أما الشيخ عبدالله نجيب سالم فيقول حول هذا الموضوع:
البنوك الإسلامية ظاهرة معاصرة لم يسبق لها في التاريخ الإسلامي مثيل من قبل وهي كما يرى المراقب المتأمل تنتشر انتشاراً سريعاً يفوق كل توقع حتى أصبح كثير من البنوك الربوية تبحث عن أسلوب تستطيع به إدخال بعض مبادئ النظام المالي الإسلامي إلى أساليبها، أو استحداث فروع إسلامية فيها وذلك في محاولة لاستقطاب أصحاب الأموال من المسلمين الملتزمين·
وترجع ظاهرة البنوك الإسلامية إلى عاملين اثنين:
أولهما: النهضة الإسلامية العارمة التي يشهدها العالم حديثاً والمتمثلة في التفات المسلمين إلى كنوز دينهم وقواعد حضارتهم ليعودوا إليها فيحفظوا بذلك كيانهم ووجودهم في عالم طغت عليه الحضارة الغربية بكل مقوماتها وخصائصها وسعت فيه بكل شراسة لابتلاعهم وتذويبهم·
وثانيهما: نجاح تجربة تلك البنوك على المستويين المحلي والدولي وانتقالها من مرحلة التجريب والاختيار إلى مرحلة التطوير والاتساع في عالم مالي معقد العلاقات سريع التغيير واسع الإمكانات·
ولكن انتشار البنوك الإسلامية الربوية لم يسلم من عقبات أو معوقات، بل وضغوط متعمدة ومقصودة تهدف إلى الحد من توسع تلك البنوك أو خنقها وإفشالها·
وهذه الضغوط التي تشهدها ظاهرة بارزة أو خفية مستترة ومباشرة أو غير مباشرة يمكن إرجاع أسبابها إلى ما يلي:
1 ـ كثير من تلك الضغوط التي تمارس ضد البنوك الإسلامية مدفوع بالحقد على الإسلام وأهله، والحقد على الإسلام ومحاربة المسلمين في مؤسساتهم وأسلوب حياتهم سمة بارزة في العصر الحديث، تتمثل في تشويه ما هو مستمد من الإسلام ومرتبط به فكراً وسلوكاً وعملاً وممارسة وذلك بإلصاق تهمة التأخر أو الجمود أو القِدم، أو صفة الرجعة أو الإرهاب أو تهديد المكتسبات الحضارية المعاصرة وهذا الحقد والافتراء هو الوجه الجديد للحقد الصليبي اليهودي على الإسلام·
وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك الحقد بقوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)·
وبعض تلك الضغوط راجع إلى طبيعة المنافسة والصراع ومبدأ سيطرة القوي على الضعيف الذي هو صفة واضحة من صفات الحضارة المعاصرة: غربية كانت أم شرقية أوروبية أميركية أم يابانية كورية··· إلى آخر ما هناك من تكتلات وقوى اقتصادية عالمية تحاول كل منها جاهدة التفرد بالسوق المالي العالمي في مجال استقطاب الأموال أو استثمارها أو التحكم فيها مما ينعكس حتماً بالسلب على السوق المحلي الناشئ··· بما في ذلك البنوك الإسلامية
·
إن البنوك الإسلامية بنوك حديثة ناشئة، وهي في معظمها بنوك صغيرة محلية أو إقليمية إذا قورنت بالبنوك الكبيرة العالمية وفي رأيي أن انفتاح التجارة العالمية وحرية حركة رؤوس الأموال بين الدول والكتل الاقتصادية قد جعل البنوك الإسلامية تقف في مواجهة عمالقة المال وفراعنته وأسياده العالميين مما يحملها مسؤوليات جسيمة خطيرة تجاه أموال المودعين والمستثمرين فيها·
إن العالم الذي نعيش فيه يتبع سياسة البقاء للأقوى··· والأقوى هنا ليس هو الأصح أو الأصوب دائماً، بل الأقوى في المفهوم المادي هو الأكثر قوة على الصمود في مواجهة التقلبات المالية والدعايات الإعلامية والإشاعات المغرضة والمضاربات التجارية·
3 ـ ومن تلك الضغوط الموجهة إلى البنوك الإسلامية ما ترجع أسبابه إلى صراعات داخل المجتمع المحلي لأن من الواضح أنه منذ بدأت تلك البنوك ونشطت واتسعت عطلت مصالح بعض القوى الاقتصادية المحلية حتى أصبح بعضها يخشى على أصل وجوده في السوق واستمراره به
·
4 ـ ومن تلك الضغوط الموجهة إلى البنوك الإسلامية ما يمكن أن ترجع أسبابه إلى عدم تفهم بعض المسلمين لطبيعة أعمال البنوك الإسلامية وعدم إدراكهم لحساسية وضعها وحداثة نشأتها وكثرة المتربصين بها مما يدفعها إلى التشدد أحياناً أو الاحتياط أحياناً أخرى، أو إلى بطء إجراءات التعامل وعدم إجادتها أحياناً·
إن البنوك الإسلامية تعيش الفقه العملي لا الفقه النظري، وتحتاج إلى خبرات وكفاءات عالية لتقديم أحسن الخدمات، وما توفير ذلك بسهل، وهي مطالبة من المتعاملين معها وجلهم مضاربون شركاء بتحقيق أفضل العوائد في مواجهة أعرق بيوت المال العالمية والمحلية·
هذه أهم أسباب الضغوط التي تمارس على البنوك الإسلامية···!!
أما مواجهتها فينبغي أن تتم من خلال خطة متكاملة بعيدة المدى تدرك الواقع المرير والآمال الواسعة المعقودة على هذه البنوك ونجنبها في الوقت نفسه المحاذير والمطبات التي تقع فيها أحياناً لسبب أو لآخر·
ويمكن أن نسرد بعض النقاط التي تساعد في مواجهة تلك الضغوط وتخفف من وطأتها·
1 ـ استخدام الإعلام المركز والهادف إلى شرح مبادئ عمل البنوك الإسلامية وتوضيح ارتباطها بالعقيدة الإسلامية في عالم جعل العقائد الفاسدة أساس الحياة المادية وسخر من أجل ذلك الأبواق الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة بشكل رهيب··· فعلى البنوك الإسلامية ألا تدخر وسعاً، بل يجب عليها وجوباً مؤكداً أن تتعامل بجدية واهتمام أكبر مع وسيلة ترويج الفكرة ودعمها وإبراز محاسنها وإثارة تعاطف الجمهور معها مهما كانت تلك الفكرة صغيرة أو صحيحة أو ثانوية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأصل مبدأ الاقتصاد الإسلامي ومؤسساتها ورموزه·
إن الإعلام سلاح وأي سلاح واستخدامه بمهارة يحتاج إلى كفاءات إعلامية متمرسة وإمكانات مادية مفتوحة مع ديمومة واستمرار وصبر
·
2 ـ البحث في الفقه الإسلامي عن حلول أصيلة مرنة لصور المعاملات جديدة متشعبة، وإذا كان الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بالحل والأمر، فإن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد الدليل على التحريم···· والأدلة في مجال المنع أو التحريم إن تكن نصية واضحة أو إجماعية قطعية فالأولى بنا أن نرجح الجانب الأيسر والعمل بالقول الأسهل أو الأنسب··· إننا نكون في حل من التقيد بنص في مذهب معين أو قول إمام ولو جليل، إن ظهرت لنا مصلحة في مخالفته التي لا يترتب عليها اصطدام بنصوص قرآنية أو حديثية أو إجماع للأمة قطعي·
ومما لا شك فيه أن تطبيق هذا ليس بالأمر السهل ولا هو بالمتروك لضعاف العلم والإيمان العميق أو أصحاب الشهوات المالية والتجارية، بل ينبغي أن يكون تحت إشراف طائفة من أهل العلم الراسخ والوعي النير والإيمان العميق·
3 ـ أما في المجال العالمي، فإن على البنوك الإسلامية أن تلجأ إلى التكتل فيما بينها والتضامن مع بعضها بعضاً لمواجهة ضغوط بيوت المال العالمية المتربصة ولتفتيت الخسائر الكبرى بالاشتراك في تحملها في حالات معينة ولرفع الوتيرة الإعلامية التي تروج لفكرة البنوك الإسلامية التي تحارب الربا والاستغلال وإثارة المشتري بالباطل وتعتمد على المضاربة وغيرها مما أباحه الشرع لمصلحة المجتمع·