البحث فقط في هذا القسم

الصفحة الرئيسية      شهادة المراقب والمدقق الشرعي المعتمد * تنظيم دار المشورة بدمشق      مقادير زكاة الفطر وزكاة الذهب بما يساويها من الليرة السورية      إجارة العين لمن باعها إجارة منتهية بالتمليك – نظرة فقهية      الدوحة تستضيف المؤتمر الأول للمال الإسلامي بحضور مصرفيين ورجال أعمال      دورة تأهيلية للأئمة والخطباء في دمشق برعاية وزارة الأوقاف      عظمة إعجاز النظام الزكوي في الإسلام تمتد لمواقيته الزمانية     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | قضايا فقهية ومالية متنوعة | الأشياء المختلف في ماليتها عند الفقهاء(1-2) صالح بن عبد الله اللحيدان  

الأشياء المختلف في ماليتها عند الفقهاء(1-2)
صالح بن عبد الله اللحيدان 
 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فإن كلمة المال من أكثر الكلمات تداولاً في ألسنة الناس، وفي كتب الفقه، ولا عجب؛ فإن المال هو قِوَام معايش الناس ومصالحهم، وبه تُصان نفوسهم عن الابتذال في الغالب، وقد جبلت النفوس على حبه.

ويظن كثير من الناس وضوح المراد بهذه الكلمة؛ بسبب حصرهم مفهوم المال في نطاق ضيق، ضيَّقه العُرف الشائع، لكن الحقيقة أن الفقهاء قد اختلفوا في تحديد المراد بهذا المصطلح؛ وانبنى على اختلافهم في تحديد معنى وصف المالية اختلافُهُم في مالية بعض الأشياء.

وسأحاول في هذا البحث بيان الأشياء التي اختلفوا في ماليتها، مقدماً بين يدي ذلك فصلاً تمهيدياً في بيان مفهوم صفة المالية عندهم، وقد حرصت على التوثيق من المصادر الأصيلة في هذا كله.

أسأل الله تعالى الهداية والتوفيق، والإعانة والسداد، وحسن العاقبة في الأمور كلها.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

 

الفصل الأول (التمهيدي): في مفهوم صفة المالية وتحته مبحثان:

المبحث الأول: تعريف المال والتمول.

وتحته مطلبان:

المطلب الأول: بيان المراد بالمال عند أهل اللغة.

المطلب الثاني: تعريف الفقهاء للمال.

المبحث الثاني: عناصر صفة المالية.

وتحته خمسة مطالب:

المطلب الأول: عنصر (إمكان الادخار).

المطلب الثاني: عنصر (الانتفاع).

المطلب الثالث: عنصر (حِل الانتفاع).

المطلب الرابع: عنصر (إمكان المعاوضة عنه).

المطلب الخامس: عنصر (العينية).

 

المبحث الأول: تعريف المال والتمول:

المطلب الأول: بيان المراد بالمال عند أهل اللغة:

المال مشتق من (مَول) فعينه واو، ويطلق في اللغة على كل ما يملكه الإنسان من الأشياء.

وبعضهم يطلقه على الذهب والفضة خاصة، وكانت العرب تطلقه غالباً على الإبل خاصة أو على النعم.

والذي يبدو لي أن مصطلح المال عند العرب تطوَّر استعماله باختلاف الأزمنة، وأنه تأثر أيضاً بالأعراف والبيئات.

وقد أشار إلى هذا ابن الأثير في النهاية فقال: (المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم).

وهذا يفيد في رأيي ألا يخضع المصطلح الشرعي في المال لأي من هذه الاستعمالات اللغوية بمفرده، وكذلك المصطلح العرفي؛ فلا تحمل ألفاظ الناس في عقودهم ودعاواهم على أي من هذه الاستعمالات، إلا لوجود القرينة التي تفيد مناسبته دون غيره، قال ابن الأثير: (وقد تكرر ذكر المال على اختلاف مسمياته في الحديث ويفرق فيها بالقرائن).

والمال يجمع على: أموال، وتصغيره: مُوَيل، وهو مذكر ومؤنث، يقال: هو المال، و: هي المال، ومنه قول حسان بن ثابت:

المال تُزري بأقوام ذوي حسب      وقد تُسود غير السيدِ المال [1]

 

المطلب الثاني: تعريف الفقهاء للمال:

سأقتصر في هذا المبحث على نقل ما وجدته من تعريفات للفقهاء للمال، مع بيان أهم ملامحها ومحترزاتها بإجمال.

وقد اختلفت تعريفات الفقهاء للمال؛ نظراً لاختلاف وجهات نظرهم في المعاني الاصطلاحية المرادة منه، وقد ظهر اتجاهان يعكسان وجهة نظر كل منهما؛ أحدهما: اتجاه الأحناف، والآخر: اتجاه الجمهور، كما أُثِرَ في تعريفهم للمال اختلاف المأخذ والوجهة التي عرفوه منها؛ فمنهم من عَرَّفه بصفته، ومنهم من عَرَّفه بوظيفته، ومنهم من عَرَّفه بحِكَمِه..

لكن المؤثِر الرئيس في اختلافهم -والذي كان له أثر حقيقي على الفروع- هو اختلاف الأعراف فيما يُعَدُّ مالاً وما لا يعد، وذلك أنه ليس له حدُّ في اللغة ولا في الشرع، فَحُكِّمَ فيه العرف.

ولعلي أسرد شيئا من تعريفاتهم للمال يتبين فيها ما ذكرته :

أولاً: تعريف الحنفية للمال:

وردت عند فقهاء الحنفية عدة تعريفات للمال، ويلاحظ تباعدها أحياناً، وذلك لاختلاف المأخذ والوجهة التي عرف المال منها:

- تعريف السرخسي: (والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز) [2] .

- تعريف آخر في المبسوط: (ما صح إحرازه على قصد التمول)، قاله في سياق كلامه عن خلاف أبي حنيفة وصاحبيه في تَقَوُّمِ رقِّ أم الولد [3] .

- تعريف البحر الرائق: (وفي الحاوي القدسي: المال: اسم لغير الآدمي خلق لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار) [4] .

- وفي العناية شرح الهداية: (قال محمد -رحمه الله-: المال كل ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير أو حنطة أو شعير أو حيوان أو ثياب أو غير ذلك) [5] .

- تعريف التقرير والتحبير: (المال ما يُصان ويُدَخر لوقت الحاجة)، وفي موضع آخر قال: (المال ما تجري فيه الرغبة والضنة) [6] ، ويلاحظ أنه كان في الأول يتكلم عن المنافع، وفي الثاني عن الكفن يريد نفي المالية عنهما؛ فعرف المال في كل موضع بحسب غرضه.

- تعريف ابن عابدين: (المراد بالمال: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة)، وقد نقله صاحب البحر الرائق أيضاً عن الكشف الكبير [7] .

- تعريف لابن عابدين أيضاً: (المال: المنتفع به في التصرف على وجه الاختيار) [8] .

- تعريف للسرخسي: (وكل عين ينتفع به -غير الآدمي الحر- فهو مال) [9] .

ثانياً: تعريف المالكية للمال:

- تعريف الشاطبي: (وأعني بالمال: ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه، ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها وما يؤدي إليها من جميع المتمولات) [10] .

- تعريف القاضي عبد الوهاب: (يقع في جميع المتمولات التي تتمول في العادة ويجوز أخذ الأعواض عليها) [11] .

- تعريف ابن العربي للمال المعتبر شرعاً حيث قال: (كل ما تمتد إليه الأطماع ويصلح عادة وشرعاً للانتفاع به) [12] ، قاله وهو يُعَرِّف المسروق.

وهذا يخرج المحرم، قال: (فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلق الطماعية فيه، ولا يتصور الانتفاع منه، كالخمر والخنزير مثلاً).


ثالثاً: تعريف الشافعية للمال:

- تعريف الشافعي -رحمه الله تعالى- جاء في الأم: (ولا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها -وإن قَلَّتْ- وما لا يطرحه الناس من أموالهم، مثل الفلس، وما أشبه ذلك الذي يطرحونه) [13] .

وفي موضع آخر: (ولا يقع اسم مال ولا علق إلا على ما له قيمة يُتبايع بها، ويكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها -وإن قَلَّتْ- وما لا يطرحه الناس من أموالهم؛ مثل الفلس وما يشبه ذلك.

والثاني: كل منفعة مُلِكَت وحَلَّ ثمنها، مثل: كراء الدار، وما في معناها مما تحل أجرته) [14] .

- قال السيوطي: (قال الشافعي -رضي الله عنه-: لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قَلَّتْ، وما لا يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك) [15] ، وهو نقل لما سبق بتصرف يسير.

- تعريف الزركشي قال: (المال: ما كان منتفعاً، أي: مستعداً لأن ينتفع به، وهو إما أعيان أو منافع) [16] .

- قال النووي -رحمه الله تعالى-: (فما لا نفع فيه ليس بمال... ولعدم المنفعة سببان:

أحدهما: القلة؛ كالحبة والحبتين من الحنطة، والزبيب، ونحوهما، فإن ذلك القدر لا يعد مالاً..

السبب الثاني: الخسة؛ كالحشرات والحيوان الطاهر ضربان:

ضرب ينتفع به؛ فيجوز بيعه كالنعم والخيل..

الضرب الثاني: ما لا ينتفع به، فلا يصح بيعه؛ كالخنافس، والعقارب، والحيات، والفأر، والنمل ونحوها.. ) [17] .

- تعريف السمعاني: (المال: ما يميل طباع الناس إليه؛ ولهذا سمي مالاً، وطِبَاع الناس تميل إلى هذه الأشياء؛ لمنافع تظهر لها في ثاني الحال، فيكون مالا؛ مثل الأطفال، والجحوش للحمر، والمهر للأفراس).


رابعاً: تعريف الحنابلة للمال:

- تعريف الفتوحي: (ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [18] .

- تعريف الحجاوي: (وهو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة) [19] .

- تعريف ابن بلبان: (وهو ما فيه منفعة مباحة) [20] .

- تعريف ابن قدامة: (وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة) [21] ، وقد علق عليه التنوخي بقوله: (ولو قال المصنف -رحمه الله-: لغير حاجة كان جيداً؛ لأن اقتناء الكلب يحتاج إليه ولا يضطر إليه) [22] .

- جاء في الإنصاف: (علل المصنف الذي ليس بمال -كقشر الجوزة والميتة والخمر- بأنه لا يثبت في الذمة) [23] .

والناظر إلى هذه التعريفات يجد أن للحنفية رأياً مستقلاً في تعريف المال، فيما تبقى المذاهب الثلاثة الأخرى متقاربة في تعريفاتها بما يمكن معه أن نقول: إن للفقهاء في تعريف المال اتجاهين:

الأول للحنفية، والثاني للجمهور.

وأبرز ملامح اتجاه الحنفية انفرادهم بأمرين:

1- أنهم لم يجعلوا إباحة الانتفاع شرعاً شرطاً في المالية؛ مما ساقهم إلى تقسيم المال إلى مُتَقَوَم وغير مُتَقَوَم، بينما اشترط الجمهور إباحة الانتفاع فلم يحتاجوا إلى هذا التقسيم.

2- أنهم اشترطوا إمكان الادخار لوقت الحاجة، فأخرجوا بذلك المنافع ونحوها من أن تكون أموالاً، وخالفهم الجمهور فلم يشترطوا ذلك [24] .


خامساً: تعريفات المتأخرين:

- رجح بعض المتأخرين تعريف المال بأنه: (كل ما يمكن حيازته والانتفاع به على وجه معتاد).

- جاء في معجم لغة الفقهاء تعريف المال بأنه: (كل ما يمكن الانتفاع به مما أباح الشرع الانتفاع به في غير حالات الضرورة كل ما يقوم بمال) [25] .

- عرفه بعض المعاصرين بتعريف يتفق مع مسلك الجمهور، وهو: (ما كان له قيمة مادية بين الناس وجاز شرعاً الانتفاع به في حال السعة والاختيار).

- وذهب الدكتور الدبو إلى تفضيل التعريف الأخير؛ لوضوحه وشموليته، إلا أنه فَضَّل إجراء تعديل طفيف عليه، بحيث يكون هكذا: (المال: كل ما له قيمة عرفاً، وجاز الانتفاع به في حال السعة والاختيار) [26] .

- رجح بعض المتأخرين أن المالية ليست إلا صفة للأشياء، بناء على تحول الناس، واتخاذهم إياها مالاً ومحلاً لتعاملهم، فإذا دعتهم حاجتهم إلى ذلك فمالت إليه طباعهم، وكان في الإمكان التسلط عليه، والاستئثار به، ومنعه من الناس، صار مالاً، ولا يلزم كونه مادة تدخر لوقت الحاجة، بل يكفي أن يكون الحصول عليها ميسوراً غير متعذر عند الحاجة إليه.

وذلك متحقق في المنافع وفي كثير من الحقوق، فإذا تحقق ذلك فيها عُدَّت من الأموال؛ بناء على عرف الناس وتعاملهم.

 

المبحث الثاني: عناصر صفة المالية:

مما سبق سوقه من تعريفات المال عند الفقهاء تتبين ملامح المال لديهم، وماذا يريدون حين يطلقون صفة المالية، فيصفون شيئاً بأنه مال، أو يعلقون حكماً على المالية؛ كقولهم: المعاملات المالية، أو العقوبات المالية، أو العبادات المالية، أو التصرفات المالية، أو الحقوق المالية، أو المؤن المالية، أو المعاوضات أو العقود.. إلخ.

وسأجمل في هذا المبحث أهم العناصر التي تتكون منها صفة المالية عندهم مستخلصة من تلك التعريفات بأسلوب موجز، وذلك في خمسة مطالب:

المطلب الأول: عنصر (إمكان الادخار).

المطلب الثاني: عنصر (الانتفاع).

المطلب الثالث: عنصر (حل الانتفاع).

المطلب الرابع: عنصر (إمكان المعاوضة عنه).

المطلب الخامس: عنصر (العينية).

 

المطلب الأول: عنصر (إمكان الادخار):

معنى الادخار في اصطلاح الفقهاء لا يختلف عن المعنى اللغوي، وهو تخبئة الشيء والاحتفاظ به لوقت الحاجة.

فهل الادخار بهذا المعنى شرط في ثبوت صفة المالية للشيء؟

جاء في تعريف بعض الحنفية للمال النص على ذلك؛ فقد قال ابن عابدين: (المال أعم من المتقوم؛ لأن المال ما يمكن ادخاره ولو غير مباح كالخمر) [27] .

وقال أيضاً: (المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة) [28] ، ونقل صاحب البحر الرائق هذا التعريف أيضاً عن الكشف الكبير [29] .

وجاء في التقرير والتحبير: (المال ما يصان ويدخر لوقت الحاجة) [30] .

وهذا -أعني: اشتراط إمكان الادخار لثبوت صفة المالية- مما انفرد به الحنفية، ولأجل هذا الاشتراط أخرجوا المنافع من أن تكون أموالاً، حيث لا يمكن ادخارها لأنها أعراض لا تبقى زمنين.

وخالفهم في هذا الاشتراط جماهير الفقهاء، فلم يذكروا الادخار من العناصر المكونة للمالية، واعتبروا بالتالي المنافع أموالاً.

وسيأتي مزيد بحث في ذلك في مبحث مالية المنافع إن شاء الله تعالى.

المطلب الثاني: عنصر (الانتفاع):

اتفقت كلمة الفقهاء على اعتبار الانتفاع من عناصر المالية، وأن ما لا منفعة فيه فليس بمال، وإن اختلفت أحياناً عباراتهم في ذلك واحترازاتهم منه:

فمن نصوص الحنفية: جاء في المبسوط: (والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز) [31] ، وجاء فيه أيضاً في معرض حديثه عن المال الضمار: (فليس عليه الزكاة لما مضى؛ لأن معنى المالية في النمو والانتفاع، وذلك منعدم) [32] ، وفيه أيضاً: (وبتخمر العصير لا تنعدم المالية، وإنما ينعدم التقوم شرعاً؛ فإن المالية تكون بكون العين منتفعاً بها..) [33] .

وعند المالكية: قال ابن العربي في تفسير المال الذي يقطع به في السرقة: (هو كل مال تمتد إليه الأطماع، ويصلح عادة وشرعاً للانتفاع به) [34] .

ومن نصوص الشافعية: قال الغزالي في شروط المبيع: (أن يكون منتفعاً به فبه تتحقق المالية) [35] ، وقال السيوطي: (وأما المتمول فذكر الإمام له في باب اللقطة ضابطين:

أحدهما: أن كل ما يقدر له أثر في النفع فهو متمول، وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع فهو لقِلَتِه خارج عما يُتمول) [36] ، وقال النووي: (فما لا نفع فيه ليس بمال) [37] ، وقال الزركشي: (المال ما كان منتفعاً به، أي: مستعداً لأن ينتفع به) [38] .

وفي مغني المحتاج: (فلا يصح بيع ما لا نفع فيه؛ لأنه لا يعد مالاً، فأخذ المال في مقابلته ممتنع للنهي عن إضاعة المال) [39] .

ومن نصوص الحنابلة: جاء في المبدع في شروط البيع: (أن يكون المبيع مالاً وهو ما فيه منفعة مباحة) [40] ، وفي أخصر المختصرات: (وكون مبيع مالاً وهو ما فيه منفعة مباحة) [41] ، وفي منتهى الإرادات: (وهو ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [42] .

وبهذا يتبين اتفاق كلمة المذاهب الأربعة على اعتبار الانتفاع عنصراً أساسياً في المالية.

والانتفاع بالمال ليس جنساً واحداً، بل هو في كل شيء بما يصلح له [43] .

لكنه في كل أحواله مقيد بالحل، فكل انتفاع محرم غير معتبر في المالية، ولا أثر له فيها، بل هو ملغي كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

المطلب الثالث: عنصر (حل الانتفاع):

المراد بحل الانتفاع: أن لا يكون الشيء محرماً، فالحلال نقيض الحرام، وبهذا فهو يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه؛ من حيث الإذن الشرعي بها مع رجحان الفعل في الواجب والمندوب، وتساوي الفعل والترك في المباح، ورجحان الترك في المكروه؛ ولهذا سلك بعض علماء الأصول ذلك في تقسيم الحكم، فقالوا: الحكم قسمان: تحريم وإباحة، والتقسيم الخماسي هو المشهور.

وقد جاء الحل مقابلاً للتحريم في الكتاب والسنة، قال تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [44] ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } [45] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المسور بن مخرمة: " وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً " [46] .

وقد اختلف الفقهاء في حل الانتفاع؛ هل هو شرط في المالية؟

فذهب الحنفية إلى أن حل الانتفاع ليس شرطا في المالية، وليس من ضرورة التحريم سقوط المالية، وهذا دفعهم إلى تقسم المال إلى قسمين: مال مُتَقَوَّم، ومال غير مُتَقَوَّم، فالمال المتقوم عندهم هو ما يباح الانتفاع به شرعاً في حال السعة والاختيار، والمال غير المتقوم هو ما لا يباح الانتفاع به في حال الاختيار؛ كالخمر والخنزير في حق المسلم، وعليه فإنها للذمي تعتبر مالاً متقوماً؛ لأنه يتمولها ولا يعتقد حرمتها، وقد أمرنا بتركهم وما يدينون [47] .

وهذا يعني أنه ليس من ضرورة التحريم سقوط المالية عند الحنفية، بل سقوط التقوم فقط، فإن التقوم يثبت بالمالية وبإباحة الانتفاع معاً، فإن تخلف شرط الإباحة لم يكن متقوماً وإن بقي مالاً؛ كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلم، وإن تخلَّف شرط المالية لم يكن متقوماً وإن كان مباحاً؛ كحبة القمح مثلاً، فالمالية أعم من التقوم [48] .

وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن حل الانتفاع شرط في المالية، وأن كل ما لا يباح الانتفاع به شرعاً فليس بمال أصلاً؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، والدم، والأصنام، والصلبان، وآلات الملاهي، ونحو ذلك، وينبني عليه عدم صحة المعاوضة عليها، وعدم ضمانها بالإتلاف.

إلا أن المالكية قد أوجبوا الضمان على متلف خمر الذمي بقيمته، لا مثله لاعتباره مالاً في حقه، كما ذكرته آنفاً.

ولذلك لا تجد عند الجمهور تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم بالمعنى الذي قصده الحنفية، وهم إذا أطلقوا لفظ (المتقوم) فإنما يريدون به ما له قيمة مادية بين الناس، وقابلية لأن يكون له بدل في العقود.

والمراد بحل الانتفاع: الحل المطلق في جميع الأحوال، أما ما أبيح لأجل الضرورة والحاجة فقط مع تحريمه بدونهما فليس بمال؛ كالكلب الذي يباح اقتناؤه للحاجة، وكالخمر والخنزير والميتة التي يباح تناولها للضرورة، فلا تكون لذلك أموالا؛ لأنها إباحة عارضة لأجل الحاجة والضرورة، لا مطلقة في كل الأحوال [49] .

المطلب الرابع: عنصر (إمكان المعاوضة عنه):

هذا العنصر مما تكاد تطبق عليه المذاهب، فقد جعل الفقهاء المالية شرطاً في صحة المعاوضة، كما جعلوا صحة المعاوضة أمارة على المالية، مما يدل على تلازمهما تماماً ونصوصهم في ذلك كثيرة جداً:

فمن نصوص الحنفية في ذلك:

جاء في المبسوط: (وكذلك في البيع بالخمر؛ فإن ركن العقد المالية في البدلين، وبتخمر العصير لا تنعدم المالية، وإنما ينعدم التقوم شرعاً) [50] .

وفي أصول السرخسي في ربا الفضل: (المراد الفضل الخالي عن العوض.. ثم خُلُوُ الفضل عن العوض لا يظهر يقيناً بعدد الحبات والحفنات، ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعاً في الوصف الذي صار به محلاً للبيع وهو المالية) [51] .

كما نصوا على أن المال قد يكون ثمناً وقد يكون مثمناً، ففي أنيس الفقهاء: (والأموال أنواع: نوع ثمن بكل حال؛ كالنقدين صحبة الباء أو لا، قوبل بجنسه أو بغيره، ونوع مبيع بكل حال، وهو ما ليس من ذوات الأمثال؛ كالثياب والدواب والمماليك، ونوع ثمن بوجه، مبيع بوجه، كالمكيل والموزون، فإذا كان معيناً في العقد كان مبيعاً، وإن لم يكن معيناً وصحبه الباء وقابله مبيع فهو ثمن، ونوع ثمن بالاصطلاح وهو سلعة في الأصل، فإن كان رابحاً كان ثمناً وإن كان كاسداً كان سلعة) [52] .

ومن نصوص المالكية في ذلك:

جاء في الإشراف: (يقطع في جميع المُتمولات التي تُتمول في العادة، ويجوز أخذ الأعواض عليها) [53] .

وفي بداية المجتهد: (القطع في كل مُتمول يجوز بيعه وأخذ العوض فيه) [54] .

وأما الشافعية فمن نصوصهم:

جاء في الأم قول الشافعي -رحمه الله تعالى-: (ولا يقع اسم مال ولا علق إلا على ماله قيمة يتبايع بها، ويكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها -وإن قَلَّتْ- وما لا يطرحه الناس من أموالهم، مثل الفلس وما يشبه ذلك)، وقال في موضع آخر: (ولا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها -وإن قَلَّتْ- وما لا يطرحه الناس من أموالهم؛ مثل الفلس وما أشبه ذلك الذي يطرحونه) [55] .

ومن نصوص الحنابلة:

ما جاء في كشاف القناع وغيره في شروط البيع: (الشرط الثالث: أن يكون المبيع والثمن مالاً؛ لأنه مقابَل بالمال، إذ هو مبادلة المال بالمال).

والفقهاء رحمهم الله تعالى كثيراً ما يقرنون التقويم بالمالية، والتقويم مصدر: قَوَّمْت المتاع، أي: حددت له قيمة معلومة، والقيمة هي الثمن الذي يقاوم به المتاع، سميت بذلك لأنها تقوم مقامه [56] ، وهذا هو المعاوضة.

بل إنهم كثيراً ما يذكرون حدوث صفة المالية، (أي: عرضيتها بعد أن كانت معدومة)، وزوالها وفواتها بعد أن كانت موجودة، وزيادتها ونقصانها وتفاوتها، وهم يعنون بصفة المالية في ذلك كله، القيمة التي تقابل الشيء في المعاوضات، مما يدل على أن إمكان المعاوضة عنصر رئيس من العناصر المكونة للمالية.

فذكر حدوث المالية مثلاً في المبسوط للسرخسي (2\ 205)، والوسيط للغزالي (3\ 408)، ومغني المحتاج للشربيني (2\ 291).

وذكر زوالها في المنثور للزركشي (2\ 181)، وروضة الطالبين للنووي (5\ 44)، ومغني المحتاج (2 14 و129 و290) و(3\ 203)، والمغني لابن قدامة (6\ 460)، والإنصاف للمرداوي (3\ 148).

وذكر زيادتها في المغني لابن قدامة (11\ 505).

وذكر نقصانها في المبسوط (4\ 158) و(5\70)، والبحر الرائق لابن نجيم (3\ 176) و(6\ 14)، ومغني المحتاج (4\ 286)، والمغني لابن قدامة (11\ 505).

وذكر تفاوت المالية في المبسوط (5\ 88)، والهداية للمرغيناني (3\ 72)، ورد المحتار لابن عابدين (4\536)، ولقد آثرت الإحالة عليها دون نقل نصوصهم لئلا يطول المقام.

وهم في كل ذلك يعنون بصفة المالية القيمة التي تقابل الشيء في المعاوضات والتي يقوم بها في الضمانات وقد نص بعضهم على هذا التفسير، فقد قال الغزالي الشافعي: (لأن المالية باقية ببقاء القيمة) [57] ، وقال ابن نجيم الحنفي: (لأن المقصود نقصان المالية وذلك بانتقاص القيمة) [58] ، وقال ابن ضويان الحنبلى في الخيارات: (الخامس: خيار العيب، والعيوب: النقائص الموجبة لنقص المالية في عادة التجار) [59] .

المطلب الخامس: عنصر (العينية):

نسبة إلى العين، والعين في اللغة تطلق -بالاشتراك- على نحو من عشرين مسمى؛ منها: العين الباصرة، وعين الماء، وعين الشمس، والعين الجارية، والجاسوس، وما ضرب من الدنانير، وذات الشيء، وخيار الشيء وغيرها، ويتبن المراد من سياق الكلام.

ويختلف جمع العين بحسب معناها، فتجمع مثلاً عين الحيوان الباصرة على أعين وأعيان وعيون، وتجمع العين بمعنى الدنانير المضروبة على أعيان، ولغير المضروبة على عيون وأعين [60] .

ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذه المعاني اللغوية؛ لكنهم أكثر ما يستعملون مصطلح الأعيان لأحد معنيين:

الأول: الأعيان في مقابل الديون، وهو الأكثر في استعمالهم، فيعنون بالأعيان الأموال الحاضرة نقداً أو غيره، ويعنون بالديون ما يثبت في الذمم بعقد أو استهلاك أو غيرهما.

الثاني: الأعيان في مقابل المنافع، وهذا كثير في استعمالهم، حيث يقولون: إن المال قسمان: أعيان، ومنافع، ويعنون بالمنافع: الفوائد العرضية التي تستفاد من الأعيان بالاستعمال مع بقاء أصول الأعيان، ويعنون بالأعيان هذه الأصول.

وأياً كان مرادنا بالعينية في هذا المبحث -أي: سواء أكان المحترز منه المنافع، أم كان المحترز منه الديون- فإن الخلاف في اعتبارها عنصراً من عناصر المالية هو ذاته، حيث يخالف الحنفية الجمهور، فيرى جمهور الفقهاء عدم اشتراط العينية لثبوت صفة المالية -بالاعتبارين- ويدخلون المنافع والديون في مسمى المال، فيما يرى الحنفية اشتراطها -بالاعتبارين- ولا يعدون المنافع ولا الديون أموالاً.

كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- في المبحثين المتعلقين بمالية المنافع والديون، لكني أحببت أن أنبه إلى الملحظ السابق تتميماً للفائدة ودفعاً لما قد يرد من التباس.



[1] المصباح المنير، ولسان العرب، الصفحات السابقة.

[2] المبسوط (11\ 79).

[3] المبسوط (7\ 160).

[4] البحر الرائق (5\ 277).

[5] العناية (2\ 258).

[6] التقرير والتحبير لمحمد بن محمد بن عمر الحنفي (3\173) و(1\208).

[7] البحر الرائق (5\ 277).

[8] حاشية رد المحتار (4\ 502).

[9] أصول السرخسي (2\ 404).

[10] الموافقات (2\ 17).

[11] الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2\ 271)، ونحوه في المعونة (3\ 1421).

[12] أحكام القرآن لابن العربي المالكي (2\ 607).

[13] الأم (5\ 171).

[14] الأم (5\ 63).

[15] الأشباه والنظائر للسيوطي ص (327).

[16] المنثور للزركشي (3\ 222).

[17] روضة الطالبين (3\ 350).

[18] منتهى الإرادات للفتوحي تحقيق: عبد الغني عبد الخالق (1\ 256).

[19] الإقناع للحجاوي (2\ 156).

[20] أخصر المختصرات لابن بلبان الدمشقي تحقيق: محمد العجمي ص (163).

[21] المقنع (2\ 5)، مع حاشية الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى.

[22] الممتع في شرح المقنع للتنوخي (3\ 14).

[23] الإنصاف (12\ 207).

[24] راجع: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء للدكتور نزيه حماد ص (293).

[25] معجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعه جي (ص 366، 367).

[26] ضمان المنافع للدكتور إبراهيم فاضل الدبو ص (228، 229).

[27] رد المحتار (4\ 501).

[28] المصدر السابق.

[29] البحر الرائق (5\ 277).

[30] التقرير والتحبير (3\ 173).

[31] المبسوط ( 11\79).

[32] المبسوط (2\ 171).

[33] المبسوط (13\ 25)، وانظر: بدائع الصنائع (5\ 143) ورد المحتار (4\ 502) والبحر الرائق (5\ 277).

[34] أحكام القرآن لابن العربي (2\ 607).

[35] الوسيط (3\ 19).

[36] الأشباه والنظائر للسيوطي ص (327).

[37] روضة الطالبين (3\ 350).

[38] المنثور للزركشي (3\ 222).

[39] معجم المحتاج (2\ 11).

[40] المبدع (4\ 9).

[41] أخصر المختصرات لابن بلبان ص (163).

[42] منتهى الإرادات (1\ 256).

[43] انظر: رد المحتار (4\ 502).

[44] سورة البقرة الآية 275

[45] سورة التحريم الآية 1

[46] صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ما ذكر من ورع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه (6\ 212) برقم (3110)، في صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل فاطمة رضي الله عنها (16\3) برقم (2449).

[47] المبسوط (5\ 38- 40) و(13\ 25)، وبدائع الصنائع (7\147)، وحاشية ابن عابدين (4\ 501) و(6\ 520).

[48] المبسوط (5\ 39، 40) و(13\ 25)، وبدائع الصنائع (1\147)، وحاشية ابن عابدين (4\ 501).

[49] المبدع (4\ 9)، ومعونة أولي النهى (4\ 13- 14)، وكشاف القناع (3\ 1400)، ورد المحتار (5\ 69).

[50] المبسوط (13\ 25).

[51] أصول السرخسي (2\ 126).

[52] أنيس الفقهاء ص (222).

[53] الإشراف في مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2\ 171).

[54] بداية المجتهد (2\ 551، 552).

[55] الأم (5\ 63 و171)، وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص (327).

[56] المصباح المنير ص (199، 198).

[57] الوسيط (3\ 144).

[58] البحر الرائق (6\ 40، 41).

[59] منار السبيل (1\ 319).

[60] المصادر السابقة.

رسالة الإسلام

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com