البحث فقط في هذا القسم

الصفحة الرئيسية      شهادة المراقب والمدقق الشرعي المعتمد * تنظيم دار المشورة بدمشق      مقادير زكاة الفطر وزكاة الذهب بما يساويها من الليرة السورية      إجارة العين لمن باعها إجارة منتهية بالتمليك – نظرة فقهية      الدوحة تستضيف المؤتمر الأول للمال الإسلامي بحضور مصرفيين ورجال أعمال      دورة تأهيلية للأئمة والخطباء في دمشق برعاية وزارة الأوقاف      عظمة إعجاز النظام الزكوي في الإسلام تمتد لمواقيته الزمانية     

الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | قضايا فقهية ومالية متنوعة | الأشياء المختلف في ماليتها عند الفقهاء (2-2)  

الأشياء المختلف في ماليتها عند الفقهاء (2-2)
صالح بن عبد الله اللحيدان


الفصل الثاني: الأشياء التي اختلف في ماليتها وفيه ستة مباحث:

المبحث الأول: في مالية الدين:

يقال في اللغة: داينت فلاناً، إذا عاملته ديناً، إما أخذاً وإما عطاءً، ويقال: دنت الرجل، وأدنته: إذا أخذت منه ديناً؛ فأنا مدين ومديون.

قال في المصباح المنير: (وقوله تعالى: { إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } [1] ، أي: إذا تعاملتم بدَيْن من سلم وغيره، فثبت بالآية وبما تقدم أن الدَيْن لغة: هو القرض وثمن المبيع؛ فالصداق والغصب ونحوه ليس بدَين لغة، بل شرعاً على التشبيه؛ لثبوته واستقراره في الذمة).

وقال في القاموس: (الدَين: ما له أجل كالدِينة -بالكسر- وما لا أجل له فقرض).

والكلمة (د ي ن) أصل في اللغة من الانقياد والذل، وإلى هذا المعنى ترجع كل فروع هذا الأصل، وهو في الدين الذي نقصده ظاهر.

وأما في اصطلاح الفقهاء فقد استعمل الفقهاء الدين بمعنيين:

أحدهما: بالمعنى الأعم؛ فيريد به مطلق الحق اللازم في الذمة، بحيث يشمل كل ما ثبت في الذمة من الأموال -أياً كان سبب وجوبها- أو حقوق محضة، مما يطالب به المرء، مالية كانت أو غير مالية؛ كصلاة فائتة، وزكاة وصيام، وغير ذلك.

كما يشمل ما ثبت بسبب قرض أو إجارة أو إتلاف أو جناية أو غير ذلك.

وقد جرى أكثر الفقهاء على استعمال كلمة (دَين) بهذا المعنى، وبناء على هذا الاعتبار فلا يشترط في الدين أن يكون مالاً، وإن كان مالاً فلا يشترط أن يكون ثابتاً في معاوضة أو إتلاف أو قرض، وهذا الاستعمال هو الذي جاء في كثير من الأحاديث النبوية، وليس هذا الاستعمال ما نقصده هنا.

الثاني: بالمعنى الأخص -أي: في الأموال-، فيطلقونه على ما وجب في الذمة من مال، وقد اختلفوا في حقيقته بهذا الاستعمال -بالنظر إلى سبب الوجوب في الذمة- على رأيين:

الرأي الأول للحنفية: وهو أن الدَين عبارة عما يثبت في الذمة من مال نتيجة معاوضة أو إتلاف أو قرض.

جاء في فتح القدير: (الدَين: اسم لمال واجب في الذمة يكون بدلاً عن مال أتلفه، أو قرض اقترضه، أو مبيع عقد بيعه، أو منفعة عقد عليها، من بضع امرأة -وهو المهر- أو استئجار عين) [2] .

فيخرج من مسمى الدين عندهم كل ما ثبت بغير هذه الأسباب الثلاثة؛ كالزكاة، والدين، وأرش الجناية، ونحو ذلك..

والرأي الثاني للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة:

وهو أن الدَين: كل ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته، فيدخل فيه كل الديون المالية، أياً كان سبب ثبوتها، وسواء أكان لله تعالى كالزكاة، أم لآدمي، ويخرج عنه الواجبات غير المالية في الذمة؛ من صلاة فائتة، وإحضار خصم إلى مجلس الحكم، ونحو ذلك..

وبعد هذا البيان يأتي السؤال الذي سقت هذه المقدمة من أجله: هل الدَين مال؟ لا خلاف بين الفقهاء في أن الحق الواجب في الذمة إذا لم يكن مالياً أنه لا يعتبر مالاً، ولا يترتب عليه شيء من أحكام المال [3] .

أما إذا كان الدَين الشاغل للذمة مالياً؛ فقد اختلف الفقهاء في اعتباره مالاً حقيقة على قولين:

القول الأول: أن الدَين في الذمة ليس مالاً حقيقة، بل هو مال حكمي، أي: أن له حكم المال وليس مالاً حقيقياً، وسمي مالاً مجازاً نظراً لصيرورته مالاً في المآل.

وهذا هو رأي الحنفية وأحد الطريقين عند الشافعية.

ووجه هذا الرأي: أن الدين إنما هو مجرد وصف شاغل للذمة لا يتصور قبضه حقيقة، فالقبض إنما يتصور في الأعيان، وأن المالية إنما هي من صفات الموجود، وليس هاهنا شيء موجود، ولكن نظراً لصيرورته مالاً في المآل سمي مالاً، فهو مال باعتبار مآله، حيث يؤول بالقبض إلى مال، ولأجل حاجة الناس في تعاملاتهم جُعل مالاً في الحكم، ولذا كانت البراءة منه تصح بلا قبول؛ لعدم المالية الحقيقية، غير أنها ترتد بالرد للمالية الحكمية، وهبة العين لا تصح بلا قبول بحال [4] .

الرأي الثاني: أن الدَين مال حقيقة، وهو الطريق الآخر عند الشافعية.

ووجهه: أنه يثبت به لصاحبه حكم اليسار، حتى تلزمه نفقة الموسرين وكفارتهم، ولا تحل له الصدقة [5] .

وهذا هو رأي أبي حنيفة في رواية عنه في الدين القوي.

ويتفرع على هذا الخلاف فروع منها: هل يجوز بيع الدَين من غير من عليه الدين؟ إن قلنا: إنه مال جاز، أو حق فلا؛ لأن الحقوق لا تقبل النقل إلى الغير.

ومنها: الإبراء من الدَين هل هو إسقاط أو تمليك؟

ومنها: لو حلف لا مال له وله دين حالٌّ على مليء هل يحنث أو لا يحنث؟

ومنها: الوصية بالمال، هل يدخل فيها ما له على الناس من الديون؟

وهنا أنبه إلى أمرين:

الأول: أن الخلاف في مالية الدَين إنما هو في حق من له الدَين، أما المدِين فلا يعتبر مالاً في حقه قطعاً، وهذا واضح من التعليلات فيما سبق؛ لكني أحببت التنبيه إليه.

وقد صرح به صاحب المنثور حيث قال في سياق كلامه في الدَين هل هو إسقاط أو تمليك: (توسط ابن السمعاني فقال: إنه تمليك في حق من له الدَين، إسقاط في حق المديون، وذلك لأن الإبراء إنما يكون تمليكاً باعتبار أن الدين مال، وهو إنما يكون مالاً في حق من له الدين؛ فإن أحكام المالية إنما تظهر في حقه) [6] .

الثاني: ذَكَرَ بعض الحنفية اعتبار الدين مالاً في بعض الأبواب استثناء، كباب المهر: قال في البحر الرائق -عند شرح قول صاحب الكنز-: (وأقله عشرة دراهم)، قال: (وشمل الدين والعين: فلو تزوجها على عشرة دين له على فلان صحت التسمية؛ لأن الدين مال، فإن شاءت أخذته من الزوج، وإن شاءت ممن عليه الدين، كذا في المحيط، زاد في الخانية: ويؤاخذ الزوج حتى يوكلها بقبض الدَين من المديون ا.هـ.

فقد جعلوا الدين مالاً هنا، وأدخلوه تحت قوله تعالى: { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } [7] ، ولم يجعلوه مالاً في الزكاة، فلم يَجُز الدين عن العين، ولا في الأيمان، فلو حلف لا مال له وله دين على موسر لا يحنث) [8] ، وقال أيضاً في موضع آخر: (وهل يدخل تحت الوصية بالمال ما على الناس من الديون؟ قالوا: إن الدين ليس بمال حتى لو حلف أن لا مال له وله دين على الناس لم يحنث، ولا شك أن الدين تجب الزكاة فيه بشرط القبض، فينبغي أن يدخل تحت النذر بالمال، ولكن في الخانية: ولا تدخل الديون، وفي كلام الشارح في الوصايا ما يفيد دخول الدَين في الوصية بالمال؛ لأنه يصير مالاً بالاستيفاء، فتناولته الوصية خصوصاً، قالوا: إنها أخت الميراث وهو يجري فيهما) [9] .

الترجيح:

الذي يظهر لي بعد عرض القولين، وما علل به أصحاب كل قول: وجاهة قول من يرى أن الدين مال؛ لصحة ما عللوا به ووضوحه، وأما ما بنى عليه الحنفية رأيهم من أن المالية إنما هي من صفات الموجود من الأعيان فغير مُسَلَّم، بل هو محل الخلاف من الأصل.

ومع ذلك: تبقى الآثار المبنية على هذا الخلاف يسيرة في رأيي، بل وينزعها غالباً قواعد أخرى غير المسألة التي نحن بصددها.

والله تعالى أعلم.

 

المبحث الثاني: في مالية المنفعة:

المنفعة لغة: اسم مصدر من النفع، وهو الخير وكل ما يتوصل الإنسان به إلى مطلوبه [10] .

وهذا يعني أن المنفعة في اللغة تشمل كل ما يمكن استفادته من الشيء، عرضاً كان؛ كسكنى الدار، وركوب الدابة.

أو مادة؛ كاللبن، والولد من الحيوان، وكالثمرة من الشجرة، ونحوها.. [11] .

أما عند الفقهاء: فالمنفعة لا تطلق في اصطلاح أكثر الفقهاء إلا على الفائدة العرضية التي تستفاد من الأعيان بالاستعمال؛ كسكنى المنازل، وركوب الدابة، ولبس الثوب، وعمل العامل.

ولا تتناول الفوائد المادية؛ كاللبن، والولد من الحيوان، والثمرة من الشجرة، وأجرة الأعيان ونحوها، وإنما يسمى ذلك غلة وفائدة [12] .

قال في مغني المحتاج: (والمراد بالفائدة: اللبن والثمرة ونحوهما، وبالمنفعة: السكنى واللبس ونحوهما) [13] .

وقال ابن عرفة في تعريف المنفعة: (ما لا يمكن الإشارة إليه حساً دون إضافة يمكن استيفاؤه، غير جزء مما أضيف إليه).

وهو يعني بذلك إخراج الأعيان التي يشار إليها حساً دون إضافة: كالثوب والدابة، أما المنفعة فلا بد فيها من الإضافة، فتقول: لُبس الثوب، وركوب الدابة [14] .

وعرفها الزنجاني بقوله: (وحقيقتها عندنا تهيؤ الأعيان واستعدادها بهيئتها وشكلها لحصول الأغراض منها، وكذلك كل عين لها هيئة تتميز بها عن الأخرى، وبها تستعد لحصول الغرض منها فهي منفعتها، وهذه الهيئات أعراض متجددة توجد وتفنى كسائر الأعراض) [15] .

فهل هذه المنافع داخلة في مسمى المال عند الفقهاء؟ اختلف الفقهاء في مالية المنافع على رأيين:

الرأي الأول: أن المنافع ليست أموالاً مُتقوَّمة في حدِّ ذاتها، بل مجرد ملك، وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه جماهير الحنفية، وقد صرحوا به في مواضع كثيرة من كتبهم، واستثنوا ما إذا ورد على المنفعة عقد معاوضة، وقالوا: إن هذا الاستثناء على خلاف القياس؛ لورود النص، ولجريان العرف به، فلا يقاس عليه.

وقد استدل هؤلاء على عدم مالية المنافع بما يلي:

1-             أن المال ما من شأنه أن يُتمول، بأن يُحرز ويُدخر للانتفاع وقت الحاجة، وذلك غير مُتصور في المنافع؛ لأنها أعراض تحدث وتتلاشى، ولا تبقى زمانين؛ فلا تكون أموالاً [16] .

2-             لو كانت المنافع أموالاً لوجب ضمانها عند الاعتداء عليها بمنافع مثلها؛ تحقيقاً للمماثلة في الضمان، وهي لا تضمن بمنافع مثلها، ولا تضمن بالأعيان بطريق الأولى؛ لاختلافهما صورة ومعنى، وعليه فليست مالاً [17] .

3-             أن المنفعة يتصرف فيها بوصف الاختصاص من غير إمكان الادخار والإحراز، وهذا شأن الأملاك لا الأموال [18] .

4-             أن حاصل الأعيان راجع إلى أفعال يُحدثها الشخص المنتفع في الأعيان بحسب ارتباط المقصود بها، وكما توجد تنتفي، غير أن الشرع نزَّلها منزلة الأعيان في حق جواز العقد عليها رخصة، فتعين الاقتصار عليها، وعدم الحكم بأنها أموال قائمة بالأعيان [19] .

5-             أن المنافع لا وجود لها، وإنما يقدر وجودها في الإجارة ونحوها؛ لأجل تصحيح العقد عليها [20] .

تنبيه: قد يرد في بعض كتب الحنفية ما يشعر أن المنفعة مال عندهم، فمن ذلك: ما جاء في العناية شرح الهداية في سياق صلاحية المنافع لتكون أجرة إذا اختلف جنس المنافع، كما إذا استأجر سكنى دار بركوب دابة قال: (لأنه عوض مالي؛ فيعتمد وجود المال، والأعيان والمنافع أموال؛ فجاز أن تقع أجرة) [21] ، ولعل هذا من قبيل التجوز، وأن مراده أن المنفعة شيء يصلح ليكون ثمناً ومثمناً في الإجارة، كما صرح به في سياق كلامه، يؤيد ذلك: موافقته صاحب الهداية حين صرَّح بنفي المالية عن المنافع في باب الوصية بالسكنى والخدمة والثمرة [22] .

الرأي الثاني: أن المنافع أموال بذاتها: وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وقسموا الأموال إلى أعيان ومنافع:

قال الزنجاني: (معتقد الشافعي -رضي الله عنه-: أن منافع الأعيان بمنزلة الأعيان القائمة في المالية.. وهي أموال مُتَقَوَّمة؛ فإنها خلقت لمصالح الآدمي، وهي غير الآدمي)، بل إنه قال بأن إطلاق لفظ المال على المنافع أحق منه على العين؛ لأن الأعيان لا تسمى مالاً إلا لاشتمالها على المنافع، ولذلك لا يصح بيعها بدونها.

والقول بمالية المنافع هو لازم رأي زفر من الحنفية؛ حيث قال بأن المنافع مُتَقَوَّمة بأنفسها ومضمونة بجميع قيمتها بمنزلة الأعيان، مخالفاً أصحابه في ذلك [23] .

ولعله راعى وقوع الملك عليها، وجواز المعاوضة عنها؛ مما يجعلها مالاً من وجه، جاء في المبسوط في زكاة المال: (لأن المنافع مال من وجه، لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه..) [24] .

مع أن بعض الشافعية يرى أن إطلاق اسم المال على المنافع إنما هو من باب المجاز لا الحقيقة، قال الشربيني: (المنافع ليست أموالاً على الحقيقة، بل ضرب من التوسع والمجاز، بدليل أنها معدومة لا قدرة عليها؛ ولهذا اختلف العلماء في صحة العقد عليها، فقد منع جماعة صحة الإجارة، وأنه لو حلف شخص لا مال له، وله منافع يحنث [25] على الصحيح؛ كما قاله الرافعي، وأنه لو أقر بمال ثم فسره بمنفعة لم يقبل؛ كما دل عليه كلام الرافعي أيضاً، وقولهم في الوصية: إن الوصية تحسب قيمتها من الثلث، معناه: أنها كالمال المفوت، لا أنها في نفسها مال؛ لأنها لا وجود لها، وإنما يقدر وجودها لأجل تصحيح العقد عليها) [26] ، وجاء مثل هذا في المنثور للزركشي [27] .

ونحو هذا ما جاء في المبسوط للسرخسي في باب زكاة المال: (وفي الأجرة ثلاث روايات عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-: في رواية جعلها كالمهر؛ لأنها ليست ببدل عن المال حقيقة؛ لأنها بدل عن المنفعة، وفي رواية جعلها كبدل ثياب البذلة؛ لأن المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه.. ) [28] .

والذي يظهر لي: أن ما ذكروه من أمثلة ليس المؤثر فيه الحقيقة والمجاز في اللغة، بل هو اختلاف الحقيقة عرفاً، فقد يتعارف الناس على خروج المنفعة عن مسمى المال، وعلى حسب عرفهم تفسر ألفاظهم في الأيمان والوصايا والإقرارات ونحوها مما عماده الألفاظ، وهذه القاعدة -أعني: قاعدة حمل ألفاظ الناس على أعرافهم، وتقرير موجباتها بناء على العرف- قد أكَّد عليها جمع من العلماء المحققين، وذكروا أن العرف قرينة تصرف اللفظ، بناء على أن العرف اصطلاح حادث طرأ على أصل اللغة، فهو مقصود المتكلم عند الإطلاق، ما لم يُنصّ على خلافه.

يدل على ذلك: أنه مع تسليم الحنابلة بدخول المنافع في مسمى المال نجد الفتوحي -رحمه الله- يُعَرِّف البيع في المنتهى بقوله: (مبادلة عين مالية، أو منفعة مباحة مطلقاً بإحداهما، أو بمال في الذمة..)، ويقول في الشرط الثالث من شروط البيع: (كون مبيع مالاً، وهو ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [29] ، ويعلق في معونة أولي النهى بأن ذلك يشمل صوراً، (هي مبادلة عين مالية بعين مالية، ومبادلة عين مالية بمنفعة مباحة، ومبادلة منفعة مباحة بعين مالية، ومبادلة منفعة مباحة بمنفعة مباحة..) [30] ، وهم يريدون بذلك الإطلاق العرفي؛ بدليل استدراك البهوتي في كشاف القناع على الحجاوي في قوله: (أن يكون المبيع والثمن مالاً، وهو ما فيه منفعة لغير حاجة أو ضرورة)، فقد علَّق عليه البهوتي بقوله: (كان ينبغي أن يقال هنا: كون المبيع مالاً، أو نفعاً مباحاً مطلقاً، أو يُعْرَفُ المال بما يعُمُّ الأعيان والمنافع) [31] ، فهو يفيد تسليم عمومه فيهما، وإن ظهر من تعبيراتهم التغاير بين المال والمنفعة.

استدل الجمهور القائلون بأن المنفعة مال بأدلة منها:

1-             أن المنفعة ينطبق عليها وصف المال، فإن المال اسم تميل إليه النفس مما خلق لمصالحنا، والمنافع كذلك.

2-             صلاحية المنفعة شرعاً لأن تكون مهراً في النكاح، ولم يشرع ابتغاء النكاح إلا بالمال، قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } [32] ، فدل على مالية المنفعة، ودليل صحة جعلها مهراً أن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلاً بما معه من القرآن، وكذلك قصة موسى مع صالح مدين حين قال لموسى -عليهما السلام-: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } .. الآية [33] .

3-             أن الشارع قد جعل المنفعة مقابلة بالمال في عقد الإجارة، وهو من عقود المعاوضات المالية.

4-             أن الأعيان إنما تقصد وتعتبر أموالاً لا لذاتها، بل لما تشتمل عليه من المنافع، فالمنافع هي الغرض المقصود من جميع الأعيان في عرف الناس ومعاملاتهم، فكيف لا تعتبر بنفسها أموالاً.

5-             أن في عدم اعتبارها أموالاً تضييعاً لحقوق الناس، وإغراء للظلمة في الاعتداء على منافع الأعيان التي يملكها غيرهم، وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشريعة وعدالتها.

الترجيح:

الذي يترجح -في نظري- إنما هو رأي الجمهور القائلين بمالية المنافع؛ لقوة أدلتهم، وموافقتهم لعرف الناس ومعاملاتهم، مما يتمشى مع الأصل في المعاملات، وهو الحل والتيسير.

ومما يدل على قوته: أن العقد يرد عليها، وتصير مضمونة به حتى عند المخالفين، وهذا آية ماليتها؛ إذ لو لم تكن مالاً في ذاتها؛ لما صارت مالاً بالعقدة، لأن العقود لا تقلب حقائق الأشياء، بل تقرر خصائصها.

 

ثمرة الخلاف في مالية المنافع:

يترتب على الخلاف في مالية المنافع الخلاف في فروع، منها:

1-             أن منافع العين المغصوبة مضمونة بالفوات والتفويت، فإذا غصب رجل داراً وسكنها سنين؛ وجبت عليه أجرتها لصاحبها عن هذه السنين عند الجمهور من الشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية: فلا أجرة عليه؛ لأنها كانت في ضمانه فله خراجها، ولأنه هو الذي صيَّرها مالاً بالعقد عليها؛ لأن المنافع لا تكون مالاً إلا بالعقد عليها -كما مر-، ومن صيَّر ما ليس بمال من ملك الغير مالاً بفعله؛ كان ذلك المال له، وعن الإمام مالك روايتان كالرأيين.

2-             أن المنافع يجوز أن تكون صداقاً عند الجمهور، ولا يجوز جعلها صداقاً عند الحنفية؛ لقوله تعالى: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } [34] ، والمنافع لا يتأتى فيها الإعطاء والأكل، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } [35] ، والمنافع ليست مالاً [36] .

وقد استدل الجمهور بهذه الآية أيضاً، مع ما ورد من إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بما معه من القرآن، وبقصة صالح مدين مع موسى -عليه السلام- كما مر بيانه آنفاً.

3-             أن الشقص الممهور يأخذه الشريك بالشفعة عند الجمهور بمهر المثل، وكذلك إذا جعل بدل خلع فإن الشريك يأخذه شفعة بمهر المثل عند الجمهور؛ لأن البضع منفعة مُتَقَوّمة، وقيمته مهر المثل، وأما عند الحنفية فلا تثبت فيه الشفعة؛ لأن منافع البضع ليست بمال عندهم.

4-             أن شهود الطلاق بعد الدخول إذا رجعوا غرموا مهر المثل عند الجمهور، بناء على أن منفعة البضع مال مُتَقَوَّم شرعاً، ولا يغرمون عند الحنفية؛ لأن منفعة البضع في نفسها ليست مالاً، والمهر قد تأكد بالدخول؛ ولذا قال الحنفية: إنهم إذا شهدوا عليه بالطلاق قبل الدخول ثم رجعوا، غرموا نصف المهر؛ لأنهم قرروا عليه مالاً كان على شرف السقوط [37] ، وبمثل قول الحنفية في هذه المسألة قال الحنابلة في الصحيح من المذهب، والرواية الأخرى عن أحمد: أنهم يغرمون المهر كله، وصَوَّبه المرداوي [38] .

5-             إذا مات المستأجر قبل انتهاء المدة فهل ينفسخ عقد الإجارة؟ قال الحنفية بانفساخه؛ لأن منافع المأجور ليست مالاً فتورث، ولأن الوراثة خلافة عن الميت، ولا تتصور إلا فيما يبقى في حياة المورث والوارث معا حتى تتحقق الخلافة، وليست المنافع كذلك.

6-             إذا حلف شخص لا مال له، وله منافع؛ يحنث عند الجمهور، خلافاً للحنفية [39] .

7-             لو أقرَّ بمال مجملاً، ثم فسره بمنفعة، هل يقبل تفسيره أو لا؟

رأيان [40] .

 

المبحث الثالث: في مالية الآدمي:

للآدمي خصوصية عن غيره؛ حيث يجب شرعاً تكريمه باعتباره إنساناً، بصرف النظر عما يتصف به من ذكورة أو أنوثة، ومن حُرية أو رِق، ومن صِغر أو كِبر، بل ومن إسلام أو كفر [41] ؛ وذلك عملاً بقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } [42] .

وهذا التكريم له عدة مظاهر، منها: تكريم بني آدم بالعقل والتمييز، ومنها: تكريمهم بحسن الخلق والنطق، والتقويم، ومنها: أن الله عز وجل قد سخر لهم غيرهم من المخلوقات في الجملة وسلطهم عليها، ومن ذلك: ما ذكره القرطبي: (لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان) .

لذلك كان الأصل في الآدمي أن يكون هو المالك للمال، لا أن يكون هو المال، وقد سخر الله تعالى له ما في الأرض جميعاً، ولكن لما كان يقع عليه بالرق الملك، والتقوم، والإحراز، والتَمَول، وهي من خصائص المال، شابه الحيوان والمتاع في ذلك؛ فصار له شبهان مختلفان حكماً، هما: المالية، والآدمية.

فوقع عند الفقهاء الكلام في ماليته، رغبة في مراعاتها مع مراعاة بقاء التكريم الذي ذكرناه آنفا عملاً بالشبهين جميعاً.

لذا فقد اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على أن الآدمي الحرَّ ليس بمال، وتواترت عباراتهم في ذلك، وقد جاء الوعيد الشديد فيمن تموَّل حراً وباعه وأكل ثمنه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره " [43] .

وذهب بعض أهل العلم في قول مهجور إلى أن الحرَّ يباع في الدين؛ فقد جاء في فتح الباري: (وروى ابن أبي شيبة.. ومن طريق زرارة بن أوفى أحد التابعين أنه -أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه- باع حراً في دَين، ونقل ابن حزم أن الحرَّ كان يباع في الدَين حتى نزلت: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [44] ، ونقل عن الشافعي مثل رواية زرارة، ولا يثبت ذلك أكثر الأصحاب، واستقر الإجماع على المنع) [45] .

وقد كان في شريعة يعقوب -عليه السلام- أن السارق الحر يدفع إلى المسروق منه فيكون رقيقاً له، كما قال تعالى: { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [46] .

ثم اختلفوا في مالية الآدمي الرقيق:

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرقيق مال مُتَقَوَّم كغيره من الأموال.

واحتجوا بأن المالية تتبع التَقَوُّم والإحراز على وجه التَمَوُّل، وذلك موجود في الرقيق، فيكون مالاً، كالبهيمة والمتاع.

وقال بعض الحنفية: إن الرقيق وإن كان فيه معنى المالية، لكنه ليس مالاً حقيقة.

واحتجوا بما يلي:

1-             أن المال إنما خلق لمصالح الآدمي، فلا يكون الآدمي بنفسه مالاً.

2-             أنه لا يجوز قتل العبد وإهلاكه، وهذا دليل على عدم ماليته [47] .

ولا شك عندي في رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فإن أهم أمارات المالية الانتفاع والتَقَوُم والمعاوضة، وهي قائمة في الرقيق، ولا يتعارض هذا مع تكريمه لآدميته، وتسخير سائر ما في الأرض له.

وأما ما احتج به الآخرون من أنه لا يجوز قتل العبد وإهلاكه، وأن هذا أمارة عدم ماليته فغير مُسَلَّم؛ لأن القتل والإهلاك ليس انتفاعاً، والانتفاع يعتبر في كل مال بما يصلح له، ولا يجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلاً، لا في العبد، ولا في البهيمة، ولا في غيرهما، إلا بسبب موجب.

وعليه: فمنع قتل العبد وإهلاكه ليس دليلاً على عدم ماليته [48] .

 

أثر الخلاف في مالية الآدمي:

ما ذكره الفقهاء في هذه المسألة له أثر في مسائل عديدة في أبواب الفقه تتأثر به، فمن هذه المسائل:

أولاً: من سرق حراً هل يقطع؟

أما الحرُّ الكبير فلا يُقطع بسرقته بالإجماع؛ لأنه ليس بمال [49] ، وأما الحرُّ الصغير فاختلف فيه على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن سارقه لا يُقطع أيضاً، وعللوا ذلك بأنه ليس بمال، ولا يؤثر عدم تمييزه، كالكبير النائم، وبه قال بعض المالكية [50] .

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن سارق الحرِّ الصغير يقطع.

وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد [51] ، واستدلوا بما يلي:

1-             ما روي عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أن رجلاً يسرق الصبيان؛ فأمر بقطعه " [52] .

2-             أنه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله فيقطع سارقه: كالبهيمة، ولكن استدلالهم هذا غير مُسَلَّم، فإنه يفارق البهيمة في أهم مقومات القطع وهو المالية فهو ليس مالاً.

وأما الحديث الذي استدلوا به فهو ضعيف، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير عن هشام بن عروة، وقد نقل البيهقي عن أبي الحسن الدارقطني قوله: (تفرد به عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة، وهو كثير الخطأ على هشام، ضعيف الحديث)، وكذلك ساقه ابن حزم سياق من يضعفه؛ فقد قال: (وقد جاء في هذا أثر لا علينا أن نذكره؛ لأن الحنفيين يأخذون بأقل منه إذا وافقهم) ثم ذكره [53] .

كما يجاب بأنه عام ليس فيه تخصيص حر من عبد، فلعله -على فرض صحته- يحمل على من يسرق الصبيان الأرقاء، وإخراج البيهقي له في (باب ما جاء في من سرق عبدا صغيراً) يدل على أنه يراه كذلك، والله تعالى أعلم.

وهنا أنبه إلى أن من الفقهاء من لم يعتبر المالية في المسروق شرطاً، بل اعتبر تعلُّق النفوس به كافياً لقطع يد سارقه، ومنهم ابن العربي المالكي حيث قال -بعد أن ذكر تعليل المانعين لقطعه بأنه ليس بمال-: (قلنا: هو أعظم من المال ولم يقطع السارق في المال لعينه؛ وإنما لتعلق النفوس به وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد) [54] .

ثانياً: من سرق عبداً هل يقطع؟

أما العبد الصغير فذهب عامة أهل العلم إلى أن من سرقه فعليه القطع، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك؛ وذلك لأن سارقه سارق مال مملوك تبلغ قيمته نصاباً، فوجب القطع عليه؛ كسائر الأموال.

وذكر عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أنه استحسن أنه لا يقطع سارق العبد الصغيرة لأنه آدمي من وجه مال من وجه ، ولأن من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيراً كالحر [55] .

(1) أحكام القرآن لابن العربي (2\ 609) .

(2) الهداية (2\ 121) .

 

ونوقش ذلك : بأنه يفارق الحر فإن الحر ليس بمال ولا مملوك ، ويفارق الكبير لأن الكبير لا يسرق ما دام عقله معه ؛ وإنما يخدع بشيء أو يكون مطيعا لسارقه [56] .

وعليه فالراجح رأي عامة أهل العلم بأن سارق العبد الصغير كسارق غيره من الأموال إذ لا فرق بين من يسرق عبدا صغيرا لا يميز وبين من يسرق بهيمة بجامع المالية وعدم التمييز، والله تعالى أعلم.

العبد الكبير: فإن سارقه لا يقطع؛ إلا أن يكون العبد الكبير مجنوناً، أو نائماً، أو أعجمياً لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة؟ فإن سارقه يقطع وفيما عدا ذلك لا يقطع؛ لأنه لا يمكن سرقته إلا بموافقته . وهذا هو الذي رأيته منصوصا لدى الفقهاء ولم أجد لهم رأيا يخالفه ، إلا ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد أن رأي مالك فيه أن يقطع [57] ، ولكن الذي رأيته منصوصاً في كتب المذهب خلافه.

ثالثاً: إذا اعتدى على عبد بالقتل فهل يضمنه القاتل بقيمته بالغة ما بلغت، ولو زادت على دية الحرِّ [58] ؛ باعتباره مالاً مُتَقَوَّماً؟

أما إن كانت قيمته لا تبلغ دية الحر؛ فإنه يضمن بقيمته بالإجماع [59] ، وأما إذا بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها؛ فقد اختلفوا في ضمانه على قولين:

القول الأول: أنه يضمن بقيمته بالغة ما بلغت، ولو زادت على دية الحر، وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف -صاحب أبي حنيفة -؛ لأن العبد مال مُتَقَوَّم فيضمن بكمال قيمته كالفرس.

القول الثاني: أنه لا يبلغ به دية الحر، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد مراعاة لنقص العبد عن الحر، وأن التقدير في الحر ينبه إلى أن العبد لا يزاد عليه [60] ، وناقش الأولون هذا بأن بين الحر والعبد فرقاً؛ من حيث أن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته، بل فيه الدية المقدرة بالشرع مطلقاً، وأما ضمان العبد فهو ضمان مال؛ يزيد بزيادة مالية العبد، وينقص بنقصانها؛ فاختلفا [61] .

وقد حدَّد أبو حنيفة ومحمد النقص بعشرة دراهم، فقالوا: إذا كانت قيمة العبد عشرة آلاف درهم أو أكثر؛ فإنه يضمن بعشرة آلاف إلا عشرة، وإذا كانت دية الأَمَة خمسة آلاف درهم فأكثر؛ فإنها تضمن بخمسة آلاف إلا عشرة، وذلك لأن دية الحرِّ عشرة آلاف، ودية الحرَّة خمسة آلاف درهم عندهم [62] .

قلت: ولعل تحديد العشرة الدراهم هنا مبني على نصاب القطع في السرقة؛ فإنه عندهم عشرة دراهم.

وبالتأمل في القولين يظهر لي رجحان رأي الجمهور، وأن العبد مضمون بالقيمة بالغة ما بلغت، كغيره من الأموال، وما ذكره الحنفية مجرد تعليل ضعيف لا يكفي لنقل العبد عن حكم جنسه.

رابعاً: من القواعد المتفق عليها عند الشافعية: أن الحر لا يدخل تحت اليد؛ ولذا قالوا: إن منفعة الحرِّ مضمونة بالتفويت، فإذا قهر حراً وسخره في عمل ضمن أجرته.

ولكن جرى الخلاف عندهم في ثلاث مسائل تتعلق بمنافع الحرِّ:

إحداها: لا تضمن منفعة الحرِّ بالفوات تحت اليد، فلو قهر حراً وحبسه وعطل منافعه، لم يضمن هذه المنافع على الأصح؛ لأن الحرَّ لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت تحت يده؛ بخلاف المال.

وقال ابن أبي هريرة: يضمنها.

الثانية: لو استأجر حراً وأراد أن يؤجره هل له ذلك؟

قال الأكثرون منهم: له أن يؤجره، وقال القفال: لا يؤجره؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولا تحصل منافعه في يد المستأجر ويدخل في ضمانه، إلا عند وجودها.

الثالثة: إذا أسلم الحرُّ نفسه للمستأجر ولم يستعمله المستأجر إلى انقضاء المدة التي استأجره فيها؛ هل تتقرر أجرته؟

الخلاف فيها كسابقتها للتعليل ذاته [63] .

ولكن خلافهم في المسائل الثلاث غير مبني على خلاف في القاعدة لديهم، بل هي متفق عليها، قال النووي: (ولم يجعلوا دخول الحرِّ تحت اليد مختلفاً فيه، بل اتفقوا على عدمه، ولكن من جوَّز إجارة المستأجر وقرر الأجرة؛ بنى الأمر على الحاجة والمصلحة، وجعل الغزالي الخلاف في المسائل مبنياً على التردد في دخوله تحت اليد ولم نر ذلك لغيره).

خامساً: هل يجوز بيع لبن الآدمية إذا حُلب؟

اختلف في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز بيع لبن الآدمية ولا ينعقد؛ وهذا مذهب الحنفية وبعض الحنابلة، وعللوا المنع: بأن اللبن ليس بمال؛ لأنه لا يَحِلُّ الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، بل لضرورة تغذية الطفل فقط، وما حرم الانتفاع به إلا لضرورة لا يكون مالاً، وما ليس بمال لا يحل بيعه؛ ولأنه جزء من الآدمية، والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء.

ولا فرق عند الحنفية -في ظاهر الرواية- بين لبن الحرَّة والأَمة، بل لا يصح بيعهما.

وذهب أبو يوسف إلى جواز بيع لبن الأَمة دون الحرَّة؛ لأنه جزء من آدمي هو مال، فكان محلاً للبيع كسائر أجزائه؛ وهو رأي لبعض الحنابلة.

وناقشه الحنفية بأن الجواز يتبع المالية، ولا مالية للإنسان إلا ما كان محلاً للرقِّ، وهو الحي، ولا حياة في اللبن؛ فلا يحل بيعه كالبول والدم [64] .

القول الثاني: أنه يجوز بيع لبن الآدمية إذا حُلب؛ لأنه لبن طاهر منتفع به، ولأنه يجوز أخذ العوض عليه في إجارة الظِئر؛ فأشبه المنافع، وأنه لبن يباح شربه؛ فيباح بيعه قياساً على لبن الأنعام.

وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وعن أحمد رواية بكراهته.

 

المبحث الرابع: في مالية الخمر والخنزير:

يعتبر الحنفية الخمر والخنزير مالاً، لكنهما في حق المسلم مال غير مُتَقَوَّم؛ لأنه لا يباح له شرعاً الانتفاع بهما في حال السعه والاختيار، وفي حق غير المسلم مال متقوم؛ لأنه يتموَلُها، ولا يعتقد حرمتها؛ وذلك لأنه ليس من ضرورة التحريم سقوط المالية عندهم، بل سقوط التَقَوُم، ومن ثم بنوا على ذلك وجوب ضمانهما للذمي، سواء أكان المتلف مسلماً أو ذمياً.

ولا يشكل على هذا ما جاء في البحر الرائق نقلاً عن المحيط من أن الخمر ليس بمال [65] ، فقد أجاب ابن عابدين عنه بقوله: (وأما ما في البحر عن المحيط من أنه غير مال فالظاهر أنه أراد بالمال المتَقَوَّم توفيقاً بين كلامهم) [66] ، وذلك أن التَقَوَّم عندهم من شرطه المالية وإباحة الانتفاع، فكل مُتَقَوَّم مال دون العكس.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر والخنزير ليسا بمال؛ لأن مِن شرط المالية عندهم: إباحة الانتفاع المطلقة في حال الاختيار والاضطرار؛ وعليه فلا يصح بيعهما.

لكنهم مع ذلك أوجبوا على من غصبها من ذمي أن يردها عليه بعينها -إن بقيت عينها- أما إن أتلفها على صاحبها الذمي فلا ضمان عليه، لا بمثلها ولا بقيمتها، عند الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية.

وذهب الإمام مالك إلى أنه يضمنها للذمي بقيمتها، سواء كان المتلف مسلماً أم ذمياً.

كما أوجب الشافعية ردها على صاحبها المسلم إن كانت محترمة، وهي التي عُصرت من غير قصد الخمرية [67] .

لكنهم مع ذلك لا يوجبون حد السرقة على من سرق خمراً، وخنزيراً؛ لأنهما ليسا بمال [68] .

ومما يجدر التنبيه إليه: أن الخمر والخنزير ليسا على درجة واحدة في المالية عند الحنفية، بل هي في الخمر أقوى منها في الخنزير؛ وذلك لأن الخمر كان عصيراً قبل التخمر، وهو بعرضية العود إلى الحل بالتخلل، بخلاف الخنزير فإنه ليس ذلك.

وبنوا على ذلك أن العاشر المسلم إذا مر عليه التاجر الذمي بالخمر والخنزير للتجارة، فإنه يعشر الخمر من قيمتها دون الخنزير على ظاهر الرواية عندهم؛ لما مر، ولأن حق الأخذ للحماية، والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل، فكذا يحميها على غيره، ولا يحمي خنزير نفسه، بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره [69] .

 

المبحث الخامس: في مالية الكلب:

اختلف الفقهاء في مالية الكلب:

ذهب الحنفية إلى أن الكلب مال، قال الكاساني: (والدليل على أنه مال: أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق؛ فكان مالاً) [70] ، وهو رأي بعض المالكية [71] .

وذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى أن الكلب ليس مالاً، حيث فسر الحنابلة المال بقولهم: (ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة) [72] ، أو: (ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [73] ، قالوا: فيخرج الكلب؛ لأنه لا يباح اقتناؤه إلا للحاجة [74] .

وكذلك جاء في شروط القطع في السرقة عندهم: (لا يقطع بسرقة كلب، وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال) [75] ، والشافعية عللوا بتحريم بيعه وبنجاسته مطلقاً [76] .

وقد انعكس هذا الخلاف على عدة فروع اختلف فيها الفقهاء بناء على هذا الخلاف، أو تأثراً به، فمن هذه الفروع:

أولاً: بيع الكلب: حيث اختلف في حكم بيع الكلب المأذون في اتخاذه:

الرأي الأول: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى حرمة بيع الكلب، وهو رواية عن الإمام مالك؛ مستدلين بحديث أبي مسعود الأنصاري: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " [77] .

وعلله آخرون بنجاسته، ومنهم الشافعية، وعلله آخرون -كالحنابلة والمالكية- بأنه لا يحل اقتناؤه واتخاذه إلا لحاجة، أي أن إباحته ليست مطلقة.

الرأي الثاني: ذهب الحنفية إلى جواز بيع الكلب، وهو رواية عن الإمام مالك؛ معللين ذلك بماليته، قال الكاساني: (ولنا أن الكلب مال؛ فكان محلاً للبيع كالصقر والبازي).

ولأن الشارع قد أذن في اتخاذ الكلب لمنافعه الجائزة، وهو غير نجس عندهم؛ فكان حكمه حكم سائر المبيعات، وعلله بعض المالكية أيضاً بإباحة أكله، وهو أحد الرأيين في مذهب مالك.

وأجابوا عن النهي الوارد في الحديث عن ثمن الكلب بأن الشارع قد نهى نهي تنزيه؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وأما التسوية في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن، فهو محمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة: (ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن)، في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم، إذ كل واحد منها منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منها من دليل آخر، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، وقد علمنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي [78] .

ومن أهم أدلة القائلين بعدم تحريم بيع الكلب: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد " [79] ، وما روي من فعل عمر أو عثمان رضي الله عنهما أنه غَرَّم رجلاً عن كلب قتله عشرين بعيراً، ونحوها من الأحاديث والآثار.

قال النووي رحمه الله تعالى: (كلها ضعيفة باتفاق المحدثين، وهكذا وضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها، ولأنهم لا يفرقون بين المعلم وغيره؛ بل يجوزون بيع الجميع، وهذه الأحاديث الضعيفة فارقة بينهما) [80] .

الترجيح:

نظراً للنهي الثابت في الحديث الصحيح عن ثمن الكلب فلا شك في رجحان قول الجمهور بعدم جواز بيعه، وهذا النهي باق لم يثبت دليل صحيح يصرفه عن ظاهره، بل كل ما تعلق به أصحاب الرأي الثاني القائلون بصحة بيعه آثار ضعيفة وتعليلات مردودة، والله تعالى أعلم.

ثانياً: ينبني على مسألة بيعه مسألة أخرى هي: هل يجب على من أتلف الكلب مباح النفع ضمانه بقيمته؟

اختلف الفقهاء في ذلك على الرأي الأول: أنه لا يلزم قيمة الكلب إذا أتلفه؛ لأنه ليس له عرض شرعي، لأنه لا يجوز بيعه، وقد ورد النهي عن ثمنه.

وهذا هو رأي الجمهور: من الشافعية، والحنابلة، ورواية عن الإمام مالك هي أصح الروايات عنه.

الرأي الثاني: أن متلف الكلب المباح النفع يلزمه ضمانه بقيمته؛ بناء على ماليته، وجواز بيعه، فهو كغيره من الأموال المضمونة.

وهذا هو رأي أبي حنيفة ورواية عن مالك، وفي رواية ثالثة عن الإمام مالك أنه أوجب ضمانه بقيمته مع منع بيعه، وعلل إيجاب الضمان بأنه حيوان يصح الانتفاع به والوصية به؛ كالخيل والبغال، وأنه بهيمة يجوز الاصطياد به؛ كالبازي، فصار مضموناً بالإتلاف ولو كان بيعه ممنوعاً [81] .

والذي يظهر لي بعد التأمل في الأقوال ترجيح الرأي الأول، بعدم وجوب ضمان الكلب بقيمته على من أتلفه، وإن وجب عليه التعزير لتعديه، ومما يدل على رجحان ذلك: أن الحنفية القائلين بوجوب الضمان على متلفه لم يجرؤوا على إيجاب القطع على سارقه؛ وذلك لعدم الاتفاق على ماليته، قال المرغيناني: (ولا -أي: ولا قطع- في سرقة كلب ولا فهد؛ لأن من جنسهما يوجد مباح مرغوب فيه، ولأن الاختلاف بين العلماء ظاهر في مالية الكلب؛ فأورث شبهة..) [82] .

ثالثاً: لو قال: له علي شيء، ثم فسره بكلب يحل اقتناؤه، كالكلب المعلم، فهل يقبل تفسيره؟

لا يقبل تفسيره بذلك، وهو موجه عند الشافعية، وقد علله في مغني المحتاج بقوله: (ليس بمال وظاهر الإقرار المال)، والأصح عندهم قبول تفسيره بذلك؛ لصدق إطلاق الشيء عليه، وكونه محترماً يحرم أخذه ويجب رده، وهما وجهان عند الحنابلة أيضاً، أصحهما أنه لا يقبل [83] .


المبحث السادس: في مالية الميتة والدم:

اتفق الفقهاء على عدم مالية الميتة والدم، بل قال الكاساني: (الميتة والدم ليسا بمال في الأديان كلها)، وقال السرخسي: (الميتة والدم فذلك ليس بمال في حق أحد)، وعليه: فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز بيعهما، وعلى عدم ضمانهما على من أتلفهما، حتى الحنفية القائلون بأن حلَّ الانتفاع ليس شرطاً في المالية وإن اختلف تعليلهم لذلك، فعلله بعضهم بتحريمهما [84] ، وعلله آخرون بنجاستهما [85] ، وعلله بعضهم بعدم النفع فيهما [86] ، وعلله بعضهم بعدم حل بيعه وأنه لا قيمة له [87] .

والذي يبدو لي رجوع هذه التعليلات كلها إلى علة واحدة هي: عدم ماليتهما -وهي العلة التي صرح بها بعضهم [88] - ، وإنما يختلفون في سبب انعدام المالية فيهما حسب ما ذكرته.

ولما كان انعدام المالية في الميتة والدم من كل وجه، وأنه ليس فيها أي شبهة للمالية عند الجميع؛ صارا بذلك أقل رتبة من الخمر عند من يجعل له شبهة المالية؛ لذا فقد جاء في المبسوط: (وإن وكله أن يعتقه على جعل [89] فأعتقه على خمر أو خنزير فالعتق جائز، وعلى العبد قيمة نفسه؛ لأنه امتثل أمره بما صنع، فإن العتق بالخمر لو باشره المالك كان عتقاً بعوض؛ لقيام شبهة المالية..

ولو أعتقه على ميتة أو دم لم يجز؛ لأن هذا العتق لو باشره المالك كان عتقاً بغير عوض، إذ ليس في الميتة والدم شبهة المالية..) [90] .

وجاء فيه أيضاً: (وبتخمر العصير لا تنعدم المالية، وإنما ينعدم التَقَوُّم شرعاً؛ ولهذا يكون مالاً في حق أهل الذمة، فانعقد العقد بوجود ركنه في محله، بخلاف البيع بالميتة والدم فذلك ليس بمال في حق أحد؛ فلانعدام ركن العقد في محله لا ينعقد العقد) [91] .

 

الخاتمة:

وفيها: أهم نتائج البحث:

وبعد هذا التطواف في نصوص الفقهاء وآرائهم المتعلقة بتعريف المال، وما يُعَدُّ مالاً وما لا يُعَدُّ، وفي خلافهم في مالية بعض الأشياء، فإن من أهم النتائج التي توصلت إليها ما يلي:

1-             أهمية مصطلح (المال)، وكثرة تداوله وتداول مشتقاته لدى الفقهاء.

2-             مع هذا التداول الكبير لمصطلح (المال) فإن كثيراً من الفقهاء ليس لديه حقيقة تحديد واضح لمفهوم المال، بل تجد أن مفهومه يختلف؛ فيتسع في مقام، بينما يتحدد في مكان آخر، وفقاً للباب الذي ورد استعماله فيه، ومما يؤكد ذلك: أنك تجد كثيراً من الفقهاء لم يلتفت أصلاً لتعريف المال؛ بوضع حد جامع مانع له، بل يورد هذه المفردة، وكأنها ذات مفهوم معهود في الذهن سلفاً، ولقد واجهت صعوبة في جمع التعريفات الاصطلاحية له لندرتها، ولعل مرادهم أن يحيلوا مفهومه على العرف، باعتباره المُعَوَّل عليه فيما لا حد له لغة ولا شرعاً.

3-             مع ما سبق إلا أن بعض الفقهاء -وهم قِلَّة- قد اهتم بذلك، وحاول أن يعرف المال بتعريف حاصر جامع مانع، يميز المال عما يشبهه، ويجعل له مفهوماً واضحاً.

4-             بناء على اختلاف الفقهاء في مفهوم المالية، ومكونات هذا الوصف فقد اختلفوا في مالية بعض الأشياء، ومن أهمها: الدين والمنفعة، والآدمي الرقيق، والخمر والخنزير، والكلب، وبنوا على هذا الخلاف فروعاً كثيرة مردها إليه، ومردها الأصلي إلى ما بني هذا الخلاف عليه في الأساس، وهو اختلافهم في معنى المال، وغالب هذه الاختلافات إنما هي بين الحنفية من جهة والجمهور من جهة أخرى؛ لوقوع الاختلاف بينهم في اعتبار العينية، وإمكان الادخار، وحل الانتفاع شروطاً في صفة المالية حيث ينفرد الحنفية باعتبار الأولين شرطين فيها، وبعدم اعتبار الثالث.

وقد نقض الحنفية أصلهم في الثالث فقالوا بعدم مالية الميتة والدم؛ لاعتبار آخر.

وما قدمت هنا إنما هو جهد المُقِلِّ، وقد كان غايتي فيه الحق، فإن وُفِّقْتُ فبفضل من الله وتوفيقه، وله الحمد والشكر على كل حال، وإن كانت الأخرى؛ فأنا للتقصير أهل، وأسأل الله عز وجل المغفرة.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


 


[1] سورة البقرة - الآية 282 .

[2] فتح القدير شرح الهداية (7\ 221)، وانظر: حاشية رد المحتار (5\ 157).

[3] الموسوعة الفقهية الكويتية (36\ 33).

[4] المصادر السابقة، ودراسات في أصول المداينات ص (15).

[5] المنثور في القواعد للزركشي (2\ 160 ، 161).

[6] المنثور في القواعد للزركشي (1\ 81 ، 82)، وراجع: الأم للشافعي (4\163).

[7] سورة النساء - الآية 24 .

[8] البحر الرائق (3\ 152).

[9] البحر الرائق (7\ 48 ، 49).

[10] المصباح المنير ص (236)، والقاموس المحيط ص (691)، ومختار الصحاح ص (673).

[11] ضمان المنافع للدكتور إبراهيم الدبو ص (249)، ومعجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص (330).

[12] المصدران السابقان، والمصباح المنير ص (172) مادة (غلل)، والموسوعة الفقهية الكويتية (31\ 267).

[13] مغني المحتاج (2\ 377).

[14] شرح حدود ابن عرفة للرصاع (2\ 521).

[15] تخريج الفروع على الأصول ص (225).

[16] المصادر السابقة.

[17] أصول السرخسي (1\ 56).

[18] حاشية ابن عابدين (4\ 502).

[19] تخريج الفروع على الأصول ص (226).

[20] مغني المحتاج (2\ 2)، وأصول السرخسي (1\ 56).

[21] العناية شرح الهداية (9\63)، وراجع مسألة استئجار المنفعة بالمنفعة في: بدائع الصنائع (4\ 194).

[22] العناية شرح الهداية (10\ 487)، وراجع: ضمان المنافع للدبو ص (253).

[23] بدائع الصنائع (4\ 218).

[24] المبسوط (2\ 196).

[25] هكذا هي في المطبوع وصوابها: لا يحنث، وهي في المنثور للزركشي (3\ 197): (لا يحنث).

[26] مغني المحتاج (2\2).

[27] المنثور في القواعد للزركشي (3\ 197).

[28] المبسوط (2\ 196).

[29] منتهى الإرادات للفتوحي تحقيق: عبد الغني عبد الخالق (1\ 255 و256).

[30] معونة أولي النهى (4\ 7).

[31] كشاف القناع (3\ 1405).

[32] سورة النساء - الآية 24 .

[33] سورة القصص - الآية 27 .

[34] سورة النساء - الآية 4 .

[35] سورة النساء - الآية 24 .

[36] أحكام القرآن للجصاص (2\ 203) .

[37] تخريج الفروع على الأصول ص (228 ، 229)، ومختصر القدوري (4\ 74 ، 75)، والمهذب (2\ 341).

[38] المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (30\ 68 ، 69).

[39] مغني المحتاج (2\2).

[40] المصدر السابق.

[41] الموسوعة الكويتية (1\ 95).

[42] سورة الإسراء - الآية 70 .

[43] صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب إثم من باع حراً (4\ 417) برقم (2227).

[44] سورة البقرة - الآية 280 .

[45] فتح الباري (4\ 418).

[46] سورة يوسف - الآية 75 .

[47] البحر الرائق (5\ 277).

[48] راجع: رد المحتار (4\ 502).

[49] راجع: المغني (12\ 422)، والمحلى (11\ 337)، ومختصر القدوري (3\ 204).

[50] راجع: المغني (12\ 422)، والمحلى (11\ 337)، ومختصر القدوري (3\ 204).

[51] المعونة (3\ 1420)، وبداية المجتهد (2\ 552)، والمغني لابن قدامة (12\ 442).

[52] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - كتاب السرقة - باب ما جاء في من سرق عبداً صغيراً من حرز (8\ 268)، وابن حزم في المحلى (11\ 337).

[53] المحلى (11\ 337)، وانظر: مغني المحتاج (4\173).

[54] أحكام القرآن لابن العربي (2\ 609).

[55] الهداية (2\ 121).

[56] المغني، والمحلى، الصفحات السابقة.

[57] بداية المجتهد (2\ 552).

[58] راجع: التلقين ص (509)، وشرح الخرشي على مختصر خليل (8\94).

[59] المغني (11\ 504).

[60] اللباب شرح الكتاب (3\ 169)، والمغني (11\ 505).

[61] المغني (11\ 505).

[62] اللباب في شرح الكتاب (3\ 169).

[63] فتح العزيز (11\ 263)، وروضة الطالبين (5\ 14).

[64] المصادر السابقة.

[65] البحر الرائق (5\277).

[66] رد المحتار (4\ 503).

[67] روضة الطالبين (5\ 17)، ومغني المحتاج (2\ 285).

[68] مغني المحتاج (4\ 160)، ومعونة أولي النهى (8\ 464).

[69] المبسوط (2\ 205)، والهداية (1\ 107).

[70] بدائع الصنائع (5\ 143)، وانظر: الهداية (2\ 121).

[71] بداية المجتهد (2\ 151)، والمعونة (2\ 1040).

[72] المقنع (2\ 5).

[73] منتهى الإرادات (1\ 256).

[74] معونة أولي النهى (4\14)، والممتع في شرح المقنع (3\ 14).

[75] معونة أولي النهى (8\ 460).

[76] فتح الباري (4\ 426)، ومغني المحتاج (2\ 247)، وبداية المجتهد (2\ 151).

[77] صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ثمن الكلب (4\ 426) برقم (2237)، وصحيح مسلم - كتاب المساقاة - باب تحريم ثمن الكلب (10\ 230) برقم (1567).

[78] المعونة (2\ 1040 ، 1041)، والكافي لابن عبد البر ص (327)، وفتح الباري (4\ 427).

[79] سنن الترمذي - كتاب البيوع - باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور (4\ 502) برقم (1299) قال الترمذي: (هذا حديث لا يصح من هذا الوجه وأبو المهزم (رواية عن أبي هريرة) اسمه يزيد بن سفيان وتكلم فيه شعبة بن الحجاج).

[80] المجموع (9\ 229)، وشرح النووي على صحيح مسلم (10\ 232).

[81] المعونة (2\ 1041)، والكافي لابن عبد البر ص (327).

[82] الهداية (2\ 121).

[83] مغني المحتاج (2\ 247)، والإنصاف (12\ 208).

[84] المغني (6\ 358).

[85] الوسيط (3\ 19)، ومغني المحتاج (2\ 285).

[86] معونة أولي النهى (4\ 16).

[87] المغني (7\ 427).

[88] بدائع الصنائع (7\ 167)، والمبسوط (13\ 25)، وروضة الطالبين (5\ 3).

[89] أي: وكل السيد رجلاً أن يعتق عبده على جعل.

[90] المبسوط للسرخسي (19\ 97).

[91] المبسوط (13\ 25).

رسالة الإسلام

 

الأشياء المختلف في ماليتها عند الفقهاء (2-2)
صالح بن عبد الله اللحيدان


الفصل الثاني: الأشياء التي اختلف في ماليتها وفيه ستة مباحث:

المبحث الأول: في مالية الدين:

يقال في اللغة: داينت فلاناً، إذا عاملته ديناً، إما أخذاً وإما عطاءً، ويقال: دنت الرجل، وأدنته: إذا أخذت منه ديناً؛ فأنا مدين ومديون.

قال في المصباح المنير: (وقوله تعالى: { إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } [1] ، أي: إذا تعاملتم بدَيْن من سلم وغيره، فثبت بالآية وبما تقدم أن الدَيْن لغة: هو القرض وثمن المبيع؛ فالصداق والغصب ونحوه ليس بدَين لغة، بل شرعاً على التشبيه؛ لثبوته واستقراره في الذمة).

وقال في القاموس: (الدَين: ما له أجل كالدِينة -بالكسر- وما لا أجل له فقرض).

والكلمة (د ي ن) أصل في اللغة من الانقياد والذل، وإلى هذا المعنى ترجع كل فروع هذا الأصل، وهو في الدين الذي نقصده ظاهر.

وأما في اصطلاح الفقهاء فقد استعمل الفقهاء الدين بمعنيين:

أحدهما: بالمعنى الأعم؛ فيريد به مطلق الحق اللازم في الذمة، بحيث يشمل كل ما ثبت في الذمة من الأموال -أياً كان سبب وجوبها- أو حقوق محضة، مما يطالب به المرء، مالية كانت أو غير مالية؛ كصلاة فائتة، وزكاة وصيام، وغير ذلك.

كما يشمل ما ثبت بسبب قرض أو إجارة أو إتلاف أو جناية أو غير ذلك.

وقد جرى أكثر الفقهاء على استعمال كلمة (دَين) بهذا المعنى، وبناء على هذا الاعتبار فلا يشترط في الدين أن يكون مالاً، وإن كان مالاً فلا يشترط أن يكون ثابتاً في معاوضة أو إتلاف أو قرض، وهذا الاستعمال هو الذي جاء في كثير من الأحاديث النبوية، وليس هذا الاستعمال ما نقصده هنا.

الثاني: بالمعنى الأخص -أي: في الأموال-، فيطلقونه على ما وجب في الذمة من مال، وقد اختلفوا في حقيقته بهذا الاستعمال -بالنظر إلى سبب الوجوب في الذمة- على رأيين:

الرأي الأول للحنفية: وهو أن الدَين عبارة عما يثبت في الذمة من مال نتيجة معاوضة أو إتلاف أو قرض.

جاء في فتح القدير: (الدَين: اسم لمال واجب في الذمة يكون بدلاً عن مال أتلفه، أو قرض اقترضه، أو مبيع عقد بيعه، أو منفعة عقد عليها، من بضع امرأة -وهو المهر- أو استئجار عين) [2] .

فيخرج من مسمى الدين عندهم كل ما ثبت بغير هذه الأسباب الثلاثة؛ كالزكاة، والدين، وأرش الجناية، ونحو ذلك..

والرأي الثاني للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة:

وهو أن الدَين: كل ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته، فيدخل فيه كل الديون المالية، أياً كان سبب ثبوتها، وسواء أكان لله تعالى كالزكاة، أم لآدمي، ويخرج عنه الواجبات غير المالية في الذمة؛ من صلاة فائتة، وإحضار خصم إلى مجلس الحكم، ونحو ذلك..

وبعد هذا البيان يأتي السؤال الذي سقت هذه المقدمة من أجله: هل الدَين مال؟ لا خلاف بين الفقهاء في أن الحق الواجب في الذمة إذا لم يكن مالياً أنه لا يعتبر مالاً، ولا يترتب عليه شيء من أحكام المال [3] .

أما إذا كان الدَين الشاغل للذمة مالياً؛ فقد اختلف الفقهاء في اعتباره مالاً حقيقة على قولين:

القول الأول: أن الدَين في الذمة ليس مالاً حقيقة، بل هو مال حكمي، أي: أن له حكم المال وليس مالاً حقيقياً، وسمي مالاً مجازاً نظراً لصيرورته مالاً في المآل.

وهذا هو رأي الحنفية وأحد الطريقين عند الشافعية.

ووجه هذا الرأي: أن الدين إنما هو مجرد وصف شاغل للذمة لا يتصور قبضه حقيقة، فالقبض إنما يتصور في الأعيان، وأن المالية إنما هي من صفات الموجود، وليس هاهنا شيء موجود، ولكن نظراً لصيرورته مالاً في المآل سمي مالاً، فهو مال باعتبار مآله، حيث يؤول بالقبض إلى مال، ولأجل حاجة الناس في تعاملاتهم جُعل مالاً في الحكم، ولذا كانت البراءة منه تصح بلا قبول؛ لعدم المالية الحقيقية، غير أنها ترتد بالرد للمالية الحكمية، وهبة العين لا تصح بلا قبول بحال [4] .

الرأي الثاني: أن الدَين مال حقيقة، وهو الطريق الآخر عند الشافعية.

ووجهه: أنه يثبت به لصاحبه حكم اليسار، حتى تلزمه نفقة الموسرين وكفارتهم، ولا تحل له الصدقة [5] .

وهذا هو رأي أبي حنيفة في رواية عنه في الدين القوي.

ويتفرع على هذا الخلاف فروع منها: هل يجوز بيع الدَين من غير من عليه الدين؟ إن قلنا: إنه مال جاز، أو حق فلا؛ لأن الحقوق لا تقبل النقل إلى الغير.

ومنها: الإبراء من الدَين هل هو إسقاط أو تمليك؟

ومنها: لو حلف لا مال له وله دين حالٌّ على مليء هل يحنث أو لا يحنث؟

ومنها: الوصية بالمال، هل يدخل فيها ما له على الناس من الديون؟

وهنا أنبه إلى أمرين:

الأول: أن الخلاف في مالية الدَين إنما هو في حق من له الدَين، أما المدِين فلا يعتبر مالاً في حقه قطعاً، وهذا واضح من التعليلات فيما سبق؛ لكني أحببت التنبيه إليه.

وقد صرح به صاحب المنثور حيث قال في سياق كلامه في الدَين هل هو إسقاط أو تمليك: (توسط ابن السمعاني فقال: إنه تمليك في حق من له الدَين، إسقاط في حق المديون، وذلك لأن الإبراء إنما يكون تمليكاً باعتبار أن الدين مال، وهو إنما يكون مالاً في حق من له الدين؛ فإن أحكام المالية إنما تظهر في حقه) [6] .

الثاني: ذَكَرَ بعض الحنفية اعتبار الدين مالاً في بعض الأبواب استثناء، كباب المهر: قال في البحر الرائق -عند شرح قول صاحب الكنز-: (وأقله عشرة دراهم)، قال: (وشمل الدين والعين: فلو تزوجها على عشرة دين له على فلان صحت التسمية؛ لأن الدين مال، فإن شاءت أخذته من الزوج، وإن شاءت ممن عليه الدين، كذا في المحيط، زاد في الخانية: ويؤاخذ الزوج حتى يوكلها بقبض الدَين من المديون ا.هـ.

فقد جعلوا الدين مالاً هنا، وأدخلوه تحت قوله تعالى: { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } [7] ، ولم يجعلوه مالاً في الزكاة، فلم يَجُز الدين عن العين، ولا في الأيمان، فلو حلف لا مال له وله دين على موسر لا يحنث) [8] ، وقال أيضاً في موضع آخر: (وهل يدخل تحت الوصية بالمال ما على الناس من الديون؟ قالوا: إن الدين ليس بمال حتى لو حلف أن لا مال له وله دين على الناس لم يحنث، ولا شك أن الدين تجب الزكاة فيه بشرط القبض، فينبغي أن يدخل تحت النذر بالمال، ولكن في الخانية: ولا تدخل الديون، وفي كلام الشارح في الوصايا ما يفيد دخول الدَين في الوصية بالمال؛ لأنه يصير مالاً بالاستيفاء، فتناولته الوصية خصوصاً، قالوا: إنها أخت الميراث وهو يجري فيهما) [9] .

الترجيح:

الذي يظهر لي بعد عرض القولين، وما علل به أصحاب كل قول: وجاهة قول من يرى أن الدين مال؛ لصحة ما عللوا به ووضوحه، وأما ما بنى عليه الحنفية رأيهم من أن المالية إنما هي من صفات الموجود من الأعيان فغير مُسَلَّم، بل هو محل الخلاف من الأصل.

ومع ذلك: تبقى الآثار المبنية على هذا الخلاف يسيرة في رأيي، بل وينزعها غالباً قواعد أخرى غير المسألة التي نحن بصددها.

والله تعالى أعلم.

 

المبحث الثاني: في مالية المنفعة:

المنفعة لغة: اسم مصدر من النفع، وهو الخير وكل ما يتوصل الإنسان به إلى مطلوبه [10] .

وهذا يعني أن المنفعة في اللغة تشمل كل ما يمكن استفادته من الشيء، عرضاً كان؛ كسكنى الدار، وركوب الدابة.

أو مادة؛ كاللبن، والولد من الحيوان، وكالثمرة من الشجرة، ونحوها.. [11] .

أما عند الفقهاء: فالمنفعة لا تطلق في اصطلاح أكثر الفقهاء إلا على الفائدة العرضية التي تستفاد من الأعيان بالاستعمال؛ كسكنى المنازل، وركوب الدابة، ولبس الثوب، وعمل العامل.

ولا تتناول الفوائد المادية؛ كاللبن، والولد من الحيوان، والثمرة من الشجرة، وأجرة الأعيان ونحوها، وإنما يسمى ذلك غلة وفائدة [12] .

قال في مغني المحتاج: (والمراد بالفائدة: اللبن والثمرة ونحوهما، وبالمنفعة: السكنى واللبس ونحوهما) [13] .

وقال ابن عرفة في تعريف المنفعة: (ما لا يمكن الإشارة إليه حساً دون إضافة يمكن استيفاؤه، غير جزء مما أضيف إليه).

وهو يعني بذلك إخراج الأعيان التي يشار إليها حساً دون إضافة: كالثوب والدابة، أما المنفعة فلا بد فيها من الإضافة، فتقول: لُبس الثوب، وركوب الدابة [14] .

وعرفها الزنجاني بقوله: (وحقيقتها عندنا تهيؤ الأعيان واستعدادها بهيئتها وشكلها لحصول الأغراض منها، وكذلك كل عين لها هيئة تتميز بها عن الأخرى، وبها تستعد لحصول الغرض منها فهي منفعتها، وهذه الهيئات أعراض متجددة توجد وتفنى كسائر الأعراض) [15] .

فهل هذه المنافع داخلة في مسمى المال عند الفقهاء؟ اختلف الفقهاء في مالية المنافع على رأيين:

الرأي الأول: أن المنافع ليست أموالاً مُتقوَّمة في حدِّ ذاتها، بل مجرد ملك، وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه جماهير الحنفية، وقد صرحوا به في مواضع كثيرة من كتبهم، واستثنوا ما إذا ورد على المنفعة عقد معاوضة، وقالوا: إن هذا الاستثناء على خلاف القياس؛ لورود النص، ولجريان العرف به، فلا يقاس عليه.

وقد استدل هؤلاء على عدم مالية المنافع بما يلي:

1-             أن المال ما من شأنه أن يُتمول، بأن يُحرز ويُدخر للانتفاع وقت الحاجة، وذلك غير مُتصور في المنافع؛ لأنها أعراض تحدث وتتلاشى، ولا تبقى زمانين؛ فلا تكون أموالاً [16] .

2-             لو كانت المنافع أموالاً لوجب ضمانها عند الاعتداء عليها بمنافع مثلها؛ تحقيقاً للمماثلة في الضمان، وهي لا تضمن بمنافع مثلها، ولا تضمن بالأعيان بطريق الأولى؛ لاختلافهما صورة ومعنى، وعليه فليست مالاً [17] .

3-             أن المنفعة يتصرف فيها بوصف الاختصاص من غير إمكان الادخار والإحراز، وهذا شأن الأملاك لا الأموال [18] .

4-             أن حاصل الأعيان راجع إلى أفعال يُحدثها الشخص المنتفع في الأعيان بحسب ارتباط المقصود بها، وكما توجد تنتفي، غير أن الشرع نزَّلها منزلة الأعيان في حق جواز العقد عليها رخصة، فتعين الاقتصار عليها، وعدم الحكم بأنها أموال قائمة بالأعيان [19] .

5-             أن المنافع لا وجود لها، وإنما يقدر وجودها في الإجارة ونحوها؛ لأجل تصحيح العقد عليها [20] .

تنبيه: قد يرد في بعض كتب الحنفية ما يشعر أن المنفعة مال عندهم، فمن ذلك: ما جاء في العناية شرح الهداية في سياق صلاحية المنافع لتكون أجرة إذا اختلف جنس المنافع، كما إذا استأجر سكنى دار بركوب دابة قال: (لأنه عوض مالي؛ فيعتمد وجود المال، والأعيان والمنافع أموال؛ فجاز أن تقع أجرة) [21] ، ولعل هذا من قبيل التجوز، وأن مراده أن المنفعة شيء يصلح ليكون ثمناً ومثمناً في الإجارة، كما صرح به في سياق كلامه، يؤيد ذلك: موافقته صاحب الهداية حين صرَّح بنفي المالية عن المنافع في باب الوصية بالسكنى والخدمة والثمرة [22] .

الرأي الثاني: أن المنافع أموال بذاتها: وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وقسموا الأموال إلى أعيان ومنافع:

قال الزنجاني: (معتقد الشافعي -رضي الله عنه-: أن منافع الأعيان بمنزلة الأعيان القائمة في المالية.. وهي أموال مُتَقَوَّمة؛ فإنها خلقت لمصالح الآدمي، وهي غير الآدمي)، بل إنه قال بأن إطلاق لفظ المال على المنافع أحق منه على العين؛ لأن الأعيان لا تسمى مالاً إلا لاشتمالها على المنافع، ولذلك لا يصح بيعها بدونها.

والقول بمالية المنافع هو لازم رأي زفر من الحنفية؛ حيث قال بأن المنافع مُتَقَوَّمة بأنفسها ومضمونة بجميع قيمتها بمنزلة الأعيان، مخالفاً أصحابه في ذلك [23] .

ولعله راعى وقوع الملك عليها، وجواز المعاوضة عنها؛ مما يجعلها مالاً من وجه، جاء في المبسوط في زكاة المال: (لأن المنافع مال من وجه، لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه..) [24] .

مع أن بعض الشافعية يرى أن إطلاق اسم المال على المنافع إنما هو من باب المجاز لا الحقيقة، قال الشربيني: (المنافع ليست أموالاً على الحقيقة، بل ضرب من التوسع والمجاز، بدليل أنها معدومة لا قدرة عليها؛ ولهذا اختلف العلماء في صحة العقد عليها، فقد منع جماعة صحة الإجارة، وأنه لو حلف شخص لا مال له، وله منافع يحنث [25] على الصحيح؛ كما قاله الرافعي، وأنه لو أقر بمال ثم فسره بمنفعة لم يقبل؛ كما دل عليه كلام الرافعي أيضاً، وقولهم في الوصية: إن الوصية تحسب قيمتها من الثلث، معناه: أنها كالمال المفوت، لا أنها في نفسها مال؛ لأنها لا وجود لها، وإنما يقدر وجودها لأجل تصحيح العقد عليها) [26] ، وجاء مثل هذا في المنثور للزركشي [27] .

ونحو هذا ما جاء في المبسوط للسرخسي في باب زكاة المال: (وفي الأجرة ثلاث روايات عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-: في رواية جعلها كالمهر؛ لأنها ليست ببدل عن المال حقيقة؛ لأنها بدل عن المنفعة، وفي رواية جعلها كبدل ثياب البذلة؛ لأن المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه.. ) [28] .

والذي يظهر لي: أن ما ذكروه من أمثلة ليس المؤثر فيه الحقيقة والمجاز في اللغة، بل هو اختلاف الحقيقة عرفاً، فقد يتعارف الناس على خروج المنفعة عن مسمى المال، وعلى حسب عرفهم تفسر ألفاظهم في الأيمان والوصايا والإقرارات ونحوها مما عماده الألفاظ، وهذه القاعدة -أعني: قاعدة حمل ألفاظ الناس على أعرافهم، وتقرير موجباتها بناء على العرف- قد أكَّد عليها جمع من العلماء المحققين، وذكروا أن العرف قرينة تصرف اللفظ، بناء على أن العرف اصطلاح حادث طرأ على أصل اللغة، فهو مقصود المتكلم عند الإطلاق، ما لم يُنصّ على خلافه.

يدل على ذلك: أنه مع تسليم الحنابلة بدخول المنافع في مسمى المال نجد الفتوحي -رحمه الله- يُعَرِّف البيع في المنتهى بقوله: (مبادلة عين مالية، أو منفعة مباحة مطلقاً بإحداهما، أو بمال في الذمة..)، ويقول في الشرط الثالث من شروط البيع: (كون مبيع مالاً، وهو ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [29] ، ويعلق في معونة أولي النهى بأن ذلك يشمل صوراً، (هي مبادلة عين مالية بعين مالية، ومبادلة عين مالية بمنفعة مباحة، ومبادلة منفعة مباحة بعين مالية، ومبادلة منفعة مباحة بمنفعة مباحة..) [30] ، وهم يريدون بذلك الإطلاق العرفي؛ بدليل استدراك البهوتي في كشاف القناع على الحجاوي في قوله: (أن يكون المبيع والثمن مالاً، وهو ما فيه منفعة لغير حاجة أو ضرورة)، فقد علَّق عليه البهوتي بقوله: (كان ينبغي أن يقال هنا: كون المبيع مالاً، أو نفعاً مباحاً مطلقاً، أو يُعْرَفُ المال بما يعُمُّ الأعيان والمنافع) [31] ، فهو يفيد تسليم عمومه فيهما، وإن ظهر من تعبيراتهم التغاير بين المال والمنفعة.

استدل الجمهور القائلون بأن المنفعة مال بأدلة منها:

1-             أن المنفعة ينطبق عليها وصف المال، فإن المال اسم تميل إليه النفس مما خلق لمصالحنا، والمنافع كذلك.

2-             صلاحية المنفعة شرعاً لأن تكون مهراً في النكاح، ولم يشرع ابتغاء النكاح إلا بالمال، قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } [32] ، فدل على مالية المنفعة، ودليل صحة جعلها مهراً أن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلاً بما معه من القرآن، وكذلك قصة موسى مع صالح مدين حين قال لموسى -عليهما السلام-: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } .. الآية [33] .

3-             أن الشارع قد جعل المنفعة مقابلة بالمال في عقد الإجارة، وهو من عقود المعاوضات المالية.

4-             أن الأعيان إنما تقصد وتعتبر أموالاً لا لذاتها، بل لما تشتمل عليه من المنافع، فالمنافع هي الغرض المقصود من جميع الأعيان في عرف الناس ومعاملاتهم، فكيف لا تعتبر بنفسها أموالاً.

5-             أن في عدم اعتبارها أموالاً تضييعاً لحقوق الناس، وإغراء للظلمة في الاعتداء على منافع الأعيان التي يملكها غيرهم، وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشريعة وعدالتها.

الترجيح:

الذي يترجح -في نظري- إنما هو رأي الجمهور القائلين بمالية المنافع؛ لقوة أدلتهم، وموافقتهم لعرف الناس ومعاملاتهم، مما يتمشى مع الأصل في المعاملات، وهو الحل والتيسير.

ومما يدل على قوته: أن العقد يرد عليها، وتصير مضمونة به حتى عند المخالفين، وهذا آية ماليتها؛ إذ لو لم تكن مالاً في ذاتها؛ لما صارت مالاً بالعقدة، لأن العقود لا تقلب حقائق الأشياء، بل تقرر خصائصها.

 

ثمرة الخلاف في مالية المنافع:

يترتب على الخلاف في مالية المنافع الخلاف في فروع، منها:

1-             أن منافع العين المغصوبة مضمونة بالفوات والتفويت، فإذا غصب رجل داراً وسكنها سنين؛ وجبت عليه أجرتها لصاحبها عن هذه السنين عند الجمهور من الشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية: فلا أجرة عليه؛ لأنها كانت في ضمانه فله خراجها، ولأنه هو الذي صيَّرها مالاً بالعقد عليها؛ لأن المنافع لا تكون مالاً إلا بالعقد عليها -كما مر-، ومن صيَّر ما ليس بمال من ملك الغير مالاً بفعله؛ كان ذلك المال له، وعن الإمام مالك روايتان كالرأيين.

2-             أن المنافع يجوز أن تكون صداقاً عند الجمهور، ولا يجوز جعلها صداقاً عند الحنفية؛ لقوله تعالى: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } [34] ، والمنافع لا يتأتى فيها الإعطاء والأكل، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } [35] ، والمنافع ليست مالاً [36] .

وقد استدل الجمهور بهذه الآية أيضاً، مع ما ورد من إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بما معه من القرآن، وبقصة صالح مدين مع موسى -عليه السلام- كما مر بيانه آنفاً.

3-             أن الشقص الممهور يأخذه الشريك بالشفعة عند الجمهور بمهر المثل، وكذلك إذا جعل بدل خلع فإن الشريك يأخذه شفعة بمهر المثل عند الجمهور؛ لأن البضع منفعة مُتَقَوّمة، وقيمته مهر المثل، وأما عند الحنفية فلا تثبت فيه الشفعة؛ لأن منافع البضع ليست بمال عندهم.

4-             أن شهود الطلاق بعد الدخول إذا رجعوا غرموا مهر المثل عند الجمهور، بناء على أن منفعة البضع مال مُتَقَوَّم شرعاً، ولا يغرمون عند الحنفية؛ لأن منفعة البضع في نفسها ليست مالاً، والمهر قد تأكد بالدخول؛ ولذا قال الحنفية: إنهم إذا شهدوا عليه بالطلاق قبل الدخول ثم رجعوا، غرموا نصف المهر؛ لأنهم قرروا عليه مالاً كان على شرف السقوط [37] ، وبمثل قول الحنفية في هذه المسألة قال الحنابلة في الصحيح من المذهب، والرواية الأخرى عن أحمد: أنهم يغرمون المهر كله، وصَوَّبه المرداوي [38] .

5-             إذا مات المستأجر قبل انتهاء المدة فهل ينفسخ عقد الإجارة؟ قال الحنفية بانفساخه؛ لأن منافع المأجور ليست مالاً فتورث، ولأن الوراثة خلافة عن الميت، ولا تتصور إلا فيما يبقى في حياة المورث والوارث معا حتى تتحقق الخلافة، وليست المنافع كذلك.

6-             إذا حلف شخص لا مال له، وله منافع؛ يحنث عند الجمهور، خلافاً للحنفية [39] .

7-             لو أقرَّ بمال مجملاً، ثم فسره بمنفعة، هل يقبل تفسيره أو لا؟

رأيان [40] .

 

المبحث الثالث: في مالية الآدمي:

للآدمي خصوصية عن غيره؛ حيث يجب شرعاً تكريمه باعتباره إنساناً، بصرف النظر عما يتصف به من ذكورة أو أنوثة، ومن حُرية أو رِق، ومن صِغر أو كِبر، بل ومن إسلام أو كفر [41] ؛ وذلك عملاً بقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } [42] .

وهذا التكريم له عدة مظاهر، منها: تكريم بني آدم بالعقل والتمييز، ومنها: تكريمهم بحسن الخلق والنطق، والتقويم، ومنها: أن الله عز وجل قد سخر لهم غيرهم من المخلوقات في الجملة وسلطهم عليها، ومن ذلك: ما ذكره القرطبي: (لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان) .

لذلك كان الأصل في الآدمي أن يكون هو المالك للمال، لا أن يكون هو المال، وقد سخر الله تعالى له ما في الأرض جميعاً، ولكن لما كان يقع عليه بالرق الملك، والتقوم، والإحراز، والتَمَول، وهي من خصائص المال، شابه الحيوان والمتاع في ذلك؛ فصار له شبهان مختلفان حكماً، هما: المالية، والآدمية.

فوقع عند الفقهاء الكلام في ماليته، رغبة في مراعاتها مع مراعاة بقاء التكريم الذي ذكرناه آنفا عملاً بالشبهين جميعاً.

لذا فقد اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على أن الآدمي الحرَّ ليس بمال، وتواترت عباراتهم في ذلك، وقد جاء الوعيد الشديد فيمن تموَّل حراً وباعه وأكل ثمنه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره " [43] .

وذهب بعض أهل العلم في قول مهجور إلى أن الحرَّ يباع في الدين؛ فقد جاء في فتح الباري: (وروى ابن أبي شيبة.. ومن طريق زرارة بن أوفى أحد التابعين أنه -أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه- باع حراً في دَين، ونقل ابن حزم أن الحرَّ كان يباع في الدَين حتى نزلت: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [44] ، ونقل عن الشافعي مثل رواية زرارة، ولا يثبت ذلك أكثر الأصحاب، واستقر الإجماع على المنع) [45] .

وقد كان في شريعة يعقوب -عليه السلام- أن السارق الحر يدفع إلى المسروق منه فيكون رقيقاً له، كما قال تعالى: { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [46] .

ثم اختلفوا في مالية الآدمي الرقيق:

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرقيق مال مُتَقَوَّم كغيره من الأموال.

واحتجوا بأن المالية تتبع التَقَوُّم والإحراز على وجه التَمَوُّل، وذلك موجود في الرقيق، فيكون مالاً، كالبهيمة والمتاع.

وقال بعض الحنفية: إن الرقيق وإن كان فيه معنى المالية، لكنه ليس مالاً حقيقة.

واحتجوا بما يلي:

1-             أن المال إنما خلق لمصالح الآدمي، فلا يكون الآدمي بنفسه مالاً.

2-             أنه لا يجوز قتل العبد وإهلاكه، وهذا دليل على عدم ماليته [47] .

ولا شك عندي في رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فإن أهم أمارات المالية الانتفاع والتَقَوُم والمعاوضة، وهي قائمة في الرقيق، ولا يتعارض هذا مع تكريمه لآدميته، وتسخير سائر ما في الأرض له.

وأما ما احتج به الآخرون من أنه لا يجوز قتل العبد وإهلاكه، وأن هذا أمارة عدم ماليته فغير مُسَلَّم؛ لأن القتل والإهلاك ليس انتفاعاً، والانتفاع يعتبر في كل مال بما يصلح له، ولا يجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلاً، لا في العبد، ولا في البهيمة، ولا في غيرهما، إلا بسبب موجب.

وعليه: فمنع قتل العبد وإهلاكه ليس دليلاً على عدم ماليته [48] .

 

أثر الخلاف في مالية الآدمي:

ما ذكره الفقهاء في هذه المسألة له أثر في مسائل عديدة في أبواب الفقه تتأثر به، فمن هذه المسائل:

أولاً: من سرق حراً هل يقطع؟

أما الحرُّ الكبير فلا يُقطع بسرقته بالإجماع؛ لأنه ليس بمال [49] ، وأما الحرُّ الصغير فاختلف فيه على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن سارقه لا يُقطع أيضاً، وعللوا ذلك بأنه ليس بمال، ولا يؤثر عدم تمييزه، كالكبير النائم، وبه قال بعض المالكية [50] .

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن سارق الحرِّ الصغير يقطع.

وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد [51] ، واستدلوا بما يلي:

1-             ما روي عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أن رجلاً يسرق الصبيان؛ فأمر بقطعه " [52] .

2-             أنه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله فيقطع سارقه: كالبهيمة، ولكن استدلالهم هذا غير مُسَلَّم، فإنه يفارق البهيمة في أهم مقومات القطع وهو المالية فهو ليس مالاً.

وأما الحديث الذي استدلوا به فهو ضعيف، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير عن هشام بن عروة، وقد نقل البيهقي عن أبي الحسن الدارقطني قوله: (تفرد به عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة، وهو كثير الخطأ على هشام، ضعيف الحديث)، وكذلك ساقه ابن حزم سياق من يضعفه؛ فقد قال: (وقد جاء في هذا أثر لا علينا أن نذكره؛ لأن الحنفيين يأخذون بأقل منه إذا وافقهم) ثم ذكره [53] .

كما يجاب بأنه عام ليس فيه تخصيص حر من عبد، فلعله -على فرض صحته- يحمل على من يسرق الصبيان الأرقاء، وإخراج البيهقي له في (باب ما جاء في من سرق عبدا صغيراً) يدل على أنه يراه كذلك، والله تعالى أعلم.

وهنا أنبه إلى أن من الفقهاء من لم يعتبر المالية في المسروق شرطاً، بل اعتبر تعلُّق النفوس به كافياً لقطع يد سارقه، ومنهم ابن العربي المالكي حيث قال -بعد أن ذكر تعليل المانعين لقطعه بأنه ليس بمال-: (قلنا: هو أعظم من المال ولم يقطع السارق في المال لعينه؛ وإنما لتعلق النفوس به وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد) [54] .

ثانياً: من سرق عبداً هل يقطع؟

أما العبد الصغير فذهب عامة أهل العلم إلى أن من سرقه فعليه القطع، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك؛ وذلك لأن سارقه سارق مال مملوك تبلغ قيمته نصاباً، فوجب القطع عليه؛ كسائر الأموال.

وذكر عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أنه استحسن أنه لا يقطع سارق العبد الصغيرة لأنه آدمي من وجه مال من وجه ، ولأن من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيراً كالحر [55] .

(1) أحكام القرآن لابن العربي (2\ 609) .

(2) الهداية (2\ 121) .

 

ونوقش ذلك : بأنه يفارق الحر فإن الحر ليس بمال ولا مملوك ، ويفارق الكبير لأن الكبير لا يسرق ما دام عقله معه ؛ وإنما يخدع بشيء أو يكون مطيعا لسارقه [56] .

وعليه فالراجح رأي عامة أهل العلم بأن سارق العبد الصغير كسارق غيره من الأموال إذ لا فرق بين من يسرق عبدا صغيرا لا يميز وبين من يسرق بهيمة بجامع المالية وعدم التمييز، والله تعالى أعلم.

العبد الكبير: فإن سارقه لا يقطع؛ إلا أن يكون العبد الكبير مجنوناً، أو نائماً، أو أعجمياً لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة؟ فإن سارقه يقطع وفيما عدا ذلك لا يقطع؛ لأنه لا يمكن سرقته إلا بموافقته . وهذا هو الذي رأيته منصوصا لدى الفقهاء ولم أجد لهم رأيا يخالفه ، إلا ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد أن رأي مالك فيه أن يقطع [57] ، ولكن الذي رأيته منصوصاً في كتب المذهب خلافه.

ثالثاً: إذا اعتدى على عبد بالقتل فهل يضمنه القاتل بقيمته بالغة ما بلغت، ولو زادت على دية الحرِّ [58] ؛ باعتباره مالاً مُتَقَوَّماً؟

أما إن كانت قيمته لا تبلغ دية الحر؛ فإنه يضمن بقيمته بالإجماع [59] ، وأما إذا بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها؛ فقد اختلفوا في ضمانه على قولين:

القول الأول: أنه يضمن بقيمته بالغة ما بلغت، ولو زادت على دية الحر، وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف -صاحب أبي حنيفة -؛ لأن العبد مال مُتَقَوَّم فيضمن بكمال قيمته كالفرس.

القول الثاني: أنه لا يبلغ به دية الحر، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد مراعاة لنقص العبد عن الحر، وأن التقدير في الحر ينبه إلى أن العبد لا يزاد عليه [60] ، وناقش الأولون هذا بأن بين الحر والعبد فرقاً؛ من حيث أن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته، بل فيه الدية المقدرة بالشرع مطلقاً، وأما ضمان العبد فهو ضمان مال؛ يزيد بزيادة مالية العبد، وينقص بنقصانها؛ فاختلفا [61] .

وقد حدَّد أبو حنيفة ومحمد النقص بعشرة دراهم، فقالوا: إذا كانت قيمة العبد عشرة آلاف درهم أو أكثر؛ فإنه يضمن بعشرة آلاف إلا عشرة، وإذا كانت دية الأَمَة خمسة آلاف درهم فأكثر؛ فإنها تضمن بخمسة آلاف إلا عشرة، وذلك لأن دية الحرِّ عشرة آلاف، ودية الحرَّة خمسة آلاف درهم عندهم [62] .

قلت: ولعل تحديد العشرة الدراهم هنا مبني على نصاب القطع في السرقة؛ فإنه عندهم عشرة دراهم.

وبالتأمل في القولين يظهر لي رجحان رأي الجمهور، وأن العبد مضمون بالقيمة بالغة ما بلغت، كغيره من الأموال، وما ذكره الحنفية مجرد تعليل ضعيف لا يكفي لنقل العبد عن حكم جنسه.

رابعاً: من القواعد المتفق عليها عند الشافعية: أن الحر لا يدخل تحت اليد؛ ولذا قالوا: إن منفعة الحرِّ مضمونة بالتفويت، فإذا قهر حراً وسخره في عمل ضمن أجرته.

ولكن جرى الخلاف عندهم في ثلاث مسائل تتعلق بمنافع الحرِّ:

إحداها: لا تضمن منفعة الحرِّ بالفوات تحت اليد، فلو قهر حراً وحبسه وعطل منافعه، لم يضمن هذه المنافع على الأصح؛ لأن الحرَّ لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت تحت يده؛ بخلاف المال.

وقال ابن أبي هريرة: يضمنها.

الثانية: لو استأجر حراً وأراد أن يؤجره هل له ذلك؟

قال الأكثرون منهم: له أن يؤجره، وقال القفال: لا يؤجره؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولا تحصل منافعه في يد المستأجر ويدخل في ضمانه، إلا عند وجودها.

الثالثة: إذا أسلم الحرُّ نفسه للمستأجر ولم يستعمله المستأجر إلى انقضاء المدة التي استأجره فيها؛ هل تتقرر أجرته؟

الخلاف فيها كسابقتها للتعليل ذاته [63] .

ولكن خلافهم في المسائل الثلاث غير مبني على خلاف في القاعدة لديهم، بل هي متفق عليها، قال النووي: (ولم يجعلوا دخول الحرِّ تحت اليد مختلفاً فيه، بل اتفقوا على عدمه، ولكن من جوَّز إجارة المستأجر وقرر الأجرة؛ بنى الأمر على الحاجة والمصلحة، وجعل الغزالي الخلاف في المسائل مبنياً على التردد في دخوله تحت اليد ولم نر ذلك لغيره).

خامساً: هل يجوز بيع لبن الآدمية إذا حُلب؟

اختلف في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز بيع لبن الآدمية ولا ينعقد؛ وهذا مذهب الحنفية وبعض الحنابلة، وعللوا المنع: بأن اللبن ليس بمال؛ لأنه لا يَحِلُّ الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، بل لضرورة تغذية الطفل فقط، وما حرم الانتفاع به إلا لضرورة لا يكون مالاً، وما ليس بمال لا يحل بيعه؛ ولأنه جزء من الآدمية، والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء.

ولا فرق عند الحنفية -في ظاهر الرواية- بين لبن الحرَّة والأَمة، بل لا يصح بيعهما.

وذهب أبو يوسف إلى جواز بيع لبن الأَمة دون الحرَّة؛ لأنه جزء من آدمي هو مال، فكان محلاً للبيع كسائر أجزائه؛ وهو رأي لبعض الحنابلة.

وناقشه الحنفية بأن الجواز يتبع المالية، ولا مالية للإنسان إلا ما كان محلاً للرقِّ، وهو الحي، ولا حياة في اللبن؛ فلا يحل بيعه كالبول والدم [64] .

القول الثاني: أنه يجوز بيع لبن الآدمية إذا حُلب؛ لأنه لبن طاهر منتفع به، ولأنه يجوز أخذ العوض عليه في إجارة الظِئر؛ فأشبه المنافع، وأنه لبن يباح شربه؛ فيباح بيعه قياساً على لبن الأنعام.

وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وعن أحمد رواية بكراهته.

 

المبحث الرابع: في مالية الخمر والخنزير:

يعتبر الحنفية الخمر والخنزير مالاً، لكنهما في حق المسلم مال غير مُتَقَوَّم؛ لأنه لا يباح له شرعاً الانتفاع بهما في حال السعه والاختيار، وفي حق غير المسلم مال متقوم؛ لأنه يتموَلُها، ولا يعتقد حرمتها؛ وذلك لأنه ليس من ضرورة التحريم سقوط المالية عندهم، بل سقوط التَقَوُم، ومن ثم بنوا على ذلك وجوب ضمانهما للذمي، سواء أكان المتلف مسلماً أو ذمياً.

ولا يشكل على هذا ما جاء في البحر الرائق نقلاً عن المحيط من أن الخمر ليس بمال [65] ، فقد أجاب ابن عابدين عنه بقوله: (وأما ما في البحر عن المحيط من أنه غير مال فالظاهر أنه أراد بالمال المتَقَوَّم توفيقاً بين كلامهم) [66] ، وذلك أن التَقَوَّم عندهم من شرطه المالية وإباحة الانتفاع، فكل مُتَقَوَّم مال دون العكس.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر والخنزير ليسا بمال؛ لأن مِن شرط المالية عندهم: إباحة الانتفاع المطلقة في حال الاختيار والاضطرار؛ وعليه فلا يصح بيعهما.

لكنهم مع ذلك أوجبوا على من غصبها من ذمي أن يردها عليه بعينها -إن بقيت عينها- أما إن أتلفها على صاحبها الذمي فلا ضمان عليه، لا بمثلها ولا بقيمتها، عند الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية.

وذهب الإمام مالك إلى أنه يضمنها للذمي بقيمتها، سواء كان المتلف مسلماً أم ذمياً.

كما أوجب الشافعية ردها على صاحبها المسلم إن كانت محترمة، وهي التي عُصرت من غير قصد الخمرية [67] .

لكنهم مع ذلك لا يوجبون حد السرقة على من سرق خمراً، وخنزيراً؛ لأنهما ليسا بمال [68] .

ومما يجدر التنبيه إليه: أن الخمر والخنزير ليسا على درجة واحدة في المالية عند الحنفية، بل هي في الخمر أقوى منها في الخنزير؛ وذلك لأن الخمر كان عصيراً قبل التخمر، وهو بعرضية العود إلى الحل بالتخلل، بخلاف الخنزير فإنه ليس ذلك.

وبنوا على ذلك أن العاشر المسلم إذا مر عليه التاجر الذمي بالخمر والخنزير للتجارة، فإنه يعشر الخمر من قيمتها دون الخنزير على ظاهر الرواية عندهم؛ لما مر، ولأن حق الأخذ للحماية، والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل، فكذا يحميها على غيره، ولا يحمي خنزير نفسه، بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره [69] .

 

المبحث الخامس: في مالية الكلب:

اختلف الفقهاء في مالية الكلب:

ذهب الحنفية إلى أن الكلب مال، قال الكاساني: (والدليل على أنه مال: أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق؛ فكان مالاً) [70] ، وهو رأي بعض المالكية [71] .

وذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى أن الكلب ليس مالاً، حيث فسر الحنابلة المال بقولهم: (ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة) [72] ، أو: (ما يباح نفعه مطلقاً واقتناؤه بلا حاجة) [73] ، قالوا: فيخرج الكلب؛ لأنه لا يباح اقتناؤه إلا للحاجة [74] .

وكذلك جاء في شروط القطع في السرقة عندهم: (لا يقطع بسرقة كلب، وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال) [75] ، والشافعية عللوا بتحريم بيعه وبنجاسته مطلقاً [76] .

وقد انعكس هذا الخلاف على عدة فروع اختلف فيها الفقهاء بناء على هذا الخلاف، أو تأثراً به، فمن هذه الفروع:

أولاً: بيع الكلب: حيث اختلف في حكم بيع الكلب المأذون في اتخاذه:

الرأي الأول: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى حرمة بيع الكلب، وهو رواية عن الإمام مالك؛ مستدلين بحديث أبي مسعود الأنصاري: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " [77] .

وعلله آخرون بنجاسته، ومنهم الشافعية، وعلله آخرون -كالحنابلة والمالكية- بأنه لا يحل اقتناؤه واتخاذه إلا لحاجة، أي أن إباحته ليست مطلقة.

الرأي الثاني: ذهب الحنفية إلى جواز بيع الكلب، وهو رواية عن الإمام مالك؛ معللين ذلك بماليته، قال الكاساني: (ولنا أن الكلب مال؛ فكان محلاً للبيع كالصقر والبازي).

ولأن الشارع قد أذن في اتخاذ الكلب لمنافعه الجائزة، وهو غير نجس عندهم؛ فكان حكمه حكم سائر المبيعات، وعلله بعض المالكية أيضاً بإباحة أكله، وهو أحد الرأيين في مذهب مالك.

وأجابوا عن النهي الوارد في الحديث عن ثمن الكلب بأن الشارع قد نهى نهي تنزيه؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وأما التسوية في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن، فهو محمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة: (ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن)، في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم، إذ كل واحد منها منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منها من دليل آخر، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، وقد علمنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي [78] .

ومن أهم أدلة القائلين بعدم تحريم بيع الكلب: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد " [79] ، وما روي من فعل عمر أو عثمان رضي الله عنهما أنه غَرَّم رجلاً عن كلب قتله عشرين بعيراً، ونحوها من الأحاديث والآثار.

قال النووي رحمه الله تعالى: (كلها ضعيفة باتفاق المحدثين، وهكذا وضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها، ولأنهم لا يفرقون بين المعلم وغيره؛ بل يجوزون بيع الجميع، وهذه الأحاديث الضعيفة فارقة بينهما) [80] .

الترجيح:

نظراً للنهي الثابت في الحديث الصحيح عن ثمن الكلب فلا شك في رجحان قول الجمهور بعدم جواز بيعه، وهذا النهي باق لم يثبت دليل صحيح يصرفه عن ظاهره، بل كل ما تعلق به أصحاب الرأي الثاني القائلون بصحة بيعه آثار ضعيفة وتعليلات مردودة، والله تعالى أعلم.

ثانياً: ينبني على مسألة بيعه مسألة أخرى هي: هل يجب على من أتلف الكلب مباح النفع ضمانه بقيمته؟

اختلف الفقهاء في ذلك على الرأي الأول: أنه لا يلزم قيمة الكلب إذا أتلفه؛ لأنه ليس له عرض شرعي، لأنه لا يجوز بيعه، وقد ورد النهي عن ثمنه.

وهذا هو رأي الجمهور: من الشافعية، والحنابلة، ورواية عن الإمام مالك هي أصح الروايات عنه.

الرأي الثاني: أن متلف الكلب المباح النفع يلزمه ضمانه بقيمته؛ بناء على ماليته، وجواز بيعه، فهو كغيره من الأموال المضمونة.

وهذا هو رأي أبي حنيفة ورواية عن مالك، وفي رواية ثالثة عن الإمام مالك أنه أوجب ضمانه بقيمته مع منع بيعه، وعلل إيجاب الضمان بأنه حيوان يصح الانتفاع به والوصية به؛ كالخيل والبغال، وأنه بهيمة يجوز الاصطياد به؛ كالبازي، فصار مضموناً بالإتلاف ولو كان بيعه ممنوعاً [81] .

والذي يظهر لي بعد التأمل في الأقوال ترجيح الرأي الأول، بعدم وجوب ضمان الكلب بقيمته على من أتلفه، وإن وجب عليه التعزير لتعديه، ومما يدل على رجحان ذلك: أن الحنفية القائلين بوجوب الضمان على متلفه لم يجرؤوا على إيجاب القطع على سارقه؛ وذلك لعدم الاتفاق على ماليته، قال المرغيناني: (ولا -أي: ولا قطع- في سرقة كلب ولا فهد؛ لأن من جنسهما يوجد مباح مرغوب فيه، ولأن الاختلاف بين العلماء ظاهر في مالية الكلب؛ فأورث شبهة..) [82] .

ثالثاً: لو قال: له علي شيء، ثم فسره بكلب يحل اقتناؤه، كالكلب المعلم، فهل يقبل تفسيره؟

لا يقبل تفسيره بذلك، وهو موجه عند الشافعية، وقد علله في مغني المحتاج بقوله: (ليس بمال وظاهر الإقرار المال)، والأصح عندهم قبول تفسيره بذلك؛ لصدق إطلاق الشيء عليه، وكونه محترماً يحرم أخذه ويجب رده، وهما وجهان عند الحنابلة أيضاً، أصحهما أنه لا يقبل [83] .


المبحث السادس: في مالية الميتة والدم:

اتفق الفقهاء على عدم مالية الميتة والدم، بل قال الكاساني: (الميتة والدم ليسا بمال في الأديان كلها)، وقال السرخسي: (الميتة والدم فذلك ليس بمال في حق أحد)، وعليه: فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز بيعهما، وعلى عدم ضمانهما على من أتلفهما، حتى الحنفية القائلون بأن حلَّ الانتفاع ليس شرطاً في المالية وإن اختلف تعليلهم لذلك، فعلله بعضهم بتحريمهما [84] ، وعلله آخرون بنجاستهما [85] ، وعلله بعضهم بعدم النفع فيهما [86] ، وعلله بعضهم بعدم حل بيعه وأنه لا قيمة له [87] .

والذي يبدو لي رجوع هذه التعليلات كلها إلى علة واحدة هي: عدم ماليتهما -وهي العلة التي صرح بها بعضهم [88] - ، وإنما يختلفون في سبب انعدام المالية فيهما حسب ما ذكرته.

ولما كان انعدام المالية في الميتة والدم من كل وجه، وأنه ليس فيها أي شبهة للمالية عند الجميع؛ صارا بذلك أقل رتبة من الخمر عند من يجعل له شبهة المالية؛ لذا فقد جاء في المبسوط: (وإن وكله أن يعتقه على جعل [89] فأعتقه على خمر أو خنزير فالعتق جائز، وعلى العبد قيمة نفسه؛ لأنه امتثل أمره بما صنع، فإن العتق بالخمر لو باشره المالك كان عتقاً بعوض؛ لقيام شبهة المالية..

ولو أعتقه على ميتة أو دم لم يجز؛ لأن هذا العتق لو باشره المالك كان عتقاً بغير عوض، إذ ليس في الميتة والدم شبهة المالية..) [90] .

وجاء فيه أيضاً: (وبتخمر العصير لا تنعدم المالية، وإنما ينعدم التَقَوُّم شرعاً؛ ولهذا يكون مالاً في حق أهل الذمة، فانعقد العقد بوجود ركنه في محله، بخلاف البيع بالميتة والدم فذلك ليس بمال في حق أحد؛ فلانعدام ركن العقد في محله لا ينعقد العقد) [91] .

 

الخاتمة:

وفيها: أهم نتائج البحث:

وبعد هذا التطواف في نصوص الفقهاء وآرائهم المتعلقة بتعريف المال، وما يُعَدُّ مالاً وما لا يُعَدُّ، وفي خلافهم في مالية بعض الأشياء، فإن من أهم النتائج التي توصلت إليها ما يلي:

1-             أهمية مصطلح (المال)، وكثرة تداوله وتداول مشتقاته لدى الفقهاء.

2-             مع هذا التداول الكبير لمصطلح (المال) فإن كثيراً من الفقهاء ليس لديه حقيقة تحديد واضح لمفهوم المال، بل تجد أن مفهومه يختلف؛ فيتسع في مقام، بينما يتحدد في مكان آخر، وفقاً للباب الذي ورد استعماله فيه، ومما يؤكد ذلك: أنك تجد كثيراً من الفقهاء لم يلتفت أصلاً لتعريف المال؛ بوضع حد جامع مانع له، بل يورد هذه المفردة، وكأنها ذات مفهوم معهود في الذهن سلفاً، ولقد واجهت صعوبة في جمع التعريفات الاصطلاحية له لندرتها، ولعل مرادهم أن يحيلوا مفهومه على العرف، باعتباره المُعَوَّل عليه فيما لا حد له لغة ولا شرعاً.

3-             مع ما سبق إلا أن بعض الفقهاء -وهم قِلَّة- قد اهتم بذلك، وحاول أن يعرف المال بتعريف حاصر جامع مانع، يميز المال عما يشبهه، ويجعل له مفهوماً واضحاً.

4-             بناء على اختلاف الفقهاء في مفهوم المالية، ومكونات هذا الوصف فقد اختلفوا في مالية بعض الأشياء، ومن أهمها: الدين والمنفعة، والآدمي الرقيق، والخمر والخنزير، والكلب، وبنوا على هذا الخلاف فروعاً كثيرة مردها إليه، ومردها الأصلي إلى ما بني هذا الخلاف عليه في الأساس، وهو اختلافهم في معنى المال، وغالب هذه الاختلافات إنما هي بين الحنفية من جهة والجمهور من جهة أخرى؛ لوقوع الاختلاف بينهم في اعتبار العينية، وإمكان الادخار، وحل الانتفاع شروطاً في صفة المالية حيث ينفرد الحنفية باعتبار الأولين شرطين فيها، وبعدم اعتبار الثالث.

وقد نقض الحنفية أصلهم في الثالث فقالوا بعدم مالية الميتة والدم؛ لاعتبار آخر.

وما قدمت هنا إنما هو جهد المُقِلِّ، وقد كان غايتي فيه الحق، فإن وُفِّقْتُ فبفضل من الله وتوفيقه، وله الحمد والشكر على كل حال، وإن كانت الأخرى؛ فأنا للتقصير أهل، وأسأل الله عز وجل المغفرة.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


 


[1] سورة البقرة - الآية 282 .

[2] فتح القدير شرح الهداية (7\ 221)، وانظر: حاشية رد المحتار (5\ 157).

[3] الموسوعة الفقهية الكويتية (36\ 33).

[4] المصادر السابقة، ودراسات في أصول المداينات ص (15).

[5] المنثور في القواعد للزركشي (2\ 160 ، 161).

[6] المنثور في القواعد للزركشي (1\ 81 ، 82)، وراجع: الأم للشافعي (4\163).

[7] سورة النساء - الآية 24 .

[8] البحر الرائق (3\ 152).

[9] البحر الرائق (7\ 48 ، 49).

[10] المصباح المنير ص (236)، والقاموس المحيط ص (691)، ومختار الصحاح ص (673).

[11] ضمان المنافع للدكتور إبراهيم الدبو ص (249)، ومعجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص (330).

[12] المصدران السابقان، والمصباح المنير ص (172) مادة (غلل)، والموسوعة الفقهية الكويتية (31\ 267).

[13] مغني المحتاج (2\ 377).

[14] شرح حدود ابن عرفة للرصاع (2\ 521).

[15] تخريج الفروع على الأصول ص (225).

[16] المصادر السابقة.

[17] أصول السرخسي (1\ 56).

[18] حاشية ابن عابدين (4\ 502).

[19] تخريج الفروع على الأصول ص (226).

[20] مغني المحتاج (2\ 2)، وأصول السرخسي (1\ 56).

[21] العناية شرح الهداية (9\63)، وراجع مسألة استئجار المنفعة بالمنفعة في: بدائع الصنائع (4\ 194).

[22] العناية شرح الهداية (10\ 487)، وراجع: ضمان المنافع للدبو ص (253).

[23] بدائع الصنائع (4\ 218).

[24] المبسوط (2\ 196).

[25] هكذا هي في المطبوع وصوابها: لا يحنث، وهي في المنثور للزركشي (3\ 197): (لا يحنث).

[26] مغني المحتاج (2\2).

[27] المنثور في القواعد للزركشي (3\ 197).

[28] المبسوط (2\ 196).

[29] منتهى الإرادات للفتوحي تحقيق: عبد الغني عبد الخالق (1\ 255 و256).

[30] معونة أولي النهى (4\ 7).

[31] كشاف القناع (3\ 1405).

[32] سورة النساء - الآية 24 .

[33] سورة القصص - الآية 27 .

[34] سورة النساء - الآية 4 .

[35] سورة النساء - الآية 24 .

[36] أحكام القرآن للجصاص (2\ 203) .

[37] تخريج الفروع على الأصول ص (228 ، 229)، ومختصر القدوري (4\ 74 ، 75)، والمهذب (2\ 341).

[38] المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (30\ 68 ، 69).

[39] مغني المحتاج (2\2).

[40] المصدر السابق.

[41] الموسوعة الكويتية (1\ 95).

[42] سورة الإسراء - الآية 70 .

[43] صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب إثم من باع حراً (4\ 417) برقم (2227).

[44] سورة البقرة - الآية 280 .

[45] فتح الباري (4\ 418).

[46] سورة يوسف - الآية 75 .

[47] البحر الرائق (5\ 277).

[48] راجع: رد المحتار (4\ 502).

[49] راجع: المغني (12\ 422)، والمحلى (11\ 337)، ومختصر القدوري (3\ 204).

[50] راجع: المغني (12\ 422)، والمحلى (11\ 337)، ومختصر القدوري (3\ 204).

[51] المعونة (3\ 1420)، وبداية المجتهد (2\ 552)، والمغني لابن قدامة (12\ 442).

[52] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - كتاب السرقة - باب ما جاء في من سرق عبداً صغيراً من حرز (8\ 268)، وابن حزم في المحلى (11\ 337).

[53] المحلى (11\ 337)، وانظر: مغني المحتاج (4\173).

[54] أحكام القرآن لابن العربي (2\ 609).

[55] الهداية (2\ 121).

[56] المغني، والمحلى، الصفحات السابقة.

[57] بداية المجتهد (2\ 552).

[58] راجع: التلقين ص (509)، وشرح الخرشي على مختصر خليل (8\94).

[59] المغني (11\ 504).

[60] اللباب شرح الكتاب (3\ 169)، والمغني (11\ 505).

[61] المغني (11\ 505).

[62] اللباب في شرح الكتاب (3\ 169).

[63] فتح العزيز (11\ 263)، وروضة الطالبين (5\ 14).

[64] المصادر السابقة.

[65] البحر الرائق (5\277).

[66] رد المحتار (4\ 503).

[67] روضة الطالبين (5\ 17)، ومغني المحتاج (2\ 285).

[68] مغني المحتاج (4\ 160)، ومعونة أولي النهى (8\ 464).

[69] المبسوط (2\ 205)، والهداية (1\ 107).

[70] بدائع الصنائع (5\ 143)، وانظر: الهداية (2\ 121).

[71] بداية المجتهد (2\ 151)، والمعونة (2\ 1040).

[72] المقنع (2\ 5).

[73] منتهى الإرادات (1\ 256).

[74] معونة أولي النهى (4\14)، والممتع في شرح المقنع (3\ 14).

[75] معونة أولي النهى (8\ 460).

[76] فتح الباري (4\ 426)، ومغني المحتاج (2\ 247)، وبداية المجتهد (2\ 151).

[77] صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ثمن الكلب (4\ 426) برقم (2237)، وصحيح مسلم - كتاب المساقاة - باب تحريم ثمن الكلب (10\ 230) برقم (1567).

[78] المعونة (2\ 1040 ، 1041)، والكافي لابن عبد البر ص (327)، وفتح الباري (4\ 427).

[79] سنن الترمذي - كتاب البيوع - باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور (4\ 502) برقم (1299) قال الترمذي: (هذا حديث لا يصح من هذا الوجه وأبو المهزم (رواية عن أبي هريرة) اسمه يزيد بن سفيان وتكلم فيه شعبة بن الحجاج).

[80] المجموع (9\ 229)، وشرح النووي على صحيح مسلم (10\ 232).

[81] المعونة (2\ 1041)، والكافي لابن عبد البر ص (327).

[82] الهداية (2\ 121).

[83] مغني المحتاج (2\ 247)، والإنصاف (12\ 208).

[84] المغني (6\ 358).

[85] الوسيط (3\ 19)، ومغني المحتاج (2\ 285).

[86] معونة أولي النهى (4\ 16).

[87] المغني (7\ 427).

[88] بدائع الصنائع (7\ 167)، والمبسوط (13\ 25)، وروضة الطالبين (5\ 3).

[89] أي: وكل السيد رجلاً أن يعتق عبده على جعل.

[90] المبسوط للسرخسي (19\ 97).

[91] المبسوط (13\ 25).

رسالة الإسلام

 

 


جميع الآراء المنشورة في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها
copy rights 2008 badlah.com