البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | أقلام العلماء | الإفتاء والمفتي الضوابط والمعايير | مناهج الفقهاء في التعامل مع الخلاف الفقهي الدكتور أبو أمامة نوار بن الشلي 

مناهج الفقهاء في التعامل مع الخلاف الفقهي

 

الدكتور أبو أمامة نوار بن الشلي**

** أستاذ الفقه وأصوله، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر


لقد كتب الناس وأكثروا في الخلاف الفقهي: في مفهومه، وأنواعه، وفي الأسباب التي تدعو إليه، وفي مشروعيته، وآدابه... إلخ، غير أن تحقيق مواقف الفقهاء ومناهجهم في التعامل مع الخلاف؛ وبيان معالم المنهج الوسط على ضوء ذلك؛ أحسبه مما يحتاج إلى البيان والدرس، وليست تخفى فائدة موضوع الخلاف كما لا تخفى ثمرة التوسط وفائدته في خصوص هذا السياق، ومن ثم أجدني في غنى عن التطويل والتكرار.

ومناهج الفقهاء في تعاملهم مع الخلاف هي نتاج التأمل في مسيرة العقل الفقهي وتفاعله مع ذاته، وعليه فالمسار الزمني للدراسة لا يتقيد بفترة أو مرحلة بقدر ما يحاول استنباط الخصائص والمميزات التي شكلت أو تشكل بها العقل الفقهي والتي يجمعها رباط واحد يمكن أن نصطلح عليه -سواء تعلق الأمر بالفعل أو رد الفعل- بالمنهج الفقهي،

وهذه المناهج تتلخص في أنواع ثلاثة:

ـ منهج الرفض والرد لكل خلاف.

ـ منهج الإفراط في تقرير الخلاف.

ـ منهج الوسط والاعتدال في التعامل مع الخلاف.

وبيان هذه المناهج وإن كان قراءة تراثية إلا أننا نعتقد واقعيتها في عالمنا المعاصر -وإن كثر الحديث عن التقريب والحوار وثقافة التعايش- بسبب تعقد وتشابك عناصر المسألة الثقافية والتي يأتي في مقدمتها الإنسان ذاته بخباياه ونواياه وتكوينه. ومن ثم فهذه الدراسة دعوة للمراجعة وإن تبدت في قالب التحليل والاستقراء، ورؤية نستشرف بها مستقبلنا وإن كنا ننبش الماضي الذي لا نستطع الانفكاك عنه.

منهج الرفض والرد لكل خلاف:

وهذا المنهج هو حصيلة ممارسات الفقهاء، وعناصره ترجع إلى: الجمود على المنقول، والتعصب في الرأي، وأخيرا غلق باب الاجتهاد.

الجمود على المنقول:

والمقصود بالجمود على المنقول: "وقوف عند حد المنقولات عن الغير، يرددها الغير دون أن يستند في قول إلى دليل من عنده، بل هو مجرد محاكاة ودون اجتهاد"[1].

ويمكن حصر الأسباب الباعثة على "الجمود الفقهي" في الأوجه الآتية:

- الوقوف مع ظاهر اللفظ بإطلاق:

دون الالتفات إلى المعاني والحِكم المقصودة من النص، وهذا الوجه هو الغالب في استعماله؛ ولذلك ترى نعت الظاهرية بالجمود لما غالوا في الاحتكام للظاهر يتكرر كثيرا في كتابات الفقهاء. وفيه يقول القرافي رحمه الله: "...والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"[2]. وقد وضع الشاطبي رحمه الله قاعدة في هذا الباب حين قال: "العمل بالظواهر على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشارع، وإهمالها إسراف أيضا"[3].

ويدخل تحت هذا المعنى عدم مراعاة الظروف والأحوال ووقائع الصور في تنزيل الحكم الشرعي، وإجراء الحكم في ذلك كله على إطلاقه؛ فإنه جمود موقع في المفسدة مفض إلى تحريف المراد من النص؛ قال ابن القيم رحمه الله في معرض التمثيل لما اعتبر فيه العرف: "..ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير..."[4].

ونص ابن عابدين رحمه الله على أن: "المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله وإلا يضيع حقوقا كثيرة ويكون ضرره أعظم من نفعه"[5].

-                   آصار الشرح على المتون:

انشغل الفقهاء في العصور التي تلت القرن الرابع بالتفقه على مذهب معين، من المذاهب التي تقررت وانتشرت في الأقاليم الإسلامية، تأصيلا وتفريعا، ومع ظهور المختصرات وما أعقبها بعد ذلك من الشروح والحواشي التي رامت حل المقفل منها؛ جمد كثير من الفقهاء على أقوال الرجال وحصروا أنفسهم في التخريج والتفريع والترجيح، وأخذ الاهتمام بالمبنى حيزا كبيرا من التفكير والجهد، يقول الحجوي رحمه الله متحدثا عن هذه الحال "فترك الناس النظر في الكتاب والسنة والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز التي لا غاية لها ولا نهاية، فضاعت أيام الفقهاء في الشروح، ثم في التحشيات والمباحث اللفظية،... وأحاطت بعقولنا قيود فوق قيود، وآصار فوق آصار؛ فالقيود الأولى التقيد بالمذاهب وما جعلوا لها من القواعد، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول، الثانية أطواق التآليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح، واختصروا في الشروح، فأصبحت هي أيضا محتاجة لشروح وهي الحواشي، وهذا هو الإصر الذي لا انفكاك له..."[6].

التعصب المذهبي:

التعصب المذهبي قرين الجمود ورديفه، ذلك أن المتعصب لمذهب إمامه واقف معه لا يتجاوزه إلى غيره، وقد لا يكون الصواب مع إمامه؛ إذ العصمة عن الخطأ في الاجتهاد ليست مضمونة لأحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم أو مجموع الأمة، ومعلوم أن الإمام الواحد أو المذهب بخلاف ذلك.

وعادة ما يصاحب التعصب حجر على العقول والأفكار فتجمد وتأسن كما يأسن الماء الراكد، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "المتعصبون للمذاهب أبوا أن يكون الخلاف رحمة، وتشدد كل منهم في تحتيم تقليد مذهبه، وحرم على المنتمين إليه أن يقلدوا غيره، ولو لحاجة فيها مصلحتهم، وكان من طعن بعضهم في بعض ما هو معروف في كتب التاريخ وغيرها، حتى صار بعض المسلمين إذا وجد في بلد يتعصب أهله لمذهب غير مذهبه، ينظرون إليه نظرتهم إلى البعير الأجرب بينهم"[7].

غلق باب الاجتهاد:

غلق باب الاجتهاد دعوى رددها كثير من الفقهاء[8]، وإن اختلفوا في التاريخ الذي وقع فيه ذلك، والذي عليه أكثر هؤلاء أن ذلك تم بعد القرن الرابع، بحجة أنه لا يوجد من يصلح لهذا المنصب، يقول ابن خلدون عن هذه الحال: "ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء... لا محصول اليوم للفقه إلا هذا، ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور تقليده.."[9]، ولهذا علق الشيخ الزرقا على قاعدة لا مساغ للاجتهاد في مورد النص بأنه لا فائدة من وضعها "لأن باب الاجتهاد مسدود الآن في وجه من يتصدى لدخوله مطلقا، سواء كان في مورد نص لا يسوغ الاجتهاد فيه أو لا"[10].

وبدهي أنه مع غلق باب التفكير المنضبط لا يبقى سوى التقليد والاتباع، وتغدو المخالفة في الرأي وقاحة تستحق الزجر وجريمة تستدعي العقاب!.

منهج الإفراط في تقرير الخلاف

وهذا المنهج لا تراه منصوصا في كتب التراث ولكنه حصيلة عناصر نراها تتلخص في: إيراد الشاذ من الأقوال، وقبول كل خلاف ولو كان صادرا من غير أهله، وإيراد الخلاف وتقريره رغم ارتفاعه، ثم اعتبار كل مجتهد مصيبا.

إيراد الشاذ من الأقوال:

إذا كان مقررا فقها أن الإمامة في العلم لا تجتمع والأخذ بالشاذ من العلم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إماما في العلم من روى عن كل أحد، ولا يكون إماما في العلم من روى كل ما سمع"[11]، وإذا كان مقررا أيضا أن الأخذ بالشاذ من الآراء يخشى معه ذهاب الدين، والوقوع في المفاسد والشرور؛

 كما قد بين ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق للخليفة العباسي فيما رواه البيهقي عنه أنه قـال: "دخلت على المعتضد فرفع إليَّ كتابا لأنظر فيه، وقد جمع الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، ثم قـال: لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب"[12].

فإنه لا مناص من طرح الآراء الشاذة، والرغبة عن إيرادها وتدريسها وشغل العقول بها؛ لأنه ينبغي ألا يؤخذ بها ولا يصح اعتمادها لأن حقيقتها زلل ومخالفة للشرع، وقد قرر الإمام الشاطبي هذا المعنى ثم بنى عليه أنه "لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشّرع كأقوال غير المجتهد.."[13].

وقد تحدث الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني عن هذا المنهج وما استحدثه أتباعه في هذا العصر فرآه يتمثل في: "تجميع الزلات العلمية، والأقوال الضعيفة الواردة في المذاهب المختلفة..

فيذهب بعضهم إلى الكتب الفقهية المتأخرة ويستخرج منها ما يراه لامزا في هذا الإمام، أو مضعفا من علمه وفهمه، فيعرضه في المجالس، ويسلط عليه الأضواء في تآليفه، عسى أن يزعزع بذلك ثقة الناس بمذاهبهم، أو يصرفهم عنها إلى رأيه وقوله.."[14] ثم علق على هذا الاتجاه الفاسد بقوله: "ولا شك أن هذه الأعمال بغيضة مذمومة لا يقرها شرع ولا عقل؛ فالأئمة العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وقد يضعف استدلالهم في بعض المواطن، ولم يدّع أحد منهم العصمة لنفسه، وحسبهم أنهم مأجورون على اجتهاداتهم كيف كانت... فلا يبحث عن زلاتهم إلا حاقد حسود، أو عدو لدود، يهدف إلى هدم هذا الكيان العظيم في النفوس، وزعزعة الثقة في الفقه والفقهاء.."[15].

- قبول كل خلاف ولو كان صادرا من غير أهله:

قد يخالف في الرأي من لم يحصل أهلية الاجتهاد أو ما يصطلح عليه بأهلية الاعتداد بالخلاف، وحينئذ يغدو قبول رأيه نوعا من الإفراط والغلو؛ إذ إن كل خلاف لم تتحقق فيه تلك الشروط والضوابط التي اتفق عليها أساطين الفقهاء للاعتداد بالرأي في الصنعة الفقهية ينبغي ألا يقبل في ميزان العلم؛ بل حقه أن يطرح ويرمى، وإلا فإن قبوله أو إيراده في مقام النظر والاحتجاج ولو لنقضه يعد فيما نرى من قبيل الإفراط في التعامل مع اختلافات الفقهاء.

ومن الأمثلة التي تذكر في هذا الباب: القول بإعطاء المرأة نصيبها من الميراث مثلما يعطى الرجل بحجة أن الإسلام يسوي بينهما في الأحكام، والقول بجواز الفوائد البنكية بحجة الضرورة المزعومة، والقول بتحريم كثير من المعاملات والآلات المستجدة؛ كل ذلك من قبل أناس غير متخصصين ولا عارفين بأدوات الاستنباط ولم يتحققوا بشروط الإفتاء والتخريج، بل عادة ما تصدر مثل هذه الأحكام من رجال الإعلام والصحافة والاقتصاد والاجتماع... إلخ. ومثلهم المناضلون في الأحزاب والجمعيات وحقوق المرأة.. وقد يكون الواحد منهم لا يحسن قراءة النص العربي بالمرة؛ ولكنها الجرأة على الدين والتقول على الله بغير علم.

وربما عمد بعض المفتين والعلماء إلى مناقشة هذه الترهات من باب دفع الشبه وبيان الأحكام لئلا يلبَّس على الناس دينهم، فيظن بعض الناس مع تطاول الزمن وقدم العهد أن المسألة المعروضة للبحث محل خلاف؛ خصوصا إذا لم يقع التنبيه على القائل. والحقيقة أن غير الفقهاء مهما بلغوا في العلم فلا يعتد بخلافهم ولا بوفاقهم لأنهم كالعوام بالنسبة للفقه والخلاف، ومن ثم كان قبول دعاواهم وتخرصاتهم واعتبارها من جملة الأقوال في المسألة إفراطا بينا لا يحتاج إلى الاستدلال عليه، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه فقال لما لا يعلم: لا أعلم.

- إيراد الخلاف وتقريره رغم ارتفاعه:

ومن الإفراط في منهجية التعامل مع خلافات العلماء أن يورد الخلاف وتظل المصنفات والمدونات الموضوعة تنقله جيلا بعد جيل دونما تحقيق أو تثبت في استمراره! فإذا اختلف العلماء أو اختلفت المسألة على قولين أو أكثر فإن هذا الخلاف قد يستمر وتتداوله العلماء، وقد يرجع بعض المخالفين عن رأيه ويفيء إلى الرأي الآخر؛ فتصير المسألة حينئذ محل اتفاق وتنتفي عنها صفة الخلاف، وقد يجمع على أحد الأقوال فيها العلماء المتأخرون فتنقلب من مسائل الخلاف إلى مسائل الإجماع.

ذلك أن الخلاف بالنسبة لأسبابه الداعية إليه، إما أن يكون خلافا أصيلا لا يزول لأن أسبابه التي نجم عنها أسباب ذاتية قوية لا تتغير، أو يكون خلافا عارضا موقوتا يزول بزوال الظرف أو المصلحة أو السبب الذي كان وراء نشوئه، ومن ثم يصح القول إن المسألة ما عادت خلافية، وأن الخلاف فيها قد ارتفع وزال.

ومعرفة الأسباب الذاتية الأصيلة من الموقوتة العارضة، هو ما يمكن إدراكه عن طريق علم أسباب اختلاف الفقهاء، ومباحث التعارض والترجيح، ومناهج المجتهدين في التوفيق بين المتقابل من مسائل الفقه.

ومثل هذا: أن سيدنا عمر رضي الله عنه لم يكن لديه علم بما ورد في دية الأصابع، فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى بلغه سنة في ذلك فعدل عن رأيه، فعن سعيد بن المسيب أنه قال: قضى عمر في الإبهام بخمسة عشرة، وفي التي تليها بعشرة، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم يذكرون فيه أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: في كل إصبع عشر من الإبل([16]).

وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يأمر النساء إذا اغتسلن من حيض نفاس أو جنابة أن ينقضن رؤوسهن حتى يصل الماء إلى أصوله، ولم يكن قد بلغه من السنة في ذلك؛ روى مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: "بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات"([17]).

وكان زيد بن ثابت يفتي بأن لا تصدر المرأة قبل طواف الوداع لما سمعه من النهي أن يصدر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت- والصدر: رجوع المسافر من مقصده- وكانت الحائض عنده من الحاج الداخلين في ذلك النهي، ولقد أخبره ابن عباس بوجود سنة تستثني الحائض، فرجع عما كان يقول([18]).

فليس يليق أن يعتمد رأي سيدنا عمر في الدية ولا رأي سيدنا عبد الله بن عمرو في نقض المرأة شعرها ولا رأي سيدنا زيد في صدر الحائض قبل طواف الوداع قبل أن يبلغهم الدليل، ويقال في كل ذلك إن المسألة خلافية، لأن الخلاف قد ارتفع وزال لمّا بلغهم الدليل ورجعوا عن رأيهم الأول.

- اعتبار كل مجتهد مصيبا:

ومن الإفراط البين في التعامل مع خلافات العلماء اعتبار اجتهاداتهم جميعا صوابا، وهي المسألة الشهيرة في علم الأصول بتصويب المجتهدين. ولن أطيل في إيراد ما قيل فيها، فالعصمة إنما هي للأنبياء عليهم السلام أو لمجموع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

روى ابن أبي العوام الحافظ عن الطحاوي عن سليمان بن شعيب الكيساني عن أبيه قال: أملى علينا محمد بن الحسن وقال: "إذا اختلف الناس في مسألة فحرم فقيه وأحل آخر، وكلاهما يسعه أن يجتهد رأيه؛ فالصواب عند الله عز وجل واحد، حلال أو حرام، ولا يكون عنده حلال وحرام وهو شيء واحد، ولكن الصواب عنده عز وجل واحد، وقد كُلف من في وسعه اجتهادُ الرأي أن يجتهد رأيه حتى يصيب الحق الذي عنده في رأيه، فإن أصاب الحق الذي هو عند الله عز وجل في رأيه واجتهاده كان قد أصاب ما كلف به وأداه، وإن كان قد أصاب ما كلف به من اجتهاده في رأيه ولم يصب الحق عند الله عز وجل بعينه فقد أدى ما كلف به، وكان مأجورا، فأما أن يقول قائل: قد أحل فقيه وحرم فقيه في فرج واحد وكلاهما صواب عند الله عز وجل؛ فهذا لا ينبغي أن يتكلم به، ولكن الصواب عند الله عز وجل واحد، وقد أدى القوم ما كلفوا به حين اجتهدوا وقالوا باجتهادهم ووسعهم الذي فعلوا وإن كان أحدهما قد أخطأ الذي كان ينبغي أن يقول به إلا أنه قد اجتهد؛ فقد أدى ما كلف به، لكن الصواب عند الله عز وجل في الأشياء واحد"([19]).

إن هذا النص من الفقيه الكبير الإمام محمد بن الحسن الشيباني يغنينا عن إيراد المسألة وما طال فيه من جدل في كتب الأصول: هل المصيب واحد أم يتعدد؟ فالتكليف متوجه إلى الاجتهاد أي بذل الوسع والطاقة في التعرف على حكم الله في النازلة ولا يتوجه رأسا إلى الإصابة فيه.

قال ابن عبد البر رحمه الله في هذا المعنى: "..وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها؛ وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يتبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يريبك) هذا حال من لا يمعن النظر. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله: لا أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه"[20].

 فالاختلاف هو نتيجة للاجتهاد؛ وهو عمل بشري يعتريه الخطأ كما يعتريه الصواب، ولأنا لا ندري أصادف ما عند الله أم لا؛ لأنّ ذلك ليس في مقدور أحد من البشر، ولأن الحديث ورد بتجويز الخطأ على الحاكم في اجتهاده، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميه فقال: "القدر الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لا بد أن يكون أحدهما أحسن عند الله، فإن هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة، على أن المصيب عند الله واحد في جميع المسائل، فذاك الصواب هو أحسن عند الله، وإن كان أحدهما يقر الآخر. فالإقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا مرجوحا، وإنما يمنع أن يكون محرما"([21]).

معالم المنهج الوسط في التعامل مع الخلاف

ومعالم المنهج الموضوعي الوسطي في التعامل مع الخلاف الفقهي هي ما يمكن تحديده بمفاصلة المنهجين السابقين -تحقيقا للقصد بين الغلو والجفاء- وبتحقيق مؤهلات الاعتداد بالخلاف وصفات الاعتدال في مناقشة الرأي المغاير، وتحديد مساحة الاختلاف، واتخاذ مراعاة الخلاف منهجا تطبيقيا، والفزع إلى "لا أدري" عند الجهل بالحكم، ونبذ التلفيق، ولزوم الثقة في مرجعية الترخيص، والعدل في معاملة المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده بألا يقلد في خطئه ولا ينتقص قدره بسببه، والتزام التوسط في الإفتاء. وبيان ذلك مختصرا كالآتي:

أما مفاصلة المنهجين السابقين فلا حاجة بنا إلى إعادة ما قيل، وإنما يتحقق ذلك بالضدية ونفي ما ظهر أنه من لوازمهما، وكل ذلك ينبغي أن يكون على بال في هذه المعالم، وأما ما اختص به هذا المنهج فهو:

ـ مؤهلات الاعتداد بالخلاف:

وقد أتينا على بيانها في كتابنا العقل الفقهي معالم وضوابط وبينا هناك معقوليتها واتساقها مع منطق التفكير الصحيح الذي تواضع عليه العلماء؛ بما يقضي بكون ما يقابلها إفراطا أو تفريطا، وهذه المؤهلات كما جاءت في المحل المذكور هي:

لا اعتداد بما خالف مقطوعا به، لا اعتداد بخلاف أهل الأهواء، لا اعتداد بخلاف سببه عارض، لا اعتداد بخلاف رجع فيه المخالف عن رأيه، لا اعتداد بخلاف صدر عن خفاء الدليل وعدم مصادفته، لا اعتداد بخلاف أمكن فيه الجمع بين المتعارضين، لا اعتداد بالخلاف إذا كان لفظيا، لا اعتداد بالخلاف إذا كان راجعا إلى تغير الزمان والعوائد، لا اعتداد بخلاف لا يتوارد القولان المختلفان فيه على محل واحد، لا اعتداد بخلاف غير الفقهاء، أما خلاف الواحد للجماعة وخلاف الفاسق والخلافات الصادرة عن طبقة المخرجين في المذاهب فقد وقع الاختلاف في مدى الاعتداد بها[22].

ـ الموضوعية في دراسة المسائل الخلافية:

وإذا كانت المسائل الخلافية في المصنفات القديمة تعرض جملة واحدة دون اعتماد منهج محدد، فإن الدارسين المحدثين قد تعارفوا منهجا في الباب يمكن عرضه في الخطوات الآتية:

أ- تقرير المسألة وتصويرها:

وذلك ببيان وتحديد المسألة المعروضة للنقاش والبحث، ووضعها في إطار مناسب ودقيق، حتى يتسنى الحكم عليها بعد ذلك؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ويستحسن في تصوير المسألة التضييق في الإطار العام لها ما أمكن ذلك، وهو ما يتأتى بعد قراءة أولية في جمع مادة الموضوع.

ويقوم الباحث عادة بوضع مدخل مختصر يعين على تحديد المسألة وتيسير فهمها بأن يذكر المسألة المختلف فيها، ويُتبع ذلك بذكر المذاهب والآراء فيها جملة دون تفصيل، كأن يذكر من قال فيها بالجواز ممن رأى فيها الحظر ومن توسط فيها من الفقهاء مثلا.

ب- أدلة المسألة([23]):

ويعمد الباحث بعد الفراغ من تصوير المسألة، إلى ذكر أدلتها، ويستحسن أن يُفرد لكل رأي أو فريق ما وقف عليه من أدلة، وهي خطوة أولى يظهر بها مواضع القوة والضعف في الرأي المذهوب إليه.

والداعي إلى عرض أدلة الأطراف المتنازعة، قاعدة كبيرة في التفكير الإسلامي هي ما يعبر عنها بقولهم: "إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل"، فلولا الدليل لقال من شاء ما يريد ولادعى أقوام ما ليس لهم، ولذلك كان من القواعد التي أرساها علماء الأمة أن لا يُنظر إلى مَن قال ولا إلى مرتبته بل النظر يكون إلى دليل المسألة، فمن رجح دليله وظهر عمل بقوله ورأيه وانتصر، ذلك أن أهواء النفوس لا تنتهي ولكن الدليل يردعها ويحدها وقد جاء الشرع بحسم مادة الهوى وطلب تحكيم العقل والنظر السليم ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وأرشد إلى طلب العلم من أهله ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

ﺟ- بيان سبب الخلاف:

أو منشأ الخلاف، ومعناه ذكر السبب أو الأصل الذي تفرع عنه الخلاف؛ فكل مسألة خلافية لها سبب اقتضى الخلاف فيها، وهو ما يؤكد شرعية هذا الخلاف وأنه لم يكن في يوم ما وليد هوى، أو عبثا فكريا، أو فلسفة تجريدية لا ثمرة من ورائها.

وإن من فوائد معرفة الأسباب الداعية إلى الاختلاف، أن يعلم من يدعو إلى القضاء على المذهبية أنه يفتح الباب أمام الأدعياء والمتطفلين أن يقولوا في هذه الشريعة بآرائهم وأهوائهم؛ ذلك أن الوقوف على هذه الأسباب يثبت في النفس أن المذاهب الفقهية المعمول بها إنما انبثقت عن أصول وفهوم صحيحة كثير منها يعود إلى طبيعة النص ذاتها([24]).

د- تحرير محل النزاع:

ومعناه: الوقوف على الموضع والموطن المختلف فيه؛ فقد تكون المسألة ذات ذيول وتشعبات وفروع؛ ويكون كثير من ذلك متفقا عليه، وإنما ينفرد فرع أو أكثر بالخلاف، أو جزئي من كلي، فإذا لم يحرر المحل الذي تتوزع فيه ويبيّن بدقة، أدى ذلك إلى مخالفة الحقيقة من جهة عند التمحيص والنظر، كما يؤدي إلى ضياع الأوقات في أمر لا طائل تحته.

ويحتاج تحرير محل النزاع إلى النظر في السياق والقرائن إذا كانت المسألة من باب ما ورد فيه نص، وإلى تحقيق المناط وتحديد الزمان والمكان والصفات... إن لم تكن المسألة منصوصة.

ومن شأن تحرير المحل المتنازع فيه أن يضيق من شقة الخلاف([25]) أو يرفعه بالكلية، مما يعين على الوصول إلى نتائج صادقة مع اختصار للزمن.

ﻫ- المناقشة والموازنة:

وتكون بالنظر في أدلة كل فريق ومأخذه قوة وضعفا([26])، وأهم ما تعتمد عليه مناقشة الأدلة: معرفة وجه الاستدلال: أي كيف استُدل بالدليل؛ فقد يُورد الدليل مثلا ويكون عاما والمسألة- محل البحث- خاصة مستثناة من هذا العموم، كمن يستدل مثلا على أن بيع التمر الرطب بالتمر اليابس الجاف حرام لما فيه من الربا، فيقول المخالف: هذه عرّية وهي رخصة مستثناة من عموم هذا النهي، وقد يُورد الدليل ويستفاد الحكم منه بالمفهوم، ويأتي دليل آخر في المسألة ناطق بالحكم فيقدم عليه، لأن الناطق مقدم على الساكت أو المنطوق مقدم على المفهوم.

ويستثمر الباحث في المناقشة: الردود والاعتراضات: التي يوردها كل مخالف على الآخر؛ إذ تعتبر بمثابة أدلة منه ومرجحات عند التعارض، لأنها احتمالات ناشئة عن دليل، والدليل إذا تطرق إليه مثل هذه الاحتمال يبطل ويسقط.

و- الترجيح:

وهو ما يخلص إليه الباحث الموضوعي بعد استفراغ طاقته في المناقشة والنظر في الأدلة من نتيجة، وهو عمل منهجي أيضا مقيد بقواعد وضوابط تعرف "بقواعد الترجيح" عادة ما تبحث في آخر كتب أصول الفقه، فلا ترجيح إلا بمرجّح، وإلا كان تشهيا وميلا إلى رأي لا مسوغ له.

وقد تتكافأ الأدلة عند الباحث، فيتوقف في الترجيح إلى حين العثور على ما يرجح به رأيا على آخر.

وقد تتبدى له عند المناقشة وجهة نظر معينة تقتضيها المصلحة الظرفية مثلا فيخرج برأي جديد إذا كانت المسألة مبنية على مصلحة أو علة متغيرة.

ويتوخى الباحث في كل عمله الدقة والحذر والحرص، كي يكون فهمه أقرب ما يكون لقصد الشارع الحكيم، وغني عن القول أنه عمل يتطلب مؤهلات وقدرات محددة ومعلومة في كتاب الاجتهاد من علم أصول الفقه، كما يحرص على تحقيق الأقوال والتأكد من نسبتها إلى أصحابها فلا يأخذ مذهب المالكية مثلا من كتب الأحناف أو الشافعية من مصادر الحنابلة وهكذا.

- تحديد مساحة الاختلاف:

من أهم ما يميز المنهج المعتدل في التعامل مع خلافات الفقهاء تحديد مساحة الخلاف؛ فليست كل مسائل الشريعة عرضة للخلاف، بل فيها ما هو قطعي لا يدخله الخلاف أصلا، وفيها كليات الشريعة التي تضافرت على معناها النصوص واتفقت عليها الأمة قاطبة، وفيها الجزئيات المنصوصة التي لا يتعدد الفهم فيها لورودها في أقصى درجات الوضوح وهي التي يقول فيها الفقهاء: لا اجتهاد مع النص أو لا اجتهاد في مورد النص، وأما ما كان بخلاف ذلك كله فهو ما يدخله الخلاف.

وعلى صعيد العمل والتطبيق لا يصح الإنكار على المخالف إلا في الدائرة الثانية أعني ما كانت عرضة للاجتهاد والنظر، كما أنه لا يقال في الدائرة الأولى إن مذهب فلان كذا، فإن السمع يأنف ممن يقول مذهب مالك أن صلاة الصبح ركعتان أو أنه يجب على المسلم خمس صلوات في اليوم وأمثال ذلك....

ومما ينبغي التنبه له والتفقه فيه دعوى إفادة بعض المسائل القطع بينما نجد الخلاف حاصلا فيها، ككون الإجماع الصريح حجة قطعية بحيث يكفر مخالفه أو يبدع أو يضلل وهو الرأي المشهور في علم الأصول كما قال الأصفهاني، بينما ذهب الرازي والآمدي إلى أنه لا يفيد إلا الظن([27]).

كما أنه من الضروري جدا في هذا الباب التفريق بين كون الدليل لا يفيد إلا الظن وكون العمل به واجبا- (كخبر الواحد مثلا أو القياس)- فإنه لا تنافي في ذلك؛ لأن الله تعبدنا بذلك، وقد قالوا: تسعة أعشار العلم من باب الظنون.

وكليات الشريعة أيضا لا يدخلها الخلاف لأنها لم تعتبر كذلك إلا بعد أن تضافرت على معناها النصوص، وذلك من مثل كون الحرج مرفوعا، وأن التكليف بما لا يطاق ممتنع، وأن الضرر يزال، وأن أحكام الأعمال بالنيات والمقاصد، وأن الشريعة مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، فكل ذلك لا يخالف فيه أحد من فقهاء الإسلام.

ومن المواضع التي تتحدد بها مساحة الخلاف فتضيق شقته بناء على ذلك، الجزئيات أو الأحكام المنصوصة أو ذات المعنى الخاص، الواضحة في دلالتها على المعنى المراد بحيث لا يتمارى فيه اثنان؛ لورودها بصيغة النص أو الخاص.

ومن أمثلة النصوص الخاصة التي لا يجوز فيها الخلاف:

حرمة الفوائد الربوية: من مثل 2%، و5%، و8%... وما شابه ذلك فإنها زيادات ولو ظنها بعض الناس قليلة؛ فالقليل والكثير كله مناف لقوله تعالى القاطع في التحريم والذي لا يفهم إلا فهما واحدا لا يتعدد لوضوحه وقطعيته في معناه: ﴿فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.

ومن الأمثلة أيضا في هذا الباب قوله تعالى في بيان نصيب ميراث الرجل والمرأة: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فهو نص خاص يتحدد بموجبه مقدار ما يأخذه الذكر ومقدار ما تأخذه الأنثى، ولا يستطيع أي شخص له مسكة من عقل ومعرفة بدلالة الكلام العربي أن يدعي خلاف هذا التحديد، فيعطي الأنثى الواحدة مثل ما يأخذه الذكر.

اتخاذ مراعاة الخلاف منهجا تطبيقيا:

ومما يدخل تحت المنهج الموضوعي المعتدل في التعامل مع خلافات الفقهاء ما اصطلح عليه بقاعدة أو نظرية مراعاة الخلاف؛ على أنه يتعين تنزيلها منهجا في واقع الحياة، وأن نخرج بها من عالم النظريات إلى عالم التطبيق:

وترجع أهمية "مراعاة الخلاف" إلى قدرة العقل الفقهي من خلاله على حل التعارض القائم وفك التقابل الحاصل بين الرأيين أو الآراء المختلفة عند قوة مأخذها جميعا؛ أو تكافؤ أدلتها؛ أو اقترابها من التكافؤ والتساوي، فقد عرّف الإمام الشاطبي مراعاة الخلاف بأنه: "إعطاء كل واحد منهما -أي من الدليلين المتعارضين- ما يقتضيه الآخر، أو بعض ما يقتضيه"([28]).

فأنت ترى في مراعاة الخلاف نزولا من الفقيه عن بعض متطلبات ومقتضيات رأيه إلى رأي المخالف أو بعض متطلبات ولوازم رأيه على الصحيح؛ وذلك عندما يرى في أدلة مخالفه قوة واحتمالا يثير عنده التردد. فتأمل حاجتنا إلى هذه القواعد وعظيم الفوائد المترتبة عن امتثالها؛ فإن تسعة أعشار العلم من باب الظنون.

ولأصل مراعاة الخلاف علاقة وطيدة بمبدأ الورع وقاعدة الاحتياط، وهو ما يؤيد القول بأن الخلاف الفقهي فرع من البحث عن الحقيقة بعيدا عن أي شائبة، وأنّى لمن كدرت مشاربه أن يدرك ما الورع أو يعرف للاحتياط سبيلا! ويوضح لنا الإمام القرافي وجها من وجوه العلاقة بين مراعاة الخلاف وقاعدة الورع فيقول: "ومنه -أي الورع- الخروج عن خلاف العلماء بحسب الإمكان، فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك"([29]).

ويقرر هذا المعنى أيضا الإمام الزركشي فيقول: ".. لأن المجتهد لما كان يجوز خلاف ما غلب على ظنه، ونظر في متمسك خصمه، فرأى له موقعا، راعاه على وجه لا يخل بما غلب على ظنه، وأكثره من باب الاحتياط والورع"([30]). وغني عن البيان أنه لا يعقل أن يراعى كل خلاف صدر أو يصدر بشأن مسألة ما، وإنما يراعى "الخلاف إذا كان قويا، ولا يراعى إذا كان شاذا"([31]).

كما أنه يشترط في هذه المراعاة ألا تؤدي إلى الخروج عن جميع أقوال أهل العلم، أو إلى صورة تخالف الإجماع.

- "لا أدري" أصل يفزع إليه:

ومن معالم هذا المنهج عدم الاستعجال في تقرير النتائج والأحكام، فما لم يكن المرء مطمئنا إلى ما اهتدى إليه؛ متقينا مما وصل إليه؛ فإنه لا يتبنى رأيا أو مذهبا، لما يترتب عن ذلك من نتائج علمية أو دينية.

 وقد يخيل للقارئ المستعجل أن التوقف في العقل الفقهي عجز وسكون يتعارض وطبيعة الفكر الاجتهادي الذي يشترط مؤهلات كافية للإجابة عن مشكلات الحياة وقضاياها، والحقيقة أن العقل الفقهي الواقف أو المتوقف إلى أن تتبدى الحقيقة أمامه واضحة ليس دونها حجاب؛ هو أشد ما يكون انسجاما مع ذاته وأقرب ما يكون التزاما بمقتضيات البحث وتمسكا بمتطلبات المعرفة ومناهجها في حالته هذه -حالة التوقف-؛ ذلك أن العجلة في ميدان البحث عن الحقيقة غير محمودة الغب ولا مأمونة العواقب، وكيف تستقيم دعوى لا يسندها برهان! وكيف يقوم استقراء على بعض جزئياته!.

ولا بد من التذكير هنا أن فقهاء الإسلام وهم "يتوقفون" في الجواب أو تقرير الحقائق كان يسندهم في ذلك خوف الله ورقابته من أن يتجنوا على الحقيقة العلمية أو يفتحوا بابا للتدين الخاطئ باعتبار الفقه فهما للدين على ما هو عليه لا كما يراد له أن يكون.

سئل الشعبي عن مسألة فقال: "هي زبَّاء هلباء ذات وبر[32] لا أحسنها، ولو ألقيت على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعضلت به، وإنما نحن في العنوق ولسنا في النوق، فقال له أصحابه: قد استحيينا لك مما رأينا منك، فقال: لكن الملائكة المقربين لم تستح حين قالت: {لا علم لنا إلا ما علمتنا}"[33].

وعن ابن عون قال: "كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني رفعت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به"[34].

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله جئتك من مسيرة ستة أشهر حملني أهل بلدي مسألة أسالك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن المسألة، فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء، فقال: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم قال مالك لا أحسن"[35].

نبذ التلفيق:

إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها فليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد إلى غيره، وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟ اختلفوا فيه والصحيح له ذلك، نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى.

أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له -وهو ما يُعرف بتتبع رخص المذاهب- فقد حذر من ذلك العلماء قاطبة لما قد يؤدي ذلك من الوقوع في الباطل والمحذور الشرعي.

قال الإمام أحمد بن حنبل: "لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقا"[36].

وقال ابن عبد السلام: "ينظر إلى الفعل الذي فعله فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم وإلا لم يأثم"[37].

وعن الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"[38]، وروي عنه أنه قال: "يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الحرب والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ"[39].

ولعله لأجل هذا الأمر وضع العلماء شروطا للانتقال من مذهب إلى آخر وهي كما في شرح تنقيح الفصول:

1- ألا يجمع بينها على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.

2- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رميا في عماية.

3- ألا يتبع رخص المذاهب([40])، ومما: ينقل عن الغزالي في هذا الصدد قوله: "إن تخير أطيب المذاهب وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهب كل ذي مذهب محال لأمرين:

أحدهما: أن ذلك قريب من التمييز والتشهي، فيتسع الخرق على فاعله وينسل عن معظم مضائق الشرع بآحاد التوسعات التي اتفقت أئمة الشرع في آحاد القواعد على ردّها، والآخر: أن اتباع الأفضل متحتم، وتخير المذاهب يجر لا محالة إلى اتباع الأفضل تارة والمفضول أخرى"([41]).

وأما تحول الشخص المقلّد لمذهب معين إلى مذهب آخر بالكلية فلا يوجد ما يمنع منه إلا أن يكون تحوله لغرض دنيوي من تولّ للقضاء أو الانتفاع من المال الموقوف على المذهب المنتقل إليه مثلا.

وقد يتعيّن عليه ذلك إن ترجح لديه بالدلائل أن مذهب غيره أولى بالأخذ لقوة أدلته ووضوحها مثلا. وفي تاريخ الفقه الإسلامي تحول كثير من الأعلام عن مذاهبهم إلى مذاهب أخرى، فتحول الإمام الطحاوي عن الشافعي إلى الحنفي، وانتقل ابن الشحنة الحنبلي من المذهب الحنفي إلى المالكي([42]). وغيرهما كثير.

- لزوم الثقة في مرجعية الترخيص:

الترخيص من الثقة أو التيسير بضوابطه وإن شئت قلت: التوسط المحمود بين الغلو المهلك والتساهل المفضي إلى الانحلال من ربقة التكاليف؛ هو إحدى الدعائم الأساسية التي تحلى بها المنصفون من الفقهاء والعلماء في تعاملهم مع المسائل والقضايا الخلافية.

وقد أكد هذا الوصف سيدنا عمر بن عبد العزيز فيما كتب إلى أحد عماله؛ فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف: "ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، إنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم"[43].

ولقد كان الحسن البصري رحمه الله وهو من سادات التابعين بإحسان يقول: "دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو"[44] وقال أيضا: "سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما بين الغالي والجافي"[45].

وقال مخلد بن الحسين: "ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه"3.

وعندما أوصي الخليفة العباسي الإمام مالكا رحمه الله أن يضع للناس كتابا ويوطئه لهم قال له: "اترك تشديد ابن عمر ورخص ابن عباس، وأّلف بعد ذلك ما شئت، فقال مالك: فخرجت من عنده فقيها"[46]. فانظر رحمك الله إلى قوله: "فحرجت من عنده فقيها" كيف جعل الفقه خاصا بالتوسط بين الشدائد والرخص،

ومما أثر عنه في النهي عن الغلو ما رواه ابن العربي بسنده إلى سفيان بن عيينة قال:  "سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة قال: وأي فتنة في هذا إنما هي أميال أزيدها، قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)"[47].

 وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد"[48]. فتأمل كيف اشترط في الرخصة أن تكون صادرة من ثقة حتى لا يكون الميل إلى مطلق التخفيف ويقابله في الطرف الآخر التشديد وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ويؤكد ابن القيم رحمه الله هذه المعاني بقوله: "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين،

فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا يتجاوزه الحد"[49] ويقول في موضع آخر "فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة"[50] ويشرح الاقتصاد وأنه يفترق عن التقصير كما قد يتوهم فيقول إن "الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان وهما ضدان له؛ تقصير ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين. والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنة قصد بين البدع ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه"[51].

لا يقلد المجتهد في زلته ولا ينتقص قدره بسببها:

ومن معالم المنهج الوسط في التعامل مع خلافات العلماء ألا يقلد المجتهد في رأيه الذي أخطا فيه ولا ينتقص قدره بسبب ذلك، وأنت إذا تأملت حال المسلمين اليوم رأيت للأخطاء طيرانا حثيثا، ورأيت من يغالي فيتصيد العثرات وينقب عنها؛ ليلمز صاحبها وينبذ، ويحذر منه بعد ذلك.

والمسلم مأمور باتباع الأحسن من القول، وهذا عدل في المعاملة؛ إذ إن تقليد المجتهد في زلته هو من قبيل الغلو في الرجال من جهة، كما أنه من قبيل التفريط والتقصير في جانب الحقيقة من جهة أخرى. غير أن هذا الاطراح لخطئه ينبغي ألا يفضي إلى انتقاصه أو إقصائه وإلا كان حيفا وظلما؛ ذلك أن الخطأ من طبائع البشر، كيف وقد جاء في الحديث أن الإثم موضوع عنه بل له على اجتهاده حظ من الأجر.

وانظر إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع رسالته رفع الملام: "..وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه.."[52].

وقد ذكر الشاطبي رحمه الله جملة من المفاسد في الترجيح بين المذاهب بالطعن في أصحابها وانتقاص قدرهم، منها:

_ أن الطعن في مساق الترجيح يبين العناد من أهل المذهب المطعون عليه، ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه؛ لأن الذي غض من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء بالتزام وإن كان مرجوحا؛ فإن الترجيح لم يحصل.

_ أن هذا الترجيح مُغرٍ بانتصاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا فبينا نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح؛ فإن النفوس مجبولة على الانتصار لأنفسها ومذاهبها وسائر ما يتعلق بها؛ فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من جانبه، فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه، فإنه تسبب في ذلك، كما في الحديث: "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". فهذا من ذلك. وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع؛ كقوله: {لا تقولوا راعنا} (البقرة:104) وقوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} (الأنعام: 108) الآية. وأشباه ذلك.

_ أن هذا العمل مورث للتدابر والتقاطع بين أرباب المذاهب. وربما نشأ الصغير منهم على ذلك، حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من خالفهم فيتفرقوا شيعا، وقد نهى الله تعالى عن ذلك وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام: 159) -وقد مر تقرير هذا المعنى من قبل-. فكل ما أدى إلى هذا ممنوع. فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع.

_ أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى التغالي والانحراف في المذاهب، زائدا إلى ما تقدم، فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة. قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل.. "[53]. وقديما قالوا: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

- التزام التوسط في الإفتاء:

الاجتهاد في صورة الفتوى، من أوسع ألوان الاجتهاد، ويحتاج فيه المفتي زيادة على الشروط المؤهلة للاجتهاد إلى معرفة بالواقع وعادات الناس في خطاباتهم وسلوكاتهم، وإلى رسوخ قدم في تنزيل الأحكام وتحقيقها في آحاد الوقائع والتصرفات بعد ذلك، وإذا كان عصرنا هذا قد شهد استباحة من غير المتحققين بصفات الإفتاء لميدان الفتوى؛ بما لم يعرفه عصر آخر من قبل في تاريخ الأمة؛ وهو ما أوقع في الغلو في أحيان كثيرة بدافع الحرص على الدين؛ وفي التفريط والتساهل بدافع التخفيف وسماحة الشريعة أحيانا أخرى؛

فإن الحاجة تبدو ماسة إلى "المفتي الوسطي" الذي يحمل الناس على الوسط، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يفتح لهم باب الانحلال والمروق: "لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة -وهو مشاهد- وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك"[54].    

وإذا كان منصب "الإفتاء" منصبا دينيا كما هو مقرر ومعلوم باعتبار المفتي نائبا عن الشارع الحكيم في تبليغ الأحكام وخليفة له بموجب الميثاق الذي أخذه الله على العلماء {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} فإن الدين نفسه يوجب ألا تكون الفتوى إلا عن علم ومعرفة وبصيرة؛ إذ إن ذلك ما تقتضيه الخلافة والنيابة، بحيث لا يقع الإخبار إلا مراعيا لمقصد الشارع فيه، وقد جاءت نصوص كثيرة في المنع من اتباع الهوى أو القول على الله ورسوله بغير علم. ولكن المتأمل في حال الأمة اليوم يرى استباحة الفتوى ممن لم يتأهل لها، حتى غدا الصبيان الذين لم يتعلقوا من العلم بطرف إذا رزقوا التدين ظنوه سببا كافيا فتجرؤوا على الفتيا، وربما غالى بعضهم فخطأ العلماء المبرزين في هذا الشأن، وليس يبعد في أيامنا هذه أن ترى أهل الصحافة أو التاريخ أو الاجتماع.. وغيرها من العلوم متجاسرين على الفتوى تحت حجج وأعذار واهية، وربما استند هؤلاء ومثلهم من المبتدئين في علوم الشريعة إلى كتاب أو أكثر من كتب الفقه ظنا منهم أن وجود المسألة في كتاب ما يجعلهم في حل مما يأتون، أما كون الكتاب معتمدا ومحررا والمسائل التي يحويها عليها الفتوى وأنه خال من السقط في النقل.. وأن صاحبه التزم فيه الراجح أو المشهور..أم لا، فذلك شأن آخر لا يدريه هؤلاء.

وقد سئل العلامة ابن حجر في شخص يقرأ أو يطالع في الكتب الفقهية بنفسه ولم يكن له شيخ يفتي ويعتمد على مطالعته في الكتب فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب بقوله: "لا يجوز له الإفتاء بوجه من الوجوه لأنه عامي جاهل لا يدري ما يقول، بل الذي يأخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يفتي من كتاب ولا من كتابين؛ بل قال النووي -رحمه الله-: ولا من عشرة؛ فإن العشرة والعشرين قد يعتمدون كلهم على مقالة ضعيفة في المذهب فلا يجوز تقليدهم فيها، بخلاف الماهر الذي أخذ العلم عن أهله وصارت له فيه ملكة نفسانية فإنه يميز الصحيح من غيره ويعلم المسائل وما يتعلق بها على الوجه المعتد به؛ فهذا هو الذي يفتي الناس ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله تعالى، وأما غيره فيلزمه إذا تسور هذه المنصب الشريف التعزير البليغ والزجر الشديد الزاجر ذلك لأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدي إلى مفاسد لا تحصى" [55]. وقد نص القرافي على حرمة الإفتاء من الكتب التي لم تشتهر، وكذلك حواشي الكتب لعدم صحتها والوثوق بها[56].

ومن مستلزمات التوسط في أهلية الإفتاء ألا يقع المفتي تحت ضغط الواقع وتأثيره -سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان- فينساق وراء دنياه رغبة أو رهبة، فتغدو مهمته تسويغ الأحكام والبحث عن المخارج والحيل، كما حكى الباجي -رحمه الله- عن بعض أهل زمانه: "أنه كان يقول: إن الذي عليَّ لصديقي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضر، قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى. قـال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز"[57].

ويلتحق بهذه الصفات المؤهلة لإفتاء لا شطط فيه ولا تفريط أيضا مراعاة أعراف الناس والتغيرات الطارئة على حياتهم؛ فلكل عصر مشكلاته، ولكل قوم طريقة ونمط في السلوك والخطاب. غير أن هاهنا قضية عمت بها البلوى في زمن "القرية الواحدة" رأيت التنبيه عليها، وهي ظهور الفتوى وشيوعها في القنوات الفضائية وفي شبكة "الإنترنت" فقد مضى الناس يسألون ويستفتون من كافة أقطار المعمورة ويأتيهم جواب واحد لجميعهم في القضية الواحدة وكثيرا ما تكون متصلة بالعرف أو المذهب السائد في البلد الذي ورد منه السؤال ولكن التسرع في الإفتاء[58] يجعل المفتي في غنى عن معرفة التفاصيل والسؤال عن عرف السائل!، وهو خطأ بيّن وتساهل مكشوف في أمر الدين، ومضيع لحقوق المسلمين، فليس بلازم إذا تسارع الزمن أن يتسرع المفتي فيحمل القاصي والداني على رأي واحد فيفرط أو يفرّط، بل الواجب التثبت في الفتوى والاستفادة من هذه الوسائل الحديثة حين يظهر للمفتي وجـه الحق ويهتدي إلى الصواب.

وبمقدار التزام المفتي للتوسط في فتياه تكون مرتبته ومنزلته في العلم قال الشاطبي -رحمه الله-: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة -فإنه قد مر- أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن مقصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين"[59].

إن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فذلك مبلغ علمي وأستغفر الله مما زل به القلم وساء فيه الفهم وعثر فيه الفكر.

 


الهوامش

[1] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، د.محمد فتحي الدريني:1/75.

[2] الفروق:1/177.

[3] الموافقات: 3/154.

[4] أعلام الموقعين:1/412.

[5] مجموعة الرسائل:2/131.

[6] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:2/393.

[7] مقدمة الشيخ رشيد رضا للمغني لابن قدامه على مختصر الخرقي، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، طبعة مصورة بالأوفست 1983 م: 1/12.

[8] يشهد لذلك ما لاقاه السيوطي وغيره من التشنيع، حتى اضطر أن يؤلف رسالته في "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" وانظر هذه الدعوى ومناقشتها في الفكر السامي: 2/ 452 فما بعدها.

[9] مقدمة ابن خلدون: ص355.

[10] شرح القواعد الفقهية: ص148.

[11]- جامع بيان العلم:2/59.

[12] -رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات باب ما تجوز به شهادة أهل الأهواء: 101/211. وانظر أيضا: إرشاد الفحـول للشوكاني: ص 453-454.

[13] الموافقات: 4/124.

[14] دراسات في الاختلافات العلمية: ص 111.

[15] المصدر السابق.

([16]) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية للخن: 44/45 والحديث أخرجه الشافعي في المسند والرسالة، والنسائي 8/56.

([17]) مسلم: 1/179 رقم الحديث 331، وانظر المسألة في أثر الاختلاف: ص 49.

([18]) جامع بيان العلم لابن عبد البر: 1/159.

([19]) قواعد في علوم الفقه، الكيرانوي: ص 343.

[20] جامع بيان العلم: 2/99.

([21]) مجموع الفتاوى: 14/431.

[22] العقل الفقهي معالم وضوابط: ص 62 ـ 83.

([23]) نقلية كانت أو عقلية ويفضل أن يبدأ بالقرآن ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس... وهكذا كل ذلك إن وُجد، عملا بسنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في النوازل.

([24]) يدعو بعض المتعالمين اليوم إلى القضاء على المذاهب وهي دعوى مسمومة فيها كثير من المغالطات للحقيقة، والسؤال: من أين ينطلق هؤلاء في فهم القرآن والسنة أو ماذا سيعتمدون من مناهج؟!

([25]) كالخلاف في خبر الواحد مثلا: انظر: نظرية التقريب والتغليب لأستاذنا أحمد الريسوني: ص 68 فما بعدها.

([26]) كأن يكون الدليل منسوخا، أو اعتمد على حديث لا يثبت... إلخ.

([27]) ر: إرشاد الفحول بتحقيق البدري: ص 145.

([28]) الموافقات: 4/109.

([29]) الفروق، القرافي: 4/210-211.

([30]) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي: 8/310.

([31]) المعيار: 12/37.

[32] زبَّاء: يقال للداهية الصعبة زباء ذات وبر: يعني أنها جمعت بين الشعر والوبر، أراد أنها مسألة مُشكلة، شبهها بالناقة النفور لصعوبتها.لسان العرب: باب زبب:1/428 طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة.ومعنى هلباء: أي كثيرة الشعر، ويقال: وقعنا في هلبة هلباء: أي في داهية دهياء؛ مثل هلبة الشتاء أي شدته. لسان العرب: باب هلب: 1/285-286.

[33] جامع بيان العلم: 2/64.

[34] المصدر السابق: 2/66.

[35] المصدر ذاته: 2/66-67.

[36] إرشاد الفحول: ص453-454.

[37] المصدر السابق: ص 454.

[38] ذاته.

[39] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الشهادات، باب ما تجوز به شهادة أهل الأهواء: 10/211..

([40]) شرح تنقيح الفحول، الشهاب القرافي: ص 432.

([41]) الخلاف الفقهي في المذهب المالكي: 154 نقلا عن العطار على المحلى: 2/442.

([42]) المصدر ذاته.

[43] رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم الجماعة:4/202 رقم 4612.

[44]تلبيس إبليس لابن الجوزي: ص33.

[45] رواه الدارمي في سننه، المقدمات، باب كراهية الفتيا:1/63 رقم 216.

[46] بهجة النفوس لابن أبي جمرة: 1/82

[47] " أحكام القرآن: 3/ 1412-1413.

[48] جامع بيان العلم:2/44.

 [49]مدارج السالكين: 2/517 الفوائد:ص 139-140.

[50] إغاثة اللهفان:1/131.

[51] " الروح:1/257.

[52] رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص 22 ـ 23.

[53] الموافقات: 4/194 ـ 195.

[54] - المصدر السابق: 4/189.

[55] - ابن عابدين، رسالة شرح عقود رسم المفتي من مجموعة الرسائل: 1/15-16.

[56] - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 122.

[57] - الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي: ص 192 عن حاشية كنون على الزرقاني: 7/290.

[58] - يـدل عليه أنك نادرا ما تسمع أحدهم يقول: لا أدري!.

[59] - المـوافقات: 4/188-189.

 


المصادر والمراجع

- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: د. مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، 1985م.

- أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، ت: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، لبنان، د.ت.

- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام الإمام شهاب الدين أبو العباس الصنهاجي القرافي (784ﻫ) تحقيق: أبو بكر عبد الرزاق، المكتب الثقافي للنشر والتوزيع القاهرة، الطبعة الأولى 1989م.

- الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي مصطلحاته وأسبابه: عبد العزيز بن صالح الخليفي المطبعة الأهلية، الدوحة قطر، ط 1993م.

- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي بن محمد الشوكاني دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1979م (ورجعت إلى طبعات أخرى أيضا طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بتحقيق أبي مصعب محمد سعيد البدري).

- إعلام الموقعين عن رب العالمين: تأليف ابن قيم الجوزية، حققه وعلق حواشيه محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1977م.

- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن قيم الجوزية، المكتبة الثقافية، بيروت، ط/1989م.

- البحر المحيط في أصول الفقه: الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي (794ﻫ) قام بتحريره د عمر سليمان الأشقر (دت).

- بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله: د. محمد فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى 1994م.

- بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها (شرح مختصر صحيح البخاري المسمى جمع النهاية في بدء الخير والغاية) لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي (699 هـ).

- تلبيس إبليس: الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، دار الكتاب المصري، طبعة مصورة عن طبعة الحلبي، د.ت.

- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله: الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، دار الفكر، د.ت.

- دراسات في الاختلافات العلمية حقيقتها نشأتها أسبابها المواقف المختلفة منها: الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط/الأولى، 1418هـ.

- رفع الملام عن الأئمة الأعلام: شيخ الإسلام ابن تيمية، شركة الشهاب، الجزائر، ط/1989م.

- الروح، ابن قيم الجوزية، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، د.ت.

- شرح القواعد الفقهية: تأليف الشيخ أحمد الزرقاء قدم له نجله مصطفى أحمد الزرقاء وعبد الفتاح أبو غدة، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1983م.

- شرح تنقيح الفصول في الأصول: شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي المالكي (684ﻫ)، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، مصر.

- الفروق (أنوار البروق في أنواء الفروق): شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي ومعه في الهامش تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية محمد علي بن حسين المالكي ومعه إدرار الشروق على أنواء الفروق للعلامة أبي القاسم قاسم بن عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط، عالم الكتب، بيروت (دت).

- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، طبعة 1396هـ.

- قواعد في علوم الفقه: الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي، دار الفكر العربي، بيروت، ط/الأولى 1989م.

- مجموع الفتاوى: شيخ الإسلام تأليف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مطبعة مكتبة المعارف، الرباط بإشراف المكتب التعليمي السعودي بالمغرب (د.ت).

- مجموعة رسائل ابن عابدين: السيد محمد أمين أفندي الشهير بابن عابدين، عالم الكتب (د.ت).

ـ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، ت:محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الثانية، 1972م.

ـ مقدمة الشيخ رشيد رضا للمغني لابن قدامه على مختصر الخرقي، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، طبعة مصورة بالأوفست 1983م.

- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب: تأليف أبي العباس أحمد بن يحيي الونشريسي (914ﻫ)، خرجه جماعة من العلماء بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية للملكة المغربية (1981م).

- مقدمة ابن خلدون: للعلامة عبد الرحمن بن خلدون دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1993م.

- الموافقات في أصول الشريعة: لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (790هـ) شرحه وخرجه أحاديثه الشيخ عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان (د.ت).


.

المصدر: وسطية أون لاين

 

مناهج الفقهاء في التعامل مع الخلاف الفقهي

 

الدكتور أبو أمامة نوار بن الشلي**

** أستاذ الفقه وأصوله، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر


لقد كتب الناس وأكثروا في الخلاف الفقهي: في مفهومه، وأنواعه، وفي الأسباب التي تدعو إليه، وفي مشروعيته، وآدابه... إلخ، غير أن تحقيق مواقف الفقهاء ومناهجهم في التعامل مع الخلاف؛ وبيان معالم المنهج الوسط على ضوء ذلك؛ أحسبه مما يحتاج إلى البيان والدرس، وليست تخفى فائدة موضوع الخلاف كما لا تخفى ثمرة التوسط وفائدته في خصوص هذا السياق، ومن ثم أجدني في غنى عن التطويل والتكرار.

ومناهج الفقهاء في تعاملهم مع الخلاف هي نتاج التأمل في مسيرة العقل الفقهي وتفاعله مع ذاته، وعليه فالمسار الزمني للدراسة لا يتقيد بفترة أو مرحلة بقدر ما يحاول استنباط الخصائص والمميزات التي شكلت أو تشكل بها العقل الفقهي والتي يجمعها رباط واحد يمكن أن نصطلح عليه -سواء تعلق الأمر بالفعل أو رد الفعل- بالمنهج الفقهي،

وهذه المناهج تتلخص في أنواع ثلاثة:

ـ منهج الرفض والرد لكل خلاف.

ـ منهج الإفراط في تقرير الخلاف.

ـ منهج الوسط والاعتدال في التعامل مع الخلاف.

وبيان هذه المناهج وإن كان قراءة تراثية إلا أننا نعتقد واقعيتها في عالمنا المعاصر -وإن كثر الحديث عن التقريب والحوار وثقافة التعايش- بسبب تعقد وتشابك عناصر المسألة الثقافية والتي يأتي في مقدمتها الإنسان ذاته بخباياه ونواياه وتكوينه. ومن ثم فهذه الدراسة دعوة للمراجعة وإن تبدت في قالب التحليل والاستقراء، ورؤية نستشرف بها مستقبلنا وإن كنا ننبش الماضي الذي لا نستطع الانفكاك عنه.

منهج الرفض والرد لكل خلاف:

وهذا المنهج هو حصيلة ممارسات الفقهاء، وعناصره ترجع إلى: الجمود على المنقول، والتعصب في الرأي، وأخيرا غلق باب الاجتهاد.

الجمود على المنقول:

والمقصود بالجمود على المنقول: "وقوف عند حد المنقولات عن الغير، يرددها الغير دون أن يستند في قول إلى دليل من عنده، بل هو مجرد محاكاة ودون اجتهاد"[1].

ويمكن حصر الأسباب الباعثة على "الجمود الفقهي" في الأوجه الآتية:

- الوقوف مع ظاهر اللفظ بإطلاق:

دون الالتفات إلى المعاني والحِكم المقصودة من النص، وهذا الوجه هو الغالب في استعماله؛ ولذلك ترى نعت الظاهرية بالجمود لما غالوا في الاحتكام للظاهر يتكرر كثيرا في كتابات الفقهاء. وفيه يقول القرافي رحمه الله: "...والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"[2]. وقد وضع الشاطبي رحمه الله قاعدة في هذا الباب حين قال: "العمل بالظواهر على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشارع، وإهمالها إسراف أيضا"[3].

ويدخل تحت هذا المعنى عدم مراعاة الظروف والأحوال ووقائع الصور في تنزيل الحكم الشرعي، وإجراء الحكم في ذلك كله على إطلاقه؛ فإنه جمود موقع في المفسدة مفض إلى تحريف المراد من النص؛ قال ابن القيم رحمه الله في معرض التمثيل لما اعتبر فيه العرف: "..ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير..."[4].

ونص ابن عابدين رحمه الله على أن: "المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله وإلا يضيع حقوقا كثيرة ويكون ضرره أعظم من نفعه"[5].

-                   آصار الشرح على المتون:

انشغل الفقهاء في العصور التي تلت القرن الرابع بالتفقه على مذهب معين، من المذاهب التي تقررت وانتشرت في الأقاليم الإسلامية، تأصيلا وتفريعا، ومع ظهور المختصرات وما أعقبها بعد ذلك من الشروح والحواشي التي رامت حل المقفل منها؛ جمد كثير من الفقهاء على أقوال الرجال وحصروا أنفسهم في التخريج والتفريع والترجيح، وأخذ الاهتمام بالمبنى حيزا كبيرا من التفكير والجهد، يقول الحجوي رحمه الله متحدثا عن هذه الحال "فترك الناس النظر في الكتاب والسنة والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز التي لا غاية لها ولا نهاية، فضاعت أيام الفقهاء في الشروح، ثم في التحشيات والمباحث اللفظية،... وأحاطت بعقولنا قيود فوق قيود، وآصار فوق آصار؛ فالقيود الأولى التقيد بالمذاهب وما جعلوا لها من القواعد، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول، الثانية أطواق التآليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح، واختصروا في الشروح، فأصبحت هي أيضا محتاجة لشروح وهي الحواشي، وهذا هو الإصر الذي لا انفكاك له..."[6].

التعصب المذهبي:

التعصب المذهبي قرين الجمود ورديفه، ذلك أن المتعصب لمذهب إمامه واقف معه لا يتجاوزه إلى غيره، وقد لا يكون الصواب مع إمامه؛ إذ العصمة عن الخطأ في الاجتهاد ليست مضمونة لأحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم أو مجموع الأمة، ومعلوم أن الإمام الواحد أو المذهب بخلاف ذلك.

وعادة ما يصاحب التعصب حجر على العقول والأفكار فتجمد وتأسن كما يأسن الماء الراكد، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "المتعصبون للمذاهب أبوا أن يكون الخلاف رحمة، وتشدد كل منهم في تحتيم تقليد مذهبه، وحرم على المنتمين إليه أن يقلدوا غيره، ولو لحاجة فيها مصلحتهم، وكان من طعن بعضهم في بعض ما هو معروف في كتب التاريخ وغيرها، حتى صار بعض المسلمين إذا وجد في بلد يتعصب أهله لمذهب غير مذهبه، ينظرون إليه نظرتهم إلى البعير الأجرب بينهم"[7].

غلق باب الاجتهاد:

غلق باب الاجتهاد دعوى رددها كثير من الفقهاء[8]، وإن اختلفوا في التاريخ الذي وقع فيه ذلك، والذي عليه أكثر هؤلاء أن ذلك تم بعد القرن الرابع، بحجة أنه لا يوجد من يصلح لهذا المنصب، يقول ابن خلدون عن هذه الحال: "ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء... لا محصول اليوم للفقه إلا هذا، ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور تقليده.."[9]، ولهذا علق الشيخ الزرقا على قاعدة لا مساغ للاجتهاد في مورد النص بأنه لا فائدة من وضعها "لأن باب الاجتهاد مسدود الآن في وجه من يتصدى لدخوله مطلقا، سواء كان في مورد نص لا يسوغ الاجتهاد فيه أو لا"[10].

وبدهي أنه مع غلق باب التفكير المنضبط لا يبقى سوى التقليد والاتباع، وتغدو المخالفة في الرأي وقاحة تستحق الزجر وجريمة تستدعي العقاب!.

منهج الإفراط في تقرير الخلاف

وهذا المنهج لا تراه منصوصا في كتب التراث ولكنه حصيلة عناصر نراها تتلخص في: إيراد الشاذ من الأقوال، وقبول كل خلاف ولو كان صادرا من غير أهله، وإيراد الخلاف وتقريره رغم ارتفاعه، ثم اعتبار كل مجتهد مصيبا.

إيراد الشاذ من الأقوال:

إذا كان مقررا فقها أن الإمامة في العلم لا تجتمع والأخذ بالشاذ من العلم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إماما في العلم من روى عن كل أحد، ولا يكون إماما في العلم من روى كل ما سمع"[11]، وإذا كان مقررا أيضا أن الأخذ بالشاذ من الآراء يخشى معه ذهاب الدين، والوقوع في المفاسد والشرور؛

 كما قد بين ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق للخليفة العباسي فيما رواه البيهقي عنه أنه قـال: "دخلت على المعتضد فرفع إليَّ كتابا لأنظر فيه، وقد جمع الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، ثم قـال: لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب"[12].

فإنه لا مناص من طرح الآراء الشاذة، والرغبة عن إيرادها وتدريسها وشغل العقول بها؛ لأنه ينبغي ألا يؤخذ بها ولا يصح اعتمادها لأن حقيقتها زلل ومخالفة للشرع، وقد قرر الإمام الشاطبي هذا المعنى ثم بنى عليه أنه "لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشّرع كأقوال غير المجتهد.."[13].

وقد تحدث الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني عن هذا المنهج وما استحدثه أتباعه في هذا العصر فرآه يتمثل في: "تجميع الزلات العلمية، والأقوال الضعيفة الواردة في المذاهب المختلفة..

فيذهب بعضهم إلى الكتب الفقهية المتأخرة ويستخرج منها ما يراه لامزا في هذا الإمام، أو مضعفا من علمه وفهمه، فيعرضه في المجالس، ويسلط عليه الأضواء في تآليفه، عسى أن يزعزع بذلك ثقة الناس بمذاهبهم، أو يصرفهم عنها إلى رأيه وقوله.."[14] ثم علق على هذا الاتجاه الفاسد بقوله: "ولا شك أن هذه الأعمال بغيضة مذمومة لا يقرها شرع ولا عقل؛ فالأئمة العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وقد يضعف استدلالهم في بعض المواطن، ولم يدّع أحد منهم العصمة لنفسه، وحسبهم أنهم مأجورون على اجتهاداتهم كيف كانت... فلا يبحث عن زلاتهم إلا حاقد حسود، أو عدو لدود، يهدف إلى هدم هذا الكيان العظيم في النفوس، وزعزعة الثقة في الفقه والفقهاء.."[15].

- قبول كل خلاف ولو كان صادرا من غير أهله:

قد يخالف في الرأي من لم يحصل أهلية الاجتهاد أو ما يصطلح عليه بأهلية الاعتداد بالخلاف، وحينئذ يغدو قبول رأيه نوعا من الإفراط والغلو؛ إذ إن كل خلاف لم تتحقق فيه تلك الشروط والضوابط التي اتفق عليها أساطين الفقهاء للاعتداد بالرأي في الصنعة الفقهية ينبغي ألا يقبل في ميزان العلم؛ بل حقه أن يطرح ويرمى، وإلا فإن قبوله أو إيراده في مقام النظر والاحتجاج ولو لنقضه يعد فيما نرى من قبيل الإفراط في التعامل مع اختلافات الفقهاء.

ومن الأمثلة التي تذكر في هذا الباب: القول بإعطاء المرأة نصيبها من الميراث مثلما يعطى الرجل بحجة أن الإسلام يسوي بينهما في الأحكام، والقول بجواز الفوائد البنكية بحجة الضرورة المزعومة، والقول بتحريم كثير من المعاملات والآلات المستجدة؛ كل ذلك من قبل أناس غير متخصصين ولا عارفين بأدوات الاستنباط ولم يتحققوا بشروط الإفتاء والتخريج، بل عادة ما تصدر مثل هذه الأحكام من رجال الإعلام والصحافة والاقتصاد والاجتماع... إلخ. ومثلهم المناضلون في الأحزاب والجمعيات وحقوق المرأة.. وقد يكون الواحد منهم لا يحسن قراءة النص العربي بالمرة؛ ولكنها الجرأة على الدين والتقول على الله بغير علم.

وربما عمد بعض المفتين والعلماء إلى مناقشة هذه الترهات من باب دفع الشبه وبيان الأحكام لئلا يلبَّس على الناس دينهم، فيظن بعض الناس مع تطاول الزمن وقدم العهد أن المسألة المعروضة للبحث محل خلاف؛ خصوصا إذا لم يقع التنبيه على القائل. والحقيقة أن غير الفقهاء مهما بلغوا في العلم فلا يعتد بخلافهم ولا بوفاقهم لأنهم كالعوام بالنسبة للفقه والخلاف، ومن ثم كان قبول دعاواهم وتخرصاتهم واعتبارها من جملة الأقوال في المسألة إفراطا بينا لا يحتاج إلى الاستدلال عليه، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه فقال لما لا يعلم: لا أعلم.

- إيراد الخلاف وتقريره رغم ارتفاعه:

ومن الإفراط في منهجية التعامل مع خلافات العلماء أن يورد الخلاف وتظل المصنفات والمدونات الموضوعة تنقله جيلا بعد جيل دونما تحقيق أو تثبت في استمراره! فإذا اختلف العلماء أو اختلفت المسألة على قولين أو أكثر فإن هذا الخلاف قد يستمر وتتداوله العلماء، وقد يرجع بعض المخالفين عن رأيه ويفيء إلى الرأي الآخر؛ فتصير المسألة حينئذ محل اتفاق وتنتفي عنها صفة الخلاف، وقد يجمع على أحد الأقوال فيها العلماء المتأخرون فتنقلب من مسائل الخلاف إلى مسائل الإجماع.

ذلك أن الخلاف بالنسبة لأسبابه الداعية إليه، إما أن يكون خلافا أصيلا لا يزول لأن أسبابه التي نجم عنها أسباب ذاتية قوية لا تتغير، أو يكون خلافا عارضا موقوتا يزول بزوال الظرف أو المصلحة أو السبب الذي كان وراء نشوئه، ومن ثم يصح القول إن المسألة ما عادت خلافية، وأن الخلاف فيها قد ارتفع وزال.

ومعرفة الأسباب الذاتية الأصيلة من الموقوتة العارضة، هو ما يمكن إدراكه عن طريق علم أسباب اختلاف الفقهاء، ومباحث التعارض والترجيح، ومناهج المجتهدين في التوفيق بين المتقابل من مسائل الفقه.

ومثل هذا: أن سيدنا عمر رضي الله عنه لم يكن لديه علم بما ورد في دية الأصابع، فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى بلغه سنة في ذلك فعدل عن رأيه، فعن سعيد بن المسيب أنه قال: قضى عمر في الإبهام بخمسة عشرة، وفي التي تليها بعشرة، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم يذكرون فيه أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: في كل إصبع عشر من الإبل([16]).

وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يأمر النساء إذا اغتسلن من حيض نفاس أو جنابة أن ينقضن رؤوسهن حتى يصل الماء إلى أصوله، ولم يكن قد بلغه من السنة في ذلك؛ روى مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: "بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات"([17]).

وكان زيد بن ثابت يفتي بأن لا تصدر المرأة قبل طواف الوداع لما سمعه من النهي أن يصدر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت- والصدر: رجوع المسافر من مقصده- وكانت الحائض عنده من الحاج الداخلين في ذلك النهي، ولقد أخبره ابن عباس بوجود سنة تستثني الحائض، فرجع عما كان يقول([18]).

فليس يليق أن يعتمد رأي سيدنا عمر في الدية ولا رأي سيدنا عبد الله بن عمرو في نقض المرأة شعرها ولا رأي سيدنا زيد في صدر الحائض قبل طواف الوداع قبل أن يبلغهم الدليل، ويقال في كل ذلك إن المسألة خلافية، لأن الخلاف قد ارتفع وزال لمّا بلغهم الدليل ورجعوا عن رأيهم الأول.

- اعتبار كل مجتهد مصيبا:

ومن الإفراط البين في التعامل مع خلافات العلماء اعتبار اجتهاداتهم جميعا صوابا، وهي المسألة الشهيرة في علم الأصول بتصويب المجتهدين. ولن أطيل في إيراد ما قيل فيها، فالعصمة إنما هي للأنبياء عليهم السلام أو لمجموع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

روى ابن أبي العوام الحافظ عن الطحاوي عن سليمان بن شعيب الكيساني عن أبيه قال: أملى علينا محمد بن الحسن وقال: "إذا اختلف الناس في مسألة فحرم فقيه وأحل آخر، وكلاهما يسعه أن يجتهد رأيه؛ فالصواب عند الله عز وجل واحد، حلال أو حرام، ولا يكون عنده حلال وحرام وهو شيء واحد، ولكن الصواب عنده عز وجل واحد، وقد كُلف من في وسعه اجتهادُ الرأي أن يجتهد رأيه حتى يصيب الحق الذي عنده في رأيه، فإن أصاب الحق الذي هو عند الله عز وجل في رأيه واجتهاده كان قد أصاب ما كلف به وأداه، وإن كان قد أصاب ما كلف به من اجتهاده في رأيه ولم يصب الحق عند الله عز وجل بعينه فقد أدى ما كلف به، وكان مأجورا، فأما أن يقول قائل: قد أحل فقيه وحرم فقيه في فرج واحد وكلاهما صواب عند الله عز وجل؛ فهذا لا ينبغي أن يتكلم به، ولكن الصواب عند الله عز وجل واحد، وقد أدى القوم ما كلفوا به حين اجتهدوا وقالوا باجتهادهم ووسعهم الذي فعلوا وإن كان أحدهما قد أخطأ الذي كان ينبغي أن يقول به إلا أنه قد اجتهد؛ فقد أدى ما كلف به، لكن الصواب عند الله عز وجل في الأشياء واحد"([19]).

إن هذا النص من الفقيه الكبير الإمام محمد بن الحسن الشيباني يغنينا عن إيراد المسألة وما طال فيه من جدل في كتب الأصول: هل المصيب واحد أم يتعدد؟ فالتكليف متوجه إلى الاجتهاد أي بذل الوسع والطاقة في التعرف على حكم الله في النازلة ولا يتوجه رأسا إلى الإصابة فيه.

قال ابن عبد البر رحمه الله في هذا المعنى: "..وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها؛ وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يتبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يريبك) هذا حال من لا يمعن النظر. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله: لا أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه"[20].

 فالاختلاف هو نتيجة للاجتهاد؛ وهو عمل بشري يعتريه الخطأ كما يعتريه الصواب، ولأنا لا ندري أصادف ما عند الله أم لا؛ لأنّ ذلك ليس في مقدور أحد من البشر، ولأن الحديث ورد بتجويز الخطأ على الحاكم في اجتهاده، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميه فقال: "القدر الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لا بد أن يكون أحدهما أحسن عند الله، فإن هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة، على أن المصيب عند الله واحد في جميع المسائل، فذاك الصواب هو أحسن عند الله، وإن كان أحدهما يقر الآخر. فالإقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا مرجوحا، وإنما يمنع أن يكون محرما"([21]).

معالم المنهج الوسط في التعامل مع الخلاف

ومعالم المنهج الموضوعي الوسطي في التعامل مع الخلاف الفقهي هي ما يمكن تحديده بمفاصلة المنهجين السابقين -تحقيقا للقصد بين الغلو والجفاء- وبتحقيق مؤهلات الاعتداد بالخلاف وصفات الاعتدال في مناقشة الرأي المغاير، وتحديد مساحة الاختلاف، واتخاذ مراعاة الخلاف منهجا تطبيقيا، والفزع إلى "لا أدري" عند الجهل بالحكم، ونبذ التلفيق، ولزوم الثقة في مرجعية الترخيص، والعدل في معاملة المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده بألا يقلد في خطئه ولا ينتقص قدره بسببه، والتزام التوسط في الإفتاء. وبيان ذلك مختصرا كالآتي:

أما مفاصلة المنهجين السابقين فلا حاجة بنا إلى إعادة ما قيل، وإنما يتحقق ذلك بالضدية ونفي ما ظهر أنه من لوازمهما، وكل ذلك ينبغي أن يكون على بال في هذه المعالم، وأما ما اختص به هذا المنهج فهو:

ـ مؤهلات الاعتداد بالخلاف:

وقد أتينا على بيانها في كتابنا العقل الفقهي معالم وضوابط وبينا هناك معقوليتها واتساقها مع منطق التفكير الصحيح الذي تواضع عليه العلماء؛ بما يقضي بكون ما يقابلها إفراطا أو تفريطا، وهذه المؤهلات كما جاءت في المحل المذكور هي:

لا اعتداد بما خالف مقطوعا به، لا اعتداد بخلاف أهل الأهواء، لا اعتداد بخلاف سببه عارض، لا اعتداد بخلاف رجع فيه المخالف عن رأيه، لا اعتداد بخلاف صدر عن خفاء الدليل وعدم مصادفته، لا اعتداد بخلاف أمكن فيه الجمع بين المتعارضين، لا اعتداد بالخلاف إذا كان لفظيا، لا اعتداد بالخلاف إذا كان راجعا إلى تغير الزمان والعوائد، لا اعتداد بخلاف لا يتوارد القولان المختلفان فيه على محل واحد، لا اعتداد بخلاف غير الفقهاء، أما خلاف الواحد للجماعة وخلاف الفاسق والخلافات الصادرة عن طبقة المخرجين في المذاهب فقد وقع الاختلاف في مدى الاعتداد بها[22].

ـ الموضوعية في دراسة المسائل الخلافية:

وإذا كانت المسائل الخلافية في المصنفات القديمة تعرض جملة واحدة دون اعتماد منهج محدد، فإن الدارسين المحدثين قد تعارفوا منهجا في الباب يمكن عرضه في الخطوات الآتية:

أ- تقرير المسألة وتصويرها:

وذلك ببيان وتحديد المسألة المعروضة للنقاش والبحث، ووضعها في إطار مناسب ودقيق، حتى يتسنى الحكم عليها بعد ذلك؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ويستحسن في تصوير المسألة التضييق في الإطار العام لها ما أمكن ذلك، وهو ما يتأتى بعد قراءة أولية في جمع مادة الموضوع.

ويقوم الباحث عادة بوضع مدخل مختصر يعين على تحديد المسألة وتيسير فهمها بأن يذكر المسألة المختلف فيها، ويُتبع ذلك بذكر المذاهب والآراء فيها جملة دون تفصيل، كأن يذكر من قال فيها بالجواز ممن رأى فيها الحظر ومن توسط فيها من الفقهاء مثلا.

ب- أدلة المسألة([23]):

ويعمد الباحث بعد الفراغ من تصوير المسألة، إلى ذكر أدلتها، ويستحسن أن يُفرد لكل رأي أو فريق ما وقف عليه من أدلة، وهي خطوة أولى يظهر بها مواضع القوة والضعف في الرأي المذهوب إليه.

والداعي إلى عرض أدلة الأطراف المتنازعة، قاعدة كبيرة في التفكير الإسلامي هي ما يعبر عنها بقولهم: "إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل"، فلولا الدليل لقال من شاء ما يريد ولادعى أقوام ما ليس لهم، ولذلك كان من القواعد التي أرساها علماء الأمة أن لا يُنظر إلى مَن قال ولا إلى مرتبته بل النظر يكون إلى دليل المسألة، فمن رجح دليله وظهر عمل بقوله ورأيه وانتصر، ذلك أن أهواء النفوس لا تنتهي ولكن الدليل يردعها ويحدها وقد جاء الشرع بحسم مادة الهوى وطلب تحكيم العقل والنظر السليم ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وأرشد إلى طلب العلم من أهله ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

ﺟ- بيان سبب الخلاف:

أو منشأ الخلاف، ومعناه ذكر السبب أو الأصل الذي تفرع عنه الخلاف؛ فكل مسألة خلافية لها سبب اقتضى الخلاف فيها، وهو ما يؤكد شرعية هذا الخلاف وأنه لم يكن في يوم ما وليد هوى، أو عبثا فكريا، أو فلسفة تجريدية لا ثمرة من ورائها.

وإن من فوائد معرفة الأسباب الداعية إلى الاختلاف، أن يعلم من يدعو إلى القضاء على المذهبية أنه يفتح الباب أمام الأدعياء والمتطفلين أن يقولوا في هذه الشريعة بآرائهم وأهوائهم؛ ذلك أن الوقوف على هذه الأسباب يثبت في النفس أن المذاهب الفقهية المعمول بها إنما انبثقت عن أصول وفهوم صحيحة كثير منها يعود إلى طبيعة النص ذاتها([24]).

د- تحرير محل النزاع:

ومعناه: الوقوف على الموضع والموطن المختلف فيه؛ فقد تكون المسألة ذات ذيول وتشعبات وفروع؛ ويكون كثير من ذلك متفقا عليه، وإنما ينفرد فرع أو أكثر بالخلاف، أو جزئي من كلي، فإذا لم يحرر المحل الذي تتوزع فيه ويبيّن بدقة، أدى ذلك إلى مخالفة الحقيقة من جهة عند التمحيص والنظر، كما يؤدي إلى ضياع الأوقات في أمر لا طائل تحته.

ويحتاج تحرير محل النزاع إلى النظر في السياق والقرائن إذا كانت المسألة من باب ما ورد فيه نص، وإلى تحقيق المناط وتحديد الزمان والمكان والصفات... إن لم تكن المسألة منصوصة.

ومن شأن تحرير المحل المتنازع فيه أن يضيق من شقة الخلاف([25]) أو يرفعه بالكلية، مما يعين على الوصول إلى نتائج صادقة مع اختصار للزمن.

ﻫ- المناقشة والموازنة:

وتكون بالنظر في أدلة كل فريق ومأخذه قوة وضعفا([26])، وأهم ما تعتمد عليه مناقشة الأدلة: معرفة وجه الاستدلال: أي كيف استُدل بالدليل؛ فقد يُورد الدليل مثلا ويكون عاما والمسألة- محل البحث- خاصة مستثناة من هذا العموم، كمن يستدل مثلا على أن بيع التمر الرطب بالتمر اليابس الجاف حرام لما فيه من الربا، فيقول المخالف: هذه عرّية وهي رخصة مستثناة من عموم هذا النهي، وقد يُورد الدليل ويستفاد الحكم منه بالمفهوم، ويأتي دليل آخر في المسألة ناطق بالحكم فيقدم عليه، لأن الناطق مقدم على الساكت أو المنطوق مقدم على المفهوم.

ويستثمر الباحث في المناقشة: الردود والاعتراضات: التي يوردها كل مخالف على الآخر؛ إذ تعتبر بمثابة أدلة منه ومرجحات عند التعارض، لأنها احتمالات ناشئة عن دليل، والدليل إذا تطرق إليه مثل هذه الاحتمال يبطل ويسقط.

و- الترجيح:

وهو ما يخلص إليه الباحث الموضوعي بعد استفراغ طاقته في المناقشة والنظر في الأدلة من نتيجة، وهو عمل منهجي أيضا مقيد بقواعد وضوابط تعرف "بقواعد الترجيح" عادة ما تبحث في آخر كتب أصول الفقه، فلا ترجيح إلا بمرجّح، وإلا كان تشهيا وميلا إلى رأي لا مسوغ له.

وقد تتكافأ الأدلة عند الباحث، فيتوقف في الترجيح إلى حين العثور على ما يرجح به رأيا على آخر.

وقد تتبدى له عند المناقشة وجهة نظر معينة تقتضيها المصلحة الظرفية مثلا فيخرج برأي جديد إذا كانت المسألة مبنية على مصلحة أو علة متغيرة.

ويتوخى الباحث في كل عمله الدقة والحذر والحرص، كي يكون فهمه أقرب ما يكون لقصد الشارع الحكيم، وغني عن القول أنه عمل يتطلب مؤهلات وقدرات محددة ومعلومة في كتاب الاجتهاد من علم أصول الفقه، كما يحرص على تحقيق الأقوال والتأكد من نسبتها إلى أصحابها فلا يأخذ مذهب المالكية مثلا من كتب الأحناف أو الشافعية من مصادر الحنابلة وهكذا.

- تحديد مساحة الاختلاف:

من أهم ما يميز المنهج المعتدل في التعامل مع خلافات الفقهاء تحديد مساحة الخلاف؛ فليست كل مسائل الشريعة عرضة للخلاف، بل فيها ما هو قطعي لا يدخله الخلاف أصلا، وفيها كليات الشريعة التي تضافرت على معناها النصوص واتفقت عليها الأمة قاطبة، وفيها الجزئيات المنصوصة التي لا يتعدد الفهم فيها لورودها في أقصى درجات الوضوح وهي التي يقول فيها الفقهاء: لا اجتهاد مع النص أو لا اجتهاد في مورد النص، وأما ما كان بخلاف ذلك كله فهو ما يدخله الخلاف.

وعلى صعيد العمل والتطبيق لا يصح الإنكار على المخالف إلا في الدائرة الثانية أعني ما كانت عرضة للاجتهاد والنظر، كما أنه لا يقال في الدائرة الأولى إن مذهب فلان كذا، فإن السمع يأنف ممن يقول مذهب مالك أن صلاة الصبح ركعتان أو أنه يجب على المسلم خمس صلوات في اليوم وأمثال ذلك....

ومما ينبغي التنبه له والتفقه فيه دعوى إفادة بعض المسائل القطع بينما نجد الخلاف حاصلا فيها، ككون الإجماع الصريح حجة قطعية بحيث يكفر مخالفه أو يبدع أو يضلل وهو الرأي المشهور في علم الأصول كما قال الأصفهاني، بينما ذهب الرازي والآمدي إلى أنه لا يفيد إلا الظن([27]).

كما أنه من الضروري جدا في هذا الباب التفريق بين كون الدليل لا يفيد إلا الظن وكون العمل به واجبا- (كخبر الواحد مثلا أو القياس)- فإنه لا تنافي في ذلك؛ لأن الله تعبدنا بذلك، وقد قالوا: تسعة أعشار العلم من باب الظنون.

وكليات الشريعة أيضا لا يدخلها الخلاف لأنها لم تعتبر كذلك إلا بعد أن تضافرت على معناها النصوص، وذلك من مثل كون الحرج مرفوعا، وأن التكليف بما لا يطاق ممتنع، وأن الضرر يزال، وأن أحكام الأعمال بالنيات والمقاصد، وأن الشريعة مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، فكل ذلك لا يخالف فيه أحد من فقهاء الإسلام.

ومن المواضع التي تتحدد بها مساحة الخلاف فتضيق شقته بناء على ذلك، الجزئيات أو الأحكام المنصوصة أو ذات المعنى الخاص، الواضحة في دلالتها على المعنى المراد بحيث لا يتمارى فيه اثنان؛ لورودها بصيغة النص أو الخاص.

ومن أمثلة النصوص الخاصة التي لا يجوز فيها الخلاف:

حرمة الفوائد الربوية: من مثل 2%، و5%، و8%... وما شابه ذلك فإنها زيادات ولو ظنها بعض الناس قليلة؛ فالقليل والكثير كله مناف لقوله تعالى القاطع في التحريم والذي لا يفهم إلا فهما واحدا لا يتعدد لوضوحه وقطعيته في معناه: ﴿فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.

ومن الأمثلة أيضا في هذا الباب قوله تعالى في بيان نصيب ميراث الرجل والمرأة: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فهو نص خاص يتحدد بموجبه مقدار ما يأخذه الذكر ومقدار ما تأخذه الأنثى، ولا يستطيع أي شخص له مسكة من عقل ومعرفة بدلالة الكلام العربي أن يدعي خلاف هذا التحديد، فيعطي الأنثى الواحدة مثل ما يأخذه الذكر.

اتخاذ مراعاة الخلاف منهجا تطبيقيا:

ومما يدخل تحت المنهج الموضوعي المعتدل في التعامل مع خلافات الفقهاء ما اصطلح عليه بقاعدة أو نظرية مراعاة الخلاف؛ على أنه يتعين تنزيلها منهجا في واقع الحياة، وأن نخرج بها من عالم النظريات إلى عالم التطبيق:

وترجع أهمية "مراعاة الخلاف" إلى قدرة العقل الفقهي من خلاله على حل التعارض القائم وفك التقابل الحاصل بين الرأيين أو الآراء المختلفة عند قوة مأخذها جميعا؛ أو تكافؤ أدلتها؛ أو اقترابها من التكافؤ والتساوي، فقد عرّف الإمام الشاطبي مراعاة الخلاف بأنه: "إعطاء كل واحد منهما -أي من الدليلين المتعارضين- ما يقتضيه الآخر، أو بعض ما يقتضيه"([28]).

فأنت ترى في مراعاة الخلاف نزولا من الفقيه عن بعض متطلبات ومقتضيات رأيه إلى رأي المخالف أو بعض متطلبات ولوازم رأيه على الصحيح؛ وذلك عندما يرى في أدلة مخالفه قوة واحتمالا يثير عنده التردد. فتأمل حاجتنا إلى هذه القواعد وعظيم الفوائد المترتبة عن امتثالها؛ فإن تسعة أعشار العلم من باب الظنون.

ولأصل مراعاة الخلاف علاقة وطيدة بمبدأ الورع وقاعدة الاحتياط، وهو ما يؤيد القول بأن الخلاف الفقهي فرع من البحث عن الحقيقة بعيدا عن أي شائبة، وأنّى لمن كدرت مشاربه أن يدرك ما الورع أو يعرف للاحتياط سبيلا! ويوضح لنا الإمام القرافي وجها من وجوه العلاقة بين مراعاة الخلاف وقاعدة الورع فيقول: "ومنه -أي الورع- الخروج عن خلاف العلماء بحسب الإمكان، فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك"([29]).

ويقرر هذا المعنى أيضا الإمام الزركشي فيقول: ".. لأن المجتهد لما كان يجوز خلاف ما غلب على ظنه، ونظر في متمسك خصمه، فرأى له موقعا، راعاه على وجه لا يخل بما غلب على ظنه، وأكثره من باب الاحتياط والورع"([30]). وغني عن البيان أنه لا يعقل أن يراعى كل خلاف صدر أو يصدر بشأن مسألة ما، وإنما يراعى "الخلاف إذا كان قويا، ولا يراعى إذا كان شاذا"([31]).

كما أنه يشترط في هذه المراعاة ألا تؤدي إلى الخروج عن جميع أقوال أهل العلم، أو إلى صورة تخالف الإجماع.

- "لا أدري" أصل يفزع إليه:

ومن معالم هذا المنهج عدم الاستعجال في تقرير النتائج والأحكام، فما لم يكن المرء مطمئنا إلى ما اهتدى إليه؛ متقينا مما وصل إليه؛ فإنه لا يتبنى رأيا أو مذهبا، لما يترتب عن ذلك من نتائج علمية أو دينية.

 وقد يخيل للقارئ المستعجل أن التوقف في العقل الفقهي عجز وسكون يتعارض وطبيعة الفكر الاجتهادي الذي يشترط مؤهلات كافية للإجابة عن مشكلات الحياة وقضاياها، والحقيقة أن العقل الفقهي الواقف أو المتوقف إلى أن تتبدى الحقيقة أمامه واضحة ليس دونها حجاب؛ هو أشد ما يكون انسجاما مع ذاته وأقرب ما يكون التزاما بمقتضيات البحث وتمسكا بمتطلبات المعرفة ومناهجها في حالته هذه -حالة التوقف-؛ ذلك أن العجلة في ميدان البحث عن الحقيقة غير محمودة الغب ولا مأمونة العواقب، وكيف تستقيم دعوى لا يسندها برهان! وكيف يقوم استقراء على بعض جزئياته!.

ولا بد من التذكير هنا أن فقهاء الإسلام وهم "يتوقفون" في الجواب أو تقرير الحقائق كان يسندهم في ذلك خوف الله ورقابته من أن يتجنوا على الحقيقة العلمية أو يفتحوا بابا للتدين الخاطئ باعتبار الفقه فهما للدين على ما هو عليه لا كما يراد له أن يكون.

سئل الشعبي عن مسألة فقال: "هي زبَّاء هلباء ذات وبر[32] لا أحسنها، ولو ألقيت على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعضلت به، وإنما نحن في العنوق ولسنا في النوق، فقال له أصحابه: قد استحيينا لك مما رأينا منك، فقال: لكن الملائكة المقربين لم تستح حين قالت: {لا علم لنا إلا ما علمتنا}"[33].

وعن ابن عون قال: "كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني رفعت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به"[34].

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله جئتك من مسيرة ستة أشهر حملني أهل بلدي مسألة أسالك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن المسألة، فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء، فقال: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم قال مالك لا أحسن"[35].

نبذ التلفيق:

إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها فليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد إلى غيره، وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟ اختلفوا فيه والصحيح له ذلك، نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى.

أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له -وهو ما يُعرف بتتبع رخص المذاهب- فقد حذر من ذلك العلماء قاطبة لما قد يؤدي ذلك من الوقوع في الباطل والمحذور الشرعي.

قال الإمام أحمد بن حنبل: "لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقا"[36].

وقال ابن عبد السلام: "ينظر إلى الفعل الذي فعله فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم وإلا لم يأثم"[37].

وعن الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"[38]، وروي عنه أنه قال: "يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الحرب والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ"[39].

ولعله لأجل هذا الأمر وضع العلماء شروطا للانتقال من مذهب إلى آخر وهي كما في شرح تنقيح الفصول:

1- ألا يجمع بينها على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.

2- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رميا في عماية.

3- ألا يتبع رخص المذاهب([40])، ومما: ينقل عن الغزالي في هذا الصدد قوله: "إن تخير أطيب المذاهب وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهب كل ذي مذهب محال لأمرين:

أحدهما: أن ذلك قريب من التمييز والتشهي، فيتسع الخرق على فاعله وينسل عن معظم مضائق الشرع بآحاد التوسعات التي اتفقت أئمة الشرع في آحاد القواعد على ردّها، والآخر: أن اتباع الأفضل متحتم، وتخير المذاهب يجر لا محالة إلى اتباع الأفضل تارة والمفضول أخرى"([41]).

وأما تحول الشخص المقلّد لمذهب معين إلى مذهب آخر بالكلية فلا يوجد ما يمنع منه إلا أن يكون تحوله لغرض دنيوي من تولّ للقضاء أو الانتفاع من المال الموقوف على المذهب المنتقل إليه مثلا.

وقد يتعيّن عليه ذلك إن ترجح لديه بالدلائل أن مذهب غيره أولى بالأخذ لقوة أدلته ووضوحها مثلا. وفي تاريخ الفقه الإسلامي تحول كثير من الأعلام عن مذاهبهم إلى مذاهب أخرى، فتحول الإمام الطحاوي عن الشافعي إلى الحنفي، وانتقل ابن الشحنة الحنبلي من المذهب الحنفي إلى المالكي([42]). وغيرهما كثير.

- لزوم الثقة في مرجعية الترخيص:

الترخيص من الثقة أو التيسير بضوابطه وإن شئت قلت: التوسط المحمود بين الغلو المهلك والتساهل المفضي إلى الانحلال من ربقة التكاليف؛ هو إحدى الدعائم الأساسية التي تحلى بها المنصفون من الفقهاء والعلماء في تعاملهم مع المسائل والقضايا الخلافية.

وقد أكد هذا الوصف سيدنا عمر بن عبد العزيز فيما كتب إلى أحد عماله؛ فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف: "ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، إنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم"[43].

ولقد كان الحسن البصري رحمه الله وهو من سادات التابعين بإحسان يقول: "دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو"[44] وقال أيضا: "سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما بين الغالي والجافي"[45].

وقال مخلد بن الحسين: "ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه"3.

وعندما أوصي الخليفة العباسي الإمام مالكا رحمه الله أن يضع للناس كتابا ويوطئه لهم قال له: "اترك تشديد ابن عمر ورخص ابن عباس، وأّلف بعد ذلك ما شئت، فقال مالك: فخرجت من عنده فقيها"[46]. فانظر رحمك الله إلى قوله: "فحرجت من عنده فقيها" كيف جعل الفقه خاصا بالتوسط بين الشدائد والرخص،

ومما أثر عنه في النهي عن الغلو ما رواه ابن العربي بسنده إلى سفيان بن عيينة قال:  "سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة قال: وأي فتنة في هذا إنما هي أميال أزيدها، قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)"[47].

 وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد"[48]. فتأمل كيف اشترط في الرخصة أن تكون صادرة من ثقة حتى لا يكون الميل إلى مطلق التخفيف ويقابله في الطرف الآخر التشديد وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ويؤكد ابن القيم رحمه الله هذه المعاني بقوله: "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين،

فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا يتجاوزه الحد"[49] ويقول في موضع آخر "فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة"[50] ويشرح الاقتصاد وأنه يفترق عن التقصير كما قد يتوهم فيقول إن "الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان وهما ضدان له؛ تقصير ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين. والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنة قصد بين البدع ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه"[51].

لا يقلد المجتهد في زلته ولا ينتقص قدره بسببها:

ومن معالم المنهج الوسط في التعامل مع خلافات العلماء ألا يقلد المجتهد في رأيه الذي أخطا فيه ولا ينتقص قدره بسبب ذلك، وأنت إذا تأملت حال المسلمين اليوم رأيت للأخطاء طيرانا حثيثا، ورأيت من يغالي فيتصيد العثرات وينقب عنها؛ ليلمز صاحبها وينبذ، ويحذر منه بعد ذلك.

والمسلم مأمور باتباع الأحسن من القول، وهذا عدل في المعاملة؛ إذ إن تقليد المجتهد في زلته هو من قبيل الغلو في الرجال من جهة، كما أنه من قبيل التفريط والتقصير في جانب الحقيقة من جهة أخرى. غير أن هذا الاطراح لخطئه ينبغي ألا يفضي إلى انتقاصه أو إقصائه وإلا كان حيفا وظلما؛ ذلك أن الخطأ من طبائع البشر، كيف وقد جاء في الحديث أن الإثم موضوع عنه بل له على اجتهاده حظ من الأجر.

وانظر إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع رسالته رفع الملام: "..وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه.."[52].

وقد ذكر الشاطبي رحمه الله جملة من المفاسد في الترجيح بين المذاهب بالطعن في أصحابها وانتقاص قدرهم، منها:

_ أن الطعن في مساق الترجيح يبين العناد من أهل المذهب المطعون عليه، ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه؛ لأن الذي غض من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء بالتزام وإن كان مرجوحا؛ فإن الترجيح لم يحصل.

_ أن هذا الترجيح مُغرٍ بانتصاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا فبينا نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح؛ فإن النفوس مجبولة على الانتصار لأنفسها ومذاهبها وسائر ما يتعلق بها؛ فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من جانبه، فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه، فإنه تسبب في ذلك، كما في الحديث: "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". فهذا من ذلك. وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع؛ كقوله: {لا تقولوا راعنا} (البقرة:104) وقوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} (الأنعام: 108) الآية. وأشباه ذلك.

_ أن هذا العمل مورث للتدابر والتقاطع بين أرباب المذاهب. وربما نشأ الصغير منهم على ذلك، حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من خالفهم فيتفرقوا شيعا، وقد نهى الله تعالى عن ذلك وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام: 159) -وقد مر تقرير هذا المعنى من قبل-. فكل ما أدى إلى هذا ممنوع. فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع.

_ أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى التغالي والانحراف في المذاهب، زائدا إلى ما تقدم، فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة. قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل.. "[53]. وقديما قالوا: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

- التزام التوسط في الإفتاء:

الاجتهاد في صورة الفتوى، من أوسع ألوان الاجتهاد، ويحتاج فيه المفتي زيادة على الشروط المؤهلة للاجتهاد إلى معرفة بالواقع وعادات الناس في خطاباتهم وسلوكاتهم، وإلى رسوخ قدم في تنزيل الأحكام وتحقيقها في آحاد الوقائع والتصرفات بعد ذلك، وإذا كان عصرنا هذا قد شهد استباحة من غير المتحققين بصفات الإفتاء لميدان الفتوى؛ بما لم يعرفه عصر آخر من قبل في تاريخ الأمة؛ وهو ما أوقع في الغلو في أحيان كثيرة بدافع الحرص على الدين؛ وفي التفريط والتساهل بدافع التخفيف وسماحة الشريعة أحيانا أخرى؛

فإن الحاجة تبدو ماسة إلى "المفتي الوسطي" الذي يحمل الناس على الوسط، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يفتح لهم باب الانحلال والمروق: "لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة -وهو مشاهد- وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك"[54].    

وإذا كان منصب "الإفتاء" منصبا دينيا كما هو مقرر ومعلوم باعتبار المفتي نائبا عن الشارع الحكيم في تبليغ الأحكام وخليفة له بموجب الميثاق الذي أخذه الله على العلماء {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} فإن الدين نفسه يوجب ألا تكون الفتوى إلا عن علم ومعرفة وبصيرة؛ إذ إن ذلك ما تقتضيه الخلافة والنيابة، بحيث لا يقع الإخبار إلا مراعيا لمقصد الشارع فيه، وقد جاءت نصوص كثيرة في المنع من اتباع الهوى أو القول على الله ورسوله بغير علم. ولكن المتأمل في حال الأمة اليوم يرى استباحة الفتوى ممن لم يتأهل لها، حتى غدا الصبيان الذين لم يتعلقوا من العلم بطرف إذا رزقوا التدين ظنوه سببا كافيا فتجرؤوا على الفتيا، وربما غالى بعضهم فخطأ العلماء المبرزين في هذا الشأن، وليس يبعد في أيامنا هذه أن ترى أهل الصحافة أو التاريخ أو الاجتماع.. وغيرها من العلوم متجاسرين على الفتوى تحت حجج وأعذار واهية، وربما استند هؤلاء ومثلهم من المبتدئين في علوم الشريعة إلى كتاب أو أكثر من كتب الفقه ظنا منهم أن وجود المسألة في كتاب ما يجعلهم في حل مما يأتون، أما كون الكتاب معتمدا ومحررا والمسائل التي يحويها عليها الفتوى وأنه خال من السقط في النقل.. وأن صاحبه التزم فيه الراجح أو المشهور..أم لا، فذلك شأن آخر لا يدريه هؤلاء.

وقد سئل العلامة ابن حجر في شخص يقرأ أو يطالع في الكتب الفقهية بنفسه ولم يكن له شيخ يفتي ويعتمد على مطالعته في الكتب فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب بقوله: "لا يجوز له الإفتاء بوجه من الوجوه لأنه عامي جاهل لا يدري ما يقول، بل الذي يأخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يفتي من كتاب ولا من كتابين؛ بل قال النووي -رحمه الله-: ولا من عشرة؛ فإن العشرة والعشرين قد يعتمدون كلهم على مقالة ضعيفة في المذهب فلا يجوز تقليدهم فيها، بخلاف الماهر الذي أخذ العلم عن أهله وصارت له فيه ملكة نفسانية فإنه يميز الصحيح من غيره ويعلم المسائل وما يتعلق بها على الوجه المعتد به؛ فهذا هو الذي يفتي الناس ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله تعالى، وأما غيره فيلزمه إذا تسور هذه المنصب الشريف التعزير البليغ والزجر الشديد الزاجر ذلك لأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدي إلى مفاسد لا تحصى" [55]. وقد نص القرافي على حرمة الإفتاء من الكتب التي لم تشتهر، وكذلك حواشي الكتب لعدم صحتها والوثوق بها[56].

ومن مستلزمات التوسط في أهلية الإفتاء ألا يقع المفتي تحت ضغط الواقع وتأثيره -سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان- فينساق وراء دنياه رغبة أو رهبة، فتغدو مهمته تسويغ الأحكام والبحث عن المخارج والحيل، كما حكى الباجي -رحمه الله- عن بعض أهل زمانه: "أنه كان يقول: إن الذي عليَّ لصديقي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضر، قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى. قـال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز"[57].

ويلتحق بهذه الصفات المؤهلة لإفتاء لا شطط فيه ولا تفريط أيضا مراعاة أعراف الناس والتغيرات الطارئة على حياتهم؛ فلكل عصر مشكلاته، ولكل قوم طريقة ونمط في السلوك والخطاب. غير أن هاهنا قضية عمت بها البلوى في زمن "القرية الواحدة" رأيت التنبيه عليها، وهي ظهور الفتوى وشيوعها في القنوات الفضائية وفي شبكة "الإنترنت" فقد مضى الناس يسألون ويستفتون من كافة أقطار المعمورة ويأتيهم جواب واحد لجميعهم في القضية الواحدة وكثيرا ما تكون متصلة بالعرف أو المذهب السائد في البلد الذي ورد منه السؤال ولكن التسرع في الإفتاء[58] يجعل المفتي في غنى عن معرفة التفاصيل والسؤال عن عرف السائل!، وهو خطأ بيّن وتساهل مكشوف في أمر الدين، ومضيع لحقوق المسلمين، فليس بلازم إذا تسارع الزمن أن يتسرع المفتي فيحمل القاصي والداني على رأي واحد فيفرط أو يفرّط، بل الواجب التثبت في الفتوى والاستفادة من هذه الوسائل الحديثة حين يظهر للمفتي وجـه الحق ويهتدي إلى الصواب.

وبمقدار التزام المفتي للتوسط في فتياه تكون مرتبته ومنزلته في العلم قال الشاطبي -رحمه الله-: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة -فإنه قد مر- أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن مقصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين"[59].

إن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فذلك مبلغ علمي وأستغفر الله مما زل به القلم وساء فيه الفهم وعثر فيه الفكر.

 


الهوامش

[1] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، د.محمد فتحي الدريني:1/75.

[2] الفروق:1/177.

[3] الموافقات: 3/154.

[4] أعلام الموقعين:1/412.

[5] مجموعة الرسائل:2/131.

[6] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:2/393.

[7] مقدمة الشيخ رشيد رضا للمغني لابن قدامه على مختصر الخرقي، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، طبعة مصورة بالأوفست 1983 م: 1/12.

[8] يشهد لذلك ما لاقاه السيوطي وغيره من التشنيع، حتى اضطر أن يؤلف رسالته في "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" وانظر هذه الدعوى ومناقشتها في الفكر السامي: 2/ 452 فما بعدها.

[9] مقدمة ابن خلدون: ص355.

[10] شرح القواعد الفقهية: ص148.

[11]- جامع بيان العلم:2/59.

[12] -رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات باب ما تجوز به شهادة أهل الأهواء: 101/211. وانظر أيضا: إرشاد الفحـول للشوكاني: ص 453-454.

[13] الموافقات: 4/124.

[14] دراسات في الاختلافات العلمية: ص 111.

[15] المصدر السابق.

([16]) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية للخن: 44/45 والحديث أخرجه الشافعي في المسند والرسالة، والنسائي 8/56.

([17]) مسلم: 1/179 رقم الحديث 331، وانظر المسألة في أثر الاختلاف: ص 49.

([18]) جامع بيان العلم لابن عبد البر: 1/159.

([19]) قواعد في علوم الفقه، الكيرانوي: ص 343.

[20] جامع بيان العلم: 2/99.

([21]) مجموع الفتاوى: 14/431.

[22] العقل الفقهي معالم وضوابط: ص 62 ـ 83.

([23]) نقلية كانت أو عقلية ويفضل أن يبدأ بالقرآن ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس... وهكذا كل ذلك إن وُجد، عملا بسنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في النوازل.

([24]) يدعو بعض المتعالمين اليوم إلى القضاء على المذاهب وهي دعوى مسمومة فيها كثير من المغالطات للحقيقة، والسؤال: من أين ينطلق هؤلاء في فهم القرآن والسنة أو ماذا سيعتمدون من مناهج؟!

([25]) كالخلاف في خبر الواحد مثلا: انظر: نظرية التقريب والتغليب لأستاذنا أحمد الريسوني: ص 68 فما بعدها.

([26]) كأن يكون الدليل منسوخا، أو اعتمد على حديث لا يثبت... إلخ.

([27]) ر: إرشاد الفحول بتحقيق البدري: ص 145.

([28]) الموافقات: 4/109.

([29]) الفروق، القرافي: 4/210-211.

([30]) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي: 8/310.

([31]) المعيار: 12/37.

[32] زبَّاء: يقال للداهية الصعبة زباء ذات وبر: يعني أنها جمعت بين الشعر والوبر، أراد أنها مسألة مُشكلة، شبهها بالناقة النفور لصعوبتها.لسان العرب: باب زبب:1/428 طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة.ومعنى هلباء: أي كثيرة الشعر، ويقال: وقعنا في هلبة هلباء: أي في داهية دهياء؛ مثل هلبة الشتاء أي شدته. لسان العرب: باب هلب: 1/285-286.

[33] جامع بيان العلم: 2/64.

[34] المصدر السابق: 2/66.

[35] المصدر ذاته: 2/66-67.

[36] إرشاد الفحول: ص453-454.

[37] المصدر السابق: ص 454.

[38] ذاته.

[39] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الشهادات، باب ما تجوز به شهادة أهل الأهواء: 10/211..

([40]) شرح تنقيح الفحول، الشهاب القرافي: ص 432.

([41]) الخلاف الفقهي في المذهب المالكي: 154 نقلا عن العطار على المحلى: 2/442.

([42]) المصدر ذاته.

[43] رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم الجماعة:4/202 رقم 4612.

[44]تلبيس إبليس لابن الجوزي: ص33.

[45] رواه الدارمي في سننه، المقدمات، باب كراهية الفتيا:1/63 رقم 216.

[46] بهجة النفوس لابن أبي جمرة: 1/82

[47] " أحكام القرآن: 3/ 1412-1413.

[48] جامع بيان العلم:2/44.

 [49]مدارج السالكين: 2/517 الفوائد:ص 139-140.

[50] إغاثة اللهفان:1/131.

[51] " الروح:1/257.

[52] رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص 22 ـ 23.

[53] الموافقات: 4/194 ـ 195.

[54] - المصدر السابق: 4/189.

[55] - ابن عابدين، رسالة شرح عقود رسم المفتي من مجموعة الرسائل: 1/15-16.

[56] - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 122.

[57] - الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي: ص 192 عن حاشية كنون على الزرقاني: 7/290.

[58] - يـدل عليه أنك نادرا ما تسمع أحدهم يقول: لا أدري!.

[59] - المـوافقات: 4/188-189.

 


المصادر والمراجع

- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: د. مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، 1985م.

- أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، ت: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، لبنان، د.ت.

- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام الإمام شهاب الدين أبو العباس الصنهاجي القرافي (784ﻫ) تحقيق: أبو بكر عبد الرزاق، المكتب الثقافي للنشر والتوزيع القاهرة، الطبعة الأولى 1989م.

- الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي مصطلحاته وأسبابه: عبد العزيز بن صالح الخليفي المطبعة الأهلية، الدوحة قطر، ط 1993م.

- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي بن محمد الشوكاني دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1979م (ورجعت إلى طبعات أخرى أيضا طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بتحقيق أبي مصعب محمد سعيد البدري).

- إعلام الموقعين عن رب العالمين: تأليف ابن قيم الجوزية، حققه وعلق حواشيه محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1977م.

- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن قيم الجوزية، المكتبة الثقافية، بيروت، ط/1989م.

- البحر المحيط في أصول الفقه: الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي (794ﻫ) قام بتحريره د عمر سليمان الأشقر (دت).

- بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله: د. محمد فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/الأولى 1994م.

- بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها (شرح مختصر صحيح البخاري المسمى جمع النهاية في بدء الخير والغاية) لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي (699 هـ).

- تلبيس إبليس: الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، دار الكتاب المصري، طبعة مصورة عن طبعة الحلبي، د.ت.

- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله: الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي، دار الفكر، د.ت.

- دراسات في الاختلافات العلمية حقيقتها نشأتها أسبابها المواقف المختلفة منها: الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط/الأولى، 1418هـ.

- رفع الملام عن الأئمة الأعلام: شيخ الإسلام ابن تيمية، شركة الشهاب، الجزائر، ط/1989م.

- الروح، ابن قيم الجوزية، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، د.ت.

- شرح القواعد الفقهية: تأليف الشيخ أحمد الزرقاء قدم له نجله مصطفى أحمد الزرقاء وعبد الفتاح أبو غدة، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1983م.

- شرح تنقيح الفصول في الأصول: شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي المالكي (684ﻫ)، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، مصر.

- الفروق (أنوار البروق في أنواء الفروق): شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي ومعه في الهامش تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية محمد علي بن حسين المالكي ومعه إدرار الشروق على أنواء الفروق للعلامة أبي القاسم قاسم بن عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط، عالم الكتب، بيروت (دت).

- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، طبعة 1396هـ.

- قواعد في علوم الفقه: الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي، دار الفكر العربي، بيروت، ط/الأولى 1989م.

- مجموع الفتاوى: شيخ الإسلام تأليف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مطبعة مكتبة المعارف، الرباط بإشراف المكتب التعليمي السعودي بالمغرب (د.ت).

- مجموعة رسائل ابن عابدين: السيد محمد أمين أفندي الشهير بابن عابدين، عالم الكتب (د.ت).

ـ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، ت:محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/الثانية، 1972م.

ـ مقدمة الشيخ رشيد رضا للمغني لابن قدامه على مختصر الخرقي، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، طبعة مصورة بالأوفست 1983م.

- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب: تأليف أبي العباس أحمد بن يحيي الونشريسي (914ﻫ)، خرجه جماعة من العلماء بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية للملكة المغربية (1981م).

- مقدمة ابن خلدون: للعلامة عبد الرحمن بن خلدون دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1993م.

- الموافقات في أصول الشريعة: لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (790هـ) شرحه وخرجه أحاديثه الشيخ عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان (د.ت).


.

المصدر: وسطية أون لاين

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com