بسم الله الرحمن الرحيم
التورق بين الحلال والحرام
الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده،،،
أما بعد فقد كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن التورق ما بين محلٍ ومحرم ومجيز ومنكر، مما جعل المرء في حيرةٍ من أمره ، وأنا العبد الفقير لله رغم عملي في مجال المصارف الإسلامية لما يزيد عن 12سنه ،
ورغم أن والدي يرحمه الله هو من أوائل من زرع بذرة هذه المصارف الإسلامية ، فكنت وما زلت في حيرة من أمري وركبت بمركب من يحرم وينكر وذلك لأنه اقرب للمنطق ومن باب الورع ،
حتى سمعت كلام شيخنا وأستاذنا الشيخ علي قرة داغي والأستاذ نظام يعقوبي فلمست فيه الواقعية والمنهجية والنظرة التي ربما لم يتسنى لنا رأيتها، وتذكرت رغم حداثة سني في ذلك الزمان عندما وضع والدي يرحمه الله الأسس للنظام المصرفي الإسلامي وصيغة تمويل المرابحة هاجم من هاجم وأستنكر من أنكر وثار من ثار ولم يفهم الكثير معنى المرابحة ،
ولا ينكر أحد في هذا الوقت أن المرابحة كانت سبب في أن ترى هذه المؤسسات المالية الإسلامية النور في ظل الرأسمالية والعلمانية بل لتصبح حديث الغرب قبل الشرق ، بل جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية تدعو والدي يرحمه الله في أواسط التسعينيات لمساعدتهم على إنشاء قسم للمعاملات وأدوات التمويل الإسلامية في الجامعة،
فهل رؤوا هؤلاء ما لم يرى الكثير منا في بداية نشأت البنوك الإسلامية؟!، والغريب في الأمر عندما شقت هذه المؤسسات اليافعة طريقها إلى النجاح وفهم الناس ماهيتها، وأخذ والدي يرحمه الله يدعوا للابتعاد عن المرابحة واستخدام الأدوات التمويلية الإسلامية البديلة كالمضاربة والمشاركة والايجارة وغيرها من الأدوات ،
إلا إن معظم المصارف الإسلامية تمسكت بالمرابحة دون غيرها من أدوات التمويل الإسلامية وذلك لسهولة تطبيقها.والان نحن نقف أمام أداه جديدة من أدوات التمويل الإسلامية وهي التورق ،
فهل نتجاهلها ونرميها خلف ظهورنا كما فعلنا بما سبق من الأدوات ، أم حرياً بنا إن نقف وقفت المحب والمخلص وننظر للتورق من جميع الزوايا كما فعل الدكتور علي القرة داغي والشيخ نظام يعقوبي حفظهم الله وغيره من المخلصين لهذا الدين -وهذا ما عهدناه عنهم ولا نزكي على الله أحد-، ونظروا إلى التورق بأنه باب يعين على قضاء حاجة الناس للنقد في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وتجنيبهم البنوك الربوبية التي تكثر مغرياتها يوماً عن يوم.
فما هو التورق؟ وما هي حقيقته؟
الورق في اللغة (بكسر الراء والاسكان) هي الدراهم من الفضة، والتورق طلب الورق أي الدراهم.
وفي الاصطلاح الفقهي التورق هو شراء سلعة ليبيعها إلى آخر غير بائعها الأول للحصول على النقد.
ومثال ذلك:- أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لآخر نقداً ليحصل على ثمنها الحال لرغبته في الحصول على النقد.
فان باعها إلى نفس بائعها الأول فهي العينة الممنوعة، أما إن باعها إلى طرف ثالث فهي التورق.
ما هو المأخذ على ببيع التورق؟
هناك مأخذين رئيسين على بيع التورق وهما:-
•1- النية ( أي نية المتورق بالحصول على النقد ).
•2- بيع السلعة بأقل من ثمنها الذي اشتريت به.
- v نبدأ بالمأخذ الأول وهو قصد المشتري الحصول على النقود لا على السلعة ، وذلك قبل الحديث عن حكم التورق:-
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فان كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس وان نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فان له ما نوى" فلا تكون حيلة إلا أن ينوي محرماً يتوصل إليه بالتحايل.
والمتورق ليس نيته ارتكاب الحرام بل نيته اجتناب الحرام، كيف لا والحرام مشرعة أبوابه أمامه وهو أقل كلفة ونفقة ثم يتركه ويأخذ بالتورق لاجتناب الحرام.
- v ثانياً بيع السلعة بأقل من قيمتها التي اشتريت به:-
ورغم إن من أنواع البيوع المعروفة ، بيع الأمانة وبيع الأمانة إما أن يكون مرابحةً أو توليةً أو وضيعةً ، والوضيعة بيع السلعة بأقل من ثمنها مع علم البائع والمشتري بسعر الأصلي للسلعة، وأصل هذا البيع الجواز.
إذن ما هو حكم التورق؟
إذا أردنا الحديث عن التورق فلا بد من التفصيل فيه والتفريق بين التورق بصورته البسيطة ، والتورق المنظم التي تقوم به بعض المؤسسات المالية فلا شك أن الأخير ( التورق المنظم ) وهو محرم لأن فيه عناصر التحريم الأساسية كالجهالة وبيع ما لا يملك .... وغيرها من الأمور التي تخل في صحة البيع وجوازه.
حكم التورق :
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز شراء الرجل سلعة بالأجل وبيعها إلى غير بائعها نقداً وغرضه الحصول على النقود، وكلمة التورق من عبارات الحنابلة.
أما المذاهب الأخرى فيعرض فقهاءها إلى التورق عند الحديث عن العينة فيفرقون بينها وهي محرمة وبين التورق وهو جائز عند جمهورهم، فقال الجوزجاني : أنا أظن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة، وقول الرافعي : وبيع العينة أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه منه قبل قبضى الثمن بثمن نقداً أقل منه ، وهي مخادعة الله واتخاذ دينه هزواً ولعباً (( انتهى كلامه يرحمه الله )).
وأما من أباح التورق واستدل على القول بالجواز من الكتاب والسنة والقياس،
فأما الكتاب فقوله تعالى: "وأحل الله البيع"
إذ يدل ذلك على إباحة كل بيوع إلا ما دل دليل معتبر على حرمتها ولا دليل هنا على حرمة التورق، وقد اثبت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على حرمته.
ومن السنة على الأحاديث في البيع وهي في نفس المعنى، ومنها حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيبٍ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أكلُ تمر خيبر هكذا ؟ )) فقال : لا. والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تفعل )) ،بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيباً ، وقال في الميزان مثل ذلك،متفق عليه.
وأما بالقياس فلأن البيع توافرت فيه أركانه وشروطه وخلا من المفسدات كالغرر والجهالة والربا ونحو ذلك.
ومما سبق نعرف أن التورق إنما هو بيع تتوفر به شروط البيع بغض النظر عن النية ولكن العلة في التطبيق ، كالمرابحة هي بيع من بيوع الأمانة إذا طبق كما يجب وإذا أخللنا بالتطبيق وقعنا بالمحظور ، وعملنا في المصارف الإسلامية شأنه كشأن الراعي الذي يرعى حول الحمى، فعلينا توخي الحذر لعدم الوقوع بالمحظور.
إلا إني أمام المأخذ الثاني الذي سبق ذكره ( وهو بيع السلعة بأقل من ثمنها ) وارى من الأنسب الأخذ بفتوى هيئة كبار العلماء في السعودية وعدد من الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية، وفتوى مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي خلال دورته الخامسة عشرة في مكة المكرمة 1998، والذي أجاز التورق بشرط ألا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول، (لا مباشرة ولا بواسطة) وإلا وقع في بيع العينة المحرم شرعا .
وأما ما بقي من المحظورات في بيع التورق فهي موجود بسائر البيوع إذا لم ترجع تلك البيوع إلى أصل صحتها ،
ومن باب الإيجاز فإني أوجز المتطلبات الشرعية التي يجب ان تكون عليها عملية التورق بالنقاط السبع التالية:-
- 1- يجب أن يشتري البنك سلعة معينة، موجودة عند البيع في مستودعات بائعها أو مستودعات لأطراف أخرى يمكن التحقق من وجودها فيه. ويمكن ان يكون الشراء على الوصف أي وصف سلعة معينة، ومن الأفضل ان تحصل المعاينة المباشرة عند الشراء.
- 2- يمكن ان يتم الشراء بالنقد أو الآجل ولا يؤثر ان كان بالنقد ان ينقد البنك الثمن إلى المشتري أو يتأخر في ذلك مادام ان الثمن كان معلوماً عند انعقاد البيع.
- 3- ليس هناك ما يمنع من شراء سلعة موصوفة في الذمة أي غير معينة ولكن في هذه الحالة لابد من دفع الثمن كاملاً بدون تأجيل، كما لا يمكن للبنك بيعها إلى عميله المتورق إلا بعد القبض.
- 4- و يجب أن يمكن العميل من قبض السلعة وتسلمها بنفسه من المستودع إذا رغب، أو ان يبيعها العميل بنفسه إلى طرف ثالث كما ان له توكيل البنك ببيعها نيابة عنه. ويجب ان لا يكون البيع إلى العميل مشروطاً بتوكيل العميل للبنك بل يكون البيع والوكالة مستقلان عن بعضهما البعض.
- 5- لا مانع من توكيل العميل البنك لبيع تلك السلعة، إلا ان الوكالة يجب ان تقع عند أو بعد توقيع عقد الشراء من قبل العميل من البنك.
- 6- وإذا كان البنك قد اشترى كمية كبيرة من سلعة ثم باع منها أجزاء إلى عدد من العملاء، فانه في كل مرة يقع البيع، يجب تحديد السلعة أو الكمية المباعة وليس على مشاع إذ لا يجوز للعميل أصالة أو وكالة ان يبيع إلى طرف ثالث إلا بعد ان يتعين المبيع.
- 7- إذا كانت الكمية الموجودة في المستودع ذات أرقام متسلسلة لزم ان يقع البيع على وحدات معينة بالرقم التسلسلي، كرقم الشاصي بالسيارة أو رقم المنتج.
كلنا نحب هذا الدين وكلنا نبذل الغالي والرخيص في خدمة هذا الدين فلما نتمسك بآرائنا والتشبث بها دون وجه حق ، فلما لا نرجع ونراجع أنفسنا فلعلنا نجد الصواب لخدمة هذا الدين وخدمة هذه الأمة وأبنائها بما يحب الله ويرضى، هذا والله اعلم ، وإني ادعوا الله ان يسدد خطانا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل وباطلاً ويجنبنا إتباعه.
الفقير لله
أيمن سامي حسن حمود
عمان - الأردن
أرسلت بواسطته للمشاركة