عليه وسلم في جانب ، والمرابي المصر على إثمه في الجانب المقابل إنها حرب خاسرة بكل المقاييس .
-
3) وقد صور الرسول صلى الله عليه وسلم جريمة أكل الربا بصورة تدل على عظم البشاعة وجسامة الوزر في ارتكابه هذه الجريمة حيث قال: ( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثون زنيه)
وترجع الحكمة في التشديد في تحريم الربا إلى ثلاث أمور:
أ-لردع النفس البشرية عما جبلت على حبه .
ب- لأن الربا يحدث أضراراً عظيمة في اقتصاديات الشعوب وتكمن هذه الأضرار في تجاوز الاستثمارات المشاريع النافعة وإقامة المشاريع الضارة التي تعتمد على عنصر الإثارة والترفيه نظراً لكونهما أكثر إدراراً للربح.
ج_ لما يسببه الربا من تفتيت للمجتمع وتدميره لأغلب الروابط الاجتماعية السائدة وإحلال العلاقات المادية الهشة بدلاً عها وإشعال القلوب بالأحقاد والضغائن وشحن الجميع بالعداوات والصراعات .وإذا استعرضنا مفهوم الفائدة من الناحية الاقتصادية ومفهوم الربا من الناحية الشرعية نجد أن هناك مواضع اتفاق بين المفهومين ومواضيع اختلاف. أما موضع الاتفاق :
أما مواضيع الاختلاف فتنحصر في اسم هذه الزيادة حيث تسمى في الأولى فائدة وفي الثانية ربا.
المبحث الثاني :خطورة الربا على الحياة الاقتصادية : لقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره خطورة الربا على الاقتصاد فقال : { إنما حرم الربا حيث أنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة، خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي على انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات }
وهذا متحقق اليوم، حيث تجد المقترض من المصرف الربوي يبحث عن أكثر مجالات الاستثمار إدراراً للربح لكي يستطيع أن يسدد أقساط الربا، وجزء من أصل القرض، وهذا المعيار غير متوافر في الصناعات و الزراعات والتجارات الشريفة التي تنفع الخلق، لأنها غير مضمونة الربح، وفي الوقت نفسه أرباحها غير مجزية لتسديد فوائد القرض وجزء من أصله، وفي سبيل تحقيق هذا المعيار تتجاوز الاستثمارات الربوية المشروعات النافعة التي تفيد المجتمع لتصب في المشروعات الأكثر إدراراً للربح، والتي غالباً ما تكون من المشروعات الضارة بالمجتمع .
المبحث الثالث :ميزات المصارف الإسلامية عن المصارف الربوية التقليدية :لقد حققت المصارف الإسلامية كسباً مادياً ومعنوياً رفيع المستوى ونالت ثقة المتعاملين معها رغم أن عمر هذه المصارف لا يتجاوز من (25-31 ) عاماً مقارنة مع ( أكثر من ثمانمائة عام ) للمصارف الربوية .
وأهم مميزات المصارف الإسلامية :
هي ارتباطها بالعقيدة الإسلامية ففي كل مصرف إسلامي هيئة من علماء الشريعة تنظر في توافق معاملاتها مع الشرع الحنيف وأساس الربح في هذه المصارف هو الاستثمار المشروع لرأس المال وأجور الخدمات التي تقدمها المصارف والهدف من كل ذلك الابتعاد عن الربا المنهي عنه .
ولا بد في النهاية من الاعتراف بأهمية المصارف الإسلامية في حياتنا باعتبارها أداة فعّالة في تطوير التنمية في بلادنا .
المرجع : تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي ومقتضياته تأليف الأستاذ سعود محمد ربيعة الجزء الأول منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق الكويت الطبعة الأولى 1992 .
المصدر مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية