البحث فقط في هذا القسم

السيرة الذاتية      أضف مشاركتك      توقيع اتفاق تعاون مصرفي بين البركة سورية وتركيا لخدمة رجال الأعمال      الصفحة الرئيسية      د. السويلم : يدعو للتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية      خطة لإنشاء بنك الإنماء في مصر برأسمال 100 مليار جنيه      «بيتك - تركيا» ينشئ مركزا لبحوث وتطوير تكنولوجيا المعلومات     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه الأسهم والأسواق المالية والبورصة | الأحكام الشرعية لعقود البورصة د.صلاح الصاوي 

الأحكام الشرعية لعقود البورصة
د.صلاح الصاوي

 

تعريف البورصة:

سوق منظمة يجري فيها التعامل بشراء الأوراق المالية وفي الحاصلات الزراعية، تضم سماسرة يعملون وسطاء بين البائعين والمشترين.

سبب التسمية:

قيل أنها سميت بذلك نسبة إلى فندق في بلجيكا كان يتجمع فيه رجال المال والسماسرة لتصريف أعمالهم، وقيل: نسبة إلى شخص بلجيكي يُدعي "ديير بورسيه"، كانوا يجتمعون في قصره لنفس الغرض.

وغاية البورصة إيجاد سوق مستمرة ودائمة يتلاقى فيها العرض والطلب والمتعاملون بيعًا وشراءً؛ فتؤدي إلى تحقيق بعض الفوائد التي سنشير إلى بعضها بعد قليل.

ولكنها من ناحية أخرى، تحتوي على كثير من المظالم والشنائع؛ كالمقامرة والاستغلال، والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل، والتلاعب بمقدرات الأمم والشعوب؛ إذ تذهب بسببها ثروات، وتهوي أوضاع اقتصادية في وقت قصير، تمامًا كما يحصل في الزلازل والخسوف الأرضية!

أقسام العقود في البورصة:

أولًا ـ من حيث الزمن:

تنقسم العقود في البورصة من حيث الزمن إلى قسمين:

عقود عاجلة: وهي التي يلتزم فيها المتعاقدان بتسليم العوضين في الحال، أو خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة.

عقود آجلة: وهي التي تُسوى بعد أجل معين يُتفق عليه عند العقد، وتُصَفَّى عادة في أيام التصفية التي تقررها لجنة البورصة وتحدد مواعيدها مقدمًا.

وكل من العقود العاجلة أو الآجلة قد تكون في الأوراق المالية، وقد تكون في السلع والبضائع، ويُقصد بالعقود العاجلة تسليم المبيع حقيقة وليس مجرد عقود تُباع وتُشترى دون وجود سلعة أو رغبة حقيقية في التسليم.

أما العقود الآجلة فلا يُقصد بها في الغالب إلا مجرد المضاربة على فروق الأسعار، دون رغبة حقيقية في التسليم أو التسلم، حيث يقتصر التسليم والتسلم في أغلب هذه الصفقات على فروق الأسعار فحسب.

ومن العقود الآجلة ما يكون باتًّا لازمًا للمتعاقدين، ومنها ما يكون مشتملًا على خيارات متعددة حسب نوع كل عقد، ويميز هذه العقود المشتملة على الخيار أنها تلزم من له الخيار بدفع تعويض للطرف الآخر إذا استفاد من هذا الشرط.

ويختلف معنى المضاربة في عالم البورصة عن معناه في محيط الفقه الإسلامي، فالمضاربة في الفقه الإسلامي: دفع المال إلى من يتجر فيه بجزء من ربحه، فهي عقد يحقق التكامل بين من يملك المال ولا يحسن التجارة، وبين من يحسن التجارة ولا يملك المال.

والمضاربة في عالم البورصة: هي المخاطرة بالبيع والشراء بناءً على التوقع ـ توقع تقلبات الأسعار ـ بغية الحصول على فارق الأسعار.

ثانيًا ـ من حيث الموضوع:

تنقسم العقود في البورصة من حيث الموضوع إلى قسمين:

1- عقود تقع على السلع والبضائع.

2- عقود تقع على الأوراق المالية.

وفي بورصة البضائع، والتي تكون غالبًا من المنتجات الطبيعية، لا تكون البضائع حاضرة وإنما تجري المبادلات وفقًا لنماذج معينة، أو بناءً على تسمية صنف متفق عليه سلفًا، وبورصة الأوراق المالية يُقصد بها الأسهم والسندات، ومعظم عقود البورصة يكون محلها هذه الأوراق.

والسند: صك يتضمن تعهدًا من مُصْدِره ـ مصرفًا كان أو شركة ـ لحامله بسداد مبلغ مقرر في تاريخ معين نظير فائدة ثابتة، لا علاقة لها بتقلبات الأسعار.

أما الأسهم: فهي حصص في رأس مال الشركة متساوية القيمة، قابلة للتداول بالطرق التجارية، تختلف قيمتها من وقت لآخر حسب أرباح الشركة أو خسارتها.

الآثار الإيجابية للبورصة:

أولًا ـ أنها تقيم سوقًا دائمة، تسهل تلاقي البائعين والمشترين، وتعقد فيها العقود العاجلة والآجلة على الأسهم والسندات           والبضائع.

ثانيًا ـ أنها تسهل عملية تمويل المؤسسات الصناعية والتجارية والحكومية، عن طريق طرح الأسهم وسندات القروض للبيع.

ثالثًا ـ أنها تسهل بيع الأسهم وسندات القروض للغير، والانتفاع بقيمتها؛ لأن الشركات المصدرة لها لا تصفي قيمتها لأصحابها.

رابعًا ـ أنها تسهل معرفة ميزان أسعار الأسهم وسندات القروض والبضائع وتموجاتها في ميدان التعامل، عن طريق حركة العرض والطلب.

الآثار السلبية للبورصة:

أولًا: أن العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق ليست في معظمها بيعًا حقيقيًّا، ولا شراءً حقيقيًّا؛ لأنه لا يجري فيها التقابض بين طرفي العقد فيما يُشترط له التقابض في العوضين أو في أحدهما شرعًا.

ثانيًا: أن البائع فيها غالبًا ما يبيع ما لا يملك من عملات وأسهم، أو سندات قروض أو بضائع، على أمل شرائه من السوق وتسليمه في الموعد، دون أن يقبض الثمن عند العقد كما هو الشرط في السَلَم.

ثالثًا: أن المشتري فيها غالبًا يبيع ما اشتراه لآخر قبل قبضه، والآخر يبيعه أيضًا لآخر قبل قبضه، وهكذا يتكرر البيع والشراء على الشيء ذاته قبل قبضه، إلى أن تنتهي الصفقة إلى المشتري الأخير الذي قد يريد أن يتسلم المبيع من البائع الأول، الذي يكون قد باع ما لا يملك، أو أن يحاسبه على فرق السعر في موعد التنفيذ، وهو يوم التصفية، بينما يقتصر دور المشترين والبائعين غير الأول والأخير على قبض فرق السعر في حالة الربح، أو دفعه في حالة الخسارة في الموعد المذكور، كما يجري بين المقامرين تمامًا.

رابعًا: ما يقوم به الممولون من احتكار الأسهم والسندات والبضائع في السوق؛ للتحكم في البائعين الذين باعوا ما لا يملكون، على أمل الشراء قبل موعد تنفيذ العقد بسعر أقل، والتسليم في حينه وإيقاعهم في الحرج.

خامسًا: إن خطورة السوق المالية هذه تأتي من اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة؛ لأن الأسعار فيها لا تعتمد كليًّا على العرض والطلب الفعليين من قِبَل المحتاجين إلى البيع أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياء كثيرة بعضها مفتعل من المهيمنين على السوق، أو من المحتكرين للسلع أو الأوراق المالية فيها، كإشاعة كاذبة أو نحوها، وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى تقلبات غير طبيعية في الأسعار، مما يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرًا سيئًا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ يعمد كبار الممولين إلى طرح مجموعة من الأوراق المالية من أسهم أو سندات قروض؛ فيهبط سعرها لكثرة العرض، فيسارع صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل؛ خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك وزيادة خسارتهم، فيهبط سعرها مجددًا بزيادة عرضهم، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل بغية رفع سعرها بكثرة الطلب، وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار، وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة، وهم صغار حملة الأوراق المالية؛ نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة، ويجري مثل ذلك أيضًا في سوق البضائع.

ولذلك قد أثارت سوق البورصة جدلًا كبيرًا بين الاقتصاديين؛ والسبب في ذلك أنها سببت في فترات معينة من تاريخ العالم الاقتصادي ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير، بينما كانت سببًا في غنى آخرين دون جهد، حتى إنه في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالب الكثيرون بإلغائها؛ إذ تذهب بسببها ثروات، وتنهار أوضاع اقتصادية في وقت سريع، كما يحصل في الزلازل والانخسافات الأرضية.

الأحكام الشرعية لعقود البورصة:

سبق أن عقود البورصة: منها ما هو عاجل قطعي بات، ومنها ما هو آجل بشرط التعويض، كما أنها من حيث محلها: منها ما يكون محله السلع والبضائع، ومنها ما يكون محله الأوراق المالية من الأسهم والسندات.

ولما كانت العقود متنوعة على هذا النحو؛ فإنه لا يمكن إعطاء حكم شرعي واحد عام بشأنها، بل لابد من التفصيل وبيان أحكام كل عقد على حدة.

ولقد كان تفصيل الأمر وإعطاء كل نوع حكمه هو الذي انتهى إليه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته السابعة المنعقدة عام 1404هـ بمكة المكرمة، فقد نص في هذا الصدد على ما يلي:

أولًا: أن غاية السوق المالية ـ البورصة ـ هي إيجاد سوق مستمرة ودائمة، يتلاقى فيها العرض والطلب والمتعاملون بيعًا وشراءً، وهذا أمر جيد ومفيد، ويمنع استغلال المحترفين للغافلين والمسترسلين الذين يحتاجون إلى بيع أو شراء، ولا يعرفون حقيقة الأسعار، ولا يعرفون المحتاج إلى البيع ومن هو محتاج إلى الشراء.

ولكن هذه المصلحة الواضحة يواكبها في الأسواق المذكورة "البورصة" أنواع من الصفقات المحظورة شرعًا، والمقامرة والاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل؛ ولذلك لا يمكن إعطاء حكم شرعي عام بشأنها، بل يجب بيان حكم المعاملات التي تجري فيها، كل واحدة منها على حدة.

ثانيًا: أن العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجري فيها القبض فيما يُشترط له القبض في مجلس العقد شرعًا هي عقود جائزة، ما لم تكن عقودًا على محرم شرعًا، أما إذا لم يكن المبيع في ملك البائع؛ فيجب أن تتوافر فيه شروط بيع السلم، ثم لا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه.

ثالثًا: أن العقود العاجلة على أسهم الشركات والمؤسسات حين تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعًا، ما لم تكن تلك الشركات أو المؤسسات موضوع تعاملها محرم شرعًا؛ كشركات البنوك الربوية وشركات الخمور، فحينئذٍ يحرم التعاقد في أسهمها بيعًا وشراءً.

رابعًا: أن العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة بمختلف أنواعها غير جائزة شرعًا؛ لأنها معاملات تجري بالربا المحرم.

خامسًا: أن العقود الآجلة بأنواعها، التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع، بالكيفية التي تجري في السوق المالية ـ البورصة ـ غير جائزة شرعًا؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك، اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعًا؛

لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تبع ما ليس عندك) [رواه أبو داود في سننه، (3040)،  صحيح سنن أبي داود، (3503)]،

وكذلك ما رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) [رواه أبو داود، (3036)،  صحيح سنن أبي داود، (3499)].

سادسًا: ليست العقود الآجلة في السوق المالية ـ البورصة ـ من قبيل بيع السَلَم الجائز في الشريعة الإسلامية؛

وذلك للفرق بينهما من وجهين:

أ - في السوق المالية ـ البورصة ـ لا يُدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد، وإنما يُؤجل دفع الثمن إلى موعد التصفية، بينما الثمن في بيع السَلَم يجب أن يُدفع في مجلس العقد.

ب - في السوق المالية ـ البورصة ـ تُباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول، وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدة بيوعات، وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين، مخاطرة منهم على الكسب والربح؛ كالمقامرة سواء بسواء، بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السَلَم قبل قبضه.

وبناءً على ما تقدم؛ يرى المجمع الفقهي الإسلامي

 أنه يجب على المسئولين في البلاد الإسلامية أن لا يتركوا أسواق البورصة في بلادهم حرة تتعامل كيف تشاء في عقود وصفقات، سواء أكانت جائزة أم محرمة،

وأن لا يتركوا للمتلاعبين بالأسعار فيها أن يفعلوا ما يشاءون، بل يوجبون فيها مراعاة الطرق المشروعة في الصفقات التي تُعقد فيها،

ويمنعون العقود غير الجائزة شرعًا ليحولوا دون التلاعب الذي يجر إلى الكوارث المالية، ويخرب الاقتصاد العام، ويلحق النكبات بالكثيرين؛ لأن الخير كل الخير في التزام طريق الشريعة الإسلامية في كل شيء؛

قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، والله سبحانه هو ولي التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 لواء الشريعة

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com