من موجبات تغيير الفتوى .. تغير المعلومات
د. يوسف القرضاوي
هناك مسوغات أو موجبات لتَغيُّر الفتوى في عصرنا عما أفتى به السابقون. وسأذكر هنا عشرة موجبات. منها: موجبات ذكرها السابقون مثل: تغيّر الزمان والمكان والحال والعُرف. ومنها موجبات أضفتها بالتأمل والدراسة، والاستنباط من التراث، تقتضي تغيير الفتوى، ومن تأملها معي بأناة وإنصاف وجدها جديرة بذلك، وسأذكرها كلها مع الشرح وضرب الأمثلة، حتى يتضح للقارئ معناها والمقصود منها تماما. وبالله التوفيق.
ونبدأ بالموجبات الأربعة التي نص عليها علماؤنا من قبل:
ما معنى تَغيُّر المعلومات؟
وأعني بذلك: تَغيُّر المعلومات الشرعية، وتَغيُّر المعلومات الواقعية الحياتية، فمن تغيّر المعلومات الشرعية: أن يبني الفقيه أو المفتي حكمه أو فتواه على حديث معين، ثم يتبين له ضعفه، فتتغير فتواه تبعا لذلك.
وقد يكون الأمر بالعكس، فقد يرى الحديث المروي في المسألة ضعيفا، ثم تثبت له صحته.
وقد لا يظن أن في الأمر حديثا قط، ثم يروى له الحديث متصلا عن الثقات، فيغيّر رأيه وفتواه بناء على ذلك. كما كان يفعل أئمة السلف رضي الله عنهم. ولذلك رأينا أصحاب أبي حنيفة غيّروا بعض فتاواهم لهذا السبب. أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد وزفر الذين عاشوا بعد أبي حنيفة غيروا كثيرا من الأحكام، وخالفوا إمامهم في نحو الثلث من المذهب أو أكثر، وكان من أسباب هذا التغيّر اختلاف الزمان أحيانا، وتغيّر المعلومات أحيانا[1].
حين التقى أبو يوسف بالإمام مالك في المدينة، وحدثه عن الصاع مثلاً، هل هو خمسة أرطال وثلث أو ثمانية أرطال؟ واستعرضوا صيعان المدينة، المتوارثة من عهد النبوة والصحابة، فلما رآها أبو يوسف غيّر رأيه. كما غيّر رأيه أيضا في الأوقاف وقال: لو رأى صاحبي - أي أبو حنيفة - ما رأيت لقال بما قلت. وهنا تغيّرت الفتوى بتغير المعلومات.
الشافعي يغير رأيه بتغيّر معلوماته
وحين ذهب الإمام الشافعي إلى مصر وأنشأ مذهبه الجديد، متضمنا بعض الأحكام الجديدة، المخالفة لرأيه القديم: اعتبر بعض الناس ذلك التغيير بسبب تغير البيئة، والحقيقة أنه ليس تَغيُّر البيئة فقط هو الذي حمله على ذلك. تَغيُّر البيئة من ضمن الأسباب، لكنه سمع في مصر ما لم يكن قد سمع، ورأى ما لم يكن قد رأى، فهذه الأشياء التي سمعها من علماء مصر، وبلوغه سنًا معينة نضج فيه فكره، دفعه لمراجعة اجتهاداته، فغيّر مذهبه وأَسَّسَ مذهبه الجديد، ونقول اليوم: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد.
تغيّر المعلومات في عصرنا
وأود أن أبين هنا: أن عصرنا قد أتاح لعالم الفقه أو للمتصدي للفتوى، ما لم يتيسر لمن قبلنا، سواء في كمية المعلومات التي يستطيع أن يحصل عليها، أو في سرعة وصول هذه المعلومات، وذلك عن طريق هذا الجهاز العجيب (الكمبيوتر) فيستطيع العالم أو الباحث بلمسة في أحد أزار هذا الجهاز: أن يصل إلى معلومات هائلة، كثيرا ما تغير رأيه الذي بناه على معلوماته القديمة، وخصوصا بعد ظهور الشبكة الرهيبة التي قلبت الموازين التقليدية، وهي شبكة (الانترنت).
بلمسة سريعة، يعرف الباحث قيمة الحديث من ناحية الصحة والضعف، ويعرف الباحث أقوال العلماء.
وقد حُققت كتب شتّى بذل فيها العلماء جهدهم، فصححوا من الأحاديث ما كان معتبرا من الضعيف، وضعفوا ما كان معتبرا من الصحيح، وهذا كله يسهم في تغير المعلومات الشرعية لدى من يتعرض للإفتاء.
من تجاربي الشخصية
وسأضرب مثلاً بشخصي: لقد كنت أفتي سنين عددًا بأن المرأة إذا أسلمت وزوجها باق على دينه، يجب أن تفارقه.. هذا الذي عرفته، ثم أتيح لي أن أقرأ كتاب (أحكام أهل الذمة) للإمام ابن القيم، فوجدته يقول: في المسألة تسعة أقوال، من هذه الأقوال أن سيدنا عمر يقول: إنها تخير بين أمرين: البقاء مع زوجها أو فراقه، ووجدت سيدنا عليًا يقول: هو أحق ببضعها ما لم يخرجها من مصرها، ووجدت الإمام الزهري يقول: هما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما السلطان..، إلى آخر الأقوال التسعة.
بل وجدت أخانا وزميلنا في المجلس الأوروبي للإفتاء الشيخ: عبد الله الجُدّيع حين بحث في كتب الآثار والتراث، وصل إلى ثلاثة عشر قولاً في هذه المسألة. هذا جعلني أختار من هذه الأقوال التي عرفتها: ما أرى أنه أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، وأقول: يمكن أن أفتي للمرأة في حالة كهذه على مذهب سيدنا عمر، أو سيدنا علي، أو الزهري، أو غيره: أن تبقى المرأة مع زوجها، خصوصا إذا لم يأت حكم قضائي بالتفريق بينهما؛ إذن هنا تغيرت معلوماتي فتغيرت فتواي.[2]
ومثل ذلك ميراث المسلم من غير المسلم، كنت أفتي بما هو معروف في المذاهب الأربعة المتبوعة، من أنه لا توارث بين أهل ملتين، فلا يرث كافر من مسلم، ولا مسلم من كافر، وبعد مدة تبين لي أن في الأمر سعة للمفتي، حيث خالف بعض الصحابة مثل معاذ بن جبل ومعاوية، وبعض التابعين مثل محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين: أبو جعفر الباقر، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحي بن يعمر، وهو قول إسحاق بن راهوية. أجازوا للمسلم أن يرث الكافر، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وأفاض في تأييده، وكذا تلميذه ابن القيم وفيه الخير والمصلحة[3].
تَغيُّر المعلومات الواقعية
حكم التدخين:
وأحيانا تتغير المعلومات غير الشرعية أيضا، بل المعلومات الواقعية. فعندما ظهر (التبغ) أو ( الدخان) اختلف العلماء في حكمه، فهناك من كرهه، وهناك من حرمه، وهناك من أباحه، وهناك من قال: تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة. لكن المعلومات الجديدة في عصرنا، والتي أجمع فيها الأطباء على أن التدخين ضار بالصحة، وأنه يؤدي إلى سرطان الرئة، وإلى كذا وكذا من الأمراض، وأصبح هذا كالمعلوم بالضرورة لكل الناس، هنا.. تغيرت المعلومات، ويجب أن يتغير الحكم. أعني: يجب أن تبنى فتوى المفتي على تقرير الطبيب، فإذا قال الطبيب: هذا ضار، يجب أن يقول المفتي: هذا حرام[4]. فإن الله تعالى يقول: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء: 29) النساء:29. والتدخين قتل للنفس، ولكنه قتل تدريجي، أو انتحار بطيء. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"[5]، فكيف يضر المرء نفسه باختياره، بل كيف يشتري الضرر بماله؟!
مدة الحمل
ومما يتصل بتَغيُّر المعلومات: قضية الحمل، وأن من العلماء من قال: إن الحمل قد يبقى سنتين في بطن المرأة، كما هو مذهب الأحناف، ومنهم من قال: إنه يبقى خمس سنوات كما هو مذهب الإمام مالك[6]. هذه القضية كانت المعلومات فيها ناقصة أو مغلوطة في الأزمان الماضية.
روى الدارقطني والبيهقي في سننه الكبرى عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: إني حُدّثت عن عائشة أنها قالت: " لا تزيد المرأة في حملها عن سنتين قدر ظل المغزل " فقال: سبحان الله، من يقول هذا ؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، امرأة صدق وزوجها رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل في كل بطن أربع سنين"[7]!
علام بنى الإمام مالك رضي الله عنه هذا الكلام؟!
لقد بناه على قول المرأة وزوجها، هذا مع أن الله عز وجل يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} الأحقاف:15. كيف يكون الحمل والفصال ثلاثين شهرًا، ثم تحمل المرأة أربع أو خمس سنوات؟! أليس هذا يناقض القرآن؟
لكن المعلومات التي أتى بها الطب الحديث[8] في زماننا حملت إلينا تفسير هذه الوقائع، فهي تدخل في إطار ما يعرف بـ (الحمل الكاذب). وما هو الحمل الكاذب؟ إنه يعني أن تتوهم المرأة أنها حامل لشوقها إلى الحمل وتعلقها به، وهو ما يوحي إليها بأنها حامل، فتحس بأعراض الحمل، وتحس بانتفاخ بطنها وأن فيها شيئا يتحرك، ويعتريها الغثيان وبقية أعراض الحمل، والحقيقة أنها ليست حاملاً!!
ويمكن إثبات ذلك اليوم بأدوات التحليل المخبري، ولكن لم يكن هناك في العصور السابقة من يعرف هذا، فتظل المرأة تشعر بأعراض الحمل سنة وسنتين وثلاث سنوات، إلى أن يشاء الله في أية لحظة أن تحمل هذه المرأة حملا حقيقيا، فتحسب المدة كلها على أنها كانت مدة حمل صادق للمرأة!! ويمكن أن يأتي من يشهد بأنها كانت تتقيأ ويصيبها الغثيان وتشكو.. وولدت في النهاية!!
هذه المعلومات تجعلنا نقول: إن أقوال الفقهاء اليوم في هذه القضية ليست راجحة، بل ليست مقبولة، لأنها تخالف حقائق العلم، فضلا عن مخالفتها للقرآن الكريم. فنقول: لهذا كان من الأسباب المهمة جدًا لتَغيُّر الفتوى في هذا العصر: نتيجة تَغيُّر المعلومات.
لهذا أخذ قانون ( الأحوال الشخصية) في مصر بقول ابن عبد الحكم: أن أقصى مدة الحمل: سنة، وإن كان هو يراها سنة قمرية، القانون اعتمد السنة الشمسية.
لا معنى لدعوة الناس لترائي الهلال قبل الاقتران
ومن تغيّر المعلومات في عالم الواقع: ما أنبأنا به علم الفلك، وأجمع عليه أهل الاختصاص: مما يتعلق بدخول الشهر الهجري، وهو ما يسميه الفلكيون في اصطلاحهم: ( الاقتران ) أو ( الاجتماع ). ومعناه: أن تصير الشمس والقمر والأرض في خط واحد، وهذا يَحدث في لحظة واحدة في الكون كله، مشرقه ومغربه، وشماله وجنوبه. قد تكون في ليل أو في نهار، ومن المستحيل علميا: أن يُرى الهلال في أي بقعة في العالم قبل حدوث هذا الاقتران.
وهذا أمر قطعي مجمع عليه من علماء الفلك في العالم؛ مسلمين وغير مسلمين. وعلم الفلك علم رياضي يقوم على الرصد والملاحظة والحساب، وقد بلغ فيه المسلمون مبلغا عظيما، أيام ازدهار حضارتهم، وقد خطا في عصرنا خطوات هائلة، وعلى أساسه وصل الإنسان إلى القمر، ويحاول الوصول إلى ما هو أبعد من الكواكب.
فإذا قال الفلك القطعي في شهر ما: إن (الاقتران) لم يقع بعد. فلا معنى لدعوة المسلمين إلى ترائي الهلال، ولا مبرر لفتح المحاكم الشرعية أو دور الفتوى، لتسمع شهادة الشهود، لأن من شهد برؤية الهلال في تلك الحال: إما واهم أو مخطئ أو كاذب، ودعوتنا للناس في هذه الحال لا موجب لها، لأننا كأنما نشجعهم على اتباع الأوهام، أو افتراء الكذب!
ولم يكن هذا معلوما لعلماء الشريعة من أهل الفتوى والقضاء، في الأزمنة الماضية، إلا القليل منهم، ممن اطلع على علم الفلك، أو علم الهيئة والحساب، كما كانوا يسمونه[9]. فكانوا معذورين في دعوتهم المسلمين عامة إلى ترائي الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين. أما وقد علمنا بقضية (الاقتران) وقطعيتها، فلا معنى لأهل العلم الشرعي: أن يستمروا في دعوة الناس إلى الترائي، حتى يثبت (الاقتران)، وهو معلوم بيقين لدى علماء الفلك في كل أنحاء الدنيا. ومن بينها بلاد المسلمين، التي لا يخلو بلد منها من عدد من الفلكيين المرموقين.
ومن هنا نؤكد: بأن العصر قد يضيف لنا معلومات جديدة، فيتغيّر الموقف الشرعي في الأشياء التي تبنى على موقف واقعي. وقد يصحح معلومات قديمة، فتتغيّر بذلك الفتوى.
[1] راجع: مجموعة رسائل ابن عابدين (ج2/ 125).
[2] راجع الفتوى بالتفصيل في:( كتابنا فتاوى معاصرة) (3/605) وما بعدها، وكتابنا:( فقه الأقليات المسلمة/ص105 وما بعدها.
[3] راجع الفتوى بالتفصيل في كتابنا:( فتاوى معاصرة) ج3/ ص674- 679.
[4] راجع الفتوى بالتفصيل في كتابنا:( فتاوى معاصرة) (1/654) وما بعدها.
[5] رواه أحمد (2865) عن ابن عباس، وقال مخرّجوه: إسناده حسن، ورواه ابن ماجه في الأحكام( 2341) والطبراني في الأوسط (4/128) وفي الكبير (11/ 228).
[6] تعددت أقوال الفقهاء في أكثر مدة للحمل ويمكن أن نلخص الأقوال في قولين:
الأول: أن أقصى مدة الحمل هي المدة المعهودة تسـعة أشـهر، وبه قال داود وابن حزم . المحلى لابن حزم 10 / 132، تفسير القرطبي 9 / 287.
القول الثاني: يمكن أن يمتد الحمل أكثر من تسعة أشهر، وأصحاب هذا القول اختلفوا في أكثر الحمل على ما يلي:
-
أن أقصـى مدة الحمـل سـنة واحدة لا أكـثر، وبه قال محمد بن عبد الحكم واختاره ابن رشد . (تفسير القرطبي/ 9 / 287).
-
أن الحمل قد يستمر إلى سنتين، وهو مذهب الحنفية. (حاشية ابن عابدين/ 5 / 511، شرح فتح القدير لابن الهمام/ 4 / 362).
-
أنه قد يستمر إلى ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد (المغني لابن قدامه/ 7 / 477، شرح فتح القدير لابن الهمام/ 4 / 362.
-
أن أقصى الحمل أربع سنين، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ( الأم للشافعي/ 5 / 212، روضة الطالبين للنووي/ 6 / 39 ).
-
أن أكثر الحمل خمس سنين، وهي رواية عن مالك ( الكافي لابن عبد البر/ ص 293).
-
أن أقصى الحمل ست سنين، وهي تروى عن مالك والزهري ( تفسير القرطبي/ 9 / 287).
-
أن أقصى الحمل سبع سنين، وبه قال ربيعه وهي رواية عن الزهري ومالك ( تفسير القرطبي/ 9 / 287).
-
لا حد لأكثر الحمل، فإذا ظهر بالمرأة حمل أو وجدت القرائن الدالة على الحمل كالحركة في البطن فإننا ننتظر وإن طالت المدة، أما إذا مضت التسعة أشهر ولم يظهر بها علامات الحمل فلا انتظار لأن الأشهر التسعة هي المدة الغالبة. وبه قال أبو عبيد والشوكاني (السيل الجرار للشوكاني/ 2/334).
[7] رواه الدارقطني في سننه (3/ 322) والبيهقي في الكبرى (7/ 443) .
[8] يقول الدكتور مأمون شقفة: الولادات التي تتم بين الأسبوع (39 ) والأسبوع (41) تحمل أفضل نسبة سلامة للأجنة فإذا تأخرت عن الأسبوع 41 نقصت نسب السلامة، وإذا تأخرت عن الأسبوع (42) نقصت أكثر. (القرار المكين لمأمون شقفة ص 74).
[9] مثل الإمام الفقيه تقي الدين السبكي الشافعي الفقيه الأصولي، الذي قالوا عنه: إنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، فقد قال له في رسالة له عن (الهلال): إن الحساب إذا قال الرؤية مستحيلة، وجاء شاهد أو شاهدان أو ثلاثة يقولون: رأينا الهلال. فعلى القاضي أن يرد شهادة الشهود؛ لأن الشهادة ظنية، والحساب قطعي ، والظني لا يقاوم الظني؛ فضلا عن أن يقدم عليه
المصدر موقع القرضاوي.