عثمان ظهير من المنامة
جريدة الاقتصادية
بعد مرور أشهر على الأزمة المالية العالمية بات من المؤكد أن العالم في حاجة إلى الانتقال من العولمة الرأسمالية إلى العولمة الإنسانية أو نظام مالي عالمي جديد يهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة،
هناك اليوم كثير من الخبراء والمتخصصين يتفقون على ذلك منهم الدكتور عز الدين خوجة الأمين العام للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، والذي تحدث معنا مطولا عن تفاصيل كثيرة فيما يخص الأزمة المالية ودور الاقتصاد الإسلامي ومؤسساته في بناء هذا النظام.
بصفتكم مراقباً للحدث، كيف ترون الأزمة المالية العالمية، وأين تضعونها في السياق العالمي؟
من الواضح أن الأزمة المالية الحالية تشكل حدثا بل ومنعطفا مهما وخطيرا في حياة البشرية المعاصرة، ذلك أنها تتعلق بصميم النظام المالي والنقدي الذي يشكل القلب النابض والرئة التي يتنفس بها النظام الرأسمالي المهيمن عالميا والذي أدى في العقود الأخيرة إلى ظهور أزمات عديدة متتالية، إذ لا تكاد تمر سنتان أو ثلاث إلا ونواجه أزمة من نوع جديد،
فعلى سبيل المثال أزمة الدين في المكسيك والبرازيل والأرجنتين عام 1982، وانهيار "وول ستريت" وأسواق الأوراق المالية الأخرى عام 1987، وأزمة القروض في الولايات المتحدة عام 1989، وانهيار فقاعة أسعار الأصول في اليابان عام 1990، وموجات المضاربة على عملات آليات الصرف الأوروبية عام 1992، وأزمة المضاربات وانهيار سعر البيزوس وإخلال المكسيك بالوفاء بالدين عام 1994م، والأزمة النقدية والمالية في الدول الآسيوية عام 1997م، وما تلاها من أزمة مالية روسية عام 1998، وفقاعة الإنترنت أو انهيار الدوت كوم عام 2000، وإقفال بورصة نيويوك لمدة أسبوع عام 2001،
وكذلك انهيار النظام المصرفي الأرجنتيني عام 2001، وتراجع الأسواق المالية عام 2002 نتيجة عمليات التزوير التي شهدتها شركات الطاقة الأمريكية إنرون، وشركات الاتصالات الدوت كوم، وأزمة الغذاء وتليها أزمة الرهن العقاري بداية من عام 2007،
ووصولا إلى انهيار البنوك والأزمة المالية الحالية التي تفاقمت منذ أيلول (سبتمبر) 2008 وأخذت تتدحرج مثل كرة الثلج فانتشرت في كل العالم بعد أن انطلقت من عاصمة الرأسمالية أمريكا، ثم توسعت وامتدت إلى مجالات وقطاعات متنوعة، وأدت إلى حالات من الركود والانكماش، وبدأنا نتحدث عن أزمة مالية واقتصادية عالمية شاملة.
وما دور الاقتصاد الإسلامي عموما والصناعة المالية الإسلامية على وجه الخصوص في مجال المساهمة في الحلول المناسبة للأزمة؟
كما أشرت الأزمة المالية العالمية أزمة مبادئ وأزمة هياكل، نحتاج إلى مراجعة المبادئ التي قام عليها النظام المالي العالمي وبعد مراجعتها نحتاج إلى مراجعة الهياكل القادرة على تطبيق هذه المبادئ بالشكل الصحيح. إن الرأسمالية العالمية تحتاج إلى أن تجدد وتصحح نفسها، عليها أن تنتقل من شكلها النقدي المتفرد والمتوحش إلى شكلها العالمي الاجتماعي والاقتصادي..
إن العالم اليوم في حاجة إلى أن ينتقل من العولمة الرأسمالية إلى العولمة الإنسانية. إن النظام المالي العالمي يجب أن يهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المحمود، وتحقيق التطوير الاجتماعي المتوازن، إنه يحتاج إلى أن يقوم على أسس ومبادئ تتسم بالوسطية الاقتصادية التي تراعي مختلف فئات المجتمع وتمكنهم من المساهمة الإيجابية في تنمية الثروات، والمشاركة العادلة فيما تحققه من خيرات وطيبات. إن العولمة الإنسانية لا يمكن لها أن تقام إلا على مثل هذه الأسس والمبادئ.
يجب أن تكون هذه المبادئ محايدة متجردة لا تحقق مصلحة فرد على آخر، ولا مصلحة جماعة على جماعة، ولا مصلحة دولة على غيرها من الدول،
يجب أن تتضافر جهود البشرية جمعاء من أجل الاتفاق على هذه المبادئ والدفاع عنها والترويج لها، إنها مبادئ تتسم بالعالمية، وتتصف بالوسطية الاقتصادية، وحتى تكون كذلك لا بد من مراعاة منظومة القيم والأخلاق والأسس التي جاءت بها مختلف الأديان السماوية لما تتميز به من توازن وعدل وإنصاف واستقامة.
ولذلك رأينا كيف بدأت المسيحية تتحرك، وسمعنا بالموقف العلني لكنيسة إنجلترا المنتقد لممارسات المضاربين في البورصة، وكذلك بدأنا نسمع بكل قوة من الغربيين أنفسهم عن الاستفادة من الإسلام وتعاليمه وإعادة قراءة القرآن من أجل وضع وتعديل مبادئ المعاملات المالية المعاصرة،
وكلنا يعلم أن الإسلام هو عقيدة ومنهج حياة، ويتميز بمنظومة المبادئ والأحكام والأسس الثابتة التي مصدرها النصوص التشريعية القطعية من الكتاب والسنة، والتي يتمكن المجتهدون في دائرتها من وضع أحاكمهم وفتاواهم الفقهية على قضايا ومسائل الحياة التفصيلية الجزئية سواء تعلقت بالجانب الاقتصادي أو المالي أو الاجتماعي أو السياسي أو غيره.
هنا يأتي دور ومساهمة الاقتصاد الإسلامي والصناعة المالية الإسلامية، إنه يمكنهم المساهمة الفاعلة في وضع المبادئ الأساسية لنظام مالي عالمي جديد، وهذا ما يعمل المجلس العام على تحقيقه في المرحلة الحالية، نحتاج إلى وضع وثيقة مبادئ الوسطية الاقتصادية لنظام مالي عالمي جديد، وذلك بتضافر جهود جميع المخلصين من المسلمين وغيرهم.
إني أعتقد أن الفرصة أمامنا اليوم لنقدم للبشرية نور الهداية على مستوى المال والأعمال، وأعتقد أنه إذا تراخى المسلمون عن هذا الدور ولم يقتنصوا هذه الفرصة لتبليغ ما لديهم فإنهم سيكونون الخاسرين الوحيدين، وسيبقون على هامش التاريخ، وسيفقدون حتى المكاسب القليلة التي حصلوا عليها.
كما أني أعتقد جازما أن الحضارة الإنسانية تتجه لا محالة إلى ترشيد مسيرتها، وأنه إذا ما ترك للخبراء والمختصين تقييم ومراجعة واقعهم بكل استقلالية وحيادية، وإذا ترك لهم صياغة علمية للحلول الناجعة التي تعالج أزماتهم ومشاكلهم،
فإنهم سيصلون ـ بإذن الله تعالى ـ إلى مبادئ ومعالجات كونية تتسم بالإنسانية، وهي ستكون متطابقة ومتوافقة مع التعاليم الإسلامية التي هي أيضا إنسانية، فخير لنا نحن المسلمين أن نشارك في هذه العولمة الإنسانية، بدلا من أن نصل إليها مرغمين ومكبلين، تابعين ومنهزمين، وخير لنا أن نكون مبادرين رائدين قادرين على حمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هل تعتقد أن البنوك الإسلامية قادرة على حمل هذه المسؤولية، والجميع يعلم أن لديها من المشكلات والضعف ما يكبلها، وتطبيقاتها تشكو في حد ذاتها من عديد من الخلل والتجاوزات بل المخادعة والاحتيال في بعض الحالات ؟
كلنا يعلم أن البنوك الإسلامية حققت نجاحات قياسية ضخمة في فترة وجيزة، واستطاعت أن تثبت ذاتها وأن تكون رقما مهما على مستوى القطاع المالي العالمي، وما الاعتراف الدولي بهذه الصناعة من قبل المؤسسات الدولية، وما الدعوات الغربية للاستفادة بالنموذج المالي والمصرفي الإسلامي إلا دليل على هذه النجاحات.
صحيح أن هذه النجاحات لا تزال منحصرة على المستوى الكمي من حيث نمو حجم الودائع ونمو باقي المؤشرات المالية الأخرى، حيث بلغت نسبة النمو ما يزيد على 35 في المائة سنويا وهو ما يشكل ظاهرة غير مسبوقة.
وصحيح أن هذه النجاحات لا تزال محدودة من حيث إن البيئة التي تعمل فيها غير مهيأة بالكامل لتطبيق جميع مبادئ المعاملات الإسلامية، وهو ما يجعل استثماراتها في الاقتصاد الحقيقي تواجه بعض المعوقات التنظيمية، ويجعل آلياتها وأدواتها مثل الحسابات الاستثمارية المشتركة والمخصصة تعامل مثل معاملة الودائع بالأجل التقليدية، ويجعل منتجاتها تحاكي في أحيان عديدة المنتجات التقليدية،،
ولكن يبقي نموذج البنوك الإسلامية في كل الأحوال نموذجا مميزا ومخالفا في جوهره للنموذج الغربي التقليدي، وهو مختلف من حيث أهدافه ووسائله وآلياته، وهو منضبط في تعاملاتها بمبادئ وأسس شرعية لا يمكنه تجاوزها.
البنوك الإسلامية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى بمزيد من التعبير الواضح عن هويتها، ومزيد من التأكيد عن ابتعادها عن محاكاة النماذج الغربية، ومزيد من التصاقها بواقع المجتمع وهمومه، وخدمة جميع أفراده.
يجب على العاملين في هذه الصناعة الإيمان الكامل بأن المبادئ التي يقوم عليها نشاطهم من تجنب الفوائد وبيع الدين وعقود الغرر والاحتكار، والتداول السلعي، والانضباط الأخلاقي، كل ذلك يمثل الحماية الكاملة لهم وللمستثمرين معهم.
وعليهم القيام بالمزيد من الجهد للتهيئة الأجواء المناسبة لتفعيل جميع الأسس والضوابط التي تعمل على أساسها والتنسيق مع المسؤولين والجهات الإشرافية لمساعدتهم على ذلك.
والحذر كل الحذر من السقوط في عمليات التساهل والانفلات والتغافل والتنازل عن المبادئ، وليحذروا مما قد يواجهونه - لا سمح الله - في مثل هذه الحالات من الأزمات المالية التي تظهر من حين لآخر، فهي كفيلة أن تكشف أي مؤسسة تدعي الالتزام وتتساهل في التعاملات المشبوهة، فإن التاريخ لا يرحم، والزيف لا بد له من أن ينكشف،
ولذلك الصناعة المالية الإسلامية عليها أن تحمي نفسها من كل الدخلاء الذين قد يضرون بمستقبلها، ويشوهون منتجاتها، وعليها أن تتبرأ من أي كان إذا ما تبين عدم صدقه وصحة تعاملاته.
وقد بادر المجلس العام خلال هذه السنة بتأسيس الهيئة الشرعية للتصنيف والرقابة من أجل حماية المنتجات السليمة وتصنيفها في الدرجة المناسبة التي تستحقها حتى لا تسيطر عليها المنتجات الرديئة وتضعف من قوتها وانتشارها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الحكومات والجهات الإشرافية لتمكين البنوك والمؤسسات المالية من العمل ضمن بيئة قانونية وتنظيمية مناسبة تراعي خصوصيتها وتسمح لها بتطبيق نموذجها الكامل. إ
ن دولنا الإسلامية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لاحتضان العمل المصرفي الإسلامي بشكله الكامل المتكامل، وتمكينه من تنزيل نموذجه على أرض الواقع، يوجد التطبيق العملي الحي الذي يمكن أن يهتدي به العالم كله،
اليوم يبحث علماء الاقتصاد والمال عن البديل المناسب للنظام الرأسمالي، يبحثون عن المبادئ والأسس السليمة لإدارة الأموال، إنهم يجدونها فقط على مستوى المبادئ والأسس النظرية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، علينا أن نسهل لهم الطريق ونهدي لهم نموذجا تطبيقيا في دولنا حتى تكون مساهمتنا في هذه الحضارة الإنسانية مساهمة إيجابية نافعة.
إذن هناك حاجة إلى مراجعة الثقافة المالية الغربية ذاتها؟
نعم هذا صحيح، وهذا ما أصبح ينادي به كثير منهم، كما أشرت، لا بد أن نضع حدودا لمبدأ تعظيم الربح ونقيده بمصلحة المجتمع، ولا بد أن نضع قيودا على الإفراط في الاقتراض الاستهلاكي بما يتوافق مع شعارنا الإسلامي: "أو كلما اشتهيتم اشتريتم"،
وكذلك علينا أن نضع قيودا على الإفراط في المداينة بما يتوافق مع شعارنا "الدَّين هُمّ بالليل ومذلة بالنهار".. وعلينا إيقاف أي تعاملات فيها أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الغش والخداع والاحتكار وغير ذلك من التصرفات المؤذية للمجتمع!
كما يجب الامتناع عن عقود الفائدة التي تعطي أصحابها زيادة دون تحمل أي مخاطرة مع المدين أي التعامل بالمخاطرة الصفرية، وبالدرجة نفسها علينا الامتناع عن عقود الغرر التي تضع أصحابها أمام حالة ثنائية إما تحقيق المكسب كاملا أو تحمل الخسارة كاملة،
وهذا ما يمكن تسميته بالمخاطرة الكلية بنسبة 100 في المائة.. فكلاهما منطقة يجب حضرها في المعاملات المالية لأنها تشكل طرفي النقيض، ومع ذلك تبقى مساحة المخاطرة المعقولة واسعة في التعامل.
إن هذه المبادئ والضوابط محددة محصورة العدد، ولن يجد العالم المعاصر أي صعوبة في الالتزام بها إذا ما ظهر له أهميتها وخطورة نتائجها في المعاملات.. وستبقى له في كل الحالات مساحة النشاطات المالية واسعة مفتوحة..
إن العقل البصير يجب ألا يقبل بالتصرفات الطائشة والهدامة إذا تبين له آثارها السلبية، حتى وإن كانت تلك السلبيات لا تظهر إلا في وقت الأزمات،
فعلينا أن نحمي مجتمعاتنا منها، فرب كارثة مفاجئة غير محسوبة تهوي بأمم وتنهض بأمم، فعلينا أن نعتبر وأن نستفيد من الوقائع التي نعيشها ونحمي أنفسنا وأجيالنا المقبلة منها، ونكسب في الدنيا والآخرة ـ بإذن الله تعالى.