| الصفحة الرئيسية | مال ومعامـلات | فقه بيع التورق | التورق للدكتور عز الدين خوجة |
|
التورق صار التمويل مخدوما بدل أن يكون خادما ومتبوعا بدل أن يكون تابعا عز الدين خوجة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،، لقد كلفت من إدارة ندوة البركة أن أقدم ملخصا لمختلف الأبحاث التي تناولت موضوع التورق، هذا الموضوع الذي يتميز بكونه من أخطر الموضوعات التي سيطرت على الساحة المالية الإسلامية في الأشهر الأخيرة، حيث بادرت بعض المؤسسات المالية الإسلامية بطرح منتج مالي قائم على أساس صيغة التورق انطلاقا من فتوى بالجواز صادرة عن هيئتها الشرعية، ويهدف هذا المنتج القائم على بيع التورق إلى تمكين عملاء البنوك من الحصول على السيولة النقدية بحيث يتسلمون مبلغا نقديا حالا مقابل التزامهم بدفع مبلغا نقديا أكبر في الأجل وذلك من خلال إبرام عقد شراء سلعة بثمن مؤجل وبيعها لطرف ثالث غير البائع بأقل من الثمن الأول. ثم بدأت المؤسسات المالية الأخرى تجتذب لهذا النوع من التعامل حيث يعتزم عدد آخر من المؤسسات المالية الإسلامية طرح منتجات مالية مماثلة تقوم على نفس أساس التورق. وفي ضوء ما برز من آراء وحجج داعمة للتورق كصيغة من صيغ المعاملات المصرفية المعاصرة، وبروز من ناحية ثانية اعتراضات عديدة من العلماء والباحثين يرون مخالفة هذه الصيغة للمقاصد الشرعية والمبادئ الكلية بالرغم من ظهور جوازها من بعض الأدلة الجزئية، لذلك فإنني أقدر لندوة البركة اختيارها الموفق لإدراج مسألة التورق ضمن موضوعات الندوة حتى يتم مناقشتها ودراستها بعمق من السادة العلماء الأفاضل والخروج برأي جماعي حولها. لا بد في البداية من التفريق بين نوعين من التورق: ويمكن أن نسمي هذا النوع من التورق (بالتورق الفقهي) نسبة إلى كتب الفقه القديمة أو (بالتورق الفردي) نسبة إلى أن الذين يمارسونه هم الأفراد. وفي هذا النوع يقوم المصرف: وقد أشار الدكتور موسى آدم عيسى في بحثه إلى أن الدافع الرئيسي والغرض من التنظيم المصرفي للتورق يكمن في: مما لا شك فيه أن التورق كان معروفا منذ العصور الأولى للإسلام، فقد جاء ذكره في كتب الفقه الإسلامي وأشارت الموسوعة الفقهية أن تسمية التورق بهذا المصطلح لم ترد إلا عند فقهاء الحنابلة. وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم التورق، فذهب جمهور العلماء إلى إباحته سواء من سماه تورقا أو من لم يسمه بهذا الاسم، ولكن ذهب بعض أهل العلم من ناحية أخرى إلى القول بكراهته كما ورد عن عمر بن العزيز ومحمد بن الحسن الشيباني، وقال ابن الهمام: هو خلاف الأولى، واختار تحريمه ابن تيمية وابن القيم. وقد صدر بجواز التورق قرار من مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة في رجب 1419 هـ. أما التورق المصرفي المنظم الذي هو موضوع الندوة، فقد اختلفت فيه أيضا آراء الفقهاء والعلماء المعاصرين: مناقشة الأدلة المعتمدة لدى كل فريق: من خلال متابعة الأدلة المقدمة في الأبحاث، يمكن أن نرجع أصل الاختلاف بشأن الحكم على مشروعية التورق المصرفي بشكل أساسي إلى الاختلاف في تطبيق أصل مهم من أصول الشريعة وهو سد الذرائع. وهذا الأصل متفق عليه في الجملة بين الفقهاء وإن وقع الخلاف في جزئياته، والذرائع كما هو معلوم هي الوسائل التي يتبعها المكلف وتكون طريقا سواء لمحرم أو محلل، فإن استعملت تلك الوسائل طريقا لمحرم فهي تكون محرمة ويجب سدها، وإن استعملت طريقا للحلال فهي جائزة ومطلوب فتحها وإتباعها. إن كل فعل يفعله الإنسان من تصرفات وعقود يتضمن أساسا ناحية الباعث الدافع إلى الفعل، وناحية المآل الذي يؤدي إليه الفعل. ومن هنا يتبين أن الحكم على التصرفات ومنها بيع التورق يختلف بحسب النظر لهذين الناحيتين. ولذلك من المهم حتى نتمكن من عرض أوجه الاستدلال المختلفة لدى المجيزين والمانعين للتورق، أن ننظر إلى هذه المسألة المتعلقة بالوسائل والذرائع من ثلاثة جوانب: الجانب الأول: النظر إلى الباعث ونية المتعاقد يستدل المجيزون للتورق المصرفي بأن الأصل في العقود هو تحقيق صورته الشرعية وأن الاحتمالات الواردة لنية العاقد لا أثر لها. واستدل هؤلاء بالحديث الوارد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ, فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ, فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لا والله يا رسول الله إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثة، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الشيء قد يكون حراما لعدم تحقق صورته الشرعية كما ورد في هذا الحديث، وأنه يتحول إلى الحلال إذا غيرت صورته المحرمة مع أن المقصد الأساسي واحد. ويشير فضيلة الشيخ عبد الله المنيع في بحثه أن هذا الحديث "يدل على جواز البيوع التي يتوصل بها إلى تحقيق المطالب والغايات إذا كانت بصيغ معتبرة بعيدة عن صيغ الربا ولو كان الغرض منه الحصول على السيولة للحاجة إليها". ويتضح من هذا الرأي أن الذي يُعتد به هو صيغة العقود وصورتها، وليس النيات والمقصود. كما يضيف أصحاب هذا الرأي أن قصد الحصول على النقد ليس موجبا لتحريم التورق أو كراهيته، ويعلل الدكتور موسى آدم عيسى ذلك بقوله أن "مقصود التجار غالبا هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المباعة هي واسطة ذلك". كما يؤكد هذا المعنى فضيلة الشيخ المنيع بقوله أن "الحاجة للسيولة أمر معتبر". أما المانعون للتورق المصرفي فإنهم يعتمدون على قاعدة الأمور بمقاصدها، وأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، كما يعتمدون على حديث إنما الأعمال بالنيات، وبموجب ذلك فإن العمل والتصرف الصحيح لا يقع إلا بالنية، والعامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من حرمة الربا صورة البيع. ويرى هؤلاء المانعين أن غاية المتورق هي الحصول على نقود حالّة في مقابل الالتزام بنقود أكثر منها بعد أجل، وهو غرض غير مشروع بالإضافة إلى كونه قصد مناقض لقصد الشارع من عقود البيع التي شرعت لتلبية حاجة المشتري إلى السلعة للاستهلاك أو للاتجار. ويذكر الدكتور أحمد محيي الدين في بحثه أن "نية البيع والشراء غير موجودة في عملية التورق، فالسلعة محل العقد لا تهم العميل في أي شيء، وهو لا يريد شراؤها ولا بيعها، وإنما يريد من هذا التعاقد مجرد الحصول على مال نقدي الذي لا يتم إلا بمقابل وكلفة زائدة مؤجلة. كما يذكر الدكتور حسين حامد أن "جميع العقود المشروعة إنما شرعت لتحقيق مصالح لعاقديها، فإذا قصد العاقدان بها ما شرعت لأجله كانت صحيحة وإلا كانت باطلة. وقد نقل كل من الدكتور أحمد والدكتور حسين حامد حسان نصوصا من كتاب الموافقات للشاطبي تؤيد هذا المعنى حيث إنه يقرر ما يلي: "كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم يشرع له فعمله باطل". "قَصَد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وألا يقصد خلاف ما قصد الشارع". ويذكر ابن تيمية في فتاواه أن الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم، كما أنه يؤكد بأن العقود التي لم يقصد حقيقتها من ملك الثمن والمثمن وإنما يقصد بها استحلال ما حرمه الله من الربا فإن هذه لا يمكن أن تلحق بالعقود المشروعة. وهو يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم (بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا) بأن ذلك ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة، لأنه "إذَا بَاعَ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ فَقَدْ أَرَادَ بِالْبَيْعِ مِلْكَ الثَّمَنِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ مَقْصُودٌ، ثُمَّ إذَا ابْتَاعَ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا فَقَدْ أَرَادَ بِالِابْتِيَاعِ مِلْكَ سِلْعَةٍ وَهَذَا مَقْصُودٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمَّا كَانَ بَائِعًا قَصَدَ مِلْكَ الثَّمَنِ حَقِيقَةً، وَلَمَّا كَانَ مُبْتَاعًا قَصَدَ مِلْكَ السِّلْعَةِ حَقِيقَةً. وهذا الأمر غير متحقق في التورق الذي يتضح أن القصد منه الحصول على نقد حيث إنه يؤول إلى شراء دراهم بدراهم زائدة وأن السلعة واسطة غير مقصودة لأن المتورق يشتري السلعة عازما من البداية على بيعها بخسارة للحصول على النقد. الجانب الثاني: النظر إلى وجود التواطؤ والتحايل على ارتكاب المحرم إن النية والقصد مقابل اللفظ والصيغة في العقود من المسائل التي اتجه الفقه الإسلامي فيها إلى اتجاهين، وأكثر المذاهب أخذاً بالألفاظ والمباني مذهب الشافعي وقريب منه مذهب أبي حنيفة، في حين يتشدد مذهب ابن حنبل وكذلك الإمام مالك في رعاية النية والقصد دون اللفظ. ولكن ينحصر هذا الخلاف بين المذاهب فيما إذا لم يظهر بالدليل أن المتعاقدين قصدا بذلك التعاقد التوسل إلى الربا، أما إذا ظهر قصدهما ذلك بالدليل فلا خلاف بين الأئمة في أنه ممنوع لأنه لا يعقل أن يقول إمام من هؤلاء بجواز التحايل على ارتكاب المحرم. وقد أوضح الشاطبي في موافقاته هذا الأمر بعد أن حكى مذهب الشافعي في العينة قائلا: "ينبغي أن يقيد ذلك عند الشافعي بما إذا لم يظهر مقصد البائع إلى اتخاذه وسيلة الربا"، وعليه إن ظهر القصد في العقد صراحة أو ضمنا بقرائن، فيعمل بقاعدة العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأنه حتى أولئك الذين يأخذون بالألفاظ والمباني والصيغ دون المقاصد والمعاني، فإنهم يمنعون التعاقد في حالة ظهور التواطؤ والتحايل المكشوف مما يحول التورق وكذلك بيع العينة إلى بيوع محرمة عندهم أيضا. وقد أورد الأستاذ أسامة بحر في بحثه نصوص فقهية كثيرة تؤكد هذا المعنى، واستخلص بعد ذلك جواز التورق بشرط عدم التواطؤ والحيلة. وقد أشار فضيلة الشيخ المنيع لهذا الأمر حين علل جواز التورق بانتفاء التواطؤ والتحايل حيث ذكر أن "التورق بيع صحيح جائز لانتفاء غلبة الظن باتخاذه حيلة للتوصل بها إلى الربا، وذلك لبيع مشتري السلعة على غير من اشتراها منه خلافا للعينة المحرمة لوجود غلبة الظن فيها بالتحيل. كما أشارت فتوى مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي إلى نفس هذا المعنى بنصها على أن "التورق جائز شرعا وبه قال جمهور الفقهاء لأن الأصل في البيوع الإباحة، ولم يظهر في هذا البيع ربا لا قصدا ولا صورة . والسؤال الذي يرد هنا هل التواطؤ والتحايل على الربا منتفيا فعلا في عقود التورق، وإذا كان منتفيا في عقود التورق الفردي، فهل هو كذلك في التورق المصرفي؟ يرى المانعون للتورق المصرفي أن التواطؤ والتحايل على الربا واضح في صيغة التورق المصرفي، فقد جاء في فتوى هيئة شركة الراجحي المصرفية أن "التورق في المصارف الإسلامية حيلة مكشوفة لاستحلال الربا". كما أوضح الدكتور حسين حامد حسان: "إن التورق المصرفي حيلة محرمة لأن المقصود بها تحليل حرام، وهو الحصول على النقد الحال في مقابل دفع أكثر منه مقابل الأجل، واتخذت سلسلة من البيوع والاتفاقيات شاركت فيها مجموعة من المؤسسات بخطة محكمة، وهذه العقود لا هدف ولا غاية للمتورقين فيها، بل إنها الرابطة تجمع عقودا في عقد واحد وإن لم يصرح بذلك لكنه معلوم بالقطع من القرائن والأحوال وطبيعة المعاملة. كما أشار إلى هذا أيضا الدكتور أحمد محيي الدين حيث ذكر أن "هناك تواطؤ واتفاق بين المصرف والشركة التي سوف تعيد الشراء. علما بأن التورق يستوجب ألا يكون هناك تواطؤ"، وأضاف بأنه: "في عملية التورق يوجد فصل كامل في التصرفات التعاقدية ولكن في عملية التورق المصرفي وفي جلسة واحدة وبمجرد التوقيع على الأوراق تتداخل كل التصرفات التعاقدية. وقد توسع ابن القيم في كشف التحايل في عملية التورق مبينا أن التورق ما هو إلا دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، ومشيرا أنه لا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة البتة لا في شرع ولا في عقل ولا في عرف، مؤكدا أن "المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقض". الجانب الثالث: النظر إلى مآلات الأفعال (نتيجة العمل وثمرته) اعتمد المانعون للتورق المصرفي على أصل اعتبار مآلات الأفعال، وهو من الأصول التي التقت عليها كلمة الفقهاء في الجملة. فالأفعال والتصرفات بموجب هذا الأصل تأخذ حكما يتفق مع ما تنتهي إليه في جملتها بقطع النظر عن نية الفاعل وقصده، ويحكم على تلك الأفعال بالصحة أو التحريم بحسب نتيجة وثمرة هذه الأفعال وما تؤول إليه. النتائج التي تؤول إليها عملية التورق المصرفي الخلاصة: لقد حاولت في هذا العرض الموجز تقديم أهم الاستدلالات التي تقدم بها أصحاب الأبحاث مُركزا على العناصر التي تمثل جوهر الخلاف بين الفريقين، وقد حفلت الأبحاث بعناصر وشروحات أخرى لم أذكرها لاعتقادي بأن حل الخلافات الجوهرية والمنهجية سيحسم الموضوع من أساسه. كما أود الإشارة أن المسألة المعروضة على السادة العلماء في هذه الندوة لا تتعلق بمجرد البحث عن مشروعية أو عدم مشروعية التورق، بل هي تتعلق بتحديد منهجية فقهية والاتفاق على أسس وأصول واضحة في الفتوى ستؤثر بالتأكيد ليس فقط على الحكم على التورق وإنما أيضا مشروعية العديد من المنتجات المصرفية الأخرى. ورأيي في هذا الموضوع المُختلف فيه والمتعلق بالحكم على المباح الذي يُتذرع به إلى المفسدة - هو ما ذكره الشيخ وهبة الزحيلي في كتابه أصول الفقه الإسلامي حيث إنه يقرر ضرورة سد الباب أمام المحتالين والمفسدين الذين يعملون على التحلل من قيود الشريعة وأحكامها، فإن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهي إنما تنظر في الحقيقة إلى غايات الأشياء ومآلاتها، فإن كانت هذه الغايات مفاسد وأضرار منعت من أسبابها، وسدت الوسائل والطرق التي يُتذرع بها إليها، ولو كانت هذه الوسائل في نفسها جائزة، وبهذا يكون مذهب المالكية والحنابلة ويقاربهم الحنفية في هذه المسألة أسد وأحكم، والعمل به أوجب وألزم. وأختم هنا بما ذكره الأستاذ محمد أبو زهرة من أن هذا المسلك أنزه في الدين وأقرب إلى مقاصد الشريعة العامة التي جاءت لإصلاح الناس على أسس صالحة من الخير والسداد في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسة. وأود في النهاية أن أنتهز هذه الفرصة لأنبه إلى مسألة منهجية في تعامل البنوك الإسلامية مع تطوير المنتجات المالية. لقد بدأت البنوك الإسلامية بحمد الله تبدي اهتماما متزايدا بتطوير منتجاتها، فقد لاحظنا من خلال مراقبتنا لمسيرة الصناعة المصرفية الإسلامية بروز قائمة لا بأس بها من هذه المنتجات بعضها أخذ طريقه للتطبيق والعدد الأكبر ينتظر الطرح في فترة قريبة قادمة. ويسعى المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في هذا الخصوص لإصدار دليل بالمنتجات المالية الإسلامية للتعريف بها ولإبراز خصائصها وكيفية تطبيقها في مختلف المؤسسات المالية الإسلامية. وفي هذا الإطار لا يخفى أن أي منتج جديد يجب أن يخضع للمراجعة والاعتماد من قبل الهيئات الشرعية للتأكد من مدى مراعاته لضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية، ولكن يجب هنا أن نفرق بين المنتجات الجديدة القائمة على أسس وصيغ وأحكام شرعية محكمة متفق ومجمع عليها، وبين المنتجات المالية القائمة على تخريجات وآراء فقهية مختلف فيها. ففي هذه الحالة الثانية أعتقد أنه على الهيئات الشرعية التريث قبل اعتمادها لهذا النوع من المنتجات الجديدة، حيث يكون من الأفضل أن تطالب هذه الهيئات بعرضها ومناقشتها في محافل علمية أوسع كالندوات وورش العمل المغلقة أو المفتوحة والتي يلتقي فيها نخبة أوسع من العلماء لإبداء الرأي الجماعي حولها، وبهذا فإننا نجنب العمل المصرفي الإسلامي من مخاطر استمرار عمله بآلية معكوسة يبدأ فيها التطبيق قبل التنظير وعمل الفكر الجماعي من أهل الاختصاص. إنه ليس من صالح العمل المصرفي الإسلامي وهو يدخل عقده الرابع أن يشهد هزات خصوصا على الجانب الفكري، لا نريد أن نجيز اليوم ما نرفضه غدا، أو نمنع اليوم ما أجزناه بالأمس. إن هذا يضر بالصناعة المصرفية عموما ويضر بالمصداقية الشرعية على وجه الخصوص. لذلك أغتنم هذه الفرصة لأدعو البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية للتعاون بشكل وثيق مع الهيئات والمؤسسات الداعمة للصناعة المصرفية الإسلامية مثل المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية والمجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة الإسلامية، وذلك عبر آلية تكاملية تجمع الأطراف الثلاثة في مسيرة منضبطة وبمنهج علمي يحقق بإذن الله تعالى مصلحة كل مؤسسة مالية دون أن يعيق أو يؤثر سلبيا على الصناعة ككل. ومن أجل ذلك من المهم أن يقوم المجلس العام بإعداد قائمة من المنتجات المقترحة وتحديد أولويات تطويرها بالتنسيق والتشاور مع مختلف المؤسسات المالية، ثم تكوين لجان دراسية تجمع تشكيلة متنوعة من الخبرات وتنحصر مهمة كل لجنة دراسية في دراسة معمقة وتطوير لمشروع منتج مالي واحد، وتعمل هذه اللجان برعاية المؤسسات المهتمة بالمنتج وبإشراف المجلس العام. وبعد استكمال تطوير أي منتج يعرض للمناقشة والاعتماد من قبل المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة الإسلامية. وبشهادة الاعتماد هذه يكون المنتج متاح للمؤسسة الراعية للتطبيق متمكنا من عناصر القوة والدعم والأسبقية. لا أريد أن أطيل في شرح هذه الآلية، ولكني آمل أن تصدر توصية من الندوة إلى الهيئات الشرعية للتأكيد على أهمية عرض أي قضايا أو مسائل خلافية تستند إليها أي عمليات أو منتجات قائمة أو جديدة لدراستها وإبداء الرأي فيها بشكل جماعي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. إن قاعدة سد الذرائع تقوم مباشرة على المقاصد والمصالح، ذلك أن الشارع ما شرع إحكامه إلا لتحقيق مقاصدها من جلب المصالح ودرء المفاسد. فإذا أصبحت أحكامه تستعمل ذريعة لغير ما شرعت له ويتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الحقيقية فإن الشرع لا يقر إفساد أحكامه وتعطيل مقاصده، ولا يجوز لأهل الشريعة أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا التحريف للأحكام عن مقاصدها بدعوى عدم مخالفة ظواهرها ورسومها. وقد ذكر القرافي في فروقه ثلاثة أقسام من الذرائع، قسم أجمعت الأمة على سده، وقسم أجمعت على عدم سده، وقسم مختلف فيه. سنحاول أن نعرض فيما يلي الأدلة المعتمدة من كل فريق في قوله بجواز التورق المصرفي أو بالمنع، لنفتح المجال أمام السادة العلماء للتعمق في مناقشة هذه الأدلة للوصول بالرأي الجماعي المعتبر بإذنه تعالى: أدلة القائلين بجواز التورق المصرفي: التورق جائز بنص القرآن الكريم لعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع)، فالتورق مشمول بلفظ العموم في كلمة البيع، وكل بيع صحيح ويبقى على أصل الإباحة بنص الآية إلا إذا دلّ دليل معتبر على حرمته، ولا دليل هنا على حرمة التورق. وهذا الدليل جاء ذكره في الأبحاث الثلاثة المجيزة بلفظ عموم ضمنا يرى وثلاثة منهم من المانعين وهم: الدكتور أحمد محيي الدين، والأستاذ سامي سويلم، وتعليق الدكتور حسين حامد حسان على بحوث التورق. الفرق بين التورق الفقهي الجائز والتورق المصرفي أن التورق الفقهي يحقق حاجة السيولة النقدية للمتورق، وهي حاجة جائزة كما ذهب لذلك الأغلبية. ولكن البنك في التورق المصرفي إنما يدخل في تيسير عملية التورق فقط بحاجة تنمية أمواله فهو يريد أن يحقق عوائد على رأسماله وشراؤه للسلعة نقدا لكي يبيعها بالأجل إن البنك في عمليات المرابحة إنما يحقق مقصدا شرعيا مقبولا وهو التيسير على العملاء للحصول على السلع التي لا يستطيعون دفع ثمنها نقدا، فيشتريها ويبيعها لهم بالمرابحة ويحقق أرباحا مشروعة من هذا التداول المفيد للسلع. أما مقصد البنك في عمليات التورق فهو ليس التوسط الاستثماري لمساعدة العملاء في الحصول على السلع وإنما مقصده الأساسي هو توفير السيولة النقدية لهم وتحقيق المكاسب من خلال ذلك، فشتان بين هذا المقصد وذاك. عميل البنك المشتري بالمرابحة من حقه أن يبيع السلعة إذا احتاج للنقد، وهذا هو التورق الفقهي أو الفردي المشروع، أما أن يتدخل البنك ليتاجر بحاجة الناس للسيولة ويحقق عوائد له عبر آليات شكلية وهمية فهذا هو الذي يكون محل نظر. ويشدد المنبهون لخطورة تطبيقها وانتشارها على مستقبل العمل المصرفي الإسلامي، حقوق النشر © 2003 محفوظة للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية www.islamicfi.com/arabic/research/Research_Archivefull.asp?id=58164#1 |