البحث فقط في هذا القسم

جامعة سلانغور الإسلامية العالمية ترغب في تدريب مزيد من المحترفين في الصرافة الإسلامية      خبراء "المعيار الأخلاقي".. الرهان المستقبلي للبنوك الإسلامية      خبير مصرفي بريطاني: التمويل الإسلامي البديل للبنوك التقليدية      مصر تعزز الصيرفة الإسلامية بوحدة خاصة في البنك المركزي      مال ومعامـلات      متابعة خاصة عن الأزمات المالية العالمية ودورالنظام المالي الإسلامي      الصفحة الرئيسية     

الصفحة الرئيسية | أقلام العلماء | المدافعة الاقتصادية / د. عبدالكريم بكار 

لم يكن المال أساسياً في حياة الناس كما هو اليوم؛ إذ يقوم التنظيم المدني للحياة على المزيد من الانحسار للأشياء المجانية؟

 فعلاقة الناس بالأرض وعطاءاتها الوفيرة تتراجع من خلال الازدياد المطرد للسكنى في الحواضر والمدن حيث يكون لكل شيء ثمن حتى الهواء النقي فإنه في سبيله إلى أن يصبح مثل الطعام والشراب، ويظل الهواء الملوث الفاسد من نصيب الذين لا يستطيعون دفع الثمن!
نحن في عصر جديد كل الجدة، وفي كل شيء، وهو يشهد الكثير من التحوّلات الكبرى،

 ومن تلك التحوّلات على المستوى الدولي أن السياسة صارت في خدمة الاقتصاد، أو أن الاقتصاد هو الذي تبقّى من السياسة.
أيام الاستعمار كان الاقتصاد هو الذي يخدم السياسة.

وهذه بعض الملاحظات في شأن المدافعة الاقتصادية:
1- كلما درج الناس في سُلّم الحضارة تحسّن وعيهم بمصالحهم، وازداد تعلّقهم بها وبتحقيقها، وهذا يعني اشتعال روح المنافسة في كل الميادين.
وطالما كانت المنافسة مقرونة بانحطاط الأخلاق وتراجع المدنية، ونحن نلمس اليوم كيف تصبح المدافعة الاقتصادية عارية من القيم ومكشوفة عامياً، وهذا يتم على مستوى محلي وعالمي في آن واحد؛ حيث صار الذي يجعل الدول والأفراد أكثر ثراء هو ما يملكونه من القوة والنفوذ وفائض الاستثمار، وليس ما لديهم من الجدارة والحق والمشروعية.
ومن الواضح أن الدول العظمى تلوّح بالقوة العسكرية من أجل خدمة مصالحها الاقتصادية والتجارية،

 وهذا يعني أن النجاح في المدافعة الاقتصادية لن يكون لأسباب اقتصادية محضة، وإنما يخضع للمعطيات العلمية والسياسية والعسكرية.
2- مدافعتنا الاقتصادية ليست على ما يرام، فنحن على الرغم من أننا نعتقد أننا نملك أفضل نظرية ومذهبية اقتصادية في العالم إلاّ أن معظم المسلمين قريبون من خط الفقر أو تحته،

 وهذا ينبغي أن يحفزنا على طرح الكثير من الأسئلة حول أسباب ما نحن فيه من ضعف اقتصادي ظاهر. شيء جيد أن ندرك أن القيم والمبادئ والنظم لا تؤتي ثمارها، ولا تعمل في فراغ، وإنما تحتاج إلى بيئة مواتية تحفز الناس على التفاعل معها والاستجابة إليها، وإلاّ لما كان لدينا أي مشكلة. وربما كان من الشروط المطلوبة لتفاعل الإنسان المسلم مع النظرية الإسلامية في مجال الاقتصاد:

 وجود درجة عالية من الاستقامة الخلقية والسلوكية، ودرجة عالية من التعلم،

 بالإضافة إلى وجود وسط منظم على نحو جيد وبنية تحتية متقدمة.
وهذه الشروط والمواصفات يمكن أن تنحل إلى شرطين أساسين:

 تمسّك صحيح بالدين واستجابة لمتطلبات العصر على الصعيد العلمي والإداري.
3- لم تعمل سنة المدافعة الاقتصادية في أي يوم من الأيام كما تعمل اليوم.

فقد كان ضعف الاتصال العالمي بين الاقتصادات المختلفة يتيح لكل اقتصاد أن يلبي حاجات أهله من غير إملاء شروط واعتبارات خارجية، وقد كان من شأن ذلك توفير قدر من الحماية للاقتصادات الضعيفة المتخلفة، لكن هذا كله قد انتهى؛

 فالأفكار والأموال والطموحات والحاجات والمشكلات... يتم تعميمها اليوم بسرعة البرق،

 ولهذا فإن من الممكن أن يجوع شعب في أقصى الشرق بسبب سياسات اقتصادية تتبعها دولة في أقصى الغرب، وقد سمعنا عن الهزة التي أصابت الاقتصاد العالمي قبل شهور قليلة بسبب أزمة رهن المساكن في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا يعني أننا إذا أردنا لاقتصاداتنا الإسلامية أن تصمد، وأن تتطور فإنه لا بد لنا من أن نقيمها على أسس عالمية، وأن نأخذ ما يجري حولنا في بلدان العالم بعين الاعتبار، مع الحفاظ على خصوصيتنا العقدية والحضارية؛ والمعادلة صعبة ودقيقة، والله المستعان

.
4- كان الناس في الماضي بسبب ضعف الإمكانات وضيق البيئات يعتمدون سياسة (الكسب القليل والإنفاق المقنن المحدود)، ولهذا اختلف أهل العلم في التفاصيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، لكن هذه الوضعية انتهت اليوم وصارت التوازنات الداخلية لكل الاقتصادات العالمية تقوم على معادلة مضادة هي: اكسب كثيراً، وأنفق كثيراً.

ومع أن هذا قد وصل إلى حد الشطط، ومع أنه ضار بالبيئة ومتصل بالسرف والتبذير، إلاّ أننا لا نستطيع غضّ الطرف لا على مستوى الدول ولا على مستوى الأفراد، وذلك لما أشرنا إليه من صعوبة السيطرة على الشأن المحلي في زمن العولمة، ولهذا فنحن اليوم بحاجة إلى الغني الشاكر والفقير الساعي إلى إصلاح حاله وتحسين دخله في إطار مرضاة الله - تعالى- والعمل في ظل النظم السارية. إن الوفرة المالية تساعدنا على القيام بأعمال الخير والبر التي نستدرك من خلالها على قصور النظام الاجتماعي والاقتصادي، والقيام بكرَّة ثانية على طريق تحقيق العدالة بين الناس.
إن كثيراً من الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها الإنسان المسلم اليوم تعود إلى عدم تلاؤم الخطط التنموية مع الزيادة السكانية، وإذا ظلت الأمور على ما هي عليه فقد نشهد انهياراً سريعاً للأخلاق والقيم، ونشهد أوضاعاً غير مسبوقة على صعيد الحاجة والعوز وعلى صعيد اللصوصية والرشوة والفساد الإداري والمالي.

 إن البلد حتى يحقق نسبة نمو (5%) سنوياً يحتاج إلى أن يعيد استثمار (30%) من ناتجه القومي في مشروعات جديدة، وهذا ليس باليسير في ظل وجود عجز كبير في ميزانيات عدد من الدول الإسلامية، وفي ظل وجود ديون خارجية متراكمة، ولا بد لأهل العلم الشرعي وأهل الاقتصاد والسياسة من التباحث في هذه المسألة وإصدار الإرشادات والتوجيهات الملائمة، وإلاّ فإننا لن نستطيع أن نسيطر على الأمور بعد ذلك بأي وسيلة من الوسائل.

5- المدافعة الاقتصادية في العالم اليوم تعتمد على وجود ما يُسمّى بـ(اقتصاد المعرفة) أي الاقتصاد الذي يعتمد على المعارف والتقنيات المتطورة، وليس على الزراعة أو المواد الخام. كلما حدث تقدم تقني أكثر تراجعت قيمة المواد الخام في تكوين المنتج، وهذا ما نلمسه اليوم؛ إذ إننا إذا كنا ندفع قيمة (الجوال) اليوم بألف ريال فإن قيمة المواد الأولية فيه قد لا تصل إلى عشرين ريالاً، والباقي ثمنه لقاء المعرفة والخبرة والتقنية والبحث والتطوير التي جعلت من بضعة غرامات من الحديد والبلاستيك جهازاً مدهشاً.
هذا يعني أن الاقتصاد القوي يحتاج إلى مؤسسات تعليمية ممتازة وأطر تقنية متقدمة، وهذا ما يجب أن نسعى إلى توفيره، وإلاّ فستظل مهمتنا فتح الصناديق القادمة من وراء الحدود!

المصدر موقع إسلام اليوم

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com