البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | أعلام وشخصيات | الشيخ العلامة القرضاوي اقتصادياً بقلم أ . د . علي محيى الدين القره داغي 

مقدمة                                                                                                                 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى اخوانه من الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطيبين ، وصحبه الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد

فإن الكتابة عن مثل فضيلة الامام شيخنا يوسف القرضاوي حفظه الله ، ليست سهلة ، بل هي صعبة للغاية سواء كانت الكتابة تتعلق بسيرته التي كتب هو بنفسه جزءاً منها في ثلاثة مجلدات ، وربما يستغرق الباقي عدة مجلدات ، أم كانت في علومه ومؤلفاته المتنوعة التي تكاد تصل إلى مائتي كتاب ، فالشيخ موسوعي من الطراز الأول ، بل هو عبقري امام ، لا يستطيع أن يفي بحقه إلاّ امام كما قال الشيخ الغزالي رحمه الله ، كما أنه لا يحسن الكتابة عن العباقرة إلاّ عبقري كما قال العقاد رحمه الله ، وأنىّ لي أن أدعي الامامة ، او العبقرية ؟! ..

ولكن الذي شجعني للاستجابة للكتابة ببحث عن الشيخ القرضاوي هو أن التكليف الذي جاء من اللجنة المنظمة لمؤتمر حول الشيخ ، قد خصص موضوع بحثي بجانبه الاقتصادي الذي ربما أستطيع أن أدلو بدلوي في هذا المجال المتيسر بإذن الله تعالى ، كما أنني سبق لي أن تشرفت بكتابة بحث عن فقه القرضاوي في الزكاة ، الذي ساهمت به في الكتاب الذي أصدرته لكلية الشريعة والقانون بجامعة قطر بمناسبة بلوغه سن السبعين .

وقد كتب فضيلة شيخنا القرضاوي منذ وقت مبكر عن الاقتصاد الاسلامي ، فقد ألف في النظام المالي الاسلامي في المالية الاسلامية كتابه القيم " فقه الزكاة " الذي يعد بحق أفضل كتاب ألف في هذا الركن العظيم على مرّ العصور ، فهو كتاب هذا القرن ، وأنه موسوعة فقهية في الزكاة ..... .

وألف الشيخ كذلك في فرع من فروع الدراسة الاقتصادية هو الرفاهية في كتابه الذي سماه " مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام " كما ألف في موقف الاسلام من النشاط الاقتصادي من خلال كتابه القيم " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي " .

وهكذا نجد الشيخ قد كتب عن معظم مسارات الاقتصاد الاسلامي كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى .

وقد قسمت البحث إلى قمسين : قسم نتحدث فيه عن الجانب النظري المتمثل في كتبه وبحوثه الخاصة بالاقتصاد ، وقسم نتحدث فيه عن الجانب العملي شدوره في المؤسسات المالية الاسلامية ، ولأجل توضيح هذا الدور قمت بمقابلة خاصة مع فضيلته في هذا المجال .

والله تعالى أسأل أن يكسو عملنا ثوب الاخلاص ، وأن يلهمنا الصواب ، ويعصمنا من الزلل والخلل في العقيدة والقول والعمل، إنه حسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير .

تمهيد في التعريفات ،،،

وأسباب عناية الشيخ بالاقتصاد الاسلامي :

التعريف بالاقتصاد الاسلامي :

الاقتصاد : مصدر اقتصد ، وأصله من القصد ، وله عدة معان مثل الوسط ، واستقامة الطريق ، فيقال : قصد الطريق قصداً : استقام ، وقصد في الأمر : توسط ، فلم يُفرِط ، ولم يفرّط ، وقصد في الحكم : عدل ولم يمل ناحية ، وقصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، وقصد في مشيه : اعتدل ، وكذلك الحال في لفظ اقتصد ، حيث يقال : اقتصد في أمره : توسط ، واقتصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، ويطلق القصد على التوجه إلى الشي عمداً أي مع النية ، فيجمع على القصود ، ومنه المقصد والمقاصد.

وفي القرآن الكريم ورد ( قصد ) ومشتقاته عدة مرات منها

 قوله تعالى : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ )أي اعتدل دون إسراع ، ولا بطء ،

ومنها قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ .... ) أي المتوسط في الطاعات ،

 وقوله تعالى :  (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) أي عادلة  ،

 وقوله تعالى : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ )

ومنها قوله تعالى : (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً.....) أي سهلاً مقتصداً ،

ومنها قوله تعالى : (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ) أي استقامة الطريق ، والاعتدال .

وقال الأصفهاني :

 والاقتصاد على ضربين

 أحدهما : محمود على الاطلاق ، وذلك فيما له طرفان : إفراط وتفريط كالجود فإنه بين الإسراف والبخل .... ،

والثاني : يكنّى به عما يتردد بين المحمود والمذموم .... وعلى ذلك قوله تعالى : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)  .

ولا يختلف معنى القصد والاقتصاد في السنة عما ذكرناه ،

فقد ترجم البخاري : باب القصد والمداومة على العمل ،

قال الحافظ ابن حجر :

( القصد : هو سلوك الطريق المعتدلة ..

 وفسّروا السداد بالقصد ، وبه تظهر المناسبة) 

 وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أحمد بالقصد( أي التوسط والاعتدال )

فقال : ( عليكم القصد )

 وروى مسلم ، وأحمد ، وأصحاب السنن بسندهم عن جابر بن سمرة قال :

 ( كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً ، وخطبته قصداً ) أي وسطاً بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق .

وقصدي من هذا العرض أن الاقتصاد لم يرد بمعنى الأنشطة الاقتصادية في عرف اللغة ، ولا في الكتاب والسنة ، ولكن معناه يسع للمعنى الاصطلاحي المعاصر الذي يقصد به النشاط أو التعامل المادي التجاري والصناعي ، والزراعي ، والعقاري ، وما يتصل به من خدمات مالية.

علم الاقتصاد:

تعددت تعريفات علم الاقتصاد لدى الاقتصاديين وبين الغربيين ، فعرفه آدم سميث (ت1790هـ) بأنه العلم الذي يدرس الكيفية التي تمكن الأمة من أن تغتنى

 

 وعرفه الفريد مارشال (ت1924م) بأنه علم يبحث في كيفية حصول الإنسان على دخله ، وكيفية استعمال هذا الدخل وعرفه بيجو بأنه الدراسة التي تعنى بزيادة الرفاهية

 وقال آخرون : أنه دراسة لسلوك الإنسان من جهة تعلقه باستعمال الموارد النادرة في إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها 

والخلاصة أن علم الاقتصاد يدور حول دراسة الحياة الاقتصادية من جميع نواحيها أو بعبارة أخرى فهو يبحث عن أساليب إنتاجية وتوزيعية تمكن المجتمع من استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة له بكفاءة لإنتاج مختلف السلع التي يرغب فيها .

فعلى ضوء ذلك فإن علم الاقتصاد يختلف عن المذاهب والنظم الاقتصادية ، إذ أن النظام الاقتصادي هو الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية ، وحل مشاكلها العملية ، فالنظام الاقتصادي يرتبط بأيدلوجية المجتمع للعدالة الاجتماعية فيما يخص الملكية ، ووسائل التملك ، والحرية ونحوها .

إن مهمة علم الاقتصاد هي ما يأتي :

1) استنباط القوانين والنظريات الاقتصادية التي يعتقد أنها تحكم العلاقات التي تربط مختلف الظواهر الاقتصادية .

فعلم الاقتصاد عام ولكنه يتخصص ويتلون بلون العقيدة (الأيدولوجية) أو الفلسفة التي ينبثق منها علم الاقتصاد ، والمبادئ العامة التي تتحكم فيه ، فإن كانت رأسمالية فيقال : علم الاقتصاد الرأسمالي ، وإن كانت اشتراكية فيقال : علم الاقتصاد الاشتراكي ، وإن كانت إسلامية فيقال علم الاقتصاد الإسلامي .

2) تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد .

3) توزيع هذا الإنتاج للوصول إلى تحقيق قدر ممكن من الرفاهية .

الاقتصاد الاسلامي :

النظام الاقتصادي الإسلامي هو التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ، الذي يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية والمعطيات الأولية ، ثم تحليل كيفية تفاعل المتغيرات الاقتصادية في إطار هذه المبادئ والمعطيات ، وبعبارة أخرى فإن الاقتصاد الإسلامي هو الانتفاع المشروع بالموارد الطبيعية المنتجة وحسن استثمارها ، لذلك يتسم بمجموعة من الخصائص ، من أهمها

1 ـ ارتباطه بالإسلام عقيدة وشريعة من حيث الالتزام بعدم تعارض أحكامه ونظرياته وحلوله مع الكتاب والسنة الصحيحة ، فهو اقتصاد رباني ، أخلاقي قائم على الدين والأخلاق وأن مرجعيته إلى الإسلام ،وهذا لا يعني غلق باب الاجتهاد أبداً ، بل الالتزام بالثوابت ، أما المتغيرات القابلة للاجتهادات في عالم الاقتصاد فأكثر من أن تحصى .

وعلى ضوء العقيدة الإسلامية فإن الملك الحقيقي لله تعالى ، وان الإنسان مستخلف في الأرض بأمر الله تعالى ، وبعبارة أخرى فملكيته ليست مطلقة دون قيود من المالك الحقيقي .

وهذا الارتباط تترتب عليه آثار كبيرة على مستوى العلاقات المتنوعة بين الإنسان والمال ، وبينه وبين ربه ، وبينه وبين أخيه الإنسان ، كما يترتب على ذلك أن هذا الاقتصاد اقتصاد أخلاقي واقعي إنساني وعالمي واقتصاد اجتماعي يتوخى المصالح التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الغراء .

2 ـ ارتباطه بالإسلام من حيث التصورات الخاصة باستخلاف الإنسان ، ودوره ، وبالملكية ، حيث التوازن بين الملكية الخاصة والعامة وبين الحرية المطلقة والجبرية المطلقة وبين تدخل الدولة وحرية السوق ، وبين المنافسة المنضبطة والمنافسة دون أي قيد .

3 ـ ان التوازن هو منهج الإسلام في كل تشريعاته ، وهو النهج الوسط الذي نزل به القرآن فقال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )

وهو يعني المكان بين اليمين واليسار ، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه:(اليمين واليسار مضلة،والوسط هو الجادة... ) .

ومن هذا المنطلق فقد اعترف الإسلام بالمكلية الخاصة ، وبسط لها ظل حمايتها الكاملة ، ولكنه قيدها ببعض القيود التي تعود بالمصلحة على المجمتع من خلال قيدين :

1. قيد على حرية امتلاك الفرد ، يخص منع امتداد الملكية الخاصة للموارد ذات النفع العام أو ما يعدّ ضرورياً لعامة الناس مثل مياه البحار ، والغابات ، ونحوهما .

2; وقيد خاص يتعلق بتحريم بعض أنواع الكسب ، والإنتاج والانفاق ، أي أنه يوجد بجانب الملكية الخاصة بنوعان آخران من الملكية هما : الملكية العامة ، أي ملك للمجتمع ، أو الأمة على سبيل الشيوع ، وبالتالي فلا يجوز لأحد أن يطغى وحده عليها ، وإلاّ تضرر الآخرون وهي ملكية المياه العامة (كالبحار والأنهار) والغابات.

والملكية الأخرى : هي ملكية بيت المال أو الدولة لمشاريعها الخاصة بها مثل الطرق العامة ونحوها .

وقد استطاع الفقه الإسلامي أن يجعل الملكية الخاصة والملكية العامة في مجال التكامل والتعاون وليستا في مجال التضاد والتناقض ، فالملكية العامة تتجه نحو الموارد العامة ، والخاصة تتجه نحو الموارد الخاصة دون أن يتضرر أحد من ذلك .

إن التجارب الإنسانية مع الرأسمالية والشيوعية تدل بوضوح على أن الملكية الخاصة وحدها مع حريتها أدت إلى ظلم شديد وتعسف لمعظم طبقات الشعب الكادحة ، وان الغاءها في النظام الشيوعي لم يعالج فقر الفقراء ، بل قضى على الأغنياء فجعلهم فقراء ، ثم انتهى النظام بالفشل الذريع كما شاهدنا في انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار نظامه الاقتصادي الذي أرجع إليه فشل نظامه السياسي أيضاً .

فالملكية فطرة من فطر الله تعال التي فطر الناس عليها ، لذلك لا يمكن كبتها وحرمان الناس منها كما قال تعالى : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) .

لذلك لا بدّ من تهذيبها وتحريكها نحو الخير والبناء ، وضبطها بالقيم الدينية والأخلاقية كما فعله الإسلام .

وكذلك الأمر بالنسبة لدور الدولة حيث إنه ليس دور التدخل والتحكم ، وإنما دور الرقابة والاشراف ـ كما سبق ـ .

وهكذا الأمر بالنسبة للمنافسة حيث أجاز المنافسة الشريفة وحرم الاحتكار والاستغلال .

وهكذا الإسلام يجمع في النظام الاقتصادي بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، والمصالح المادية والحاجات الروحية ، وبين الثبات والتطور.

أسباب عناية; الشيخ القرضاوي بالاقتصاد الاسلامي :

قد يتبادر إلى الذهن منذ أول وهلة التساؤل حول أسباب اندفاع الشيخ القرضاوي نحو العناية بالاقتصاد الاسلامي والكتابة فيه ، وهو ليس خريج كليه لها صلة مابشرة بالاقتصاد مثل كليات التجارة والادارة والاقتصاد ، بل هو خريج كلية أصول الدين التي تولي عنايتها القصوى بالعقيدة وعلم الكلام ، وبالكتاب الكريم والسنة المطهرة؟

للاجابة عن هذا السؤال نقول :

أولاً ـ إن من يختار لأطروحته العلمية ورسالته للعالمية ( الدكتوراه ) أن يكون موضوعها وعنوانها " فقه الزكاة " ليتبين له الجواب بوضوح ، لأن الزكاة هي الركن الاقتصادي للاسلام ، فدراسة الزكاة من حيث آثارها الاجتماعية دراسة اقتصادية ، ودراسة الزكاة من حيث وعاؤها أو نصابها ، ونسبها ، دراسة اقتصادية ، ودراسة الزكاة من حيث قيام الدولة بتحصيلها وتجميعها ، ثم صرفها وتوزيعها على المستحقين : دراسة اقتصادية ، لأنها تتعلق بدور الدولة في الجباية والانفاق ، وإعادة التوزيع ، وكذلك دراسة الأموال التي تجب فيها الزكاة وشروطها ، وتحديد نصبها ، وأزمنتها وكيفيتها ، كل ذلك دراسة اقتصادية ، ودراسة الانفاق وآثاره على مختلف فئات المجتمع أغنياء وفقراء دراسة اقتصادية

وثانياً ـ ان الشيخ القرضاوي تصدى للدعوة في مقتبل عمره ، وتبنى الفكر الشمولي الوسطي من خلال مدرسة الامام البنا رحمه الله ، وآمن بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة ، وازداد ايماناً بانه صالح للتطبيق في كل زمان ومكان ، ثم بذل كل جهده للبرهنة على ذلك بالأدلة المعقولة والمنقولة ، ويؤلف عدة كتب في تهافت الحلول المستوردة ، وبينات الحل الاسلامي .

من كان هذا عقيدته ، وإيمانه ودعوته وجهاده وجهوده فلا شك أنه يحتاج إلى أن يوضح الجانب الاقتصادي في الاسلام ، ويثبت أن الاسلام فيه العلاج الشامل لكل جوانب الحياة ، وأن الاقتصاد هو من أهم هذه الجوانب المهمة على الاطلاق ، ولا سيما أن الدعوة الاسلامية منذ بداية القرن العشرين قد ابتليت بمن يسمون بالعلمانيين الذين يبذلون كل جهودهم لتجريد الاسلام من نظمه ، وحصره في دائرة ضيقة لا تتجاوز أسوار المساجد بمعناها الخاص .

فهؤلاء العلمانيون قد وجهوا سهامهم المسمومة إلى الاسلام واتهموه زوراً وبهتاناً بانه سبب تخلف الأمة وكبوتها ، وأنه على أحسن تقدير مجرد دين روحاني بين الانسان وربه دون أن يكون له واقع في الحياة .

وأمام هذه الهجمات الشرسة تصدى الشيخ للرد عليها بالبراهين والبينات ، وقام بالحوار والمناظرات فكتب في الجانب الاقتصادي ، موضحاً ومبيناً ومثبتاً العلاج للقضايا الاقتصادية ، والمشكلات المالية من صيدلية الاسلام .

وثالثاً ـ أن الصحوة الاسلامية التي ظهرت منذ السبعينات قد احتاجت إلى الترشيد والتوضيح وبيان الأحكام الشرعية لكل تصرفات الانسان في مختلف مجالات الحياة ، ولذلك كثر التساؤل حول القضايا الاقتصادية والمسائل المالية ، فكان من الطبيعي أن يتصدى الشيخ للاجابة عنها بشيء من التفصيل والتأصيل ، وقد يستدعي الأمر أن يكتب في بعضها بحثاً أو مؤلفاً خاصاً .

ورابعاً ـ بعد إنشاء البنوك الاسلامية في عام 1975 كثرت الهجمات عليها من قبل المتربصين بها والمناوئين لأصل فكرتها ، فحاولوا التشكيك في مصداقيتها ، وبيان أنها حيلة وأنه لا فرق بينها وبين البنوك الربوية ، حيث ركزوا على عقود المرابحة للآمر بالشراء ، وأنها مثل القرض بفائدة مع زيادة في التكاليف فتصدى الشيخ لهؤلاء المشككين بتفنيد حجتهم من خلال كتابه القيم " بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الاسلامية " .

والخلاصة أن من سنن الله تعالى أن ييسر كل شخص لما خلق له ، ولذلك كان القدر يدفعه نحو الجمع بين تخصص الكتاب والسنة ، والفقه العميق لهما ليتجه نحو الفقه الدقيق من خلال فقه الزكاة على ضوء الكتاب والسنة بدل أن يتجه نحو دراسات قرآنية في مجال القراءات وعلوم القرآن ، أو دراسات في الحديث حفظاً ومتناً وسنداً ، ودرسات فلسفية وكلامية حسب تخصصه الأولي .

فقد ساعده تخصصه الأكاديمي ورسالته الدكتوراه للوصول إلى منهج جامع بين الحديث سنداً ومتناً ودراية ورواية ، والفقه العميق الذي انفصلا لدى معظم الدارسين في أحد هذين الفرعين ( الفقه ، والحديث ) .

وهذا المنهج الجامع هو الذي ميز الكتاب حتى سماه بعض كبار العلماء " كتاب العصر " .

وأخيراً فإن الشيخ القرضاوي قد أجاب عن سبب اهتمامه بالجانب الاقتصادي فقال :

 ( إن اهتمامي بالاقتصاد الاسلامي جزء من اهتمامي بالشريعة الاسلامية ، والدعوة إلى تحكيمها في جميع مجالات الحياة ، وإحلال أحكامها ، محل القوانين الوضعية ، والأنظمة المستوردة ،

وقد زاد اهتمامي بالاقتصاد الاسلامي ، منذ شرعت أبحث في الزكاة ( منذ بضع وثلاثين سنة ) وتبين لي أن فرض الزكاة وتحريم الربا يمثلان العمود الفقري للاقتصاد الاسلامي ، ولهذا كانت الأولى ( الزكاة ) من أركان الاسلام الخمسة ، وكان الثاني ( الربا ) من الموبقات السبع ، ولا غرو أن كانت الدعوة إلى تطهير الاقتصاد من الربا والمعاملات المحظورة ، وإقامة مصارف ( بنوك ) اسلامية تحل محل البنوك الربوية ، أمراً ضرورياً لاقامة الحياة الاسلامية المنشودة ، وهو فرع من دعوتنا إلى الاسلام كله ) .

القسم الأول : مؤلفات الشيخ في غير الاقتصاد الاسلامي :

إذا عمقنا النظر في معظم كتب الشيخ الثرة والثرية لوجدنا أنها جميعاً لا تخلو من آراء اقتصادية قيمة واضاءات تنير الدروب ، ونظرات اقتصادية ثاقبة استفاد منها من جاء بعده من الاقتصاديين المعاصرين ، ولذلك نستطيع تقسيم دور الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي في الجانب النظري من خلال كتبه القيمة إلى قسمين أساسين هما :

1 الكتب والدراسات الخاصة في نطاق الاقتصاد الاسلامي

2الكتب والدراسات الخاصة بغير الاقتصاد الاسلامي

دور الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي في غير نطاق الاقتصاد :

وهذا القسم يشمل عدداً يفوق العشرات التي ألف فيها الشيخ وأجاد وأبدع فيها ، وهي كثيرة متنوعة شملت دراسات وتأصيلات لمختلف مجالات الفكر والفقه ، والحضارة والصحوة والنهضة الاسلامية ، بدءاً بكتاب الحلال والحرام إلى الكتاب الأخير الذي يحمل رقم  ضمن سلسلة كتب الشيخ ، وفي معظم هذه الكتب تناول الشيخ قضايا اقتصادية مثل كتاب الحلال والحرام الذي تناول فيه بعض أحكام المعاملات المالية الاسلامية ، حيث تطرق إلى التأمين ، والمسابقات المالية ، والربا ، وغير ذلك .

هذه الكتب القيمة التي ألفها الشيخ في غير الاقتصاد الاسلامي كان لها أثرها في الاقتصاد الاسلامي ، وفيمن كتبوا عنه في المجالات الآتية :

أولاً ـ وضع المنهج :

ساهمت كتب الشيخ القرضاوي ومؤلفاته القيمة بعطائها الفكري المتجددد ، وثرائها الفقهي المتأصل في وضع منهج متميز لدراسة المستجدات ، قائم على ما يأتي :

1 ـ الاعتماد على الينبوع الصافي : الكتاب والسنة الصحيحة ، ثم على بقية الأدلة الأصولية .

2 ـ الاستفادة من تراثنا الفقهي العظيم من خلال اجتهاد انتقائي ، حيث دعا الشيخ في كتابه " الاجتهاد " إلى الاستفادة من تراثنا الفقهي العظيم من خلال الاجتهاد الانتقائي أي النظر إلى كل ما فيه من آراء فقهية لفقهاء الصحابة والتابعين ، وتابعيهم ، ولفقهاء المذاهب الأربعة ، وغيرهم من الظاهرية والزيدية ، و الاباضية ، بل للمذاهب المندثرة ، ثم بعد النظر القيام بالمقارنات القائمة على المناقشات ، والترجيح المدعم بالأدلة ، إضافة إلى الاجتهاد الانشائي لحالات عدم وجود اجتهاد سابق .

وهذا الذي دعاء إليه الشيخ في الفقه بصورة عامة قد استفاد منه الذين كتبوا عن الاقتصاد علماً ونظاماً ونظرية وتطبيقاً ، بل إنهم أحوج ما كانوا إلى العودة إلى التراث الفقهي الشامل لاستنباط المبادئ والنظريات والحلول الاقتصادية للمشكلات الاقتصادية المعاصرة .

3 ـ اتباع منهج التيسير في الفقه ، والتبشير في الدعوة ، وبناء على هذا المنهج اختار من الآراء الفقهية ما يتناسب مع اليسر ورفع الحرج ما لم يكن اثماً واضحاً ، ومن هنا رجح الوعد الملزم في عقد المرابحة وان كان هذا مخالفاً للجمهور ،

 كما اختار كذلك جواز دفع القيمة بدل العين في الزكاة.

4 ـ اعتبار المقاصد والمبادئ والكليات مع رعاية الأدلة النصية الجزئية ، بمنهج وسط موزون ، حيث يجمع بين كل واحد من المقاصد والأدلة النصية الجزئية في إطار منهجي قائم على التوفيق دون الالغاء لأحدهما ، أو الترجيح حيث لا مفرّ منه ، ولكنه ترجيح معتمد على المرجحات المبينات ، وليس على الأهواء والمصالح الموهومة او الملغاة ، وعلى هذا الأساس رجح جواز دفع القيمة بدل العين في الزكاة ، ورجح جواز نقلها لاعتبارات مهمة باعتبار أن المسلمين أمة واحدة .

 ـ اتباع منهج الوسط في كل المجالات الاجتهادية ، وبخاصة في مجال ما يؤخذ من القديم ، أو المعاصر ، وما يؤخذ من القوانين والأنظمة ونحوها ، مع وضع الضوابط المطلوبة  ولقد انعكس هذا المنهج في كثير من آرائه الاقتصادية ، كما تأثر به الكثيرون .

هذا المنهج الوسطي المتكامل الجامع بين القديم الصالح والجديد النافع ، وبين الأصالة والمعاصرة ، وبين المقاصد والمبادئ العامة والأدلة الجزئية ، استفاد منه الاقتصاديون الذين اتخذوا من فكره منطلقاً ، وجعلوا منه زاداً ومرجعاً ينهلون منه للوصول إلى فكر اقتصادي مستنير ، وتأصيل علمي عميق للنظريات الاقتصادية يعتمد على الثوابت في علاج النوازل والمستجدات ، وعلى المتغيرات لمزيد من التطوير والتحديث ، يستلهم الماضي المشرق ويستشرف المستقبل المأمول للوصول إلى مستقبل زاهر لهذه الأمة العظيمة .

القسم الثاني : مؤلفات الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي :

قبل البدء بالحديث عن مؤلفات الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي فإنني أود أن أبين حقيقة وهي أن الشيخ القرضاوي لم يلزم نفسه بالكتابة وفق التقسيمات الاقتصادية بل لم يخص فرعاً من فروع الاقتاصد بالكتابة فيه بذاته ، وبالتالي : (فإننا لا ندعي تخصص الشيخ في الاقتصاد الاسلامي ، أو فرع من فروعه ) وإنما كانت كتابات الشيخ جاءت حسب حديثه عن نظام الاسلام الشامل للحياة كلها ، الذي يشمل الجانب الاقتصادي بصورة واضحة ، ولكن الذي نقرره في هذا التمهيد ـ كما سيتضح فيما بعد أكثر ـ أن للشيخ آثاراً واضحة على المتخصصين في الاقتصاد الاسلامي أيضاً الذين وجدوا بغيتهم لديه في كثير من الأحيان ، بل أستطيع القول : ان كتابه " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي " شمل النشاط الاقتصادي بمنظور اسلامي أخلاقي ـ كما سيأتي ـ .

ولا يسع المجال للحديث عن كل ما كتبه الشيخ وألفه حول فروع الاقتصاد الاسلامي ، وإنما نركز على أهم كتبه في هذا المجال ، وهي :

1ـ فقه الزكاة الذي اتفق معظم المعاصرين على أنه لم يؤلف مثله في هذا الباب ، وقد خصصته ببحث مستقل نشر في الكتاب المخصص للشيخ القرضاوي بمناسبة بلوغه سن السبعين ، لذلك أحيل القارئ الكريم إليه .

2ـ مشكلة الفقر ، وكيف عالجها الاسلام .

3ـ دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي .

وهذان الكتابان الأخيران نحاول ـ بقدر الامكان ـ تسليط بعض الأضواء عليهما.

كتاب : مشكلة الفقر ، وكيف عالجها الاسلام :

وهو كتاب يقع في حدود 143 صفحة ، ألفه في شعبان 1386هـ الموافق نوفمبر 1966م ، وقد نشرته مكتبة وهبة بالقاهرة ، وطبع عدة طبعات ، وترجم إلى عدة لغات حية في العالم .

ونحن هنا نتناول أسباب تأليفه ، ومحتواه بإيجاز ، وما يتضمنه من أفكار ، وما يمتاز به من حيث الأسلوب والعلاج .

أولاً ـ أسباب تأليفه :

أشار الشيخ في مقدمته إلى أن أسباب تأليفه لكتاب " مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام " تكمن في أن مشكلة الفقر قد استغلت من قبل المخربين والهدامين ،;( فاتخذوها أداة لاثارة الجماهير والتأثير عليها ، وكسبها إلى جانب مذاهبهم الالحادية الباطلة بايهامهم أنها في صف الضعفاء ، وفي خدمة الفقراء ، وساعد على ذلك جهل المسلمين بنظام الاسلام ، وتأثرهم بالدعايات المضللة التي مسخت صورته وشوهت جماله ، مستغلة في ذلك الواقع الكئيب لحياة المسلمين ، والافهام الخاطئة لبعض علمائهم في عهود الانحطاط ).

وهذا ما حدث فعلاً للشيوعية التي انتشرت في العالم الاسلامي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ( قرن العشرين ) حيث اكتسحت الساحة الاسلامية بحجة أنها تنقذ الفقراء من فقرهم ، وتسعف حاجات المحتاجين ، وتجعلهم أغنياء ، فقد رفعت الشيوعية لواء الاشتراكية والشيوعية في الأموال وفي غيرها ، وجعل الناس متساويين في كل شيء من خلال الغاء الملكية الخاصة وجعلها ملكية شائعة للجميع تديرها الدولة وتملكها ، فأغرت الفلاحين بأن سبب فقرهم هو وجود الملاك ، فثاروا عليهم ، ووزعت الأراضي تحت لواء الاصلاح الزراعي ، ولكن النتيجة كانت مخيبة للآمال ، حيث خربت الزراعة ، ونقص الانتاج ، وقلت نسبة الأراضي الموزعة والمستصلحة ، وازداد الفقراء فقراً وكآبة .

والشيوعية ليست قكراً اقتصادياً فحسب بل هي عقيدة أيدولوجية تقوم على الالحاد ، وعلى أن الدين خرافة وأفيون للشعوب .

ولذلك نشر دعاتها الالحاد تحت غطاء الاصلاح الاقتصادي ، والزراعي ، وعلاج مشكلة الفقر والبطالة ، وتأثر بها الكثيرون إلى أن انهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م .

فكان هذا الكتاب رداً على هؤلاء ، ودحضاً لأفكارهم ، وزهقاً لباطلهم ، وكشفاً لحيلهم ، وقطعاً لزيغهم ، وهو في الوقت نفسه بيان لمنهج الاسلام في الاصلاح ، ولهدي محمد صلى الله عليه وسلم في العلاج ، حيث استطاع الكتاب بجدارة أن يوضح موقف الاسلام من هذه المشكلة العويصة ، كيف عالجها علاجاً يقتلع الداء من الجذور ، وليس مجرد علاج سطحي بمسكنات وقتية ، تخفف الألم ساعة من الزمن ، ولا تستأصل جرثومة المرض .

ثانياً ـ محتوى الكتاب :

يحتوي الكتاب على خمسة مباحث ، خصص المبحث الأول : لبيان مواقف الناس أمام مشكلة الفقر ، والثاني : لبيان نظرة الاسلام إلى الفقر ، والثالث : لوسائل الاسلام الست في معالجة الفقر ، وهي العمل ، وكفالة الموسرين للفقراء الأقارب ، والزكاة ، والصدقات الاختيارية ، والاحسان الفردي ، وفرض حقوق أخرى غير الزكاة

وأما المبحث الرابع فقد خصص لشروط النجاح ، والمبحث الخامس : لانتصار الاسلام على الفقر من الناحية الواقعية والتجريبية .

ونحن لانخوض في غمار التفاصيل لما في هذه المباحث من مسائل مهمة ، وقضايا علمية ، وآراء ومناقشات ، وجهود لا يسعنا إلاّ أن ندعو للشيخ بأن يجزيه الله عن الاسلام خير الحزاء ، وإنما نتحدث عن أهم أفكاره التي يمتاز به الكتاب .

ثالثا ـ ما يتضمنه الكتاب من أفكار مميزة :

يمتاز الكتاب بجوانب عديدة ، نوجز القول في أهمها :

1ـ ان هذا الكتاب يعد في نظري أول كتاب ألف في علاج مشكلة الفقر في الاسلام ، ويشكل نظرية متكاملة في موضوع الرفاهية الاقتصادية حسب مصطلح الاقتصاديين ، حيث عالج فيه هذه المشكلة من جميع جوانبها وأطرافها المختلفة ، وقد تبين لنا من خلال عرض محتوى الكتاب أنه يتضمن التعريف بحقيقة الفقر ، وأسبابه وآثاره النفسية والاجتماعية ، والاقتصادية ، ثم أفاض في بحث الوسائل التي يمكن من خلالها علاجه علاجاً جذرياً للوصول إلى مجتمع " تمام الكفاية " وليس " حدّ الكفاية " لكل فرد عمله المناسب ، او نصيبه من الحقوق الاجتماعية ليتحقق له مستوى مناسب من العيش الكريم .

ولذلك فكل من جاء بعد الشيخ وكتب عن علاج مشكلة الفقر في الاسلام فهو قد اعتمد على كتابه هذا ، واستفاد منه ، وبخاصة الاقتصاديون الاسلاميون الذين كتبوا عن موضوع ( الفقر ، أو الرفاهية الاقتصادية ) حيث وجدوا فيه مادة غزيرة تعطيهم معلومات قيمة حول موقف الاسلام من الفقر والرفاهية ، وتفتح لهم آفاقاً جديدة واسعة ، وتيسر لهم أموراً ومجالات ربما يتيهبون ولوجها لولا ما قدمه الشيخ فيها من هذه المعلومات القيمة ، والأفكار النيرة ، والحلول والمناهج والمقترحات ، فقد وضع الكتاب أيدي الاقتصاديين الاسلاميين على أرض خصبة ، ولم يبق لهم إلاّ ان يغرسوا الأفكار الاقتصادية لتنمو وتزدهر وتغطي ثمارها الطيبة .

2ـ ومما يمتاز به الكتاب أنه كتاب يعتمد في أحكامه وعلاجه على الأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة ، والاجماع ، حيث يقول الشيخ في مقدمة كتابه : ( و ما عرضناه هنا من علاج الاسلام لمشكلة الفقر قد رددناه إلى أصوله ومصادره الاسلامية الخالصة من الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة المجتهدين من فقهاء الاسلام ، حتى لا يتهمنا امرؤ متحيز ، أو جامد بأننا نقدم إسلاماً جديداً ليس هو الاسلام الذي عرفه الصحابة ، وفهمه أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة ، كما زعم ذلك بعض المستشرقين فيما يكتبه الدعاة إلى الاسلام اليوم ) .

3ـ ان الكتاب أظهر بوضوح المذهب الاقتصادي الاسلامي المتميز ، وأنه لا يمكن وصفه بالاشتراكية ، أو الرأسمالية ، بل الوصف الوحيد له هو الاسلام ، فقال تعالى : ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )

 يقول الشيخ : ( وسنبين للقارئ وسيتبين للقارئ في هذه الصحائف : أن نظرة الاسلام إلى الفقر وعلاجه له ، ووسائله في علاجه ، ورعايته لحقوق الفقراء ، وكفالته لحاجاتهم المادية والأدبية تجعله مذهباً متميزاً عن كل مذهب أخر يروج له المروجون في بلادنا وغير بلادنا في هذا الزمن .

وبتبين له أن من الخطأ البين أن ينسب الاسلام إلى أحد هذه المذاهب ، أو ينسب أحدها إليه ، فيقال مثلاً : ان الاشتراكية من الاسلام أو الاسلام من الاشتراكية ، أو يقال : أن الاسلام رأسمالي ، أو الرأسمالية اسلامية !

إن للاسلام نظرة إلى الحياة وإلى الانسان ، وإلى العمل وإلى المال ، وإلى الفرد وإلى المجتمع ، تخالف في مجموعها نظرة المذاهب الأخرى يمينية ويسارية ، انها نظرة متفردة مستقلة ، لا شرقية ولا غربية ، بل ربانية انسانية ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ).

فلندع للاسلام أصالته وشموله ، وعمقه واتزانه ، وسبقه وتفوقه ، وليكن أكرم علينا من أن نخلطه بفلسفة أو فكرة أخرى ، ولندع إليه وحده ـ بكل يقين وشجاعة ـ علاجاً لكل مشكلاتنا ، وحلا لكل عقدنا ، فهو حده الدواء لكل داء والمصباح في كل ظلمة ، وما عداه من المبادئ ، والأنظمة التي يروج لها الخادعون والمخدوعون ، ان هي إلاّ أوهام مضللة ، وأفكار متضاربة ، وتجارب فاشلة ، حسبنا منها أنها ـ جلها أو كلها ـ من صنع اليهود الخبثاء ، وعمل الكفار الماكرين " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ" ) .

4ـ ان الكتاب أثبت بأن الفقر الذي يعاني منه العالم الاسلامي ليس من صناعة الاسلام ، ولا من آثار تطبيقه ، وإنما من صناعة أعدائه ، فهو صنع مستورد في الخارج .

نعم ان عالمنا الاسلامي في معظمه فقير ، بل تحت خط الصفر ، ويعود فقره إلى أن أعداءه قاموا بنهب ثرواته وأخذ خبراته ، والسيطرة على ممتلكاته العامة ، بل القيام باحتلال أرضه ومياهه وأجوائه ، فالعالم الاسلامي يعاني من الاحتلال المباشر وغير المباشر منذ أكثر من قرنين ، وبالتالي فإن ثراء الغرب جاء على حساب فقر الشرق ، أو كما يقول الفيلسوف المسلم رجاء جارودي : ان الحضارة الغربية قامت على ثروات ثلاث قارات لمدة قد تصل إلى ثلاثة قرون.

ثم بعدما خرج المحتلون من معظم البلاد الاسلامية تركوا عليها في معظم الحالات والبلاد من يقودها لا عن كفاية وكفاءة واخلاص ، وإنما لأجل الولاءات وتحقيق مصالح الغير في سبيل البقاء على الكرسي ، ان معظم السياسين الذين حكموا العالم الاسلامي طبقوا على المسلمين بالقوة أيدولوجيات تتعارض مع أيدولوجية الاسلام ، وسياسات تتعارض مع السياسية الشرعية ، ومناهج وأفكاراً ومذاهب لا تمت إلى الاسلام بشيء ، من العلمانية ، والشيوعية والاشتراكية ، بل هؤلاء بسياساتهم الرعناء في مختلف مجالات الحياة دمروا البنية التحتية لشعوبهم ، وقضوا على التنمية الاقتصادية ، ومرزقوا شعوبهم بالحروب والاختلافات .

فهؤلاء عاثوا في الأرض فساداً بدل الاصلاح ، واهتموا بأنفسهم وتحقق لهم الثراء على حساب فقر شعوبهم ، فتجد معظم المليارديرين منهم في حين أن شعوبهم يموتون بسبب الفقر وقلة الغذاء والدواء .

فهؤلاء الأعداء المحتلون يتحملون مسؤوليتهم اثناء احتلالهم ، ثم بعد خروجهم من البلاد ، ولكن هذا لا يعني إعفاءنا من المسؤولية الكاملة فنحن المسلين نتحمل القسط الأكبر كما قال تعالى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

الكتاب الثاني المتخصص في الاقتصاد الاسلامي : دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي ، نشر مكتبة وهبة& بالقاهرة سنة 1415هـ /1995م

سار الشيخ في هذا الكتاب على منهج الاقتصاديين إلى حد جديد في تقسيم النشاط الاقتصادي أو وظائف النظام الاقتصادي إلى مراحل حصرها الشيخ في أربعة مجالات ،هي : مجال الانتاج ، ومجال الاستهلاك ، ومجال التداول ، ومجال التوزيع ، وفسر هذه المجالات بنفس المعاني التي فسر بها الاقتصاديون تقريباً إلاّ ما يتعلق بالتوزيع ، حيث وسع دائرته لتشمل معظم ما يتعلق بإعادة التوزيع حسب تقسيمات الاقتصاديين ، فحينما تحدث عن قيمة العدل في التوزيع أضاف إليه : (ومن العدل إقامة تكافل اجتماعي شامل ) ثم تحدث عن هذا التكافل من خلال : ضمان اجتماعي للضعفاء والعاجزين في المجتمع ، وتأمين ذوي الحاجات الطارئة ، ثم بين موارد تمويل هذا الضمان من الزكاة ، والضرائب المشروعة ، وموارد الدولة الأخرى مثل الغنى ، والصدقات والنفقات ، والكفارات ونحوها .

وهذا الاختلاف بين منهج الشيخ في حصر النشاط الاقتصادي في أربعة مجالات ، ومنهج معظم الاقتصاديين في اضافة ( إعادة التوزيع ) يدل بوضوح على أن الشيخ سار على منهج اختاره لنفسه ، وهداه إليه اجتهاد دون تقليد لهؤلاء .

وإضافة إلى ذلك فإن الشيخ سار على منهجه الفقهي في تأصيل الموضوعات بالأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة والأدلة الأخرى ، ولم يَسْرِ على منهج الاقتصاديين في التحليل الاقتصادي ونحوه .

محتوى الكتاب :

الكتاب يتضمن مجموعة من الأفكار والآراء القيمة يمكن إيجازها فيما يأتي :

1ـ المقدمة ، تتضمن تمهيداً للكتاب ، تناول فيه الاقتصاد الاسلامي ، وأنه حقيقة واقعة ، وليس وهماً ، وأنه قد طبق في عصر الرسالة ، والخلافة الراشدة ، وان لم يكن تحت هذا الاسم ، بل كان تحت اسم : فقه المعاملات ، وفقه السياسة الشرعية ، وفقه الأموال ، أو الخراج ...

وقد كان الشيخ في دفاعه عن الاقتصاد الاسلامي منصفاً ووسطياً حيث قال  ( ان كان المقصود بالمنهج والنظام الصورة التفصيلية التي تشمل الفروع والجزئيات والتطبيقات المتنوعة فالاجابة عندي بالنفي ، وان كان المقصود ، الصورة الكلية التي تتضمن الأسس الهادفة ، والقواعد الحاكمة ، والتوجيهات الاساسية الضابطة وبعض الفروع ذات الأهمية الخاصة ، فالاجابة عندي بالايجاب) .

وقد أزاح الشيخ في هذه المقدمة الغطاء عن بعض شبهات أثيرت حول الاقتصاد الاسلامي ، حيث كان رده مقنعاً وموفقاً 

2ـ تناول الشيخ بعد المقدمة والتمهيد ، القيم وخصائص الاقتصاد الاسلامي ، وأوضح بجلاء أن الاقتصاد الاسلامي ما دامت خصائصه تكمن في أنه اقتصاد رباني ، وإنساني ... فإن الأخلاق لا يمكن أن تنفك عنه ، فكونه ربانياً يقتضي أن يكون اقتصاداً قائماً على القيم والأخلاق الربانية .

3ـ ثم تناول الشيخ القيم والأخلاق في المجالات الأربع ، وهي الانتاج ، والاستهلاك ، والتداول ، والتوزيع .

4ـ وضم الشيخ كتابه بمبحث حول دور الدولة في الالتزام بالقيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي .

منهج الكتاب :

أ ـ  الكتاب باعتباره يتحدث عن القيم والمبادئ فإنه يصنف اقتصادياً ضمن ما يسمى : الاقتصاد الكلي ، ولكنه في داخله أحكام وتفاصيل تدخل فنياً ضمن الاقتصاد الجزئي .

وبذلك يختلف منهج الشيخ عن منهج الاقتصاديين الذين يحصرون كتاباتهم داخل دائرة واحدة ،

أما الشيخ فهو فقيه موسوعي يريد ان يعرض الاسلام بشموليته دون الفصل بين المبادئ والتطبيقات ، والأخلاق والسلوكيات ، والكتاب يستفيد منه من يريد الكتابة عن النظام المالي في الاسلام ، إذ يتضمن معلومات قيمة عندما يتحدث عن التوزيع وغيره ، 

أ . د . علي محيى الدين القره داغي** - موقع القرضاوي/ 19-8-2007

 يوسف القرضاوي اقتصادياً.doc اضغط هنا لقراءة الملف

رابط موقع الدكتور القرضاوي حفظه الله http://www.qaradawi.net

 

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com