الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه القراض والمضاربة الإسلامية | دراسة تأصيلية لمسائل مهمة ومعاصرة في عقد المضاربة 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

دراسة تأصيلية لمسائل

مهمة ومعاصرة في عقد المضاربة1

الدكتور/ محمود بن حسين الحريري

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ··· وبعد :

فإن عقد المضاربة (1) من أهم عقود المعاملات المالية سابقاً ولاحقاً, لأنه العقد الذي تلتحم به عناصر الإنتاج -رأس المال والعمل- لتقوم بدور فعّال في النشاط الاقتصادي والاستثمار, بحيث لولاه لكانت عناصر الإنتاج عاجزة عقيمة, لا تولّد طاقة ·

وقد أدرك هذا فقهاؤنا الأقدمون, قال صاحب الهداية عند حديثه عن مشروعية المضاربة : فإن الناس بين غني بالمال عييّ عن التصرف فيه، وبين مهتد في التصرف، صفر اليدين عنه, فمست الحاجة إلى شرع هذا النوع من التصرف, لتنتظم مصلحة الفقير والغني (2)·

ويقول الكاساني بعد سرده لأدلة مشروعية المضاربة: أضف إلى هذا أن الحاجة دعت إلى مشروعيته, فالإنسان قد يكون لديه المال, لكنه لا يهتدي إلى استثماره, وقد تكون لديه الخبرة الكافية بأمور التجارة، ولكنه لا يجد مالاً يستثمره, فكان تشريع هذا العقد دفع حاجة الغني والفقير، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم (3)·

كما أن عقد المضاربة من العقود الأساسية الجوهرية التي تقوم عليها نشاطات البنوك الإسلامية, والمؤسسات الاستثمارية غير الربوية, إذ هو العقد الامثل لتنمية رأس المال, البديل عن الربا الماحق لرأس المال وأربابه، وقد بحث فقهاؤنا هذا العقد, ونقلوا الإجماع على مشروعيته, وناقشوا مسائله, واختلفوا في كثير من فروعه ·

 

عمل المضارب

تشير تعاريف عامة الفقهاء ودراساتهم إلى أن عمل المضارب يكون في التجارة, فالمالكية عرفوا المضاربة بأنها "توكيل على تَجْرٍ في نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه" (1)، وحين عدد النووي أركان المضاربة قال: "الركن الثاني: العمل وله شروط, الأول أن يكون تجارة" (2)، ويقول السرخسي: "إذا دفع إلى رجل مالاً مضاربة, ولم يقل, اعمل فيه برأيك، فله أن يشتري به ما بدا له من أصناف التجارة, ويبيع" (3)، وقال ابن قدامة: "المضاربة أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر فيه, على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشرطانه" (4)·

ولكن هل هذه النصوص للبيان فحسب, أم للحصر والقصر, بحيث لا تصح المضاربة في غير التجارة, كالصناعة والزراعة وغيرهما ؟ ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى قصر المضاربة على التجارة, فلا تصح في غيرها كالصناعة مثلاً, وحجتهم ما كانت عليه المضاربة في الجاهلية، وأقرها الإسلام وتعامل بها المسلمون في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قرن الصحابة فقد كانت في التجارة دون غيرها ·

قال الكاساني: "لو قال خُذ هذا المال مضاربة على كذا فله أن يشتري به ويبيع, لأنه أمره بعمل هو سبب حصول الربح, وهو الشراء والبيع، وكذا المقصود من عقد المضاربة هو الربح, والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع" (5)·

قال الماوردي: "عقد القراض يقتضي تصرف العامل في المال بالبيع والشراء, فإن قارضه بمال على أن يشتري به نخلاً يمسك رقابها, ويطلب ثمارها لم يجز, لأنه قد منع تصرف العامل بالبيع والشراء ولأن القراض مختص بما يكون النماء فيه حادثاً عن البيع والشراء, وهو في النخل حادث من غير البيع والشراء, فبطل أن يكون قراضاً, ولا يكون مساقاة لأنه عاقده على جهالة بها قبل وجود ملكها, وهكذا لو قارضه على شراء دواب أو مواشٍ يحبس رقابها ويطلب نتاجها, لم يجز لما ذكرنا" (1)·

وفي المدونة قال سحنون: أرأيت إن دفعت إلى رجل مالاً قراضاً على أن يشتري به جلوداً فيعملها بيده خفافاً أو نعالاً أو سُفراً, ثم يبيعها, فما رزق الله فيها فهو بينهما نصفين ؟ قال عبد الرحمن بن القاسم: "لا خير في هذا عند مالك, وكذلك في رجل دفع إلى رجل مالاً, والمدفوع إليه صائغ, على أن يصوغ ويعمل, فما ربح في المال فبينهما, واشترط صياغة يده في المال", قال مالك: "لا خير فيه", قال عبد الرحمن: "فإن عمل رأيته أجيراً, وما كان في المال من ربح أو وضيعة فلصاحب المال"(2)·

وفي الموطأ: لو أن رجلاً دفع إلى رجل مالاً قراضاً, واشترط عليه أن لا يبتاع به إلا نخلاً أو دواب, لأجل أن يطلب ثمر النخل أو نسل الدواب، ويحبس رقابها, قال مالك: "لا يجوز هذا, وليس هذا من سنة المسلمين في القراض, إلا أن يشتري ذلك ثم يبيعه, كما يباع غيره من السلع"،

قال الباجي: "وهذا كما قال, إنه لا يجوز أن يشترط رب المال على العامل أن يشتري به نخلاً يوقف رقابها, ويكون ربحها ثمارها, لأن العمل الذي يعامل عليه المقارض هو التجارة دون السقي والقيام على النخل, ولا يجوز أن يكون عوضاً عن سقي النخل والقيام عليها غير مقدرة, وإنما يجوز له أن يكون حصة من ثمرة ذلك النخل, كما لا يجوز أن يكون العوض والثمرة عوضاً عن عمل التجارة وكذلك القيام على الدواب, لا يجوز أن يكون العوض عليه جزءاً من نسلها, لأنها مما يزكو بغير عمل كالماشية, ووجه آخر وهو أنه قد يجد العامل بالرقاب الربح فيكون ممنوعاً منه, وهو المقصود بالقراض (1)·

وذهب الحنابلة إلى صحة المعاملة قياساً على المزارعة, وجاؤوا بأمثلة توضح ذلك, قال ابن قدامة: "وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين أو ثلاثاً أو كيفما شرطا صح, فإن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة, ومن آخر راوية, ومن الآخر العمل, على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم, صح في قياس قول أحمد, لأنهما وكلا العامل في كسب مباح بآلة دفعاها إليه, فأشبه ما لو دفع إليه أرضه ليزرعها، ولأنها عين تنمى بالعمل عليها, فصح العقد عليها ببعض نمائها, كالدراهم والدنانير, وكالشجر في المساقاة, والأرض في المزارعة, ومن أمثلتهم ما لو دفع قماشاً إلى خياط فيفصله قمصاناً يبيعها وله نصف ربحها جاز كما في رواية حرب عن أحمد, وكذلك لو دفع غزلاً إلى رجل لينسجه ثم يبيعه على ثلث أو ربع ثمنه صح (2)·

لكن البهوتي يقول: "إن تخريج هذه المسائل على المضاربة بالعروض فاسد, فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال, وهذا بخلافه" (3)·

والذي أراه -والله أعلم- أن فقهاءنا بحثوا أمثلة, فاتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها, ولم يقعدوا للمسألة بما يمكن السير على ضوئها، فقد ذكر الحنفية أن لا ربح إلا في البيع والشراء, ولكنهم عند ضرب الأمثلة تجدهم لا يلتزمون بذلك ولا يقفون عند حدود البيع والشراء, فمثلاً قال السرخسي: "ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها الثياب, ويقطعها بيده ويخيطها, على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان, فهو جائز على ما اشترطا, لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح, فهو كالبيع والشراء, وكذلك لو قال له على أن يشتري بها الجلود والأدم ويخرزها خفافاً ودلاء وروايا وأجربة, فكل هذا من صنع التجار, على قصد تحصيل الربح, فيجوز شرطه على المضاربة" (1)، ويقول الكاساني: "وتصرف المضارب مبني على عادة التجار , قال محمد: وله أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشتري ببعض المال طعاماً, فيزرعه فيها, وكذلك له أن يقلبها ليغرس فيها نخلاً أو شجراً أو رطباً, فذلك كله جائز, والربح على ما شرطا, لأن الاستئجار من التجارة, لأنه طريق حصول الربح" (2)·

ومن هذه النصوص يتضح أن مفهوم التجر عند الحنفية أوسع من قضية البيع والشراء, فالعمل المقصود منه الربح تجارة كما قاله السرخسي, والاستئجار من التجارة كما قاله الكاساني, وهذا مصرح به في معظم كتب الحنفية, قال الصدر الشهيد: "ويملك المضارب بمطلق الإيجاب والقبول الإيداع والإبضاع والإجارة والاستئجار والرهن والارتهان وما أشبه ذلك" (3)·

ويعكر هذا التوجه بعض الأمثلة مما أفتى به علماء الهند من الحنفية حيث قالوا: لو أخذ نخلاً أو شجراً معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة لا يجوز (1) ثم قالوا : لو أخذ الأرض مزارعة واستنبتها بطعام اشتراه ببعض مال المضاربة يجوز, والصحيح ألا فرق بين المسألتين ليختلف حكمهما, وما ذكره البعض أن العمل في الثانية أوضح من الأولى(2) غير صحيح, ففي الحالتين للمضارب عمل, والعمل لا يحسب بالجهد فقط، بل بالعلم والخبرة والإدارة, ثم غاية المتعاقدين الربح, وليس إجهاد المضارب, ليصبح العمل والجهد أساساً في التفريق بين ما يصح من المضاربة وما لا يصح ·

أما المالكية فالظاهر أن سبب عدم جواز بعض الأمثلة والصور عندهم هو اشتراط رب المال على المضارب ذلك, ولو فعل المضارب ذلك دون شرط لصح العقد والعمل, قال محمد عليش: كذلك قراض اشترط فيه رب المال على العامل أن يزرع العامل بمال القراض فلا يجوز, وإن نزل فيه أجرة المثل, وإن لم يشترط عليه فيجوز له أن ينفق مال القراض في الزراعة, إن كان بموضع أمن وعدل, ثم نقل عن الإمام مالك قوله: ولو زرع العامل من غير شرط في أرض اشتراها من مال القراض أو اكتراها جاز, إن كان بموضع أمن وعدل فلا يضمن, ولو أخذ العامل نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض, كان كالزرع, ولم يكن متعدياً (3)·

ويعقب ابن القاسم على المثال الأول المنقول من المدونة بقوله: لا يجوز اشتراط عمل يد العامل لخفاف أو صياغة (4)·

وبهذا يظهر أن المضر والمفسد لهذه الصور هو الاشتراط, وليس كونها في صناعة أو زراعة أو إجارة, وإنما هو منهج المالكية في الشروط بين العاقدين وأثرها على العقد, فالخلاف عندهم في المستحق لتلك الزوائد, أما القراض فصحيح في الشجر المثمر والدواب التي تؤجر ·····, وهذه الأصول لابد من بيعها في نهاية المطاف ليُنَضَّ رأس المال, ويعرف الربح من الخسارة ويأخذ كل من العامل ورب المال ما يستحقه, أما لو شرط رب المال حبس الأصول، واقتسام الناتج من الثمار والمنافع فقط, فلا شك في عدم صحة المضاربة، وذلك لعدة أسباب, ذكرها الماوردي وغيره (1)·

وللشافعية نصوص فقهية قريبة من هذا المسلك, فقد قال الرملي: ووظيفة العامل التجارة, وهي الاسترباح بالبيع والشراء, دون الطحن والخبز, إذ لا يسمى فاعلها تاجراً, بل محترفاً, فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويخبز, أو غزلاً ينسجه ويبيعه, فسد القراض, لأنه شرع رخصة للحاجة, وهذه مضبوطة بتيسر الاستئجار عليها فلم تشملها الرخصة, ولو اشتراها وطحنها من غير شرط لم ينفسخ القراض فيها (2)·

وتعليل الشافعية هنا لفساد العقد -أن القراض رخصة, فيجب العمل بحدودها وعدم تجاوزها أو القياس عليها- غير مسلم به, وهناك نصوص فقهية عند الشافعية تشعر بصحة القراض في غير التجارة, كقول الرملي: وثمار الشجر والنتاج من أمة أو بهيمة وكسب رقيق من صيد واحتطاب، وسائر الزوائد العينية الحاصلة من مال القراض يفوز بها المالك في الأصح، لأنها ليست من فوائد التجارة, وخرج بالحاصلة من ذلك الظاهر في حدوثها منه, كما لو اشترى حيواناً حاملاً أو شجراً عليه ثمر غير مؤبر، فالأوجه أن الولد والثمرة مال قراض, وقيل كل ما يحصل من هذه الفوائد مال قراض, لحصولها بسبب شراء العامل الأصل (3)·

الترجيح :

لا شك أن وسائل الاستثمار وتنمية الأموال كثيرة, وعلى الأخص في الوقت الحاضر, ومن الواجب على العلماء والفقهاء الآن أن يدلوا بدلوهم في بيان الأحكام لكل ما يستجد من هذه الوسائل, ويكيفوا بالضبط هذه العقود, بما يتفق مع القواعد الشرعية العامة, ولا يتعارض مع النصوص، وبما لا يوقع الناس في الحرج أو الحرام ·

فهناك عقود مشروعة كالمساقاة والمزارعة والمضاربة وهناك عقود مستحدثة, كالمصانعة وبعض عقود العمل, ولعل المصانعة أقرب إلى المضاربة لأن مصير ما يتم صنعه إلى البيع, فلو أن رب المال أعطى العامل مالاً ليشتري به مواد أولية وآلات صناعية, ويعمل بها على تحويل تلك المواد إلى عروض تجارية مصنعة, ثم تباع, وما يقدر الله من ربح فهو بينهما حسب ما اشترطا, فهذا عقد مضاربة, وكذلك لو اشترى المضارب بالمال سيارة وعمل عليها, فهو عقد مضاربة وما تحصل من أجر فهو ناتج عن المال والعمل, فهو لهما, وفي نهاية العقد تباع السيارة، فيعطى لرب المال رأسماله, وما زاد كان بينهما على ما اشترطاه, وكذلك لو اشترى العامل آلات زراعية واستأجر أرضاً أو اشتراها, فزرعها أو غرسها, فجميع هذه عقود صحيحة لأنها جامعة لمواصفات عقود مشروعة، حيث لها شبه بالإجارة وبالمزارعة وبالوكالة وبالمضاربة وما تولد من أجزاء مشروعة فهو مشروع, ويعطى لهذا العقد الجديد أحكامه الخاصة به المناسبة له, كما أعطي عقد السلم أحكامه الخاصة على الرغم من شبهه بالبيع, وأعطي الاستصناع أحكامه التي تميز بها, رغم شبهه بالبيع والسلم والإجارة, ولم تطبق عليه أحكام أي من هذه العقود, بل لو طبقت عليه شروط أي من هذه العقود لما صح عقد الاستصناع ·

وعلى هذا نرى صحة هذه العقود, ما دامت لا تتعارض مع نص شرعي, أو قاعدة عامة شرعية, كعدم الغرر, أو الأكل لأموال الناس بالباطل, وسواء ألحقت هذه العقود بعقود شرعية مسماة ومعلومة, أو أعطيت أسماءً وأوصافاً وشروطاً جديدة, وقيست على غيرها من العقود الثابتة بالنصوص وإجماع الأمة ·

وإذا أمكن إبقاء المصطلح الشرعي "المضاربة" كان أولى من استحداث مصطلح جديد, خاصة وأن الخلاف بين مضيق وموسع في المقصود والمراد من كلمة تجارة ·

قال ابن رشد معقباً على العتبي في نقله عن مالك, في رجل أخذ مالاً قراضاً فاشترى به ظهراً, فأكراه فنما المال أو نقص, قال أراه متعدياً وأراه ضامناً, قال ابن رشد : قوله لا يجوز لمن أخذ مالاً قراضاً أن يشتري به ظهراً فيكريه, خلاف مذهبه في المدونة, لأنه أجاز فيها, من أخذ مالاً قراضاً أن يشتري به أرضاً, أو يكتريها ويشتري به زريعة فيزرع, لأنها تجارة من التجارات, بل شراء الظهر للكراء أدخل في باب التجارة من أن يزرع به, وإذا أجاز أن يشتري أرضاً ويزرعها بمال القراض, فأحرى أن يجيز له أن يشتري به ظهراً للكراء, لكن حمل القراض في هذه الرواية على التجارة المعروفة العاملة, وحملها في المدونة على كل ما هو تجارة, وإن لم يكن ذلك من عام التجارة (1)·

  

المسألة الثانية

تحديد المضاربة بالزمن

من المتفق عليه عند الفقهاء أن عقد المضاربة عقد جائز غير لازم, يجوز لكل واحد من طرفي العقد فسخه متى شاء, رضي الآخر أم سخط, وقد نص عامة الفقهاء على ذلك, قال النووي: والقراض جائز, فإنه في أوله وكالة, وبعد ذلك شركة إذا حصل ربح, فلكل منهما فسخه متى شاء، ولا يحتاج إلى حضور صاحبه ورضاه (1)، وقال ابن قدامة : والمضاربة من العقود الجائزة, تنفسخ بفسخ أحدهما, أيهما كان, لأنه متصرف في مال غيره بإذنه, فهو كالوكيل, ولا فرق بين ما قبل التصرف وما بعده (2)، وقال ابن حزم : وأيهما أراد ترك العمل فله ذلك, ويجبر العامل على بيع السلع معجلاً, خسر أو ربح, لأنه لا مدة في القراض, فإذ ليس فيه مدة فلا يجوز أن يجبر الآبي منهما على التمادي في عمل لا يريده أحدهما في ماله، ولا يريده الآخر في عمله (3)·

وكذلك اتفق الفقهاء على صحة المضاربة المقيدة, وإن اختلفوا فيما يصح من القيود, ولهذين الأمرين اختلف الفقهاء في جواز تقييد المضاربة بزمن مقدر, كسنة وشهر مثلاً ·

فذهب الشافعية والمالكية إلى منعها وعدم صحتها, فلو اشترط رب المال على العامل أن تكون المضاربة سنة واحدة فسد عقد المضاربة, وعللوا ذلك بأنه شرط ينافي غاية العقد ومقتضاه, وهو طلب الربح, كما أن هذا القيد يتعارض مع أصل مشروعية المضاربة, وهو أنها غير لازمة, قال النووي وهو يذكر شروط العمل في المضاربة, قال: الشرط الثالث أن لا يضيق العمل بالتوقيت, ولا يعتبر في القراض بيان المدة, فلو وقّت، فقال: قارضتك سنة, فإنه منعه من التصرف بعدها مطلقاً أو من البيع فسد، لأنه يخل بالمقصود, وكذلك لو قال: قارضتك سنة, على أن لا أملك الفسخ قبل انقضائها فسد (1)·

وقال مالك في الموطأ : لا يجوز للذي يأخذ المال قراضاً أن يشترط أن يعمل فيه سنتين, لا ينزع منه, ولا يصلح لصاحب المال أن يشترط أنك لا ترده إلى سنتين, لأجل يسميانه, لأن القراض لا يكون إلى أجل, قال الباجي شارحاً ومؤيداً قول إمامه : لا يجوز أن يوقت القراض بمدة معلومة، لا يجوز فسخه قبلها, والدليل على ما نقوله, أنه عقد جائز, فلم يتوقت بمدة من الزمان كالشركة, ووجهه أن القراض عقد جائز, ومعنى ذلك أن لكل واحد من المتعاقدين فسخه متى شاء, ولو وقت بزمن لم يكن لكل واحد منهما ذلك, لأن التوقيت يمنع ذلك (2)، ونقل هذا القول رواية ثانية عن الإمام أحمد, واختاره أبو حفص العكبري من الحنابلة (3)، وبه قال الطحاوي من الحنفية ·

وخلاصة حججهم أن المضاربة عقد يقع مطلقاً, فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح, وثانياً : أن التأقيت ليس من مقتضى العقد, وليس فيه مصلحة, فأشبه ما لو شرط عليه أن لا يبيع, ومقتضى العقد أن يبيع ليصبح رأس المال ناضاً, وثالثاً: أن التأقيت يؤدي إلى ضرر بالعامل, إذ قد يكون الربح والحظ في تبقية المتاع والسلع وبيعها بعد الأجل المحدد, وفي التوقيت حرمان له من ذلك ·

وذهب الحنابلة والحنفية إلى صحة تقييد المضاربة بالوقت, قال ابن قدامة: ويصح تأقيت المضاربة, مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة, فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر, والدليل أنه تصرف يتوقت بنوع من المتاع, فجاز توقيته في الزمان كالوكالة (1)، وقال الكاساني: ولو قال خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا, لأنها توكيل، والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت (2)·

والراجح -والله أعلم- أن المضاربة تصح محددة بالزمن, لما يلي :

أولاً : لأن العقد شريعة المتعاقدين, وما دام ذلك الاتفاق لا يعارض نصاً ولا يبيح محرماً, لزم القول به عند عامة الفقهاء, والتأقيت لا يعارض نصاً, ولا يحل محرماً ·

ثانياً : بنى الفقهاء قولهم بعدم التأقيت على أن المضاربة عقد جائز غير لازم, والذي أراه أن العقود الجائزة غير اللازمة يجب أن تكون في حدود عقود التبرعات كالعارية والوديعة والوكالة, أما عقود المعاوضات فيجب أن تكون لازمة, فلا يجوز فسخها إلا إذا رضي الطرفان بفسخها، والمضاربة عقد معاوضة لا عقد تبرع ·

ثالثاً : أن في إعطاء حق الفسخ لأحد الطرفين متى شاء ضرراً بالآخر، فلو أعطى رجل مالاً لعامل ليتجر به على نصف الربح, وفي الغالب يكون الربح يسيراً في بداية العمل, فلما بدأ العمل بالنشاط, والمحل بالشهرة والربح في الازدياد, جاء رب المال ففسخ المضاربة, ولولا أمل العامل بالربح المستقبلي لما قبل العمل, وصبر على ذلك الربح, وكذلك لو أعطينا العامل حق الفسخ, ثم قام العامل بإنفاق قسط كبير من رأس المال في الإعداد للتجارة, كاستئجار المحل وزخرفته وتجهيز المعدات اللازمة للتجارة, ثم جاء العامل بعدها ففسخ المضاربة, فكم تكون الخسارة على رب المال, إذ معظم هذه النفقات ضائعة تالفة, ولولا رغبة العامل بهذا العمل وتشجيعه لرب المال على ذلك, لما أقدم رب المال على مثل هذا العمل، وبهذا يظهر أن تحديد المضاربة بالزمن مسبقاً أضمن لحقوق العباد, وأبعد للناس عن الخصومات والخلافات ·

رابعاً : بما أن لطرفي العقد فسخه متى شاء أحدهما بعد الانعقاد, فمن باب أولى أن يكون لهما الحق في مد العقد وحده واستمراره حسب رغبتهما ورضاهما وما يريانه مصلحة لهما ·

أما أدلة المانعين فهي ضعيفة ويرد عليها بما يلي :

أولاً : قياسهم المضاربة على النكاح قياس فاسد, لعدم الشبه بينهما، وللفارق العظيم بين العقدين في غالب الأحكام, إذ المقصود الأعظم من عقد النكاح الاستمرار والدوام بخلاف عقد المضاربة, فالقول بأن العقد مطلق فلا يمكن تقييده, غير صحيح, بل من المضاربة ما هو مطلق, ومنها ما هو مقيد, ولا فرق بين قيد وآخر, كما يبطل هذا الاستدلال بالوكالة والوديعة فهما عقدان مطلقان ويصح تقييدهما ·

ثانياً : قولهم "إن التأقيت ليس فيه مصلحة العقد" غير سليم, بل قد يكون التأقيت عين المصلحة والصواب, ولولا رؤية المصلحة ما تم الاتفاق عليه والرضا به ·

ثالثاً : قولهم "إن في التأقيت ضرراً بالعامل" فهو خلاف الواقع, بل قد يكون التوقيت عين المصلحة للعامل, والأمثلة والحوادث تؤكد هذا ·

على أن في بعض نصوص المانعين ما يشعر بجواز تحديد المضاربة بالزمن, كقول الشيرازي الشافعي : وإن عقده -أي المضاربة- إلى مدة على أن لا يشتري بعدها صح, لأن رب المضاربة يملك المنع من الشراء إذا شاء, فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد, فلم يمنع صحته (1)، وبهذا النص تضيق هوة الخلاف, لأن تحديد المضاربة بزمن، لا تقتضي أكثر من منع المضارب شراء سلع جديدة, أما بيع السلع الموجودة فلا بد منه, على أي شكل كان ذلك الفسخ, فلو قال رب المال في المضاربة المطلقة : فسخت المضاربة الآن, مُنع العامل من الشراء, ولم يمنع من بيع ما لديه من السلع ·

والظاهر أن البنوك الإسلامية تأخذ بهذا الراجح, فتضع آجالاً للمضاربات, لتتمكن على ضوء التوقيت من الجمع بين تحقيق رغبات أرباب الأموال وتحصيل أكبر قدر ممكن من الربح ·

المسألة الثالثة

اشتراط رب المال الضمان على العامل

من المتفق عليه بين عامة الفقهاء أن مقتضى عقد المضاربة أن يكون الربح بين طرفي العقد, وأن تكون الخسارة من رأس المال على ربه, وفي الوقت ذاته يكون العامل قد خسر جهده ووقته وعمله, ولكن ما الحكم لو اشترط رب المال على العامل ضمان رأس المال ؟ أو تحمله لجزء من الخسارة عند حدوثها ؟

أجمع الفقهاء على أن هذا الشرط فاسد ولاغٍ لا اعتبار له, ولا يترتب على العامل ضمان لأجله, لأن المضاربة عقد أمانة, فلا يجوز اشتراط الضمان على العامل ·

أما ذات عقد المضاربة فقد ذهب المالكية والشافعية إلى فسادها وعدم صحتها, لأن الشرط الفاسد يعود على العقد فيفسده, ففي الموطأ: إذا دفع رجل إلى رجل مالاً قراضاً، واشترط على الذي دُفع إليه المال الضمان، قال مالك: لا يجوز لصاحب المال أن يشترط في ماله غير ما وضع القراض عليه, وما مضى من سنة المسلمين فيه, فإن نما المال على شرط الضمان كان قد ازداد في حقه من الربح من أجل موضع الضمان، وإن تلف المال لم أر على الذي أخذه ضماناً, لأن شرط الضمان في القراض باطل ·

قال الباجي شارحاً لذلك : وهذا كما قال, لأن رب المال إذا شرط الضمان على العامل أن ذلك يقتضي فساد العقد, ووجه ذلك أن عقد القراض لا يقتضي ضمان العامل, وإنما يقتضي الأمانة, ولا خلاف في ذلك, فلذلك إذا شرط نقل الضمان عن محمله, بإجماع اقتضى ذلك فساد العقد والشرط (1)·

لكن إن تطوع العامل بالضمان ففي صحة ذلك القراض خلاف عند المالكية (1)، وفي المعيار المعرب : أن القاضي أبا المطرف بن بشير أملى عقداً، أن وصياً على مال سفيه دفع ذلك المال قراضاً إلى رجل على جزء معلوم، وأملى فيه أن العامل طاع بالتزام ضمان المال وغرمه, وقد اعترض عليه وأنكر, لكن القاضي لم يحفل بذلك, واحتج بمذهبه, ونصره بحجج بسطها, ومسائل استشهد بها, وبهذا قال تلميذه أبو عبد الله بن عتاب, وقال : أراه صواباً (2)·

وذهب الحنفية إلى صحة العقد وعدم فساده, لأنه يشبه الشرط الفاسد في البيع, حيث يكون البيع جائزاً والشرط باطلاً, كما في قصة بريرة, قال الكاساني: ولو شرطا في العقد أن تكون الوضيعة عليهما بطل الشرط, والمضاربة صحيحة, والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد, أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد · وإن كان لا يؤدي إلى جهالة في الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة, وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد, لأن الوضيعة جزء هالك من المالك, فلا يكون إلا على رب المال, لا أنه يؤدي إلى جهالة في الربح, فلا يؤثر في العقد, فلا يفسد به العقد, ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض, فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن, ولأنها وكالة, والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة (3)·

وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة, قال ابن قدامة : ومتى شرط على المضارب ضمان المال, أو سهماً من الوضيعة, فالشرط باطل, لا نعلم فيه خلافاً, والعقد صحيح, نص عليه أحمد, وروي عنه أن العقد يفسد به, وحكي ذلك عن الشافعي, لأنه شرط فاسد فأفسد المضاربة، كما لو شرط لأحدهما فضل درهم, والمذهب الأول (1)·

والذي أراه, أن لا خلاف كبيراً بين الفقهاء, لاتفاقهم على إلغاء الشرط وعدم اعتباره, وينحصر خلافهم في صحة العقد والحكم باستمراره, أو في فساده ولزوم فسخه, ولكلا القولين وجهات نظر صحيحة وأخرى غير صحيحة وآثار إيجابية وسلبية, فالقول بصحة العقد واستمراره قد يؤدي إلى تغرير أرباب الأموال حيث يظن أحدهم ضمان رأس ماله, وهو ليس كذلك ·

كما أن القول بفساد المضاربة يتعارض مع منهج الفقهاء في ترجيح تصحيح معاملات الناس على إفسادها ما أمكن ذلك, على أن الناظر يرى أن لهذا الاشتراط دوافع ومبررات, والدافع إلى اشتراط أرباب الأموال ضمان أموالهم, هو قلة الأمانة لدى المضاربين, وضعف الثقة بهم, مع قدرتهم على التحايل والإفلات من الرقابة, وخاصة في العصر الحاضر، أما الدافع لدى العامل على قبول هذا الشرط فهو أحد أمرين : إما الثقة الزائدة بعدم الخسارة, ولولا ذلك لما قبل بهذا الشرط أو أن العامل على غير ثقة ولكنه يريد تغرير أرباب الأموال بنجاح أعماله, فيقبل بهذا الضمان في سبيل زيادة المتعاملين معه, وعند وقوع الخسارة يعجز عن الوفاء ويعلن الإفلاس, وتضيع رؤوس الأموال على أصحابها ·

ولا شك أن الأحكام الشرعية هي العدل والحق, ومجاوزتها عين الظلم والضلال, فضمان العامل لرأس المال في المضاربة يخرج العقد من أبرز خصائصه, وأساس مشروعيته وإباحته, وهي قاعدة (الغُنْمُ بالغُرْمِ) فلولا تحمل رب المال للخسارة المتوقعة, لما حل له الربح ولأصبح عقد ربا، فائدته غير مقدرة ·

والأحكام الشرعية في الضمان صورة مشرقة, تراعي الحق لجميع أطراف التعامل, ففي حالة عدم التعدي والتفريط, إذا خسر العامل لا يصح تضمينه رأس المال, بل يكفيه ضياع جهده وعمله دون عوض أو مقابل ·

ولهذا لا يجوز الخروج على إجماع الفقهاء في عدم صحة هذا الشرط حتى ولو تيقن أو غلب على ظنه عدم الخسارة ·

أما العقد مع هذا الشرط فالأبرأ للذمة عدم صحته ولزوم فسخه، وعلى الأخص في ابتداء العقد ونضوض رأس المال ·

وقد ذهب من الاقتصاديين المعاصرين د· سامي حمود إلى صحة العقد والشرط ولزوم العامل تحمل الخسارة فيما لو قبل بهذا الشرط, واستدل بقياس عامل المضاربة المشتركة على الأجير المشترك في تضمينه ما تلف في يده ولو لم يفرط أو يتعدى (1)، والصحيح أن القياس مع الفارق, كما أن المقيس عليه لا يصلح للقياس عليه, لأنه حكم على خلاف القياس, إذ الأصل عدم تضمين الصناع إلا في حالة التعدي أو التقصير, وفي خلافة علي رضي الله عنه رأى تضمين هؤلاء الصناع, وقال : لا يصلح لهم إلا هذا ·

وكذلك ردّ عليه د· حسن الأمين في كتابة المضاربة الشرعية, بأن الأصل الذي قاس عليه غير ثابت بالنص أو الإجماع, بل هو مختلف فيه، ولذا لا يصلح للقياس عليه (2)·

وذهب محمد باقر الصدر إلى جواز ضمان رأس المال إذا كان الضمان تبرعاً من طرف ثالث غير العامل, كما في المضاربة المشتركة التي تجريها البنوك الإسلامية فيضمن البنك رأس المال على أساس أنه وسيط بين أرباب الأموال المودعين والعاملين المستثمرين (1)، أو أن يكون الضمان من صناديق تأمين تعاوني إسلامي قائمة على التبرع باقتطاع جزء من أرباح المضاربات لمواجهة مخاطر الاستثمار, وتحمل الخسارة عند حدوثها وبهذا قال د· حسن عبد الله الأمين (1): وهذه الآراء وإن كانت دوافعها حسنة إلا أنها خطوة في التلفيق وتقليد البنوك الربوية, في ضمان رأس المال, وإلا فمن أين تأتي البنوك بالأموال لتضمن للمودعين رؤوس أموالهم وهي لا تُضمن المستثمرين ما حصل من خسران, والبنك بالنسبة لأرباب الأموال هو عامل مضارب, مخول له أن يضارب بما لديه من أموال, وليس طرفاً ثالثاً أجنبياً, علماً بأن هذه الصورة نص عليها فقهاء المالكية, وقالوا بعدم صحتها,

ففي العتبية : سئل ابن القاسم عن رجل أخذ من رجل مالاً قراضاً على أن يدفعه إلى رجل آخر -سماه- قراضاً, ويكون على الآخر الضمان, قال ابن القاسم: يردان إلى قراض مثلهما, وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان, قال ابن رشد: المعنى في هذه المسألة عندي، أنه أخذ منه المال قراضاً بالضمان, على أن يدفعه إلى رجل سُمي إن شاء، فصار كأنه دفع إليه قراضاً على أن يكون له ضامناً, وأذن له أن يقارض به رجلاً سماه, فوجب أن يكون حكمه حكم القراض بالضمان, يرد إلى قراض مثله إذا فات بالعمل, وعمل هو به, أو دفعه إلى الرجل المسمى (3)·

لكن لو كان اقتراح الصدر بأن يكون الطرف الأجنبي الثالث هو الدولة، تشجيعاً على الاستثمار, وعدم تعطيل رؤوس الأموال خوفاً من تلاعب العاملين, لكان الاقتراح أقرب للصواب, وأدعى للدرس والنظر, ولأعطى ذلك الاقتراح للدولة مزيد اهتمام في متابعة مشاريع الاستثمار بالمضاربة، كيلا تخسر, ثم تضمن الخسران لأرباب الأموال ·

أما رأي د· الأمين, فهو أقرب من سابقه إلى القبول, خاصة إذا رجحنا القول بإشراك طرف ثالث أجنبي في الأرباح, خلافاً لمن قال بحصر الربح بين طرفي المضاربة, رب المال والعامل, كما سيأتي في المسألة الأخيرة(1)·

المسألة الرابعة

استدانة المضارب

جرت عادة التجار البيع والشراء نقداً ونسيئة, حتى أصبح من العسير عليهم أن يكتفي أحدهم بمقدار ما معه من سيولة نقدية, بل لابد من البيع والشراء بأثمان مؤجلة, ولو حاول كبار التجار منع البيع المؤجل لأغلقت متاجرهم, وتعطلت مصالحهم ·

ولكن هل يسري هذا العرف على عمال المضاربة, بحيث يستطيع المضارب أن يشتري بثمن مؤجل, وأن يجلب من السلع ما يفوق رأس المال وما بيده من سيولة نقدية تخص المضاربة ·

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز للعامل أن يستدين في المضاربة، لأن في ذلك إشغالاً لذمة رب المال ·

فإن استدان المضارب فالدين في ذمته, ولا يحق للدائن مطالبة رب المال بالدين, ولهذا يكون ربح الدين للعامل, وعليه خسارته, وهذا هو المنقول والثابت في المذاهب الأربعة, ففي المدونة قال ابن القاسم: سألت مالكاً عن قوم يدفعون إلى أقوام مالاً قراضاً, فيجلسون بها في الحوانيت، فيشترون بأكثر مما دفع إليهم, فيضمنون ذلك, ثم يعطون الذين قارضوهم من ربح جميع ذلك ؟ فقال مالك: لا خير في هذا, وليس من سنة القراض فيما سمعت من مالك أن يشتري على القراض بدين, يكون العامل ضامناً للدين, ويكون الربح لرب القراض (1)·

ويقول الدردير : ويشارك العامل رب المال إن زاد على مال القراض مالاً مؤجلاً في ذمته, كأن يشتري سلعة بمال القراض وبمؤجل في ذمته لنفسه -أو للقراض- فيصير شريكاً لرب المال بما زاد عن مال القراض، فاختص بربح الزيادة وخسرها (2)·

وقال النووي الشافعي : لا يجوز أن يشتري للقراض بأكثر من رأس المال, فلو فعل لم يقع ما زاد عن جهة القراض (1) ويعلل الشافعية ذلك بأنه شراء فضولي بالذمة للغير, فيقع الشراء للعامل ويلزمه الثمن وله ربحه وعليه خسارته (2)، وقال ابن قدامة الحنبلي : وليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال (3)، أي لا يستدين قال المرداوي : هذا هو المذهب المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه جماهير الأصحاب (4)، ولو استدان المضارب لكان متعدياً, عليه خسارته, أما الربح ففيه خلاف, نقل عن الإمام أحمد أن الربح لرب المال, وقيل: يتصدق به (5)·

وفي الفتاوى الهندية المعتمدة عند الحنفية : لو دفع رجل إلى آخر ألفاً مضاربة, لم يكن للمضارب أن يشتري شيئاً للمضاربة بأكثر من ذلك المال، فإن اشترى سلعة بأكثر من ألف, كانت حصة الألف مضاربة, وما زاد فهو للمضارب, له ربحه وعليه وضيعته (6)·

وظاهر هذه النصوص أنها في حالة عدم إذن رب المال للعامل بالاستدانة, لكن هل يختلف الحكم فيما لو أذن رب المال للعامل بالاستدانة وشراء السلع للمضاربة بثمن مؤجل ؟

ذهب الحنفية إلى جواز ذلك الإذن, فإن اقترض العامل أصبح العامل ورب المال شركاء فيما اقترض شركة وجوه لاتحاد ذمتيهما, وضمانهما معاً لما تم اقتراضه (7)، قال السرخسي : ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة، وأمره أن يستدين على المال, على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما, للمضارب ثلثاه, ولرب المال ثلثه, فاشترى المضارب بالألف جارية تساوي ألفين, ثم اشترى على المضاربة غلاماً بألف درهم يساوي ألفين, فباعهما جميعاً بأربعة آلاف, فإن ثمن الجارية يستوفي منه رب المال رأس ماله, وما بقي فهو ربح بينهما على ما اشترطاه, ثلثاه للمضارب, وثلثه لرب المال, وأما ثمن الغلام فيؤدى منه ثمنه, والباقي بينهما نصفان, لأن الأمر بالاستدانة كان مطلقاً (1)·

وذهب المالكية إلى فساد القراض لو اشترط رب المال على المضارب الشراء بدين, واشترى به (2)، أما لو فعله من نفسه, فاشترى سلعاً بثمن مؤجل للمضاربة, كانت كرأسمال المضاربة, لرب المال ربحها حسب اشتراطه وعليه ضمانها ووفاء ثمنها المؤجل, إن اختار ذلك ورضي به، وإلا كان للعامل ربحها وعليه ضمانها ووفاء ثمنها, وأصبح شريكاً لرب المال بمقدار ما اشتراه مؤجلاً مقوماً بمثله حالاً, كما لو دفع له مائة، فاشترى سلعة بمائتين, دفع منها مائة حالة هي مال القراض, ومائة مؤجلة, فتقوم المؤجلة بعرض, ثم العرض ينض, فإذا كانت قيمة العرض خمسين, كان العامل شريكاً لرب المال بالثلث كأن العامل دفع خمسين، ورب المال مائة (3)·

أما الحنابلة فقد ذهبوا إلى جواز الاستدانة في المضاربة المطلقة ولو لم يصرح بها, فلو قال رب المال للعامل: اعمل بهذا المال برأيك, جاز له الاستدانة والسفتجة (4)·

والراجح جواز استدانة العامل على المضاربة, جرياً على العرف, ما لم ينه رب المال عن ذلك, ويكون حكم ما اقترضه كرأس المال المدفوع, ربحه بينهما حسب الاتفاق, وذلك لما يلي :

1- صعوبة الفصل بين ما دُفع ثمنه نقداً وما استسلفه, فقد يكون ثمن السلعة الواحدة مشتركاً بين المنقود والمؤجل ولعدة آجال مختلفة ·

2- الاحتمال الكبير في اختلاف قيم السلع في حالتي النقد والتأجيل، وتأثير أحدهما في الآخر زيادة ونقصاً في الثمن ·

3- غالباً ما يكون سداد الديون من أثمان ما باعه العامل دون تفريق بين سلع كانت أثمانها منقودة من رأس مال المضاربة أو سلع بأثمان مؤجلة ·

4- احتمال التهمة للعامل بحرصه على بيع السلع المؤجلة الأثمان، لكونها في ذمته, وله أرباحها بمفرده, وعليه خسارتها, بينما لا يعبأ بالسلع المنقودة أثمانها من رأس مال المضاربة, لأن خسارتها على رب المال, وربحها مقسم على العامل ورب المال ·

أما ما ذهب إليه الحنفية أن رب المال والعامل شركاء فيما تم اقتراضه شركة وجوه فغير صحيح لأمرين :

الأول : أن الوجاهة لشركة المضاربة وسمعتها, ولعظم رأسمالها ولمالكها وثقله التجاري, لا لوجاهة العامل, ولهذا يصبح الدين كرأس المال، وضمانه على رب المال ووفاؤه من رأس مال المضاربة ·

الثاني : فساد استدلالهم على مذهبهم بقولهم "إن المضاربة لا تصح بالدين" لأن الدين مال غائب لا يمكن للعامل التصرف به ليحقق غرض المضاربة, وهو الربح, لأن ما استدانه العامل, أو ما اشتراه بثمن مؤجل هو مال مقبوض جاهز يتصرف العامل به لتحقيق الربح, فاختلف عما قال الحنفية من عدم صحة المضاربة بالدين ·

أما قول عامة الفقهاء "إن القرض كله للعامل, له ربحه وعليه خسارته", فهو أضعف من قول الحنفية وأبعد عن الصواب, لآثاره السلبية في ضياع الحقوق, وفساد المعاملة ·

المسألة الخامسة

مضاربة العامل بمال المضاربة

من المعلوم أن عقد المضاربة اتفاق بين طرفين, وضع أحدهما ثقته بالطرف الآخر, فسلمه ماله ليعمل فيه بنفسه, فهو عقد شخصي, لا يجوز فيه للعامل أن يدفع هذا المال مضاربة إلى رجل اخر, إلا إذا أذن له رب المال, وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء (1)·

وقد علل الحنابلة المنع, بأنه إيجاب حق لشخص في مال غيره, قال ابن قدامة: إن هذا -أي مضاربة العامل بمال المضاربة- يوجب في المال حقاً لغيره, ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه, وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي, ولا أعرف عن غيرهم خلافهم (2)·

وبهذا علل الحنفية أيضاً, وزادوا علة أخرى, وهي أن العامل سوّى غيره مثله في ثقة رب المال, قال السرخسي: ليس للمضارب أن يدفعه إلى غيره مضاربة, لأنه سوّى غيره بنفسه في حق الغير, ولأنه يوجب للثاني شركة في ربح مال رب المال, ورب المال ما رضي إلا شركته (3)، وبنى الكاساني ذلك على قاعدة فقهية "أن الشيء لا يستتبع مثله" والمضاربة مثل المضاربة فلا يُستفاد من مطلق عقد المضاربة مضاربة مثله, كما لا يملك الوكيل توكيل غيره بمطلق الوكالة (4)، وعلل المالكية بعدم الرضا لأمانة الآخرين, قال القرافي: ولا يجوز للعامل أن يقارض إلا بإذنك، لأنك لم ترض أمانة غيره (5)·

ومع اتفاق الفقهاء على ما سبق, إلا أنهم اختلفوا في آثار تصرف المضارب لو فعل ذلك وحصل ربح أو خسران, فذهب المالكية إلى إعطاء رب المال الحق في تضمين أي من العاملين شاء, المضارب الأول أو المضارب الثاني, إذا حصل خسران أو تلف عند المضارب الثاني فإن حصل ربح, فلرب المال من الربح ما اشترط على العامل الأول, وللعامل الثاني الباقي, إن كان اتفاق الثاني مع المضارب الأول, كاتفاق الأول مع رب المال, فإن كان اتفاق العاملين أكثر, أخذ رب المال ما اشترط, وغرم العامل الأول للثاني ما نقص عليه حسب الاتفاق, وإن كان اتفاق العاملين أقل مما اتفق عليه رب المال مع العامل الأول, أخذ المضارب الثاني حصته المتفق عليها, وأخذ رب المال الباقي, وليس للمضارب الأول شيء, لأنه لم يقدم عملاً, ولا هو صاحب رأس المال, وذلك سبب استحقاق الربح(1)، وذكر القرافي في كتابه الذخيرة صوراً (2) أخرى منها لو خسر العامل الأول نصف رأس المال قبل دفعه للثاني, ثم دفع النصف الباقي فعمل به الثاني وربح, وزاد الربح عن جميع رأس المال, ولم يعلم الثاني بذلك، أخذ رب المال رأس ماله ونصف الزائد, وأخذ الثاني ما بقي, ثم يرجع على الأول بنصف رأس المال الذي أخذه رب المال من الربح ·

وقال أشهب في هذا : لا يحسب رب المال على الثاني إلا النصف الذي قبضه, ثم يقتسمان الربح الزائد على ذلك, ثم يعود رب المال على الأول بنصف رأس المال التالف إن كان متعدياً بتلفه, وإلا أخذ منه ما يكمل رأس المال وحصته من الربح, ثم ضرب مثالاً موضحاً لذلك برجل أعطى لعامل ثمانين, فتلف نصفها, ودفع العامل الأربعين الباقية لعامل ثانٍ, فعمل بها وربح ستين, فلرب المال من العامل الثاني سبعون, أربعون هي رأس المال، وثلاثون هي نصف الربح ثم يرجع رب المال على العامل الأول بالأربعين التالفة إن كان متعدياً بتلفها, وإلا كان لرب المال من العامل الأول عشرون فقط, ليتم بها تسعين, هي ثمانون مجموع رأس المال، وعشرة هي نصف الربح الزائد عن الثمانين, حيث إن العامل الثاني عمل بأربعين وربح ستين فكان مجموع ما بيده مائة, ثمانون رأس المال، وعشرون ربحاً لرب المال نصفها عشرة ·

أما الحنفية فذهبوا إلى تخيير رب المال بين أمرين :

- أن يختار أخذ الربح من المضارب الثاني, حسب شروط رب المال على المضارب الأول, وحينئذ لا ضمان على العامل الأول أو الثاني عند الخسران, بل الضمان على رب المال ·

- أو أن يختار تضمين أحد العاملين, وفي هذه الحالة لا يستحق رب المال من الربح شيئاً, فإن ضمن المضارب الأول استمرت المضاربة بين العاملين على ما اشترطا, لكون المال أصبح ملك المضارب الأول, وإن ضمن المضارب الثاني, رجع المضارب الثاني على الأول بما ضمن, لأنه مغرر به, لكن تضمين العاملين أو أحدهما, لا يثبت في ظاهر الرواية بمجرد دفع مال المضاربة إلى الثاني حتى يعمل فيه وعند الإمام لا يثبت الضمان العمل حتى يحصل الربح ويصبح شريكاً فيه, أما زفر فيرى أن مجرد تسليم المال إلى المضارب الثاني يصبح ضامناً, ووجه ظاهر الرواية أن الربح يحصل بالعمل, فيقام السبب وهو العمل مقام الناتج وهو الربح، فيصير ضامناً بالعمل, سواء حصل ربح أم لا, أما دليل زفر أنه مخالف بالدفع إلى غيره على سبيل المضاربة, فكان كل واحد منهما ضامناً كالمودع إذا أعار الوديعة (1)·

وذهب الحنابلة إلى أن المضارب الأول يصبح كالغاصب في الضمان والتصرف ولرب المال مطالبة من شاء منهما برد المال إن كان باقياً, وبرد بدله إن كان تالفاً, فإن طالب الأول وضمنه قيمته, ولم يكن للثاني علم بالحال, لم يرجع الأول على الثاني فيما تلف بيده دون تعدٍ, لأن المال بيد الثاني على وجه الأمانة, وإن كان الثاني عالماً بالحال, رجع الأول على الثاني بما ضمن لأنه متعد بقبض مال غيره, وتلفه تحت يده فاستقر عليه الضمان, وإن طالب رب المال المضارب الثاني وضمنه وهو عالم بالحال لم يرجع الثاني على الأول بما ضمن, وإن كان جاهلاً بالحال ففيه وجهان عند الحنابلة, وإن حصل ربح, فالربح كله لرب المال, وليس للمضارب الأول شيء لأنه لم يقم بالعمل, ولا هو بصاحب رأس المال, حتى يستحق جزءاً من الربح, أما المضارب الثاني فليس له شيء أيضاً إن كان عالماً بالحال, لأنه عمل في مال غيره بغير إذنه, وإن كان جاهلاً بالحال رجع على المضارب الأول بأجرة مثله, لأنه غرر به, وقد قام بعمل يستحق العوض في مضاربة فاسدة (1)·

وللشافعي في هذه المسألة قولان, القديم منهما أن الربح لرب المال، وليس للمضارب شيء, لأنه كالغاصب, فلا يصح أن يكون فعله المحظور سبباً في تملك مال, إذ الناتج من المحظور محظور, ولأن الربح نماء المال، فيتبع مالكه ·

أما القول الثاني وهو مذهبه الجديد, أن الربح للعامل وليس لرب المال منه شيء, لأن الغاصب مطالب بمثل ما اغتصب, أما الربح فهو ناتج من العمل والتقلب, فهو للغاصب دون المغصوب منه, بخلاف الثمار والنتاج فهما حادثان عن المال دون العمل, فهما لرب المال وليس للغاصب منهما شيء ·

إلا أن فقهاء الشافعية خرّجوا على هذين القولين خمسة آراء أجملها الماوردي بقوله :

أحدهما : أن جميع الربح لرب المال, ولا شيء فيه للعاملين, وهذا مذهب أبي العباس ابن سريج على قوله في القديم ·

الثاني : أن نصف الربح لرب المال, والنصف الآخر للعامل الأول، وللعامل الثاني على العامل الأول أجرة مثله, وهذا مذهب أبي إسحاق المروزي على قوله في القديم ·

الثالث : أن نصف الربح لرب المال, والنصف الباقي بين العاملين نصفين, وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة على قوله في القديم ·

الرابع : أن الربح كله للعامل الأول, ولا شيء فيه لرب المال, ولا للعامل الثاني بل يرجع بأجرة مثله, على قوله في الجديد ·

الخامس : أن الربح كله للعامل الأول ولا شيء فيه لرب المال, ولا للعامل الثاني بل يرجع بأجرة مثله على العامل الأول (1)، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة, على قوله في الجديد ·

ومع هذا العرض لأقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة, إلا أن في طيات كل مذهب تفريعات وتفصيلات, بعضها مقبول, وبعضها مردود, كتفريق الحنفية في الضمان قبل تصرف المضارب الثاني وبعد التصرف, بناء على أن للمضارب الأول إيداع المال, وتناسى الحنفية أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني, فالمضارب الأول دفع المال بقصد المضاربة, لا بقصد الإيداع, فهو متعد من وقت الدفع وضامن, ولا حاجة إلى التصرف ليصبح ضامناً ·

وكتفريق الشافعية والمالكية بين شراء المضارب الثاني بعين المال، وشرائه بالذمة ثم دفع المال وفاءً لما في ذمته, وكأن هذا التفريق تعليم للناس على التحايل لأكل أموال الناس بالباطل, حيث يعلم المضارب ألا وفاء لما اشتراه بالذمة إلا مما في يده من أموال المضاربة ·

والذي أراه أن المضارب متعد بفعله, ضامن لما ينتج منه, ولا يستحق شيئاً من الربح, بل الربح كله لرب المال, وللمضارب الثاني أجرة مثله، إن لم يعلم بالحال, والأجرة على رب المال, كما لو كانت مضاربة فاسدة، والذي يجب معرفته, أن المضاربة المطلقة غير كافية في منح المضارب حق المضاربة مع غيره, بل يحتاج إلى إذن صريح في مضاربة الآخرين، وبهذا قال الشافعية خلافاً للحنفية, قال الماوردي: اعلم أن العامل في القراض ممنوع أن يقارض غيره بمال القراض, ما لم يأذن له رب المال إذناً صحيحاً صريحاً (1)·

قال الكاساني الحنفي : إذا قال رب المال للعامل اعمل فيه برأيك, فله أن يدفع مال المضاربة إلى غيره, لأنه فوض الرأي إليه, وقد رأى أن يدفعه مضاربة, فكان له ذلك (2)·

وقد رد الماوردي على ذلك بقوله : وهذا خطأ, لأن قوله اعمل فيه برأيك، يقتضي أن يكون عمله فيه موكولاً إلى رأيه, فإذا قارض به, كان العمل لغيره, ولأنه لو قارض بجميع المال لم يجز, وإن كان ذلك من رأيه، لعدوله بذلك عن عمله إلى عمل غيره, فكذلك إذا قارض ببعضه (3)·

وللحنابلة في المسألة قولان, قال ابن قدامة : وإن قال اعمل برأيك, أو بما أراك الله, جاز له دفعه مضاربة, نص عليه أحمد, لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه, ويحتمل أن لا يجوز له ذلك, لأن قوله اعمل برأيك، يعني في كيفية المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة, وهذا يخرج به عن المضاربة, فلا يتناوله إذنه (4)، والحق أن الإذن الصريح أولى, قطعاً لدابر الخلاف والنزاع واحتمال الضمان في المستقبل ·

فإذا أذن رب المال للمضارب بدفع المال مضاربة مع الآخرين, جاز ذلك التصرف باتفاق الفقهاء, ولكن اختلفوا في صفة المضارب الأول, هل يبقى مضارباً فيستحق جزءاً من الربح, أم يصبح وكيلاً لا يأخذ شيئاً من الربح الناتج ؟

قال ابن قدامة : وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك، نص عليه أحمد, ولا نعلم فيه خلافاً, ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك, فإذا دفعه إلى آخر, ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وإن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح, لأنه ليس من جهته مال ولا عمل, والربح إنما يستحق بواحد منهما (1)·

وبهذا قال المالكية حيث يرون المضارب الأول وكيلاً لا يستحق شيئاً، قال ابن رشد : وأما إذا قال له حين أخذه المال منه, إني أدفعه إلى من يعمل فيه قراضاً, أو أبعثه إلى من يعمل به قراضاً, ولم يشترط ذلك، فذلك إذن منه له في أن يقارض به, فإن قارض فيه بأكثر من الجزء الذي اشترطه, كان الفاضل لرب المال, لا له, وهو نص قول مالك في كتاب ابن المواز (2)·

أما الشافعية فقد فصلوا المسألة إلى صورتين :

الأولى : أن يأذن رب المال للعامل بمضاربة غيره, مع نهيه له أن يعمل فيه بنفسه, فهذا وكيل بلا خلاف ·

والصورة الثانية : أن يأذن له بالعمل بنفسه, وفي مضاربة غيره، فيكون بالخيار لمكان الإذن - في العمل بنفسه, وفي مضاربة غيره, فإن عمل بنفسه صح, وكان الربح مقسوماً بينهما على الشرط, وإن قارض غيره كان وكيلاً في عقد القراض معه, وخرج من أن يكون عاملاً, والربح لرب المال والعامل فيه, فإن شرط في الربح سهماً لنفسه, كان القراض فاسداً, لأن ربح القراض موزع على المال والعمل, وهو وكيل, ليس له مال ولا عمل, فلا يكون له في الربح حق, وصار شرطه منافياً للعقد فبطل, وصار العامل مضارباً في قراض فاسد, فوجب أن يكون الربح كله لرب المال, وعليه للعامل أجرة مثله, لجواز مقارضته, وإنما بطل العقد لفساد الشرط, ولا ضمان على الوكيل ولا على العامل, لأن كلاً منهما غير متعد في المال, وإنما حصل التعدي في العقد (1)·

أما الحنفية فيرون أن المضارب الأول, إذا دفع المال مضاربة لآخر، بإذن من رب المال, استحق من الربح حسب الاشتراط, كالأجير المشترك، إذا استأجر آخر بأقل مما استؤجر (2)، ثم يفرق الحنفية بين عبارات رب المال, فلو قال: ما رزق الله بيننا نصفان, فدفعه المضارب الأول لآخر بالثلث، فلرب المال نصف الربح, أما النصف الباقي فللمضاربين, للأول السدس، وللثاني ما اشترط, وهو الثلث, وإن دفعه بالنصف, فالربح بين رب المال والعامل الثاني, وليس للأول شيء, وإن دفعه على أن للمضارب الثاني الثلثين, أخذ رب المال نصف الربح, وغرم الأول للثاني السدس، إكمالاً للثلثين المشترطة, أمّا لو قال رب المال : ما رزقك الله -بكاف الخطاب- فلي نصفه, أخذ العامل الثاني ما اشترط له الأول, والباقي لرب المال والعامل الأول حسب شرطهما (3)·

والظاهر أن قول الحنفية هو الراجح والمناسب للعصر, لأن تصور المخالفين -وهم الجمهور- أن المضارب الأول لم يقم بأي عمل, ليستحق عليه جزءاً من الربح, غير صحيح, بل قد يكون ما قام به من الأمور الجوهرية والضرورية لحصول الربح وتجنب الخسارة, فهناك المكاتب الاستشارية لكثير من الأعمال, تأخذ الأجر, ولا تقوم إلا بالدراسات النظرية التي تساهم في نجاح المشاريع الاقتصادية, ولولا أن ما قامت به شكل من أشكال العمل والمنافع, لما استحقت عليه العوض والأجر ·

وبهذا القول أخذت البنوك الإسلامية, فيما تقوم به من مضاربات، فليس كل ما تجمعه من أموال المضاربة تعمل به البنوك الإسلامية بنفسها، بل تضارب مع غيرها من رجال الأعمال, ولعل هذا هو الجانب الأكبر، وهي ولا شك تشير وتوضح لرب المال أن لها الحق في أن تعمل بنفسها, وتضارب مع غيرها, ويوقع رب المال على موافقته بذلك, وتأخذ جزءاً من الربح حسب نوع المضاربة ·

وعلى ضوء ذلك يرى د· محمد عبد الله العربي أن البنك الإسلامي يبقى على صفته عاملاً مضارباً, له الحق في دفع المال مضاربة للمستثمرين, وله من الربح ما اشترط, وهو ما رجحه الحنفية (1)·

ويرى الأستاذ محمد باقر الصدر أن البنك الإسلامي يصبح وكيلاً عن أرباب الأموال عندما يدفع المال مضاربة مع الآخرين, وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة, لكن من حق البنك أن يأخذ على وساطته مكافأة على أساس الجُعالة في الفقه الإسلامي (2)·

أما د· سامي حمود فقد رأى أن يُعطى البنك الإسلامي صفتين يجمع بينهما, ففي حال أخذه الأموال من أربابها فهو عامل مضارب, وفي حال دفعها إلى المستثمرين يكون له صفة رب المال (3)·

والذي أراه أن لا فرق بين قولي العربي وحمود, لأن العربي جعل البنك عاملاً, له الحق في دفع المال للمستثمرين, فإذا دفعه إلى المستثمرين مضاربة كان البنك رب مال في هذه الصورة, وهو ما قاله حمود ·

 

المسألة السادسة

هل لعامل المضاربة أن يضارب أكثر من شخص

هل العامل في المضاربة أجير خاص, لا يجوز له تقبل أموال أخرى من غير رب المال المضارب معه ؟ أم هو أجير مشترك, يحق له أن يأخذ ما يشاء من الأموال ممن يشاء ليضارب بها ؟

ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمضارب أن يأخذ أموالاً ليضارب بها من غير رب المال, إذا كان في ذلك ضرر على رب المال, وبهذا قال المالكية والحنابلة ·

قال الدردير : ولا يجوز أخذ العامل قراضاً آخر من غير رب المال, إن كان الثاني يشغل العامل عن الأول, وإلا جاز, ومفهوم "من غيره" جوازه منه, وإن شغله عن المال الأول, قال الدسوقي معلقاً على ذلك : لأن رب المال قد استحق منفعة العامل (1)·

لكن يجعل القرافي الأصل الجواز, قال في الذخيرة : يجوز للعامل أخذ قراض من رجل آخر, إن كان لا يشغله عن الأول, لأنه مالك لمنافع نفسه، وإلا فلا, لالتزامه مقتضى العقد الأول (2)·

ويقول الخرقي الحنبلي : وإذا ضارب لرجل لم يجز أن يضارب لآخر، إذا كان فيه ضرر على الأول, فإن فعل وربح رده في شركة الأول ·

قال ابن قدامة شارحاً لذلك : وجملة ذلك أنه إذا أخذ من إنسان مضاربة، ثم أراد أخذ مضاربة أخرى من آخر, فأذن له الأول جاز, وإن لم يأذن له ولم يكن عليه ضرر جاز أيضاً بغير خلاف, وإن كان فيه ضرر على رب المال الأول ولم يأذن, مثل أن يكون المال الثاني كثيراً، يحتاج إلى أن يقطع زمانه, ويشغله عن التجارة في الأول, ويكون المال الأول كثيراً, متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته لم يجز له ذلك (1)·

والظاهر عند الشافعية الجواز, وإن كانت نصوصهم الفقهية غير صريحة بهذا ·

قال الرملي : ويجوز أن يقارض الاثنان واحداً, لأنه كعقدين، ويُشترط فيما إذا تفاوتا فيما شُرط للعامل تعيين من عليه الأكثر, والربح بعد نصيب العامل بينهما بحسب المال, وإلا فسد (2)·

وهذا النص يشعر بجواز مقارضة الواحد لاثنين فأكثر, خاصة إذا ضارب كل واحد بعقد مستقل, ويجوز أن يكون نصيب العامل مختلف النسبة من حصص أرباب الأموال, كأن يقارض أحدهما على النصف والآخر على الثلث, وآخر على الربع ·

وقال بعض الفقهاء يجوز للعامل مطلقاً أن يضارب مع من يشاء, وىأخذ أموالاً مما يشاء, رضي رب المال أم لا, وقد عزا ابن قدامة هذا القول لأكثر الفقهاء دون تحديد لهم, ثم علل ذلك بقوله : لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها, فلم يمنع من المضاربة, كما لو لم يكن فيه ضرر، وكالأجير المشترك (3)·

كما عزا القرافي هذا إلى الشافعي فقال : وجوزه الشافعي مطلقاً كالوكالة (4)، والظاهر أن عزو ابن قدامة هذا القول لأكثر الفقهاء فيه مبالغة وتَجَوّز ·

والذي يترجح هو إعمال نص الاتفاق بين العاقدين أولاً, فإن لم يوجد نص اتفاق بينهما في هذا الشأن, أخذنا بالعرف, فالمضاربة مع مؤسسة مالية قابضة يختلف عن المضاربة مع شخص بعينه, إذ المعروف أن المؤسسة المالية كلما كثر وعظمُ ما لديها من أموال, تعمل ببعضها, وتدفع بعضها مضاربة مع الآخرين, كلما كثر ربحها, وخفت ونقصت تكاليف إنفاقها الموزع عادة على رأس المال, وهذا بخلاف المضاربة مع شخص بعينه ومفرده, حيث ينشغل ببعض المال عن بعض, فيتضرر رأس المال، ويستفيد عامل المضاربة بمفرده ·

المسألة السابعة

خلط العامل مال المضاربة بغيره

الأصل تميز الحقوق, واختصاص رب المال بماله, له غنمه وعليه خسارته, ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للعامل خلط أموال المضاربة بغيرها بغير إذن رب المال, سواء كان ذلك الخلط بمال نفسه أو أموال مضاربين آخرين, قال ابن قدامة : وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله, فإن فعل ولم يتميز ضمنه, لأنه أمانة, فهي كالوديعة (1) وعلل الحنفية المنع بأن الخلط يوجب في مال رب المال حقاً لغيره, فلا يجوز إلا بإذنه (2)·

وعمم الشافعية المنع حتى ولو أذن رب المال بذلك الخلط, قال الرافعي: ولو خلط العامل مال القراض بماله صار ضامناً, وكذا لو قارضه رجلان هذا على مال, وهذا على مال, فخلط أحدهما بالآخر, وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخلط, ولو جرى ذلك بإذن المالك, بأن دفع إليه ألفاً قراضاً, ثم دفع إليه ألفاً آخر, وقال: ضمه إلى الأول, فإن لم يتصرف في الأول جاز, وكأنه دفعهما إليه دفعة واحدة, وإن تصرف في الأول لم يجز القراض في الثاني, ولا الخلط, لأن حكم الأول قد استقر بالتصرف ربحاً وخسراناً, وربح كل مال وخسرانه يختص به (3)·

لكن خالف الماوردي فقهاء مذهبه, فقال بجواز الخلط إذا أذن رب المال، قال في الحاوي : فلا يجوز أن يخلط ماله بمال القراض, وعليه تمييز كل واحد من المالين, فإن خلطهما فعلى ضربين ·

أحدهما : أن يكون بإذن رب المال, فيجوز ويصير شريكاً ومضارباً (1)، ويكفي للإذن أن يقول رب المال للعامل : اعمل فيه برأيك, وبهذا قال الحنفية والحنابلة (2)·

قال الكاساني : وللمضارب أن يخلط مال المضاربة بمال نفسه إذا قال له رب المال, اعمل برأيك, وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك (3)·

وزاد الحنفية أن للعامل الخلط إذا جرى بذلك عرف التجار, ولو لم يأذن رب المال به, ففي الفتاوى الهندية : إذا دفع رجل إلى آخر ألف درهم مضاربة ولم يقل له اعمل برأيك, إلا أن معاملة التجار في تلك البلاد أن المضاربين يخلطون, وأرباب الأموال لا ينهونهم عن ذلك, فعمل في ذلك على معاملات الناس, إن غلب التعارف بينهم في مثل هذا, رجوت ألا يضمن, ويكون الأمر في ذلك محمولاً على ما تعارفوه (4)·

وأجاز المالكية الخلط بغير إذن, ووضعوا لذلك شروطاً اجتهادية, لم يتفق فقهاؤهم على اشتراطها, وقالوا بوجوب الخلط أو ندبه في بعض الحالات والصور, كأن يخاف من عدم الخلط فوات ربح أو حصول خسارة, قال صاحب الشرح الكبير : والخلط هو الصواب إن خاف بتقديم أحدهما رخصاً, فيجب إن كان المالان لغيره أو كان أحدهما له, ويلزم من تقديم ماله رخص مال القراض, لوجوب تنميته عليه, فإن خاف بتقديم مال القراض رُخص ماله لم يجب, إذ لا يجب عليه تنمية ماله, ومثل الرخص في البيع, الغلاء في الشراء, وقيل لا يجب بل يندب, وعلى القول بالوجوب يضمن الخسر إذا لم يخلط, وعلى الندب لا يضمن (5)·

وبعد هذا العرض لأقوال الفقهاء ووجهة نظر كل منهم, نرى أن جمهورهم يقول بجواز الخلط إذا أذن رب المال بذلك صراحة, وهو الراجح، لأن رب المال إذا وافق على الخلط أصبح شريكاً لمن خلط ماله بماله, فيجبر ربح أحدهما خسارة الآخر, ويقسم الربح الصافي حسب رؤوس أموالهم, دون تفريق بين صفقة رابحة مُولت من هذا المال وصفقة خاسرة مُولت من مال اخر ·

وهذا هو الذي تقوم به البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية, حيث تأخذ من رب المال موافقة وتوقيعاً صريحاً على جواز خلط ماله بمال غيره، ممن سبق أو لحق به, ثم تقسم الأرباح حسب رؤوس الأموال والمدة الزمنية التي ساهم فيها رأس المال ·

المسألة الثامنة

أرباح المضاربة

غاية عقد المضاربة حصول الربح, فالعامل يسعى لتحصيله كناتج لجهده وعمله, ورب المال يرتجيه كنماء حلال لرأس ماله ·

والفقهاء -يرحمهم الله- اهتموا بمسألة الربح, وأولها عنايتهم بالبحث والدرس, وهي جديرة بذلك ولهذا قمت بدراستها بشيء من التفصيل، فجعلتها في خمسة فروع ·

الفرع الأول : تحديد نسبة الربح :

من شروط صحة عقد المضاربة تحديد نسبة كل من العاقدين في الربح، فلو دفع رجل لآخر مالاً ليعمل به مضاربة, ولم يحددا نسبة كل منهما في الربح, ما صح ذلك العقد عند جمهور الفقهاء ·

قال الكاساني الحنفي : وأما الشروط التي ترجع إلى الربح فأنواع، منها إعلام مقدار الربح, لأن المعقود عليه هو الربح, وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد (1)·

ويقول النووي وهو يعدد شروط الربح : الشرط الثالث أن يكون معلوماً فلو قال قارضتك على أن لك في الربح شركاً أو شركة أو نصيباً فسد (2)·

وقال ابن قدامة : ومن شروط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل -من الربح- لأنه يستحقه بالشرط, فلو قال : خذ هذا المال مضاربة, ولك جزء من الربح أو شركة في الربح, أو شيء من الربح أو حظ لم يصح، لأنه مجهول, ولا تصح إلا على قدر معلوم (3)·

وهذا هو قول عامة فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة, وقول الثوري وأبي ثور, ومذهب الظاهرية, قال ابن حزم : لا يجوز القراض إلا بأن يُسميا السهم الذي يتقارضان عليه من الربح كسدس أو ربع أو ثلث أو نصف, لأنه إن لم يكن هكذا, لم يكن قراضاً, ولا عرفا ما يعمل العامل عليه فهو باطل (1)·

وذهب المالكية إلى جواز القراض مع جهالة نسبة كل من العاقدين في الربح (2)، قال الباجي : لو قال رب المال الربح بيننا, ولا يذكر مقداراً, أو يقول : اعمل في هذا المال على أن لك في الربح شركاً أو شراكة, ذلك كله جائز, ثم يُجعل على قراض مثله كما قال ابن القاسم, أو يكون الربح بينهما مناصفة كما قال غيره, ووجه القول الأول أن الشركة لما احتملت النصف وغيره, كانت بمنزلة أن لم يذكرا شيئاً بينهما, وعمل العامل من غير شروط, فله قراض مثله ·

ووجه القول الثاني أن إطلاق لفظ الشركة يقتضي تساوي الشريكين، ولا يعدل عن ذلك إلا ببيان, فيحمل عند الإطلاق على ظاهره (3)·

ويقول المالكية قال الحسن وابن سيرين والأوزاعي (4)، والراجح قول الجمهور, لأن عدم التحديد غرر وجهالة, وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغرر (5)، والجهالة تفضي إلى النزاع ·

أما قول المالكية فليس ببعيد عن هذا, لأنهم جعلوا الجهالة وعدم بيان الربح في العقد, كالمعلوم المحدد بالعرف أو الغالب, ولذا قالوا يرد إلى قراض مثله, أو يكون الربح بينهما مناصفة, وبهذا لم يبق نصيب كل منهما في الربح مجهولاً, وهذا مبني على مبدأ تصحيح العقود أولى من الحكم بفسادها ما أمكن ذلك ·

الفرع الثاني : عدم جواز تحديد نصيب أحد بعدد معين :

فلو حُدِّد للعامل أو لرب المال مائة درهم مثلاً كل شهر أو سنة ما صح ذلك, حتى ولو كان ذلك مضافاً إلى تحديد بالنسبة وهذا موضع إجماع بين الفقهاء, قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض, إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة (1)·

وهذا هو المنصوص عليه في المذاهب الفقهية الأربعة, قال النووي وهو يعدد شروط الربح عن الشافعية : الشرط الرابع أن يكون العلم به من حيث الجزئية, لا من حيث التقدير, فلو قال : لك من الربح, أو لي منه درهم أو مائة, والباقي بيننا نصفين, فسد القراض وكذا لو قال : نصف الربح إلا درهما (2)، وكذلك لو اختص أحدهما بربح سلعة معينة ·

ومن الحنفية يقول الكاساني : أن يكون المشروط لكل واحد منهما -المضارب ورب المال- من الربح جزءاً شائعاً, نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً, فإن شرطا عدداً مقدراً, بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم من الربح أو أقل أو أكثر, والباقي للآخر لا يجوز, والمضاربة فاسدة, وكذلك إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم, أو قالا : إلا مائة درهم, فإنه لا يجوز (3)·

ونقل عن محمد بن الحسن صحة العقد وإلغاء الشرط, كما لو قال رب المال للمضارب لك ثلث الربح وعشرة دراهم في كل شهر ما عملت في المضاربة, صحت المضاربة من الثلث وبطل الشرط (4)·

وفي المدونة : أرأيت إن أخذ المال على أن لرب المال درهماً واحداً من الربح, وما بقي بعد ذلك فهو بينهما, فعمل على ذلك, فربح أو وضع، قال مالك : يكون الربح لرب المال, والنقصان عليه, ويكون للعامل أجرة مثله (1)، ومعنى هذا أنه حكم على عقد القراض بالفساد · كما نقل عن الإمام مالك عدم جواز اختصاص أحد العاقدين بربح جزء معين من رأس المال (2)·

ويعلل ابن قدامة الحنبلي عدم جواز اختصاص أحد الشركاء بدراهم معلومة بأحد أمرين :

الأول : أنه إذا شرط دراهم معلومة, احتمل أن لا يربح غيرها فيحصل على جميع الربح, واحتمل أن لا يربحها, فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً, فيتضرر من شرطت له الدراهم ·

الثاني : لأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة, ربما توانى في طلب الربح, لعدم فائدته فيه, وحصول نفعه لغيره, بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح (3)·

وبهذه النصوص الفقهية لعلمائنا الأقدمين, يتضح ضعف قول القائلين من المعاصرين (4)، بجواز تحديد الربح بالكم, بدعوى أن هذه شروط اجتهادية, لا تستند إلى نصوص شرعية ملزمة, وإنما استنبطها الفقهاء من أحوال المضاربة وأوضاعها التي استقرت عليها في الجاهلية وانتقلت بها إلى الإسلام, أو أنها مستندة إلى قواعد عامة, فهي قابلة للنظر والاجتهاد حسب المصلحة, وما يمليه العصر ·

ويزيد من ضعف هذه الأقوال وردها اعتراف أصحاب هذه الأقوال أن صفة المضاربة منقولة من أفعال الصحابة التي أقرهم الرسول فهي إذاً ثابتة بالسنة التقريرية كما أنها ثابتة بالإجماع عبر القرون الماضية, من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى من بعدهم, قال ابن عبد البر : وأجمعوا أن القراض لا يكون إلا على جزء معلوم من الربح نصفاً كان أو أقل أو أكثر (1)·

وهي كذلك ثابتة على هذا بالقياس على عقد مماثل ثابت بالسنة, وهو عقد المزارعة, إذ كل منهما مشاركة بالمال من جانب, وبالعمل من جانب آخر, فتأخذ حكمها, وفي المزارعة لا يجوز تحديد نصيب العامل أو مالك الأرض بمكان معين, بل على جزء شائع مما تنبت كالنصف والثلث ·

ففي صحيح البخاري عن رافع بن خديج قال : كنا أكثر أهل المدينة حقلاً, وكان أحدنا يكري أرضه فيقول : هذه القطعة لي, وهذه لك، فربما أخرجت هذه, ولم تخرج هذه, فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم (2)·

وفي صحيح مسلم "كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا, فلم يكن للناس كراء إلا هذا, فلذلك زجر عنه (3)·

وذهب بعض المعاصرين (4) إلى جواز اشتراط مبلغ معين لأحد طرفي المضاربة إذا بلغ الربح قدراً معيناً, كيلا يؤدي ذلك الشرط إلى قطع الشركة, الذي علل به الفقهاء فساد المضاربة, كما ذكر ذلك الكاساني بقوله "وإن شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم من الربح أو أقل أو أكثر، والباقي للآخر, لا يجوز والمضاربة فاسدة, لأن المضاربة نوع من الشركة، وهي الشراكة في الربح, وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح, لجواز ألا يربح المضارب إلا هذا القدر, فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر, فلا تتحقق الشركة, فلا يكون التصرف مضاربة (1)·

ولا شك أن مذهب الجمهور هو الراجح بل هو المجمع عليه, أما أقوال المعاصرين فهي خطوة لإباحة الفوائد المصرفية, وإعطائها لباس المضاربة الشرعية ·

الفرع الثالث :

أن يكون الربح بين العامل ورب المال, فلو اتفقا على أن جميع الربح للعامل, أو جميعه لرب المال، ما صح ذلك الاتفاق عند الجمهور، ثم اختلف الفقهاء, هل يُرد ذلك العقد إلى مضاربة مثله فيأخذ كل طرف في العقد ما يستحق ؟ أم يكون ذلك الاتفاق قرينة على أنه ليس بقصد مضاربة ؟

وسبب الخلاف إعمال الألفاظ والمباني, أو ترجيح المقاصد والمعاني والقرائن, فقد فرق الحنابلة بين ما لو كان العقد بلفظ المضاربة, أو كان بلفظ آخر ·

فقال ابن قدامة : وإن قال : خذ هذا المال, فاتجر به, وربحه كله لك، كان قرضاً, لا قراضاً, لأن قوله "خذه فاتجر به" يصلح لهما, وقد قرن به حكم القرض, فانصرف إليه, وإن قال مع ذلك "ولا ضمان عليك" فهذا قرض شرط فيه نفي الضمان, فلا ينتفي بشرطه, كما لو صرح به، فقال : خذ هذا قرضاً ولا ضمان عليك ·

وإن قال : خذه فاتجر به, والربح كله لي, كان إبضاعاً, لأنه قرن به حكم الإبضاع, فانصرف إليه, فإن قال مع ذلك "وعليك ضمانه" لم يضمنه، لأن العقد يقتضي كونه أمانة غير مضمونة، فلا يزول ذلك بشرطه وإن قال: خذه مضاربة, والربح كله لك, أو كله لي, فهو عقد فاسد (2)·

ولم يفرق الحنفية بين ما لو كانت بلفظ المضاربة أو بغيره من الألفاظ، فأخذوا بالمقاصد والقرائن, قال الكاساني : ولو شرط جميع الربح للمضارب فهو قرض عند أصحابنا, لأنها لا تصح مضاربة فتصح قرضاً، حيث أتى بمعنى القرض, والعبرة في العقود لمعانيها, وعلى هذا, إذا شرط جميع الربح لرب المال, فهو إبضاع عندنا, لوجود معنى الإبضاع(1)·

والقولان السابقان منقولان عن الشافعية, قال النووي : الشرط الثاني للربح, أن يكون مشتركاً بينهما, فلو قال قارضتك على أن يكون جميع الربح لك فوجهان أصحهما أنه قراض فاسد رعاية للفظ, والثاني أنه قراض صحيح رعاية للمعنى ولو قال : قارضتك على أن الربح كله لي، فهل هي قراض فاسد, أم إبضاع, فيه وجهان (2)·

ويجوز عند المالكية أن يتفق رب المال والعامل على أن جميع الربح لأحدهما, كأن يقول رب المال للعامل : اعمل بهذا المال, والربح الحاصل كله لك, وحينئذ يخرج عن كونه قراضاً, ويصبح قرضاً, وضمانه على العامل, لأنه انتقل من الأمانة إلى الذمة, ما لم يشترط العامل على رب المال عدم ضمانه, أو يكون العقد بلفظ القراض, فيكون الضمان في هاتين الصورتين على رب المال, فإن اجتمع أن يكون العقد بلفظ القراض واشترط رب المال على العامل الضمان, فسد العقد, كأن يقول رب المال للعامل : خذ هذا المال واعمل به قراضاً, ولك جميع ربحه, على أن تكون ضامناً لرأس المال إن هلك أو خسرته فسد ذلك القراض, وحينئذ هل يكون الربح للعامل كما شرطاه أو يرد إلى قراض مثله (3)·

والراجح -والله أعلم- صحة ما يشترط العاقدان من جعل الربح لأحدهما, لأنه صريح اتفاقهما, ويخرج بذلك عن كونه مضاربة, إذ لا يتفق ما اشترطاه وحقيقة المضاربة ويلحق حينئذ بأقرب عقد مشروع من قرض أو إبضاع, سواء كان بلفظ المضاربة أو غيره ·

الفرع الرابع : هل يجوز إشراك ثالث في الربح :

من المعلوم أن الربح حق ثابت للعامل ورب المال, دائر بينهما, يستحقه العامل بعمله, ويستحقه رب المال لكونه نماء ماله, لكن هل يجوز لهما أن يُشركا معهما شخصاً ثالثاً بجزء من ذلك الربح ؟

كأن يتفق العامل ورب المال على قسمة الربح أثلاثاً مثلاً, ثلث للعامل، وثلث لرب المال, وثلث لشخص ثالث ؟

بحث الفقهاء هذه المسألة, وفصلّوا فيها وفرعوا, وبينوا الحكم لها، فاتفقوا واختلفوا, وجعلوا لها أربع صور ·

فقالوا : إما أن يكون ذلك الجزء المشروط مقابل عمل, أو دون مقابل، وإما أن يكون لأجنبي عنهما, أو لقريب لأحدهما وكأن المقدار المشروط لمشترطه, وبذلك تكون الصور كما يلي :

1- الجزء المشروط لأجنبي ومقابل عمله :

وهذا جائز وصحيح, وكأن رب المال دفع ماله مضاربة مع رجلين، وبهذا قال الشافعية(1) والحنابلة(2) والحنفية(3) والمالكية(4), إلا أن المالكية اشترطوا تساوي حظ العامل والأجنبي, لأنهما كالشريكين بأبدانهما, فلا يجوز تفاضلهما (5)·

2- الجزء المشروط لأجنبي ودون مقابل :

وهذا محل خلاف, ذهب الشافعية إلى بطلان عقد المضاربة لأن الربح من اختصاصهما, فيمتنع شرط بعضه لثالث, ما لم يكن اشتراطه مقابل عمل (1)، وبهذا قال الحنابلة (2)، لأنه شرط فاسد متعلق بالربح فيفسد به العقد وذهب الحنفية إلى صحة العقد وإلغاء الشرط, ويكون الجزء المشروط لرب المال, لأنه تبع لأصله وهو رأس المال, وليس للعامل إلا ما شرط لنفسه مقابل عمله (3)·

أما المالكية (4) فذهبوا إلى صحة العقد والشرط, لأنه شكل من أشكال التبرع والربح حق دائر بينهما فلهما الاتفاق على توجيهه وصرفه حسب إرادتهما, ولعل هذا القول أرجحها لصحة تعليله, وهو قول يفيد في العصر الحاضر, فيما يتفق عليه الشركاء من احتجاز نسبة من الأرباح للاحتياط وجبر ما يطرأ من خسارة في المستقبل, وهذه النسبة يستحقها ويستفيد منها من بقي مستمراً في المضاربة دون المنسحبين, كما يستفيد منها المشارك الجديد في حالة جبر الخسارة منها, أو توزيعها على المشتركين ·

3- إذا كان المشروط يعود إلى مشترطه ودون عمل أو مقابل :

كما لو اشترط رب المال جزءاً من الربح لعبده دون أن يشترط عمله مع العامل وهذه الصورة لم يخالف أحد من أهل العلم في صحتها وجوازها، وكأن رب المال اشترط لنفسه حصته وحصة عبده ·

4- إذا كان المشروط يعود إلى مشترطه ولكن مقابل عمل ذلك الأجنبي:

كما لو اشترط رب المال أن يعمل عبده مع العامل واشترط له جزءاً من الربح فقد أجاز ذلك جمهور الفقهاء (5)، ومنعه الشافعية, فقالوا بفساد المضاربة لاشتراط عمل العبد مع العامل، وليس لاشتراط جزء من الربح له·

وعلى الرغم من عدم وجود عبيد أرقاء في العصر الحاضر, فإن بحث هذه المسألة قد يفيد في القياس عليها كمسألة اشتراط عمل المعدات والآلات وإعطائها حصة شائعة من الربح, كالجزء المشترط للعبد, كما لو دفع رب المال إلى العامل مالاً ليتجر به, ودفع إليه سيارة ليعمل عليها, واشترط عليه ثلثاً لرب المال وثلثاً للعامل وثلثاً للسيارة ·

الفرع الخامس: تقسيم الأرباح قبل إنهاء المضاربة وتسليم رأس المال لربه:

دأبت كثير من شركات المضاربة المعاصرة على توزيع أرباح شهرية أو سنوية, بل بعضها أسبوعية, مع استمرار عقد المضاربة, وبقاء رأس المال في يد المضارب, فما حكم ذلك ؟

ذهب جماهير الفقهاء إلى عدم جواز توزيع الأرباح إلا بعد تسليم رأس المال لصاحبه, حيث لا يجزم بالربح إلا بعد سلامة رأس المال, وسلامة رأس المال برده وتسليمه لمالكه وبهذا قال عامة فقهاء المذاهب الأربعة ·

قال البهوتي الحنبلي : وليس للمضارب ربح حتى يُستوفى رأس المال، قال في المبدع "بغير خلاف نعلمه", يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال لربه (1)·

وقال الونشريسي المالكي : ولا يصح أن يأخذ العامل من الربح قبل قبض رب المال رأس ماله, ولو أذن له في ذلك رب المال, ويرد ما قبض ولا يفسد القراض (2)·

وهذا ما نص عليه مالك في الموطأ "في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً، فعمل فيه, فجاءه, فقال له : هذه حصتك من الربح, وقد أخذت لنفسي مثله, ورأس مالك وافر عندي", قال مالك : لا أحب ذلك, حتى يُحضر المال كله, فيحاسبه, حتى يحصل رأس المال ويعلم أنه وافر، ويصل إليه, ثم يقتسمان الربح بينهما, ثم يرد عليه المال إن شاء, أو يحبسه, وإنما يجب حضور المال مخافة أن يكون العامل قد نقص فيه، فهو يحب أن لا ينزع منه, وأن يقره في يده" قال الباجي في شرحه للموطأ : وهذا على ما قال أنه لا يجوز أن يقاسم الربح إلا بعد رد رأس المال وقبض صاحبه له, لأننا قد بينّا أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بعد القسمة, والربح تبع في القسمة لرأس المال, لا تصح قسمته إلا بعد ذلك, لأن مقتضى القراض أن يُجبر رأس المال بالربح, ولو عقدا القراض على خلاف ذلك لم يصح, وهذا الحكم ثابت فيه, حتى يُرد إلى صاحبه, ويصير بيديه (1)·

وكذلك يقول الكاساني الحنفي : وإنما يظهر الربح بالقسمة, وشرط جواز القسمة قبض رأس المال,فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال(2)·

ويمثل السرخسي لذلك بقوله : إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف, فربح ألفاً, فاقتسما الربح, وأخذ كل واحد منهما خمسمائة لنفسه, وبقي رأس مال المضاربة في يد المضارب على حاله حتى هلك، أو عمل بها فوضع فيها, فإن قسمتهما باطلة, والخمسمائة التي أخذها رب المال تُحتسب من رأس ماله, ويغرم له المضارب الخمسمائة التي أخذها لنفسه, فيكون له من رأس ماله, وما هلك فهو من الربح (3)·

ويرى الشافعية عدم إجبار أحد طرفي عقد المضاربة قسمة الربح إذا طلب ذلك الطرف الآخر قبل انتهاء المضاربة, يقول الشيرازي : وإن طلب أحد المتقارضين قسمة الربح قبل المفاصلة, فامتنع الآخر, لم يجز إجباره، لأنه يقول الربح وقاية لرأس المال فلا أعطيك حتى تُسلم لي رأس المال، وإن كان الذي امتنع هو العامل لم يجز إجباره, لأنه يقول لا نأمن أن نخسر فنحتاج أن نرد ما أخذه (1)·

ومن هذه النصوص الفقهية يظهر أن الأصل عدم جواز توزيع الأرباح الناتجة إلا بعد إنهاء المضاربة واستلام رب المال رأسماله ·

لكن إن تم التراضي على قسمة الربح الحاصل أو بعض الربح, فما يأخذه العامل لا يملكه ملكاً مستقراً, بل يبقى معلقاً حتى تنتهي المضاربة ويستلم رب المال رأسماله, فإن حصل خسران رجع رب المال على العامل فيما أخذ, وهذا ما ذكره المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة, قال ابن المنذر : إذا اقتسما الربح ولم يقبض رب المال رأس ماله, فأكثر أهل العلم يقولون "يرد العامل الربح حتى يستوفي رب المال ماله" ·

قال صاحب الدر المختار : وإن قسم الربح وبقيت المضاربة ثم هلك المال أو بعضه ترادا الربح (2)·

قال النووي : ولو اقتسما الربح بالتراضي قبل فسخ العقد لم يحصل الاستقرار, بل لو حصل خسران بعده, كان على العامل جبره بما أخذ (3)·

قال ابن قدامة : وإن تراضيا على ذلك -أي قسمة الربح- جاز, لأن الحق لهما, وسواء اتفقا على قسمة جميعه أو بعضه, أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئاً معلوماً ينفقه, ثم متى ظهر في المال خسران أو تلف كله، لزم العامل رد أقل الأمرين, ما أخذه, أو نصف خسران المال, إذا اقتسما الربح نصفين (4)·

والمراد أن يرد جميع ما أخذه إن كانت الخسارة أكثر مما أخذه, لأن العامل غير ضامن لرأس المال, وإن كانت الخسارة أقل مما أخذ, فيرد نصف الخسارة, وما بقي فهو له كحصة من الربح, أما ما يأخذه رب المال فهو من رأس ماله, فلو أعطى رجل ألف درهم لعامل على نصف الربح, فربح العامل ألفين, فأخذ رب المال ألفاً والعامل ألفاً, واستمر العمل بالألف الثالثة حتى هلكت, كان ما أخذه رب المال هو رأس المال، وما أخذه العامل هو جميع الربح, ولذا يغرم العامل لرب المال نصف ما أخذه وهو خمسمائة درهم ·

وكذلك لو عمل بالألف الثالثة فربح مالاً عظيماً, كان ما أخذه رب المال هو رأس ماله, ثم يأخذ رب المال ألفاً من الربح مقابل ما أخذه العامل, ثم يقتسمان ما تبقى من الربح, وبهذا قال الحنفية (1)·

ويرى بعض الفقهاء أن ما أخذه رب المال من العامل يُعد فسخاً للمضاربة في القسط المأخوذ, وتبقى المضاربة سارية في القسط المتبقي من رأس المال, ومثال ذلك لو أعطى رجل مائة درهم لعامل على نصف الربح, فربح العامل عشرين درهماً, فأخذها رب المال, فيعد ذلك رجوعاً من رب المال بسدس المال وربحه, فيبقى له ثلاثة وثمانون درهماً وثلث الدرهم من رأس المال, ويكون ما أخذه هو ستة عشر درهماً وثلثا الدرهم من رأس المال, وثلاثة دراهم وثلث الدرهم ربحها, وبهذا قال الشافعية(2) والحنابلة (3)·

وفي هذه الحالة يثبت للعامل حصته من الربح لذلك المقدار المسحوب من قبل رب المال, وهو درهم وثلثا الدرهم, أي نصف الربح المقبوض (ثلاثة دراهم وثلث) وسواء قبض العامل تلك الحصة أم لا ·

وذهب ابن حزم إلى صحة قسمة الأرباح, مع استمرار عقد المضاربة، وبقاء رأس المال بيد العامل, وينتج من ذلك القسم تملك كل واحد منهما لحصته, ملكاً مستقراً, لا عودة فيه وإن اختلف الحال, فحصل خسران لبعض رأس المال أو كله ·

قال ابن حزم في المحلى : وكل ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه, فإن لم يفعلا, وتركا الأمر بحسبه, ثم خسر في المال فلا ربح للعامل, وأما إذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له, فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا, وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح، فإذا اقتسماه فهو على عقدهما المتفق على جوازه, فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما, وذلك مباح (1)·

ونقل عن الحنابلة (2) جواز قسمة الأرباح بعد المحاسبة إذا أصبح جميع رأس المال نقوداً, ويستقر بذلك ملك العامل لما أخذ ولا يجبر منه خسران وقع بعد ذلك ·

والراجح -والله أعلم- عدم توزيع الأرباح إلا عند انتهاء عقد المضاربة، فإن وقع وتم توزيع أرباح قبل إنهاء المضاربة, فهو توزيع مبدئي, لا يترتب عليه استقرار ملك العامل لما أخذ من أرباح, حتى ينسحب رب المال من المضاربة بأخذ رأسماله وربحه ·

لكن للعامل أن يأخذ من مال المضاربة ما يحتاج إليه من النفقة بإذن رب المال, ويحتسب عليه في نهاية المضاربة جميع ما أخذه, فإن كان ربح حسم من ربحه, وإلا فهو دين في ذمته, يلزمه قضاؤه, لأن هذا عقد مضاربة, لا عقد إجارة, حتى يستحق المضارب كل فترة من الزمن شهرياً أو سنوياً حصة من الربح, وقد ذهب بعض المعاصرين إلى جواز توزيع الأرباح,مع استمرار عقد المشاركة, وبالطبع حكموا بتملك كل طرف لما قبض, وذكروا لذلك حججاً ليست بقوية, كقول د· عبد العزيز الخياط "فقد جرت العادة أن توزع الأرباح سنوياً, بإعداد ميزانية سنوية للشركة، وذلك لأن الغرض من الشركة الربح, والشريك يأمل أن ينال أرباحه دورياً، ليجني ثمار اشتراكه في الشركة, وإذا انتظر إلى حين إغلاق حساباتها أو تصفية موجوداتها, فربما لم يأخذ من أرباحه شيئاً مدة طويلة من الزمن, لأن الغالب أن تستمر الشركات أمداً طويلاً" (1)، وكقول الدكتور محمد شبير "فتقدر نسبة الأرباح في كل سنة إلى رأس المال، وتوزع على أصحاب الأموال بحسب كل مال وفترة استثماره, عملاً بقاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع)" (2)·

فقول د· الخياط "والشريك يأمل أن ينال أرباحه دورياً" غير كاف في تبرير توزيع الأرباح قبل عودة رأس المال, لأن الأمل لا يقدم ولا يؤخر في الحكم جوازاً أو منعاً وصحة أو فساداً ·

إلا أن قول د· الخياط قد يكون مقبولاً في الشركات بشكل عام، كالعنان والمفاوضة أو الشركات المساهمة, لأن ما يوزع يتم باتفاق أرباب الأموال أنفسهم, وبصفتهم ملاكاً لرأس المال, وهذا لا يستقيم مع المضاربة, لأن الربح الموزع على طرفين, أحدهما يستحقه بنماء ماله، والآخر يستحقه بالعمل, أما قول د· شبير "إذا ضاق الأمر اتسع" فما أظن أن هناك ضرورة أو حاجة توصل إلى الضيق المانح للتوسع·

 

والحمد لله رب العالمين 

 

 

الهوامش:

 

(1) المضاربة عقد بين طرقين يدفع أحدهما مالاً ليتجر به الطرف الثاني على أن يكون الربح بينهما حسب الاتفاق, والخسارة على رب المال, مأخوذ من الضرب في الأرض, ويسمى بالقراض ·

(2) الهداية للمرغيناني ج3 ص202 ·

(3) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص97 ·

 

(1) منح الجليل على مختصر العلامة خليل للشيخ محمد عليش ج3 ص366-466 ·

(2) روضة الطالبين للنووي ج5 ص021 ·

(3) المبسوط للسرخسي ج22 ص83 ·

(4) المغني لابن قدامة ج5 ص62 ·

(5) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص78 ·

(1) المضاربة للماوردي, تحقيق د· عبد الوهاب حواس ص751 ·

(2) المدونة ج5 ص98 ·

(1) المنتقي للباجي ج5 ص561 ·

(2) المغني لابن قدامة ج5 ص9-21 ·

(3) كشاف القناع للبهوتي ج3 ص525 ·

(1) المبسوط للسرخسي ج22 ص45 ·

(2) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص88 ·

(3) حاشية ابن عابدين ج8 ص092 ·

(1) الفتاوى الهندية ج4 ص392 ·

(2) تعليق د· عبد الوهاب حواس على كتاب المضاربة للماوردي ص851 ·

(3) منح الجليل ج3 ص376 ·

(4) منح الجليل ج3 ص276 ·

(1) يسمي أهل الحجاز الدراهم والدنانير بالنض أو الناض, إذا تحول عيناً بعد أن كان متاعاً, انظر مختار الصحاح للرازي ص566 ·

(2) نهاية المحتاج للرملي ج5 ص322-422 ·

(3) نهاية المحتاج للرملي ج5 ص632-732 ·

 

(1) البيان والتحصيل ج21 ص063 ·

 

 

(1) روضة الطالبين ج5 ص141 ·

(2) المغني لابن قدامة ج5 ص46 ·

(3) المحلى لابن حزم ج8 ص942 ·

(1) روضة الطالبين ج5 ص121 ·

(2) المنتقى شرح الموطأ للباجي ج5 ص261 ·

(3) الإنصاف للمرداوي ج5 ص034 ·

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص96 ·

(2) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص99 ·

(1) المهذب ج1 ص393 ·

 

(1) المتقى شرح الموطأ للباجي ج5 ص461 ·

(1) حاشية الدسوقي ج3 ص025 ·

(2) المعيار المعرب للونشريسي ج8 ص612 ·

(3) بدائع الصنائع ج6 ص68 ·

(1) المغني ج5 ص86 ·

(1) تطوير الأعمال المصرفية, د· سامي حمود ص993-604 · ويقصد بعامل المضاربة المشتركة البنك الإسلامي والمضاربة المشتركة مصطلح حديث للمضاربات التي تجريها البنوك الإسلامية لتمييزها عن المضاربة الفردية أو الخاصة (المضاربة الشرعية المعروفة عند الفقهاء) ·

(2) المضاربة الشرعية وتطبيقاتها الحديثة, مطبوعات البنك الإسلامي للتنمية ص53 ·

(1) البنك اللاربوي في الإسلام لمحمد باقر الصدر, ص23 ·

(2) الودائع المصرفية د· حسن عبد الله الأمين ص323 ·

(3) البيان والتحصيل لابن رشد ج21 ص453 ·

(1) انظر ص 64 من هذا البحث ·

(1) المدونة ج5 ص021 ثم ذكر أمثلة كثيرة تؤكد هذا الحكم ·

(2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ج3 ص425 ·

(1) روضة الطالبين ج5 ص821 ·

(2) المهذب للشيرازي ج1 ص493 ·

(3) المغني ج5 ص74 ·

(4) الإنصاف للمرداوي ج5 ص914 ·

(5) المغني لابن قدامة ج5 ص45 ·

(6) الفتاوى الهندية ج4 ص503 ·

(7) حاشية ابن عابدين ج8 ص192 ·

(1) المبسوط ج22 ص871 ·

(2) حاشية الدسوقي ج3 ص025 ·

(3) حاشية الدسوقي ج3 ص425 ·

(4) الفروع لابن مفلح ج4 ص383 · الإنصاف للمرداوي ج5 ص914 ·

 

(1) قلت اتفاق الفقهاء, ولم أقل إجماعهم, لوجود أقوال مخالفة وإن كانت قليلة وشاذة, انظر المغني لابن قدامة ج5 ص84 ·

(2) المغني ج5 ص94 ·

(3) المبسوط ج22 ص89 ·

(4) بدائع الصنائع ج6 ص69 ·

(5) الذخيرة للقرافي ج6 ص96 ·

(1) حاشية الدسوقي ج3 ص625-725 ·

(2) الذخيرة للقرافي ج6 ص07 ·

(1) المبسوط للسرخسي ج22 ص89-99 ·

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص84-94 ·

(1) المضاربة للماوردي, تحقيق د· عبد الوهاب الحواس ص722 ·

(1) المضاربة للماوردي ص122 ·

(2) بدائع الصنائع ج6 ص79 ·

(3) المضاربة للماوردي ص122, تحقيق د· عبد الوهاب الحواس ·

(4) المغني لابن قدامة ج5 ص05 ·

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص05 ·

(2) البيان والتحصيل ج21 ص133 ·

(1) المضاربة للماوردي, تحقيق د· عبد الوهاب حواس ص922-032 ·

(2) تكملة حاشية ابن عابدين ج8 ص203 ·

(3) الاختيار ج3 ص22 ·

(1) المعاملات المصرفية المعاصرة ورأي الإسلام فيها لمحمد العربي ص63 ·

(2) البنك اللاربوي في الإسلام لمحمد باقر الصدر ص14 ·

(3) تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية د· سامي حمود ص393 ·

(1) حاشية الدسوقي ج3 ص925 ·

(2) الذخيرة للقرافي ج6 ص72 ·

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص15 ·

(2) نهاية المحتاج للرملي ج5 ص032 وروضة الطالبين للنووي ج5 ص521 ·

(3) المغني لابن قدامة ج5 ص25 ·

(4) الذخيرة للقرافي ج6 ص72 ·

 

 

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص05 ·

(2) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص69 ·

(3) فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي, بهامش المجموع ج21 ص69 وروضة الطالبين للنووي ج5 ص841 ·

(1) المضاربة من كتاب الحاوي للماوردي بتحقيق د· الحواس ·

(2) المغني لابن قدامة ج5 ص05 ·

(3) بدائع الصنائع للكاساني ج6 ص59 ·

(4) الفتاوى الهندية ج4 ص392 ·

(5) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج3 ص325 ومواهب الجليل ج5 ص793 ·

 

 

(1) بدائع الصنائع ج6 ص58 ·

(2) روضة الطالبين للنووي ج5 ص321 ·

(3) المغني لابن قدامة ج5 ص33-43 ·

(1) المحلى لابن حزم ج8 ص742 ·

(2) المدونة ج5 ص09 ·

(3) المنتقى للباجي ج5 ص251 ·

(4) المغني لابن قدامة ج5 ص33 ·

(5) حديث النهي عن بيع الغرر في صحيح مسلم كتاب البوع, انظر شرح النووي لصحيح مسلم ج01 ص751, ط دار الفكر, بيروت 1041هـ ·

(1) المغني لابن قدامة ج5 ص83 ·

(2) روضة الطالبين ج5 ص321 ·

(3) بدائع الصنائع ج6 ص58 ·

(1) بدائع الصنائع ج6 ص68 ·

(1) المدونة ج5 ص901 ·

(2) المدونة ج5 ص09 ·

(3) المغني ج5 ص83 ·

(4) منهم الشيخ علي الخفيف في بحث قدمه للمؤتمر السابع لمجمع البحوث بالأزهر عن حكم شهادات الاستثمار, ومنهم الشيخ ياسين سويلم طه في بحثه عن شهادات الاستثمار المقدم للمؤتمر السابع بمجمع البحوث أيضاً ·

(1) الاستذكار لابن عبد البر نقلاً من كتاب المضاربة الشرعية د· حسن الأمين ص04 ·

(2) صحيح البخاري كتاب الحرث والمزارعة باب ما يكره من الشروط في المزارعة ·

(3) صحيح مسلم كتاب البيوع باب كراء الأرض, والماذيانات : ما ينبت على حواف النهر ومسيل الماء ·

(4) وهذا قول الشيخ علي الخفيف في كتابه الشركات ص58 · وقول د· صديق الضرير في مجلة البنوك الإسلامية عدد 91 لعام 1041هـ - 1891م ·

(1) بدائع الصنائع ج6 ص68 ·

(2) المغني لابن قدامة ج5 ص53 ·

(1) بدائع الصنائع ج6 ص68, والبضاعة طائفة من مالك تبعثها للتجارة, مختار الصحاح ص55 ·

(2) روضة الطالبين ج5 ص221 ·

(3) شرح منح الجليل للشيخ محمد عليش ج3 ص676, وحاشية الدسوقي ج3 ص325 ·

(1) روضة الطالبين ج5 ص221 ·

(2) المغني ج5 ص63 ·

(3) شرح العناية على الهداية ج7 ص37 ·

(4) المنتقى للباجي ج5 ص451 ·

(5) كتاب المضاربة للماوردي, تحقيق د· عبد الوهاب حواس ص341 ·

(1) نهاية المحتاج ج5 ص522 ·

(2) كشاف القناع للبهوتي ج5 ص115 ·

(3) حاشية ابن عابدين ج8 ص403 ·

(4) الشرح الصغير ج3 ص296 ·

(5) المنتقى ج5 ص451 ·

(1) كشاف القناع للبهوتي ج3 ص715 ·

(2) المعيار المعرب ج5 ص102 ·

(1) المنتقى للباجي ج5 ص871 ·

(2) بدائع الصنائع ج6 ص701 ·

(3) المبسوط للسرخسي ج22 ص501 ·

(1) المهذب ج1 ص493 ·

(2) تكملة حاشية ابن عابدين ج8 ص113 ·

(3) روضة الطالبين ج5 ص731 ·

(4) المغني ج5 ص46 ·

(1) المبسوط للسرخسي ج22 ص501-601 ·

(2) روضة الطالبين ج5 ص441 ·

(3) المغني لابن قدامة ج5 ص85 ·

(1) المحلى لابن حزم ج8 ص842 ·

(2) حاشية النجدي على الروض المربع ج5 ص264 ·

(1) كتاب الشركات للدكتور عبد العزيز الخياط ج1 ص651 ·

(2) المعاملات المالية المعاصرة للكتور محمد شبير ص703 ·

 1 منشورات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد الثاني والخمسون