|
علماء: العمل في الشركات المحرمة قضية مفتوحة للاجتهاد
أحمد مخيمر
عقدت أمانة موقع الفقه الإسلامي، حلقة نقاشية تمهيدية في موضوع "حكم العمل في الشركات المحرمة" بحضور كوكبة من العلماء والفقهاء المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي، على رأسهم فضيلة الدكتور عبد الرحمن بن صالح الأطرم الأمين العام للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، والأمين العام لأمانة موقع الفقه الإسلامي، كما شارك أصحاب الفضيلة المشايخ الدكتور عبد الله المطلق والدكتور عبد الله العمار والدكتور عبد الرحمن السند والدكتور حسين العبيدي والدكتور وائل السلامة والدكتور عياض السلمي.
أدار الحلقة وقدم لها فضيلة الدكتور يوسف بن عبد الله الشبيلي، وكان له دور كبير في تلخيص وجهات نظر المشاركين، وعرض الإشكاليات التي تجد في عرض المسألة واستعراض الورقة التي أعدتها أمانة الموقع، وهي عبارة عن قراءة في فتاوى العمل في الشركات المحرمة والصادرة عن العديد من الهيئات والمجامع والعلماء.
أنواع الشركات وأقوال العلماء فيها
وقدم الورقة الأولى للحلقة، فضيلة الدكتور مسفر بن علي القحطاني بعنوان "العمل في الشركات ذات النشاط المحرم" والتي قسم من خلالها الشركات بحسب طبيعة النشاط التجاري الممارس إلى: شركات أصل نشاطها مباح، وهي التي تخلو من الاستثمارات المحرمة المعلنة أو البارزة، والشركات التي أصل نشاطها محرم، مثل شركات الخمور والدعارة والربا، والشركات التي أصل نشاطها مباح ولها استثمارات ونشاطات محرمة، وهي الشركات المختلطة مثل الفنادق والشركات السياحية وبعض شركات الأغذية.
واستعرض الدكتور المسفر أقوال العلماء في مسألة العمل في الشركات حسب أنواعها:
فأما الشركات ذات النشاط الحلال الخالي من المحرمات فيجوز العمل فيها، نظراً لأصل نشاطها الجائز، أما الشركات القائمة على نشاط محرم فلا يحل العمل فيها استناداً إلى الآية الكريمة ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة:9] وأن العمل هو نوع من العقود، وقد اشترط الفقهاء لصحته أن يكون الباعث عليه مشروعاً،
وأما الشركات المتعلق نشاطها بحلال لا يخلو من صورة من الحرام فتم تقسيمه إلى نوعين:
النوع الأول: مباشرة العمل الحرام في هذه الشركات، وهو محرم بالاتفاق،
والثاني: وهو مباشرة غير المحرم من أعمال الشركة، فقد وقع فيه خلاف بين العلماء فالجمهور على عدم جوازه وذهب أبو حنيفة إلى جوازه، وكذلك الإمام أحمد في رواية ذكر القول بالكراهة.
حكم العمل في البنوك الربوية
وقدم الورقة الثانية في الحلقة، فضيلة الدكتور عبد الله بن محمد السعيدي بعنوان: "حكم العمل في البنوك الربوية" والذي رأى أن العامل في البنك الربوي هو أجير خاص، يقوم بعمل للبنك يسهم من قريب أو من بعيد،
وينقسم على هذا الأساس إلى: عمل محله الربا كإدارة القروض، وعمل يتضمن الربا ويؤدي إليه كالاعتماد المستندي وخطابات الضمان، وعمل يعين على الربا من خلال تقوية المركز المالي للمرابي، وعمل يسهم في الإعانة على الربا كالحراسة ونحوها، وعمل لا يتضمن الربا ولا يسهم فيه كأعمال الخدمة العامة والنظافة ونحوهما.
وبالجملة رأى الدكتور السعيدي أن الخدمات المصرفية ما كان منها ربا فإنه محرم، وما كان غير ربا فإنه ممنوع، لإعانته على الربا، ورأى الامتناع عن العمل في البنوك الربوية ولو كان العمل مشروعاً لما فيه من إعانة على إثمها وعدوانها، وكذلك من حيث الرضا بالإثم.
الموضوع متشعب المسائل
وقد حضر الحلقة فضيلة الدكتور عبد العزيز الفوزان المشرف العام على مؤسسة رسالة الإسلام، والذي كانت له أولى المداخلات والتعقيبات، مطالباً بضرورة التفريق بين الشركات المتمحضة في العمل المحرم والتي يتفق العلماء على حرمة العمل فيها، والشركات التي من حيث الأصل تمارس عملاً حلالاً، لكن قد يضطر العامل إلى ممارسة صورة من صور الحرام كشركات وأسواق السلع التي قد تبيع الخمور أو التبغ مثلاً.
كما رأى أنه ينبغي حصر الاتجاهات الخمسة التي أوردتها ورقة العمل التمهيدية للموضوع، بالنسبة للعمل المباشر للحرام في أعمال البنوك إلى اتجاهين فقط:
الأول: المنع المطلق وعليه الجمهور،
والثاني: الجواز حسب الضرورة ومع الكراهة وعلى هذا يحمل فتوى الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الاتجاه، وكأنها من باب التدرج في تطبيق الشريعة قبل أن تتواجد البنوك الإسلامية وتكثر منافذها، وهو أمرٌ مرحلي لاكتساب الخبرة وعدم ترك هذه الصناعة والعمل على أسلمتها من داخلها.
كما دعا الدكتور الفوزان إلى التفريق في مسألة العمل في الشركات بين الأجير الخاص وهو معين حقيقي على أعمال الشركة، والأجير العام وهو الذي تلجأ إليه الشركة في تنظيم أمور عامة كنظم المعلومات والشبكات وأعمال الترميم.
أما الدكتور عياض السلمي، فيرى أن المستندين إلى الآية الكريمة: ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) قد حملوا الآية ما لا تحتمل، فلا ينبغي الاكتفاء بتصنيف الأعمال ما كان معيناً على الحرام أو غير معين، بينما ينبغي توسيع الدائرة والرجوع إلى العديد من الأحكام كحكم عمل المسلم عند الكافر، والتفريق بين الأعمال المؤثرة وغير المؤثرة في عمل الشركة.
واتفق مع هذا الطرح الدكتور وائل السلامة الذي قال: إننا وقفنا على صور من عمل الصحابة مع اليهود، رغم أن عملهم يعد عوناً لليهود وقبولاً لهم.. كما دعا إلى الانتباه أن هناك خلطاً في أصل نشاط الشركات بين الحلال والحرام كبعض شركات المياه الغازية التي تنتج مشروبات كحولية، وأن هذه الشركات موجودة بالفعل في بعض الدول، وتحتاج إلى تفصيل بالنسبة للعمل في أقسامها المختلفة.
إشكاليات وجوانب معتبرة
وقد طرح فضيلة الدكتور عبد الرحمن الأطرم عدة إشكاليات تحتاج إلى مزيد بحث ونظر وتحرير مثل: هل هناك تلازم بين حرمة الاكتتاب في الشركة وحرمة العمل فيها؟ خاصة أن هناك ضوابط مختلفة بين الفقهاء والمتخصصين في تمحيص القوائم المالية للشركات والنظر في جواز الاكتتاب أو حرمته.
كذلك ما الحكم في العمل في بعض الجهات الرئيسية، فهل يسري حكم العمل في البنوك على البنوك المركزية وأسواق المال ومعاشات التقاعد، والتي قد يعتريها صورة من صور الحرام؟
وطالب الدكتور عبد الرحمن السند بوضع ضابط للإعانة التي تقتضي التحريم وفقاً للآية الكريمة ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )كمنطلق للحكم في شرعية العمل في الشركات المحرمة.
كما طالب المشاركون بضرورة التحاكم إلى العديد من القواعد الأصولية في هذه المسألة، لفك التعارض بين المصالح والمفاسد ومدى انطباق قاعدة "عموم البلوى"
وأن الأصل في المعاملات التيسير والتغاضي عن اليسير مع ضرورة التقدير الصحيح للضرورات والحاجات، بل يحتاج المجتمع الفقهي إلى تحرير هذين المصطلحين "الضرورة" و"الحاجة".
الملتقى الفقهي
|