البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | قضايا فقهية ومالية متنوعة | المال في الإسلام بين الملكية والاستخلاف 

المال في الإسلام بين الملكية والاستخلاف
د. أحمد الحسيني

 

مع سقوط الشيوعية، وتحلل دولها وانهيار منظمتها الفكرية، وفي نفس الوقت توحشت الرأسمالية وجهود الغرب لزرع الفكر، والسلوك الرأسمالي في جميع أنحاء العالم، ومنه عالمنا العربي والإسلامي، ومع مشروعات الخصخصة، التي يقودها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بلادنا، ظهرت لدينا مشكلات كثيرة تتعلق بظهور الاحتكارات وتضخم ثروات بعض الأفراد، بينما غالبية مجتمعاتنا تعاني من الفقر وتدني مستوى دخول أفرادها.


 
   ومن هنا، تأتي أهمية الحديث عن القواعد التي وضعها الإسلام في أمور الثروة والتفاوت فيها بين الأفراد، والملكية وما يتعلق بها.


   وقد جاء الإسلام، منذ أربعة عشر قرنًا معلنًا أن كل ما في يد البشر من مال هو ملك اللَّـه أصلاً، بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النجم :31]، وأن البشر مستخلفون فيه، بقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، وأنه لا يجوز للبعض دون الآخر أن يستأثر بالمال، لقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].


 
   ولم يكن ذلك إلا تقريرًا للواقع، فاللَّـه، تعالى، هو المالك الحقيقي للمال، فهو مُنشئه وخالقه، وهو واهبه ورازقه، ولهذا نبّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة المنسية أو الغائبة عن الأذهان، بتأكيد نسبة المال إلى مالكه الحقيقي، وهو اللَّـه تعالى، بقوله سبحانه: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254]، وقوله تعالى: {يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 180].

 

   وبالرغم من أن اللَّـه، تعالى، هو صاحب المال الحقيقي، ومالكه الوحيد، فقد أضاف المال إلى عباده بقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ} [المنافقون: 9]، وقوله تعالى: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، وقوله تعالى: {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25].

 

   فما ذلك إلا فضلاً لعباده، وابتلاء وامتحانًا لهم بما أنعم عليهم؛ وليشعروا بمكانتهم عند اللَّـه، وأنهم خلفاؤه في أرضه، بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وليحسوا بمسئوليتهم عما ملكهم إياه، وائتمنهم عليه، بقوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].

 

   وتوفيقًا بين ملكية اللَّـه، تعالى، الحقيقية للمال، وبين إضافة هذا المال إلى عباده، واختصاص بعضهم دون غيرهم بالانتفاع به والتصرف فيه، فقد صوَّر وعبَّر القرآن الكريم عن ذلك أدق تصوير، وتعبير بأنه «استخلاف»، بقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، فوضع المكتسب للمال هو وضع المستخلف، أي وضع الوكيل أو الأمين أو المستودع.


 
   فالاستخلاف عام لكل البشر، ولا يحصل الأفراد على حق الملكية الخاصة (الملكية الفردية) إلا مقابل عملهم، ومن ثم يملكهم المشرع الإسلامي بالشروط التي يحددها. والمقصود بالملكية الفردية أو الخاصة، هو ملكية الفرد بالنسبة للآخرين، أو قل ملكية الظاهر أو الملكية المجازية، إذ المالك الحقيقي لكل شيء هو اللَّـه تعالى. وهذه الملكية الفردية ليست ميزة، وإنما هي أمانة يلتزم فيها بتعاليم الإسلام بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، وهي مسئولية يحاسب عليها: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].

   ولقد أجمع الفقهاء على صيغة أو تكييف «الاستخلاف»، وأن الملكية الخاصة أو الفردية هي في الإسلام «أمانة» أو وظيفة، ومن ذلك الإمام الزمخشري في تفسيره الكشاف، لقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، فيقول: «يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال اللَّـه بخلقه وإنشائه، وإنما موّلكم إياها وخوّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيه، فليست هي أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنوّاب، وأنفقوا منها في سبيل اللَّـه.. وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره».


 
   ويروي المؤرخ الخطيب البغدادي، في مؤلفه تاريخ بغداد: «إن أبا حنيفة يجمع ربح التجارة عنده من سنة إلى سنة، ثم يشتري بها حوائج الشيوخ والمحتاجين من الكسوة والقوت وغيره، ثم يدفع إليهم باقي الدنانير من الأرباح، ويقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا اللَّـه تعالى، فإني ما أعطيكم من مالي شيئًا، ولكن من فضل اللَّـه عليّ».

   وإذا كانت حيازة المال في الإسلام ليست امتلاكًا، وإنما هي أمانة أو وديعة يحاسب عليها المرء، فهي والحال كذلك، ليست إلا مجرد «وظيفة شرعية»، أو هي بلغة اليوم «وظيفة اجتماعية».


 
   وليس أدل على ذلك من أن الملكية الفردية في الإسلام ليست ملكية مطلقة، بل هي ملكية مقيدة، ليس فحسب من حيث اكتسابها ومجالاتها، بل أساسًا من حيث استعمالها، مما لا نجد له مثيلاً في أي من التشريعات الوضعية، وبحيث يحيلها بحق إلى أمانة ومسئولية، ومجرد وظيفة اجتماعية. ومن قبيل ذلك:


   - إن المسلم لا يستطيع أن يكنز ماله أو يحبسه عن التداول أو الإنتاج؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
 
   - وهو لا يستطيع أن يصرفه على غير مقتضى العقل، وإلا عُدَّ بنص القرآن سفيهًا، وحق الحجر عليه للسفه؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5].

   - وهو لا يملك أن يعيش عيشة مترفة، وإلا عُدَّ بنص القرآن مجرمًا؛ لقوله تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 114].

   - وهو مطالب دائمًا بأن ينفق كل ما زاد عن حاجته في سبيل اللَّـه، سواء في صورة إنفاق مباشرة على المحتاجين، أو في صورة استثمارات تعود بالنفع على المجتمع؛ لقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

 

   وبذلك يتميز الإسلام في نظرته، وموقفه بالنسبة للملكية الفردية عن سائر المذاهب والنظم الوضعية:
- فهو لا ينكر شأن المذاهب الجماعية والنظم الاشتراكية.
- وهو في نفس الوقت لا يطلقها شأن المذاهب الفردية والنظم الرأسمالية.
- وإنما هو يعترف بها نتيجة عمل وجهد؛ لقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، وقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188].


 
   ثم هو على نحو ما سلف الإشارة إليه، يقيدها بقيود عديدة، لاسيما من حيث استعمالها، مما لا نجد له مثيلاً في أي من التشريعات الوضعية، وبحيث يحيلها بحق، إلى أمانة ومسئولية، ومجرد وظيفة اجتماعية.


 
   وإذا كانت هذه هي المعايير الإسلامية، التي تنظم الملكية والثروة، وهي معايير تمنع الاحتكار، وتضمن الحياة الكريمة لكل من عاش في المجتمع الإسلامي، فإن الحضارة الغربية تجعل الملكية الحقيقية، التي هي ملكية الرقبة في الثروات والأموال للإنسان، فردًا كان في النموذج الليبرالي، أو طبقة الأُجراء في النموذج الشمولي الماركسي.


 
   ومصطلح "الإقطاع " في الفكر الغربي يعني: الملكية الكاملة للسادة الإقطاعيين لوسائل الإنتاج (الأرض الزراعية) مع الملكية المقيدة للعاملين فيها (الأقنان).


 
   وكان ذلك هو الأساس الفكري، الذي قامت عليه الرأسمالية، التي في ظلها يتمتع الأغنياء بكل شيء، ويُحرَم الفقراء من كل شيء.

 

المصدر لواء الشريعة

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com