|
الأحكام الشرعية المرتبطة ببيع المرابحة للآمر بالشراء جمع وإعداد: محمد صديق
تسير المصارف الإسلامية المعاصرة على معاملة معينة أُطلق عليها "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، باعتبارها بديلًا شرعيًّا عما تقوم به البنوك الربوية، وصورتها أن يتقدم شخص إلى المصرف راغبًا مثلًا بشراء سيارة ذات مواصفات معينة، أو شراء أجهزة مخبر أو أجهزة طبية أو آلات معمل معين، فيشتري المصرف تلك الأشياء، ثم يبيعها لراغبها بثمن معين مؤجل لأجل محدد، يكون أكثر من الثمن النقدي.
وتكون العملية مركبة من وعدين: وعد بالشراء من العميل الذي يُطلق عليه "الآمر بالشراء"، ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة، أي بزيادة ربح معين المقدار أو النسبة على الثمن الأول [بيع المرابحة للآمر بالشراء، الدكتور يوسف القرضاوي، ص(36)].
وكان الشائع في هذا العقد ـ عقد المرابحة ـ فيما مضى أن تكون السلعة في ملك البائع حاضرة كانت أو غائبة، فيبيعها برأس المال وزيادة معلومة، إلا أن الأمر في مجال المصارف يختلف، فالمصرف لا يكدس السلع في مخازنه كما يفعل التجار ليقوم ببيعها بعد ذلك مرابحة أو مساومة، وإنما هو مجرد وسيط في التبادل؛ ومن ثم فإن المصرف يتلقى أمرًا من العميل بشراء سلعة معينة بمواصفات محددة، واعدًا بشرائها بطريق المرابحة، فيقوم المصرف بناءً على ذلك بشراء هذه السلعة، ثم يبيعها لهذا العميل برأس مالها وزيادة الربح المتفق عليه.
الهيكل النظري لهذه المعاملة:
تتكون هذه المعاملة من وعد بالشراء وبيع بالمرابحة [راجع: الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، جابر أبو العينين، ص(29)]، فالمصرف يتلقى من عميله أمرًا بشراء صفقة معينة، مشفوعًا بوعد منه بشراء هذه الصفقة.
فإذا ما استجاب المصرف لطلب العميل واشترى له ما يريد؛ تم إبرام عقد المرابحة بينهما، فيبيع له المصرف هذه السلعة بالربح المتفق عليه بينهما بعد أن يتأكد العميل من ملاءمتها له، ومطابقتها للمواصفات التي حددها للمصرف من قبل.
ومن أهم الخطوات العملية لتنفيذ المرابحة المصرفية:
1- يتقدم العميل بطلب كتابي للبنك يوضح فيه نوع البضاعة المطلوبة، وكميتها وأسعارها ومواصفاتها اللازمة والميعاد المطلوب للحصول عليها، ويكون الطلب مشفوعًا بالمستندات اللازمة والفواتير المبدئية وكل ما يلزم من توضيح يتعلق بالسلعة المطلوب من البنك شراؤها، على أن تكون فاتورة الشراء باسم البنك ولصالح العميل ويُفضل أن تكون الفاتورة المبدئية أكثر من واحدة ومن جهات عديدة؛ لاختيار الأحسن جودة والأنسب سعرًا.
2- يقوم الموظف المختص بدراسة الطلب دراسة دقيقة متأنية من جميع النواحي لتفادي بعض المخاطر التي تتمثل في:
أ) صعوبة تسويق السلعة ـ موضوع المرابحة ـ في حالة نكول العميل عن وعده؛ مما يؤدى إلى تجميد أموال البنك في سلع قد يصعب تسويقها في وقت وجيز، أو قد تتعرض للتلف.
ب) عدم الدراسة الدقيقة لجدوى تسويق البضاعة ربما يعرض الآمر بالشراء ـ العميل ـ لبعض المخاطر؛ مما يتسبب في عجزه عن سداد استحقاق البنك في ميعاده، أو ربما العجز التام عن سداد هذا الاستحقاق.
3- بعد إعداد الدراسة المشار إليها آنفًا يقوم قسم الاستثمار بالإجراءات اللازمة للحصول على البضاعة، ودفع قيمتها ودفع كافة المصروفات الأخرى حتى وصول البضاعة للمكان المتفق عليه لإتمام عملية البيع، وعلى الموظف المختص دفع قيمة البضاعة أو السلعة بشيك باسم مالك البضاعة ويوقع مع مالك البضاعة عقد بيع؛ بموجبه تنتقل ملكية السلعة للبنك ولا يحق لأي طرف التصرف فيها دون إذنه.
ولا يدفع المبلغ ـ قيمة البضاعة ـ بأية حال إلى الآمر بالشراء ـ العميل ـ بل يتعامل البنك مع البائع مباشرة.
4- يخطر البنك عميله بأنه قد حصل على البضاعة، ويحثه على الحضور لإتمام عملية البيع وما يستلزم من إجراءات أخرى.
5- توقيع عقد بيع المرابحة وإتمام عملية التسليم والتسلم وما يستلزمه من إجراءات.
الحكم الشرعي:
لا يوجد ما يشوب هذه المعاملة من الناحية الشرعية؛ لأن المصرف في هذه المعاملة لم يبع ما ليس عنده، لأن عقد البيع لا يتم إلا بعد شرائه للسلعة ودخولها في ملكه، وما كان بينه وبين العميل قبل ذلك فهو وعد بالشراء لا غير، وفرق بين الوعد بالعقد وبين العقد، كالفرق بين الخطبة وعقد النكاح.
والمصرف كذلك لم يربح ما لم يضمن؛ لأن المصرف قد اشترى السلعة، فأصبح مالكًا يتحمل تبعة الهلاك قبل التسليم، فما يتلف من هذه السلعة قبل تسليمها للمشتري فإنه يتلف على المصرف، كما يتحمل المصرف تبعة الرد بالعيب الخفي بعد التسليم، فإذا ظهر بالسلعة عيب خفي بعد التسليم كان المصرف مسئولًا عن ذلك.
قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم: (وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعةَ، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل؛ فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعًا، وإن شاء تركه) [الأم، الشافعي، (3/33)].
تبقى بعد ذلك مسألة مدى التزام الآمر بالشراء في أن يبقى على وعده للمصرف بأن يشتري منه هذه الصفقة، ويتفرع القول في هذه المسألة على القول في مدى لزوم الوفاء بالوعد، ومدى إمكان المطالبة القضائية به؟
ولا يخفى وجوب الوفاء بالوعد ديانةً إلا لعذر شرعي معتبر، ولكن الخلاف في مدى الإلزام القضائي بالوعد، والراجح أنه لا يُقضى به إلا إذا أُدخل المستفيد في ورطة أو التزام بناء على هذا الوعد، حيث يُقضى به في هذه الحالة دفعًا للضرر المترتب، أما فيما عدا ذلك فلا يُقضى به؛ لإجماع أهل العلم على أن الموعود لا يُحَاصِصُ بوعده مع الغرماء؛ يعني إذا أفلس المدين وجاء الغرماء ليتقاسموا ماله، فليس للموعود أن يدخل معهم في هذه المقاسمة.
يقول ابن شبرمة، وهو من علماء المالكية: (إن كل وعد بالتزام لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا؛ يكون وعدًا ملزمًا قضاء وديانة، ولا يعد هذا ممنوعًا، وليس من التلفيق المحظور؛ لأن المسألتين قضيتان منفصلتان، ولا مانع من تقليد كل إمام في مسألة تختلف عن مسألة أخرى يُؤخذ فيها بقول إمام آخر) [يراجع: الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي].
وأجاز المالكية أيضًا هذا النوع من التعامل، جاء في كتبهم: (من البيع المكروه أن يقول: أعندك كذا وكذا تبيعه مني بدين؟ فيقول: لا، فيقول: ابتع ذلك، وأنا أبتاعه منك بدين، وأربحك فيه، فيشتري ذلك، ثم يبيعه منه على ما تواعدا عليه) [مواهب الجليل، الحطاب، (4/404)، البيان والتحصيل، ابن رشد، (86/7-89)].
وليس هذا التعامل من البيعتين في بيعة المنهي عنه؛ لأن النهي كما ذكر الشافعي وارد على حالة كون القبول لإحدى البيعتين مبهمًا أو معلقًا أو مجهولًا، فإن عيَّن المشتري إحدى البيعتين جاز، أو أن النهي وارد على حالة اشتراط بيعة أخرى، كأن يقول: (بعتك منزلي على أن تبيعني فرسك).
وقد أقر هذه المعاملة مؤتمران للمصارف الإسلامية، جاء في مؤتمر المصرف الإسلامي الأول في دبي سنة 1399هـ - 1979م: (إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاءً طبقًا لأحكام المذهب المالكي، وهو ملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى، وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاءً إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه).
وجاء في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني في الكويت سنة 1403هـ - 1983: (يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء، بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق؛ هو أمر جائز شرعًا، مادامت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي، وجميع الضمانات كالتأمين، ومنع البيع قبل القبض هو رأي الجمهور، وأجاز المالكية بيع غير الطعام قبل قبضه.
وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزمًا للآمر أو المصرف أو كليهما؛ فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعًا).
........................................
المصادر:
1. الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي.
2. ما لا يسع التاجر جهله، الدكتور صلاح الصاوي.
3. بحث مقدم للمؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي، الدكتور الواثق عطا المنان محمد أحمد، أستاذ القانون التجاري المساعد, كلية الشريعة والقانون.
المصدر لواء الشريعة
|